تفسير الآية ٣١ من سورة المدثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٣١ من سورة المدثر

وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَـٰٓئِكَةًۭ ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةًۭ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِيمَـٰنًۭا ۙ وَلَا يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًۭا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ ٣١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٣١ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة المدثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : ( وما جعلنا أصحاب النار ) أي : خزانها ، ( إلا ملائكة ) أي : [ زبانية ] غلاظا شدادا .

وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة ، فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم ؟

فقال الله : ( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) أي : شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون .

وقد قيل : إن أبا الأشدين - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يا معشر قريش ، اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه .

قال السهيلي : وهو الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصارعته ، وقال : إن صرعتني آمنت بك ، فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ، فلم يؤمن .

قال : وقد نسب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب .

قلت : ولا منافاة بين ما ذكراه ، والله أعلم .

( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) أي : إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارا منا للناس ، ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) أي : يعلمون أن هذا الرسول حق ; فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .

( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) أي : إلى إيمانهم .

بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، ( ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض ) أي : من المنافقين ( والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا ) ؟

أي : يقولون : ما الحكمة في ذكر هذا هاهنا ؟

قال الله تعالى : ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) أي : من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام ، ويتزلزل عند آخرين ، وله الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة .

وقوله : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) أي : ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى ، لئلا يتوهم متوهم أنهم تسعة عشر فقط ، كما قد قاله طائفة من أهل الضلالة والجهالة ومن الفلاسفة اليونانيين ، ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية ، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة ، التي اخترعوا دعواها وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها ، فأفهموا صدر هذه الآية وقد كفروا بآخرها ، وهو قوله : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) وقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما .

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة : " فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ، لا يعودون إليه آخر ما عليهم " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود ، حدثنا إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد ، عن مورق ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد ، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل " .

فقال أبو ذر : والله لوددت أني شجرة تعضد .

ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث إسرائيل وقال الترمذي : حسن غريب ، ويروى عن أبي ذر موقوفا .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا خير بن عرفة المصري ، حدثنا عروة بن مروان الرقي ، حدثنا عبيد الله بن عمرو ، عن عبد الكريم بن مالك ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم ، أو ملك ساجد ، أو ملك راكع ، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ، إلا أنا لم نشرك بك شيئا " .

.

وقال محمد بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة " : حدثنا عمرو بن زرارة ، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز ، عن حكيم بن حزام قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه إذ قال لهم : " هل تسمعون ما أسمع؟

" قالوا : ما نسمع من شيء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط ، ما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد " .

وقال أيضا : حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ ، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي ، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي ، سمعت الضحاك بن مزاحم ، يحدث عن مسروق بن الأجدع ، عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم ، وذلك قول الملائكة : ( وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) [ الصافات : 164 - 166 ] .

.

وهذا مرفوع غريب جدا ، ثم رواه عن محمود بن آدم ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود أنه قال : إن من السماوات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائما ، ثم قرأ : ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) .

ثم قال : حدثنا أحمد بن سيار : حدثنا أبو جعفر محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه ، حدثنا المغيرة بن عثمان بن عطية من بني عمرو بن عوف ، حدثني سليمان بن أيوب [ من بني ] سالم بن عوف .

حدثني عطاء بن زيد بن مسعود من بني الحبلي ، حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع ، من بني سالم ، حدثني عبد الرحمن بن العلاء ، من بني ساعدة ، عن أبيه العلاء بن سعد - وقد شهد الفتح وما بعده - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لجلسائه : " هل تسمعون ما أسمع؟

" قالوا : وما تسمع يا رسول الله ؟

قال : " أطت السماء وحق لها أن تئط ، إنه ليس فيها موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد ، وقال الملائكة : ( وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) وهذا إسناد غريب جدا .

ثم قال : حدثنا [ محمد بن يحيى ، حدثنا ] إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفروي ، حدثنا عبد الملك بن قدامة ، عن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر : أن عمر جاء والصلاة قائمة ، ونفر ثلاثة جلوس ، أحدهم أبو جحش الليثي ، فقال : قوموا فصلوا مع رسول الله ، فقام اثنان وأبى أبو جحش أن يقوم ، وقال : لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين ، وأشد مني بطشا فيصرعني ، ثم يدس وجهي في التراب .

قال عمر : فصرعته ودسست وجهه في التراب ، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه ، فخرج عمر مغضبا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما رأيك يا أبا حفص ؟

" ، فذكر له ما كان منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن رضى عمر رحمة ، والله لوددت أنك جئتني برأس الخبيث " ، فقام عمر يوجه نحوه ، فلما أبعد ناداه ، فقال : " اجلس حتى أخبرك بغنى الرب عز وجل عن صلاة أبي جحش ، إن لله في السماء الدنيا ملائكة خشوعا لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة ، فإذا قامت رفعوا رءوسهم ثم قالوا : ربنا ، ما عبدناك حق عبادتك ، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودا لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم ، وقالوا : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك " فقال له عمر : وما يقولون يا رسول الله ؟

فقال : " أما أهل السماء الدنيا فيقولون : سبحان ذي الملك والملكوت ، وأما أهل السماء الثانية فيقولون : سبحان ذي العزة والجبروت ، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون : سبحان الحي الذي لا يموت ، فقلها يا عمر في صلاتك " ، فقال عمر : يا رسول الله ، فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي ؟

فقال : " قل هذا مرة وهذا مرة " .

وكان الذي أمره به أن يقول : " أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك ، جل وجهك " وهذا حديث غريب جدا ، بل منكر نكارة شديدة وإسحاق الفروي روى عنه البخاري ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني .

وقال أبو حاتم الرازي : كان صدوقا إلا أنه ذهب بصره فربما لقن ، وكتبه صحيحة ، وقال مرة : هو مضطرب ، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي : تكلم فيه أيضا .

والعجب من الإمام محمد بن نصر كيف رواه ولم يتكلم عليه ، ولا عرف بحاله ، ولا تعرض لضعف بعض رجاله؟

غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلا بنحوه .

ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلا قريبا منه ، ثم قال محمد بن نصر : حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ ، أخبرنا النضر ، أخبرنا عباد بن منصور قال : سمعت عدي بن أرطاة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال : سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته ، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي ، وإن منهم ملائكة سجودا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وإن منهم ملائكة ركوعا لم يرفعوا رءوسهم منذ خلق الله السماوات والأرض ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، فإذا رفعوا رءوسهم نظروا إلى وجه الله عز وجل ، قالوا : سبحانك ، ما عبدناك حق عبادتك " .

وهذا إسناد لا بأس به .

وقوله : ( وما هي إلا ذكرى للبشر ) قال مجاهد وغير واحد : ( وما هي ) أي : النار التي وصفت ، ( إلا ذكرى للبشر )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً ) يقول تعالى ذكره: وما جعلنا خزَنة النار إلا ملائكة يقول لأبي جهل في قوله لقريش: أما يستطيع كلّ عشرة منكم أن تغلب منها واحدا؟

فمن ذا يغلب خزنة النار وهم الملائكة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا ابن زيد، في قوله: ( وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً ) قال: ما جعلناهم رجالا فيأخذ كلّ رجل رجلا كما قال هذا.

وقوله: ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ) يقول: وما جعلنا عدّة هؤلاء الخزنة إلا فتنة للذين كفروا بالله من مُشركي قريش.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ): إلا بلاء.

وإنما جعل الله الخبر عن عدّة خزنة جهنم فتنة للذين كفروا، لتكذيبهم بذلك، وقول بعضهم لأصحابه: أنا أكفيكموهم.

* ذكر الخبر عمن قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني &; 24-30 &; الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال: جعلوا فتنة، قال أبو الأشدّ بن الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم.

وقوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) يقول تعالى ذكره: ليستيقن أهل التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدّة خزَنة جهنم، إذ وافق ذلك ما أنـزل الله في كتابه على محمد صلى الله عليه وسلم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ) قال: وإنها في التوراة والإنجيل تسعة عشر، فأراد الله أن يستيقن أهل الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) قال: يجدونه مكتوبا عندهم عدّة خزَنة أهل النار.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) يصدّق القرآن الكتب التي كانت قبله فيها كلها، التوراة والإنجيل أن خزنة النار تسعة عشر.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) قال: ليستيقن أهل الكتاب حين وافق عدّة خزَنة النار ما في كتبهم.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) قال: عدّة خزَنة جهنم تسعة عشر في التوراة والإنجيل.

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) أنك رسول الله.

&; 24-31 &; وقوله: ( وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ) يقول تعالى ذكره: وليزداد الذين آمنوا بالله تصديقا إلى تصديقهم بالله وبرسوله بتصديقهم بعدّة خزنة جهنم.

وقوله: ( وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ) يقول: ولا يشك أهل التوراة والإنجيل في حقيقة ذلك، والمؤمنون بالله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ ) يقول تعالى ذكره: وليقول الذين في قلوبهم مرض النفاق، والكافرون بالله من مشركي قريش ( مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا ) كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ): أي نفاق.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا ) يقول: حتى يخوّفنا بهؤلاء التسعة عشر.

وقوله: ( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: كما أضل الله هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين في خبر الله عن عدّة خزنة جهنم، أيّ شيء أراد الله بهذا الخبر من المثل حتى يخوّفنا بذكر عدتهم، ويهتدي به المؤمنون، فازدادوا بتصديقهم إلى إيمانهم إيمانا( كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ) مِنْ خَلْقِهِ فيخذله عن إصابة الحقّ( وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) منهم، فيوفقه لإصابة الصواب ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ) من كثرتهم ( إلا هُوَ ) يعني: الله.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ ) أي: من كثرتهم.

وقوله: ( وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) يقول تعالى ذكره: وما النار التي وصفتها إلا تذكرة ذكر بها البشر، وهم بنو آدم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) يعني النار.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ) قال: النار.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ليستيقن الذين أوتوا الكتاب أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم ; قاله ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم .

ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبدالله بن سلام .

ويحتمل أنه يريد الكل .ويزداد الذين آمنوا إيمانا بذلك ; لأنهم كلما صدقوا بما في كتاب الله آمنوا ، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم [ ص: 76 ] بعدد خزنة جهنم .ولا يرتاب أي ولا يشك الذين أوتوا الكتاب أي أعطوا الكتاب والمؤمنون أي المصدقون من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر .وليقول الذين في قلوبهم مرض أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة ، الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة .

وقيل : المعنى ; أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة .والكافرون أي اليهود والنصارى ماذا أراد الله بهذا مثلا يعني بعدد خزنة جهنم .

وقال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ; فالمرض في هذه الآية الخلاف و ( الكافرون ) أي مشركو العرب .

وعلى القول الأول أكثر المفسرين .

ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب ; لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين ، وبعضهم قاطعين بالكذب ، وقوله تعالى إخبارا عنهم : ماذا أراد الله أي ما أراد بهذا العدد الذي ذكره حديثا ، أي ما هذا من الحديث .

قال الليث : المثل الحديث ; ومنه : مثل الجنة التي وعد المتقون أي حديثها والخبر عنها .كذلك أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم يضل الله أي يخزي ويعمي من يشاء ويهدي أي ويرشد من يشاء كإرشاد أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : كذلك يضل الله عن الجنة من يشاء ويهدي إليها من يشاء .وما يعلم جنود ربك إلا هو أي وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار إلا هو أي إلا الله - جل ثناؤه - وهذا جوابلأبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر !

وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم غنائم حنين ، فأتاه جبريل فجلس عنده ، فأتى ملك فقال : إن ربك يأمرك بكذا وكذا ، فخشي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون شيطانا ، فقال : " يا جبريل أتعرفه " ؟

فقال : هو ملك وما كل ملائكة ربك أعرف .

وقال الأوزاعي : قال موسى : " يا رب من في السماء ؟

قال ملائكتي .

قال كم عدتهم يا رب ؟

قال : اثني عشر سبطا .

قال : كم عدة كل سبط ؟

قال : عدد التراب " ذكرهما الثعلبي .

وفي الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا .[ ص: 77 ] قوله تعالى : وما هي إلا ذكرى للبشر يعني الدلائل والحجج والقرآن .

وقيل : وما هي أي وما هذه النار التي هي سقر إلا ذكرى أي عظة للبشر أي للخلق .

وقيل : نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة .قاله الزجاج .

وقيل : أي ما هذه العدة إلا ذكرى للبشر أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى ، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار ; فالكناية على هذا في قوله تعالى : وما هي ترجع إلى الجنود ; لأنه أقرب مذكور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً } وذلك لشدتهم وقوتهم.

{ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يحتمل أن المراد: إلا لعذابهم وعقابهم في الآخرة، ولزيادة نكالهم فيها، والعذاب يسمى فتنة، [كما قال تعالى: { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } ] ويحتمل أن المراد: أنا ما أخبرناكم بعدتهم، إلا لنعلم من يصدق ومن يكذب، ويدل على هذا ما ذكر بعده في قوله: { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } فإن أهل الكتاب، إذا وافق ما عندهم وطابقه، ازداد يقينهم بالحق، والمؤمنون كلما أنزل الله آية، فآمنوا بها وصدقوا، ازداد إيمانهم، { وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } أي: ليزول عنهم الريب والشك، وهذه مقاصد جليلة، يعتني بها أولو الألباب، وهي السعي في اليقين، وزيادة الإيمان في كل وقت، وكل مسألة من مسائل الدين، ودفع الشكوك والأوهام التي تعرض في مقابلة الحق، فجعل ما أنزله الله على رسوله محصلا لهذه الفوائد الجليلة، ومميزا للكاذبين من الصادقين، ولهذا قال: { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: شك وشبهة ونفاق.

{ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا } وهذا على وجه الحيرة والشك، والكفر منهم بآيات الله، وهذا وذاك من هداية الله لمن يهديه، وإضلاله لمن يضل ولهذا قال:{ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } فمن هداه الله، جعل ما أنزله الله على رسوله رحمة في حقه، وزيادة في إيمانه ودينه، ومن أضله، جعل ما أنزله على رسوله زيادة شقاء عليه وحيرة، وظلمة في حقه، والواجب أن يتلقى ما أخبر الله به ورسوله بالتسليم، فإنه لا يعلم جنود ربك من الملائكة وغيرهم { إلَّا هُوَ } فإذا كنتم جاهلين بجنوده، وأخبركم بها العليم الخبير، فعليكم أن تصدقوا خبره، من غير شك ولا ارتياب، { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } أي: وما هذه الموعظة والتذكار مقصودا به العبث واللعب، وإنما المقصود به أن يتذكر [به] البشر ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ) لا رجالا آدميين ، فمن ذا يغلب الملائكة ؟

( وما جعلنا عدتهم ) أي عددهم في القلة ( إلا فتنة للذين كفروا ) أي ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر ، ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا ) يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إذا وجدوا ما قاله موافقا لما في كتبهم ( ولا يرتاب ) ولا يشك ( الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) في عددهم ( وليقول الذين في قلوبهم مرض ) شك ونفاق ( والكافرون ) [ مشركو مكة ] ( ماذا أراد الله بهذا مثلا ) أي شيء أراد بهذا الحديث ؟

وأراد بالمثل الحديث نفسه .

( كذلك ) أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق كذلك ( يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو ) قال مقاتل : هذا جواب أبي جهل حين قال : أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر ؟

قال عطاء : ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار ، لا يعلم عدتهم إلا الله ، والمعنى إن تسعة عشر هم خزنة النار ، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم إلا الله - عز وجل - ، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال : ( وما هي ) يعني [ سقر ] ( إلا ذكرى للبشر ) إلا تذكرة وموعظة للناس .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة» أي فلا يطاقون كما يتوهمون «وما جعلنا عدتهم» ذلك «إلا فتنة» ضلالا «للذين كفروا» بأن يقولوا لم كانوا تسعة عشر «ليستيقن» ليستبين «الذين أوتوا الكتاب» أي اليهود صدق النبي صلى الله عليه وسلم في كونهم تسعة عشر الموافق لما في كتابهم «ويزداد الذين آمنوا» من أهل الكتاب «إيمانا» تصديقا لموافقته ما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم لما في كتابهم «ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون» من غيرهم في عدد الملائكة «وليقول الذين في قلوبهم مرض» شك بالمدينة «والكافرون» بمكة «ماذا أراد الله بهذا» العدد «مثلا» سموه لغرابته بذلك وأعرب حالا «كذلك» أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه «يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك» أي الملائكة في قوتهم وأعوانهم «إلا هو وما هي» أي سقر «إلا ذكرى للبشر».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما جعلنا خزنة النار إلا من الملائكة الغلاظ، وما جعلنا ذلك العدد إلا اختبارًا للذين كفروا بالله؛ وليحصل اليقين للذين أُعطوا الكتاب من اليهود والنصارى بأنَّ ما جاء في القرآن عن خزنة جهنم إنما هو حق من الله تعالى، حيث وافق ذلك كتبهم، ويزداد المؤمنون تصديقًا بالله ورسوله وعملا بشرعه، ولا يشك في ذلك الذين أُعطوا الكتاب من اليهود والنصارى ولا المؤمنون بالله ورسوله؛ وليقول الذين في قلوبهم نفاق والكافرون: ما الذي أراده الله بهذا العدد المستغرب؟

بمثل ذلك الذي ذُكر يضلُّ الله من أراد إضلاله، ويهدي مَن أراد هدايته، وما يعلم عدد جنود ربك - ومنهم الملائكة- إلا الله وحده.

وما النار إلا تذكرة وموعظة للناس.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته وحكمته ، وابتلائه لعباده بشتى أنواع الابتلاء ، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه .فقال - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً .

.

.

) .قال الإِمام ابن كثير : يقول الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار ) أى : خزانها ( إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : غلاظا شدادا .

وذلك رد على مشركى قريش حين ذكر عدد الخزنة .

فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟

فقال الله - تعالى - :( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ) أى : شديدى الخلق لا يقاومون ولا يغالبون .وقد قيل : إن أبا الأشد - واسمه : كلدة بن أسيد بن خلف - قال : يا معشر قريش ، اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر ، إعجابا منه بنفسه ، وكان قد بلغ من القوة - فيما يزعمون - أنه كان يقف على جلد البقرة ، ويجاذبه عشرة لينتزعوه من تحت قدميه ، فيتمزق الجلد ، ولا يتزحزح عنه .

.وقال الجمل فى حاشيته : قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم!

محمد صلى الله عليه وسلم يخبر أن خزنة النار تسعة عشر ، وأنتم الشجعان ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منكم؟فقال أبو الأشد : أنا أكفيكم منهم سبعة عشر ، عشرة على ظهرى ، وسبعة على بطنى .وأكفونى أنتم اثنين .

.

فأنزل الله - تعالى - : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً .

.

) .والمقصود من هذه الآية الكريمة الرد على المشركين ، الذين سخروا من النبى صلى الله عليه وسلم عندما عرفوا منه أن على سقر تسعة عشر ملكا يتولون أمرها .

.أى : أننا أوجدنا النار لعذاب الكافرين ، وما جعلنا خزنتها إلا من الملائكة الغلاظ الشداد ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، والذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم أو مخالفة أمرهم ، لأنهم أشد بأسا ، وأقوى بطشا من كافة الإِنس والجن .

.والاستثناء من عموم الأنواع .

أى : وما جعلنا أصحاب النار إلا من نوع الملائكة ، الذين لا قدرة لأحد من البشر على مقاومتهم .

.وقوله - سبحانه - : ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) بيان لحكمة أخرى من ذكر هذا العدد .

.والفتنة بمعنى الاختبار والامتحان .

تقول : فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته بها ، لتعلم جودته من رداءته .

وقوله : ( إِلاَّ فِتْنَةً ) مفعول ثان لقوله ( جَعَلْنَا ) والكلام على حذف مضاف .

.أى : وما جعلنا عدة خزنة النار تسعة عشر ، إلا ليكون هذا العدد سبب فتنة واختبار للذين كفروا ، ولقد زادهم هذا الامتحان والاختبار جحودا وضلالا ، ومن مظاهر ذلك أنهم استهزأوا بالنبى صلى الله عليه وسلم عندما قرأ عليهم القرآن ، فحق عليهم عذابنا ووعيدنا .

.قال الإِمام الرازى : وإنما صار هذا العدد سببا لفتنة الكفار من وجهين : الأول أن الكفار كانوا يستهزئون ويقولون : لم لا يكونون عشرين - بدلا من تسعة عشر - وما المقتضى لتخصيص هذا العدد؟والثانى أن الكفار كانوا يقولون : هذا العدد القليل ، كيف يكون وافيا بتعذيب أكثر العالم من الجن والإِنس ..

؟وأجيب عن الأول : بأن هذا السؤال لازم على كل عدد يفرض ، وأفعال الله - تعالى - لا تعلل ، فلا يقال فيها لم كان هذا العدد ، فإن ذكره لحكمة لا يعلمها إلا هو - سبحانه - .وأجيب عن الثانى : بأنه لا يبعد أن الله - تعالى - يعطى ذلك العدد القليل قوة تفى بذلك ، فقد اقتلع جبريل وحده ، مدائن قوم لوط على أحد جناحيه ، ورفعها إلى السماء .

.

ثم قلبها ، فجعل عاليها سافلها .

.- وأيضا - فأحوال القيامة ، لا تقاس بأحوال الدنيا ، وليس للعقل فيها مجال .

.وقوله - سبحانه - : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً .

.

.

) علة أخرى ، لذكر هذا العدد .

والاستيقان : قوة اليقين ، فالسين والتاء للمبالغة .أى : وما جعلنا عدتهم كذلك - أيضا - إلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه ، إذ أن الكتب السماوية التى بين أيديهم قد ذكرت هذا العدد ، كما ذكره القرآن الكريم ، وإذا ليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم ، إذ أن الإِخبار عن المغيبات عن طريق القرآن الكريم ، من شأنها أن تجعل الإِيمان فى قلوب المؤمنين الصادقين ، يزداد رسوخا وثباتا .قال الإِمام ابن كثير : قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ) أى : يعلمون أن هذا الرسول حق ، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله .

.وقال الآلوسى : وأخرج الترمذى وابن مردويه عن جابر قال : " قال ناس من اليهود ، لأناس من المسلمين : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟

فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هكذا وهكذا " فى مرة عشرة .

وفى مرة تسعة " .وقال الآلوسى : واستشعر من هذا أن الآية مدنية ، لأن اليهود إنما كانوا فيها ، وهو استشعار ضعيف ، لأن السؤال لصحابى فلعله كان مسافرا فاجتمع بيهودى حيث كان - وأيضا - لا مانع إذ ذاك من إتيان بعض اليهود نحو مكة .

.وقوله - تعالى - : ( وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ) معطوف على قوله : ( لِيَسْتَيْقِنَ .

.

) وهو مؤكد لما قبله ، من الاستيقان وازدياد الإِيمان ، ونفى لما قد يعترى المستيقن من شبهة عارضة .أى : فعلنا ما فعلنا ليكتسب أهل الكتاب اليقين من نبوته صلى الله عليه وسلم وليزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم .

ولتزول كل ريبة أو شبهة قد تطرأ على قلوب الذين أوتوا الكتاب ، وعلى قلوب المؤمنين .

.وقوله - سبحانه - : ( وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) بيان لعلة أخرى لكون خزنة سقر تسعة عشر .أى : ما جعلنا عدتهم كذلك إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإلا ليزداد الذين آمنوا إيمانا ، وإلا لنزول الريبة من قلوب الفريقين ، وإلا ليقول الذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك وضعف إيمان ، وليقول الكافرون المصرون على التكذيب : ما الأمر الذى أراده الله بهذا المثل ، وهو جعل خزنة سقر تسعة عشر؟

فالمقصود بالاستفهام فى قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) الإِنكار .

والإِشارة بهذا مرجعها إلى قوله - تعالى - قبل ذلك : ( عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ) وقوله : ( مثلا ) حال من اسم الإِشارة ، والمراد به العدد السابق .

وسموه مثلا لغرابته عندهم .

أى : ما الفائدة فى أن تكون عدة خزنة سقر تسعة عشر ، وليسوا أكثر أو أقل؟

وهم يقصدون بذلك نفى أن يكون هذا العدد من عنده - تعالى - .قال الآلوسى : قوله - تعالى - : ( مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ) أى : أى شئ أراده الله - تعالى - ، أو ما الذى أراده الله - تعالى - بهذا العدد المستغرب استغراب المثل .وعلى الأول تكون ( ماذا ) بمنزلة اسم واحد .

.

وعلى الثانى : هى مؤلفة من كلمة ( ما ) اسم استفهام مبتدأ ، و ( ذا ) اسم موصول خبره ، والجملة بعده صلة ، والعائد فيها محذوف ، ( ومثلا ) نصب على التمييز أو على الحال .

.

وعنوا بالإِشارة : التحقير ، وغرضهم : نفى أن يكون ذلك من عند الله - تعالى - .

.واسم الإِشارة فى قوله - تعالى - : ( كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ ) يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق ، من استيقان أهل الكتاب ، وازدياد المؤمنين إيمانا ، واستنكار الكافرين ومن فى قلوبهم مرض لهذا المثل .أى : مثل ذلك الضلال الحاصل للذين فى قلوبهم مرض للكافرين ، يضل الله - تعالى - من يشاء إضلاله من خلقه ، ومثل ذلك الهدى الحاصل فى قولب المؤمنين ، يهدى الله من يشايء هدايته من عباده ، إذ هو - سبحانه - الخالق لكل شئ ، وهو على كل شئ قدير .ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يخرس ألسنة الكافرين ، الذين أنكروا هذا العدد الذى جعله الله - تعالى - على سقر ، ليتصرف فيها على حسب إرادته - تعالى - ومشيئته ، فقال : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) والجنود : جمع جند ، وهو اسم لما يتألف منه الجيش من أفراد .والمراد بهم هنا : مخلوقاته - تعالى - الذين سخرهم لتنفيذ أمره ، وسموا جنودا ، تشبيها لهم بالجنود فى تنفيذ مراده - سبحانه - .أى : وما يعلم عدد جنود ربك - أيها الرسول الكريم - ولا مبلغ قوتهم ، إلا هو - عز وجل - وما هذا العدد الذى ذكرناه لك إلا جزء من جنودنا ، الذين حجبنا علم عددهم وكثرتهم ..

عن غيرنا .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ) أى : وما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو - تعالى - ، لئلا يتوهم متوهم أنماهم تسعة عشر فقط .وقد ثبت فى حديث الإِسراء المروى فى الصحيحين وغيرهما ، " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال فى صفة البيت المعمور ، الذى فى السماء السابعة : فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك .

.

"والضمير فى قوله : ( وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ) يعود إلى سقر .

.

أى : وما سقر التى ذكرت لكم أن عليها تسعة عشر ملكا يلون أمرها ، إلا تذكرة وعظة للبشر ، لأن من يتذكر حرها وسعيرها وشدة عذابها .

.

من شأنه ، أن يخلص العبادة لله - تعالى - ، وأن يقدم فى دنياه العمل الصالح الذى ينفعه فى أخراه .وقيل : الضمير للآيات الناطقة بأحوال سقر .

أى : وما هذه الآيات التى ذكرت بشأن سقر وأهوالها إلا ذكرى للبشر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً ﴾ روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ  ﴾ قال أبو جهل: لقريش ثكلتكم أمهاتكم، قال ابن أبي كبشة: إن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الجمع العظيم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم!

فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديد البطش: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين!

فلما قال أبو جهل وأبو الأشد ذلك، قال المسلمون ويحكم لا تقاس الملائكة بالحدادين!

فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا يسوى بينهما، والمعنى لا تقاس الملائكة بالسجانين والحداد، السجان الذي يحبس النار، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً ﴾ واعلم أنه تعالى إنما جعلهم ملائكة لوجوه: أحدها: ليكونوا بخلاف جنس المعذبين، لأن الجنسية مظنة الرأفة والرحمة، ولذلك بعث الرسول المبعوث إلينا من جنسنا ليكون له رأفة ورحمة بنا.

وثانيها: أنهم أبعد الخلق عن معصية الله تعالى وأقواهم على الطاعات الشاقة.

وثالثها: أن قوتهم أعظم من قوة الجن والإنس، فإن قيل: ثبت في الأخبار، أن الملائكة مخلوقون من النور، والمخلوق من النور كيف يطيق المكث في النار؟

قلنا: مدار القول في إثبات القيامة على كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، فكما أنه لا استبعاد في أن يبقى الحي في مثل ذلك العذاب الشديد أبد الآباد ولا يموت، فكذا لا استبعاد في بقاء الملائكة هناك من غير ألم.

ثم قال تعالى: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا العدد إنما صار سبباً لفتنة الكفار من وجهين: الأول: أن الكفار يستهزئون، يقولون: لم لم يكونوا عشرين، وما المقتضى لتخصيص هذا العدد بالوجود؟

الثاني: أن الكفار يقولون هذا العدد القليل كيف يكونون وافين بتعذيب أكثر خلق العالم من الجن والإنس من أول ما خلق الله إلى قيام القيامة؟

وأما أهل الإيمان فلا يلتفتون إلى هذين السؤالين.

أما السؤال الأول: فلأن جملة العالم متناهية، فلابد وأن يكون للجواهر الفردة التي منها تألفت جملة هذا العالم عدد معين، وعند ذلك يجيء ذلك السؤال، وهو أنه لم خصص ذلك العدد بالإيجاد، ولم يزد على ذلك العدد جوهر آخر ولم ينقص، وكذا القول في إيجاد العالم، فإنه لما كان العالم محدثاً والإله قديماً، فقد تأخر العالم عن الصانع بتقدير مدة غير متناهية، فلم لم يحدث العالم قبل أن حدث بتقدير لحظة أو بعد أن وجد بتقدير لحظة؟

وكذا القول في تقدير كل واحد من المحدثات بزمانه المعين، وكل واحد من الأجسام بأجزائه المحدودة المعدودة، ولا جواب عن شيء من ذلك إلا بأنه قادر مختار، والمختار له أن يرجح الشيء على مثله من غير علة، وإذا كان هذا الجواب هو المعتمد في خلق جملة العالم، فكذا في تخصيص زبانية النار بهذا العدد.

وأما السؤال الثاني: فضعيف أيضاً، لأنه لا يبعد في قدرة الله تعالى أن يعطي هذا العدد من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق، ومتمكنين من ذلك من غير خلل، وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح في كمال قدرة الله، فأما من اعترف بكونه تعالى قادراً على مالا نهاية له من المقدورات، وعلم أن أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذه الاستبعادات بالكلية.

المسألة الثانية: احتج من قال: إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية، قال لأن قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين، أجابت المعتزلة عنه من وجوه: أحدها: قال الجبائي: المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء.

وثانيها: قال الكعبي: المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به.

وثالثها: أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به، وليقولوا ما قالوا، وذلك عقوبة لهم على كفرهم، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب: أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم، إلا أنا نقول: هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر، أم لا؟

فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر، كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه ألبتة، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر، فقد حصل المقصود، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل، صارت داعية الترك مرجوحة، والمرجوح يمتنع أن يؤثر، فالترك يكون ممتنع الوقوع، فيصير الفعل واجب الوقوع، والله أعلم، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة.

أولها: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ .

وثانيها: ﴿ وَيَزْدَادَ الذين ءامَنُواْ إيمانا ﴾ .

وثالثها: ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ﴾ .

ورابعها: ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات: السؤال الأول: لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سبباً لهذه الأمور الأربعة، فما الوجه في ذلك؟

والجواب: أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً لهذه الأشياء وبيانه من وجهين: الأول: التقدير: وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا، وإلا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، كما يقال: فعلت كذا لتعظيمك ولتحقير عدوك، قالوا: والعاطفة قد تذكر في هذا الموضع تارة.

وقد تحذف أخرى الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ هو أنه وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر إلا أنه وضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر كأنه عبر عن المؤثر باللفظ الدال على الأثر، تنبيهاً على أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر.

السؤال الثاني: ما وجه تأثير إنزال هذا المتشابه في استيقان أهل الكتاب؟

الجواب: من وجوه: أحدها: أن هذا العدد لما كان موجوداً في كتابهم، ثم إنه عليه السلام أخبر على وفق ذلك من غير سابقة دراسة وتعلم، فظهر أن ذلك إنما حصل بسبب الوحي من السماء فالذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب يزدادون به إيماناً.

وثانيها: أن التوراة والإنجيل كانا محرفين، فأهل الكتاب كانوا يقرأون فيهما أن عدد الزبانية هو هذا القدر، ولكنهم ما كانوا يعولون على ذلك كل التعويل لعلمهم بتطرق التحريف إلى هذين الكتابين، فلما سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوي إيمانهم بذلك واستيقنوا أن ذلك العدد هو الحق والصدق.

وثالثها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم من حال قريش أنه متى أخبرهم بهذا العدد العجيب، فإنهم يستهزئون به ويضحكون منه، لأنهم كانوا يستهزئون به في إثبات التوحيد والقدرة والعلم، مع أن تلك المسائل أوضح وأظهر فكيف في ذكر هذا العدد العجيب؟

ثم إن استهزاءهم برسول الله وشدة سخريتهم به ما منعه من إظهار هذا الحق، فعند هذا يعلم كل أحد أنه لو كان غرض محمد صلى الله عليه وسلم طلب الدنيا والرياسة لاحترز عن ذكر هذا العدد العجيب، فلما ذكره مع علمه بأنهم لابد وأن يستهزئوا به علم كل عاقل أن مقصوده منه إنما هو تبليغ الوحي، وأنه ما كان يبالي في ذلك لا بتصديق المصدقين ولا بتكذيب المكذبين.

السؤال الثالث: ما تأثير هذه الواقعة في ازدياد إيمان المؤمنين؟

الجواب: أن المكلف مالم يستحضر كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحادثات منزهاً عن الكذب والحلف لا يمكنه أن ينقاد لهذه العدة ويعترف بحقيقتها، فإذا اشتغل باستحضار تلك الدلائل ثم جعل العلم الإجمالي بأنه صادق لا يكذب حكيم لا يجهل دافعاً للتعجب الحاصل في الطبع من هذا العدد العجيب فحينئذ يمكنه أن يؤمن بحقيقة هذا العدد، ولا شك أن المؤمن يصير عند اعتبار هذه المقامات أشد استحضاراً للدلائل وأكثر انقياداً للدين، فالمراد بازدياد الإيمان هذا.

السؤال الرابع: حقيقة الإيمان عندكم لا تقبل الزيادة والنقصان فما قولكم في هذه الآية؟

الجواب: نحمله على ثمرات الإيمان وعلى آثاره ولوازمه.

السؤال الخامس: لما أثبت الاستيقان لأهل الكتاب وأثبت زيادة الإيمان للمؤمنين فما الفائدة في قوله بعد ذلك: ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ﴾ ؟

الجواب: أن المطلوب إذا كان غامضاً دقيق الحجة كثير الشبهة، فإذا اجتهد الإنسان فيه وحصل له اليقين فربما غفل عن مقدمة من مقدمات ذلك الدليل الدقيق، فيعود الشك والشبهة، فإثبات اليقين في بعض الأحوال لا ينافي طريان الارتياب بعد ذلك، فالمقصود من إعادة هذا الكلام هو أنه حصل لهم يقين جازم، بحيث لا يحصل عقيبه ألبتة شك ولا ريب.

السؤال السادس: جمهور المفسرين قالوا في تفسير قوله: ﴿ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ ﴾ إنهم الكافرون وذكر الحسين بن الفضل البجلي أن هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق، فالمرض في هذه الآية ليس بمعنى النفاق، والجواب: قول المفسرين حق وذلك لأنه كان في معلوم الله تعالى أن النفاق سيحدث فأخبر عما سيكون، وعلى هذا تصير هذه الآية معجزة، لأنه إخبار عن غيب سيقع، وقد وقع على وفق الخبر فيكون معجزاً، ويجوز أيضاً أن يراد بالمرض الشك لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم كانوا قاطعين بالكذب.

السؤال السابع: هب أن الاستيقان وانتفاء الارتياب يصح أن يكونا مقصودين من إنزال هذا المتشابه، فكيف صح أن يكون قول الكافرين والمنافقين مقصوداً؟

الجواب: أما على أصلنا فلا إشكال لأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وسيأتي مريد تقرير لهذا في الآية الآتية، وأما عند المعتزلة فإن هذه الحالة لما وقعت أشبهت الغرض في كونه واقعاً، فأدخل عليه حرف اللام وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ ﴾ .

السؤال الثامن: لم سموه مثلاً؟

الجواب: أنه لما كان هذا العدد عدداً عجيباً ظن القوم أنه ربما لم يكن مراد الله منه ما أشعر به ظاهره بل جعله مثلاً لشيء آخر وتنبيهاً على مقصود آخر، لا جرم سموه مثلاً.

السؤال التاسع: القوم كانوا ينكرون كون القرآن من عند الله، فكيف قالوا: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟

الجواب: أما الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون فكانوا في الظاهر معترفين بأن القرآن من عند الله فلا جرم قالوا ذلك باللسان، وأما الكفار فقالوه على سبيل التهكم أو على سبيل الاستدلال بأن القرآن لو كان من عند الله لما قال مثل هذا الكلام.

قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ وجه الاستدلال بالآية للأصحاب ظاهر لأنه تعالى ذكر في أول الآية قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ ثم ذكر في آخر الآية: ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء ﴾ أما المعتزلة فقد ذكروا الوجوه المشهورة التي لهم أحدها: أن المراد من الإضلال منع الألطاف.

وثانيها: أنه لما اهتدى قوم باختيارهم عند نزول هذه الآيات وضل قوم باختيارهم عند نزولها أشبه ذلك أن المؤثر في ذلك الاهتداء وذلك الإضلال هو هذه الآيات، وهو كقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إيمانا  ﴾ وكقوله: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا  ﴾ .

وثالثها: أن المراد من قوله: ﴿ يُضِلَّ ﴾ ومن قوله: ﴿ يَهْدِى ﴾ حكم الله بكونه ضالاً ويكون مهتدياً.

ورابعها: أنه تعالى يضلهم يوم القيامة عن دار الثواب، وهذه الكلمات مع أجوبتها تقدمت في سورة البقرة في قوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا  ﴾ .

قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ فيه وجوه: أحدها: وهو الأولى أن القوم استقبلوا ذلك العدد، فقال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ فهب أن هؤلاء تسعة عشر إلا أن لكل واحد منهم من الأعوان والجنود مالا يعلم عددهم إلا الله.

وثانيها: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد حكمة لا يعلمها الخلق وهو جل جلاله يعلمها.

وثالثها: أنه لا حاجة بالله سبحانه في تعذيب الكفار والفساق إلى هؤلاء الخزنة، فإنه هو الذي يعذبهم في الحقيقة، وهو الذي يخلق الآلام فيهم، ولو أنه تعالى قلب شعرة في عين ابن آدم أو سلط الألم على عرق واحد من عروق بدنه لكفاه ذلك بلاء ومحنة، فلا يلزم من تقليل عدد الخزنة قلة العذاب، فجنود الله غير متناهية لأن مقدوراته غير متناهية.

قوله تعالى: ﴿ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ﴾ الضمير في قوله: ﴿ وَمَا هِىَ ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى سقر، والمعنى وما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر والثاني: أنه عائد إلى هذه الآيات المشتملة على هذه المتشابهات، وهي ذكرى لجميع العالمية، وإن كان المنتفع بها ليس إلا أهل الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ بدل من ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ [المدثر: 17] ، ﴿ لاَ تُبْقِى ﴾ شيئاً يلقى فيها إلا أهلكته؛ وإذا هلك لم تذره هالكاً حتى يعاد.

أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ من لوح الهجير.

قال: تَقُولُ مَا لاَحَكَ يَا مُسَافِرُ ** يَا آبْنَةَ عَمِّي لاَحَنِى الْهَوَاجِرُ قيل: تلفح الجلد لفحة فتدعه أشدّ سواداً من الليل.

والبشر: أعالي الجلود.

وعن الحسن.

تلوح للناس، كقوله: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ﴾ [التكاثر: 7] وقرئ ﴿ لواحة ﴾ نصباً على الاختصاص للتهويل ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ أي يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكاً.

وقيل: صنفاً من الملائكة.

وقيل: صفة.

وقيل: نقيباً.

وقرئ: ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين لتوالي الحركات في ما هو في حكم اسم واحد وقرئ ﴿ تسعة أعشر ﴾ جمع عشير، مثل: يمين وأيمن جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم مّنْ خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد الخلق بأساً وأقواهم بطشاً.

عن عمرو بن دينار: واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوّة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم في النار بالجبل عليهم» وروي أنه لما نزلت ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحى وكان شديد البطش، أنا أكفيكم سبعة عشر، فأكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً ﴾ أي ما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون.

فإن قلت: قد جعل افتنان الكافرين بعدة الزبانية سبباً لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين، فما وجه صحة ذلك؟

قلت ما جعل افتتانهم بالعدة سبباً لذلك، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سبباً، وذلك أن المراد بقوله ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فوضع ﴿ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ موضع ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ لأن حال هذه العدة الناقصة واحداً من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزيء، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفى عليه وجه الحكمة، كأنه قيل ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله، وازدياد المؤمنين إيماناً لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك.

فإن قلت: لم قال ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ﴾ والاستيقان وازدياد الإيمان دالا على انتفاء الارتياب؟

قلت: لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفي الشك.

كان آكد وأبلغ لوصفهم بسكون النفس وثلج الصدر، ولأن فيه تعريضاً بحال من عداهم، كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر.

فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟

قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة ﴿ والكافرون ﴾ بمكة ﴿ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب، وذلك لا يخالف كون السورة مكية.

ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب.

فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول المنافقين والكافرين ما قالوا فهب أن الإستيقان وإنتفاء الإرتياب يصح أن يكونا غرضين فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضاً؟

قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضاً، ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد لمخافة الشر، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي بغرضك.

﴿ مَثَلاً ﴾ تمييز لهذا، أو حال منه، كقوله: ﴿ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً ﴾ [هود: 64] ، فإن قلت: لم سموه مثلا؟

قلت: هو استعارة من المثل المضروب.

لأنه مما غرب من الكلام وبدع، استغراباً منهم لهذا العدد واستبداعاً له.

والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء، ومرادهم إنكاره من أصله، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص.

الكاف في ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نصب، وذلك: إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين، يعني: يفعل فعلا حسناً مبنياً على الحكمة والصواب، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيماناً، وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفراً وضلالا ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ ﴾ وما عليه كل جند من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة ﴿ إِلاَّ هُوَ ﴾ ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة أو: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها.

وقيل: هو جواب لقول أبي جهل: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر، ﴿ وما جعلنا أصحاب النار- إلى قوله- إلا هو ﴾ : اعتراض.

وقوله: ﴿ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذكرى ﴾ متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي: وما سقر وصفتها إلا تذكرة ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّونَ لَهم ولا يَسْتَرْوِحُونَ إلَيْهِمْ، ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ بَأْسًا وأشَدُّهم غَضَبًا لِلَّهِ.

رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا سَمِعَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ لِقُرَيْشٍ: أيُعْجِزُ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهم فَنَزَلَتْ.

﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وما جَعَلْنا عَدَدَهم إلّا العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَتَهم وهو التِّسْعَةَ عَشَرَ، فَعَبَّرَ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وافْتِتانُهم بِهِ اسْتِقْلالُهم واسْتِهْزاؤُهم بِهِ واسْتِبْعادُهم أنْ يَتَوَلّى هَذا العَدَدُ القَلِيلُ تَعْذِيبَ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ، ولَعَلَّ المُرادَ الجَعْلُ بِالقَوْلِ لِيَحْسُنَ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  وصِدْقِ القُرْآنِ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ.

﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ بِالإيمانِ بِهِ وبِتَصْدِيقِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ.

﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ وهو تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِيقانِ وزِيادَةُ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما يَعْرِضُ لِلْمُتَيَقِّنِ حَيْثُما عَراهُ شُبْهَةٌ.

﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمَكَّةَ عَمّا سَيَكُونُ في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.

﴿ والكافِرُونَ ﴾ الجازِمُونَ في التَّكْذِيبِ.

﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ أيَّ شَيْءٍ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ، وقِيلَ: لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ حَسِبُوا أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ.

﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى يُضِلُّ الكافِرِينَ ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ جُمُوعُ خَلْقِهِ عَلى ما هم عَلَيْهِ.

﴿ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها وما يُوجِبُ اخْتِصاصَ كُلٍّ مِنها بِما يَخُصُّهُ مِن كَمٍّ وكَيْفٍ واعْتِبارٍ ونِسْبَةٍ.

﴿ وَما هِيَ ﴾ وما سَقَرُ أوْ عِدَّةُ الخَزَنَةِ أوِ السُّورَةِ.

﴿ إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ إلّا تَذْكِرَةً لَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار} أي خزنتها {إِلاَّ ملائكة} لأنهم خلاف جنس المعذبين فلا تأخذهم الرأفة والرقة لأنهم أشد الخق بأساً فللواحد منهم قوة الثقلين {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ} تسعة عشر {إِلاَّ فِتْنَةً} أي ابتلاء واختيارا {لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} حتى قال أبو جهل لما نزلت وكان شديد البطش أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين فنزلت وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ ملائكة أي وما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون وقالوا في تخصيص الخزنة بهذا العدد مع أنه لا يطلب في الأعداد العلل أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار وستة يسوقونهم وستة يضربونهم بمقامع الحديد والآخر خازن جهنم وهومالك وهو الأكبر وقيل في سقر تسعة عشر دركاً وقد سلط على كل درك ملك وقيل يعذب فيها بتسعة عشر لوناً من العذاب وعلى كل لون ملك موكل وقيل إن جهنم تحفظ بما تحفظ

به الأرض من الجبال وهي تسعة عشر وكان أصلها مائة وتسعين إلا أن غيرها يشعب عنها {لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله {ويزداد الذين آمنوا} بمحمد وهو عطف على لِيَسْتَيْقِنَ {إيمانا} لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل أو يزدادوا يقيناً لموافقة كتابهم كتاب أولئك {وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون} هذا عطف أيضاً وفيه توكيد للاستيقان وزيادة الإيمان إذ الاستيقان وازدياد الإيمان دالان على انتفاء الارتياب ثم عطف على لِيَسْتَيْقِنَ أيضاً {وَلِيَقُولَ الذين في قلوبهم مرض} نفاق {والكافرون} والمشركون فإن قلت النفاق ظهر في المدينة والسورة مكية قلت معناه وليقول المنافقون الذين يظهرون في المستقبل بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكة {مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً} وهذا إخبار بما سيكون

كسائر الاخبارت بالغيوب وذا لا يخالف كون السورة مكية وقيل المراد بالمرض الشك والارتياب لأن أهل مكة كن أكثرهم شاكين ومثلا تمييز لهذا أو حال منه كقوله هذه ناقة الله لكم آية ولما كان ذكر العدد في غاية الغرابة وأن مثله حقيق بأن تسير به الركبان سيرها بالأمثال سمي مثلاً والمعنى أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب وأي معنى أراد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين وغرضهم إنكاره أصلاً وأنه ليس من عند الله وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص {كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء} الكاف نصب وذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى أي مثل لتصديقه ورؤية الحكمة في ذلك يضل الله من يشاء من عباده وهو الذي علم منه اختيار الضلال {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} وهو الذي علم منه إختيار الاهداء وفيه دليل خلق الأفعال ووصف الله بالهداية

والإضلال ولما قال أبو جهل لعنه الله أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر نزل {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} لفرط كثرتها {إِلاَّ هُوَ} فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها {وَمَا هِىَ} متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي وما سقر وصفتها {إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ} أي تذكرة للبشر أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿ أوْلى لَكَ فَأوْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى  ﴾ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ.

وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿ عَلَيْها ﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صِنْفًا أوْ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا.

وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا ﴾ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها.

﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ  وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ.

ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ.

وفِي البَحْرِ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ جَعَلْنا ﴾ لا بِـ ﴿ فِتْنَةً ﴾ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ.

وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿ وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً ﴾ لِلْكافِرِينَ وإلّا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى.

وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ  أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ  فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  : هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟

فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» .

واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ ﴾ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ.

﴿ ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ﴿ ولا يَرْتابَ ﴾ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.

﴿ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ﴿ والكافِرُونَ ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] .

والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا.

وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ.

﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ﴿ يُضِلُّ اللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى.

﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا  ﴾ عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ﴿ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ.

ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ﴿ إلا هُوَ ﴾ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ.

( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ.

وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» .

.

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» .

وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟

قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟

قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟

قالَ: عَدَدُ التُّرابِ وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها.

وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ.

وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم.

وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ.

وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ.

وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا.

وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ.

ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ.

( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ﴿ إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ ﴾ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ ثُمَّ ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ.

وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني: اترك هذا الذي خلقته وحيداً وفوض أمره إليَّ وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيداً بغير مال ولا ولد وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: ورزقته مالاً كثيراً قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم: كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل: وَبَنِينَ شُهُوداً يعني: حضوراً لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم: ذرني ومن خلقت وحيداً يعني: إنه لم يكن من قريش وكان ملصقاً بهم لأنه ذكر أن أباه المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) [القلم: 13] وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: غير منقطع عنه وبنين شهوداً لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل: سبع بنين وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً يعني: بسطت له في المال والخير بسطاً ويقال: أمهلت له إمهالاً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ يعني: يطمع أن أزيد ماله وولده.

وذلك أنه تفاخر على رسول الله  وقال لي: مالاً ممدوداً ولي عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني: أن أزيد وهو يعصيني كَلَّا يعني: وهو رد عليه يعني: لا أزيد فما أزداد ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يعني: مكذباً معرضاً عنها معاندا ثم قال عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: يكلف في النار صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة دخل دخان في حلقة فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة سبعين سنة وقال مجاهد: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: مشقة من العذاب وقال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب ويقال: سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ يعني: إنه فكر في أمر محمد  وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: فلعن كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) [الذاريات: 10] .

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر محمد  وقالوا: هذه أيام الموسم والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم: إنهم يأتونه ويكلمونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم فقالوا: نقول شاعر قال بعضهم: هم العرب وقد رأوا الشعراء وقوله: لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا: نقول كاهن قال بعضهم: إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم وقال: فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع رأيهم على أن يقولوا: ساحر فقتل كيف قدر يعني: كيف قدر بمحمد  بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي: اللعنة على أثر اللعنة كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر ثُمَّ نَظَرَ يعني: ثم نظر في أمر محمد  ثُمَّ عَبَسَ يعني: عبس وجهه أي: كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج: ثم عبس وجهه وَبَسَرَ أي: نظر بكراهة شديدة ثُمَّ أَدْبَرَ يعني: أعرض عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ يعني: تكبر عن الإيمان ثم قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يعني: تأثره من صاحب اليمامة يعني: يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال: معناه: ما هذا الذي يقول: إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني: ما هذا القرآن إلا قول الآدمي قال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ يعني: سأدخله سقر قال مقاتل: يعني: الباب الخامس وقال الكلبي: هو اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تعظيماً لأمرها ثم بين قال: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ يعني: لا تبقي لحماً إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقاً جديداً، ويقال: لا تبقى ولا تذر يعني: لا تميت ولا تحيي، ويقال: لا تبقى اللحم ولا العظم ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحماً ولا عظماً ولا جلداً أي: تدعه محرقاً بل تجده خلقاً جديدا ثم قال عز وجل: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يعني: حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال: لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق اسود ثم قال: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ يعني: على النار تسعة عشر من الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال في سياق الآية: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.

وإنما أراد تسعة عشر ملكاً ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ألفاً فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: أنا أكفيكم خمسة وكل ابن لي يكفي واحداً منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون الجنة فنزلت هذه الآية وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يعني: ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا يغلبهم أحد وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ يعني: ما ذكرنا قلة عددهم وهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بلية لهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وذلك أن أهل الكتاب وجدوا في كتابهم أن مالكاً رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما يقوله النبيّ  يقوله: بالوحي وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً يعني: تصديقاً وعلماً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك وَالْمُؤْمِنُونَ أيضاً لا يشكون في ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: المنافقين وَالْكافِرُونَ يعني: المشركين مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يعني: بذكر خزنة جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذله ولا يؤمن به أمناً له وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يوفقه لذلك وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يعني: من يعلم قوة جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني: الله تعالى ويقال: وما يعلم يعني: لا يعلم عدد جموع ربك إلا الله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يعني: الدلائل والحجج في القرآن ويقال: ما هي يعني: القرآن ويقال: وما هي يعني: سقر إلا ذكرى للبشر يعني: عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً قال سفيانُ: المعنى بَسَطْتُ له العيش بسطا «١» .

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨)

وقوله تعالى: كَلَّا رَدْعٌ وَزَجْرٌ له على أمنيّته، وسَأُرْهِقُهُ معناه أُكَلِّفُه بمشقَةٍ وعُسْرُ، وصَعُودٌ عَقَبَةٌ في نَارِ جهنَّمَ، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: كُلَّما وُضِعَ عليها شَيءٌ مِن الإنْسَانِ ذَابَ، ثم يَعُودُ، والصَّعودُ في اللغة: العَقَبَةُ الشَّاقَة.

وقوله تعالى مخبراً عن الوليد: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الآية، رَوَى جمهورٌ من المفسرينَ:

أن الوليدَ سَمِعَ من القرآن ما أعْجَبَه وَمَدحَه، ثم سمِعَ كذلك مراراً، حتى كَادَ أنْ يُقَارِبَ الإسْلامِ، وقال: واللَّه لَقَدْ سمعتُ من محمدٍ كلاماً مَا هُو مِنْ كلامِ الإنْسِ، ولا هو مِنْ كَلامِ الجنِّ، إنَّ له الحلاوة، وإنَّ عليه لَطَلاَوَةً، وإنَّ أَعْلاَهُ لمثمرٌ، وإنَّ أسْفَلَه لَمُغْدِقٌ، وإِنَّه يَعْلُو، وَمَا يُعْلَى، فقالتْ قريشٌ: صَبَأَ الوليدُ واللَّه لتصبأَنَّ قريشٌ، فقال أبو جهل: أنا أكْفِيكُمُوه فَحاجَّه أبو جهل وجماعة حتَى غَضِبَ الوليدُ، وقال: تَزْعُمُون أَنَّ محمداً مجنُونٌ، فَهَلْ رأيتمُوه يُخْنَقُ قَط؟

قالوا: لا، قال: تزعمُون أنه شاعر، فهل رأيتموه يَنْطِق بشعرٍ قط؟

قالوا: لا، قال: تَزْعَمُونَ أَنّه كاهنٌ، فهل رأيتموه يتكهن قط؟

قالوا لا، قال: تَزْعمُونَ أَنَّه كذابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عليه شيئاً من الكذبِ قط؟

قالوا: لا، وكانوا يُسمُّونه قبلَ النبوةِ الأمِينُ لِصِدْقِهِ، فَقَالَتْ قريش: ما عندَك فيه؟

فتفكَّرَ في نفسه، فقال: ما أرى فيه شيئاً مما ذكرتمُوه فقالوا: هو ساحرٌ، فقال: أما هذا فُيُشْبِه، / وألفاظ الرواة هنا مُتَقَارِبَة المعاني مِنْ رواية الزهري وغيره.

وقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قَالَ الثعلبيُّ وغيرُه: قُتِلَ معناه: لُعِنَ، انتهى.

وَبَسَرَ أي قَطَبَ مَا بَيْنَ عينيه واربد وَجْهُه ثم أدْبَر عَنْ الهُدَى بعد أن أقْبَلَ إليهِ، وقال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: يُرْوَى، أي: يرويه محمدٌ عن غيره.

وسَقَرُ هي الدَّرْكُ السادسِ منَ النَّارِ، لاَ تُبْقِي عَلَى مَنْ أُلْقي فيها وَلا تَذَرُ غايةً من العذاب إلا وصّلته إليه.

لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)

وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)

وقوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال ابن عباس وجمهور الناس: معناه مُغَيِّرَةٌ للبَشَرَاتِ ومُحَرِّقَةٌ للجُلودِ مُسَوِّدَة لها «١» ، فالبَشَرُ جَمْع بَشَرَةٍ، وقال الحسن وابن كَيْسَانَ: لَوَّاحَةٌ بِنَاء مبالغَةٍ من لاَحَ يَلُوحُ إذا ظَهَرَ، فالمعنى أنها تظهرُ للناسِ وهم البَشَرُ من مسيرةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذلك لعظمِها وهَوْلِهَا وزفيرها «٢» .

وقولُه تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ لاَ خِلاَفَ بينَ العلماءِ أنهم خَزَنَةُ جهنمَ المحيطونَ بأمْرِها الذين إليهم جِمَاع أمْرِ زبانِيَتِها، ورُوِي أن قريشاً لما سَمِعَتْ هذا كَثُرَ لَغَطُهم فيه، وقالوا: ولَوْ كَانَ هذا حقاً، فإن هَذَا العَدَدَ قليلٌ، وقالَ أبو جهل: هؤلاء تسعةَ عشَرَ، وأنْتُمْ الدُّهْمُ أي: الشُّجْعَانُ: أفَيَعْجَزُ عشرةٌ منا عن رجلٍ منهم إلى غير هذا من أقوالهم السخيفةِ.

وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً تَبْيينٌ لفسادِ أقوالِ قريشٍ، أي:

إنا جَعَلْنَاهم خَلْقاً لا قِبَلَ لاًّحَدٍ من الناس بهم وجعلنا عِدَّتَهم هذا القدرَ فتنةً للكفارِ لِيَقَع منهم من التعاطِي والطَّمَعِ في المغالَبَةِ ما وقع، ولِيَسْتَيْقِنَ أهلُ الكتابِ- التوراةِ والإنجيلِ- أنَّ هذا القرآنَ مِنْ عندَ اللَّهِ، إذْ هُمْ يَجِدُونَ هذهِ العدةَ في كُتُبِهم المنزَّلةِ، قال هذا المعنى ابنُ عباسٍ وغيرُه «٣» ، وبوُرُودِ الحقائقِ من عند الله- عز وجل- يَزْدَادُ كلُّ ذِي إيمانٍ إيمَاناً، ويَزُولُ الرَّيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِنْ أهْلِ الكتابِ ومِنَ المؤمنين.

/ وقوله سبحانه: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ....

الآية، نوعٌ من الفتنةِ لهذا الصِّنفِ المنافِق أو الكافرِ، أي حَارُوا وَلَمْ يَهْتَدُوا لِمَقْصِدِ الحقِ، فجعلَ بَعْضُهم يَسْتَفْهِمُ بَعْضاً عن مرادِ اللَّه بهذا المثل، استبعاداً أنْ يكونَ هذا مِنْ عِندِ اللَّهِ، قال الحسين بن الفضل: السورة مكيَّةٌ وَلَمْ يكن بمكةَ نِفَاقٌ وإنَّما المرض في هذه الآيةِ الاضْطِرَابُ وضَعْفُ الإيمانِ «٤» ، ثم قَالَ تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إعْلاماً بأن الأمْرَ فَوْقَ ما يتوهّم،

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ "سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ: لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ..........

∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟

وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى  ﴾ الآيَةُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً  ﴾ تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ  ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ  ﴾ الآيَةُ...

نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَآ أصحاب ﴾ .

روى الطبري عن ابن عباس وجابر بن زيد: «أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ [المدثر: 30] قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدَّهْم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟

فقال الله تعالى: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ ، أي ما جعلناهم رجالاً فيأخذ كل رجل رجلاً، فمن ذا يغلب الملائكة اه.

وفي «تفسير القرطبي» عن السدي: أن أبا الأشَدَّ بنَ كَلَدَة الجمحِي قال مستهزئاً: لا يَهُولَنَّكم التسعةَ عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمننِ عشرة وبمنكبي الأيسر تسعة ثم تمرون إلى الجنة، وقيل: قال الحارث بن كَلَدة: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، يريد التهكم مع إظهار فرط قوته بين قومه.

فالمراد مِن ﴿ أصحاب النار ﴾ خزنتها، وهم المتقدم ذكرهم بقوله: ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30].

والاستثناء من عموم الأنواع، أي ما جعلنا خزنة النار من نوع إلاّ من نوع الملائكة.

وصيغة القصر تفيد قلب اعتقاد أبي جهل وغيره مَا توهموه أو تظاهروا بتوهمه أن المراد تسعة عشر رجلاً فطمع أن يخلص منهم هو وأصحابه بالقوة فقد قال أبو الأشدِّ بن أُسَيد الجُمحِي: لا يَبلغون ثوبي حتى أُجْهضَهم عن جهنم، أي أنحِّيهم.

وقوله تعالى: ﴿ وما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ تتميم في إبطال توهم المشركين حقارة عدد خزنة النار، وهو كلام جار على تقدير الأسلوب الحكيم إذ الكلام قد أثار في النفوس تساؤلاً عن فائدة جعل خزنة جهنم تسعةَ عشر وهلاّ كانوا آلافاً ليكون مرآهم أشد هولاً على أهل النار، أو هلاَّ كانوا ملكاً واحداً فإن قُوى الملائكة تأتي كل عمل يسخرها الله له، فكان جواب هذا السؤال: أن هذا العدد قد أظهر لأصناف الناس مبلغ فَهم الكفار للقرآن.

وإنما حصلت الفتنة من ذكر عددهم في الآية السابقة.

فقوله: ﴿ وما جعلنا عدتهم ﴾ تقديره: وما جعلنا ذكر عدتهم إلاّ فتنة، ولاستيقان الذين أوتوا الكتاب، وازدياد الذين آمنوا إيماناً، واضطراب الذين في قلوبهم مرض فيظهر ضلال الضالين واهتداء المهتدين.

فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا اقتضت ذلك الجعل يعلمها الله.

والاستثناء مفرغ لمفعول ثان لفعل ﴿ جعلنا ﴾ تقديره جعلنا عدتهم فتنة لا غير، ولما كانت الفتنة حالاً من أحوال الذين كفروا لم تكن مراداً منها ذاتها بل عروضها للذين كفروا فكانت حالاً لهم.

والتقدير: ما جعلنا ذكر عدتهم لعلة وغرض إلاّ لغرض فتنة الذين كفروا؛ فانتصب ﴿ فتنة ﴾ على أنه مفعول ثان لفعل ﴿ جعلنا ﴾ على الاستثناء المفرغ، وهو قصر قلب للردّ على الذين كفروا إذ اعتقدوا أن عدتهم أمر هيّن.

وقوله: ﴿ ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ﴾ الخ.

علة ثانية لفعل ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ﴾ .

ولولا أن كلمة ﴿ فتنة ﴾ منصوبة على المفعول به لِفعل ﴿ جعلنا ﴾ .

لكان حق ﴿ ليستيقن ﴾ أن يعطف على ﴿ فتنة ﴾ ولكنه جاء في نظم الكلام متعلقاً بفعل: ويجوز أن يكون للذين كفروا } متعلقاً بفعل ﴿ جعلنا وب فتنة ﴾ ، على وجه التنازع فيه، أي ما جعلنا عدتهم للذين كفروا إلاّ فتنةً لهم إذ لم يحصل لهم من ذكرها إلاّ فساد التأويل، وتلك العِدة مجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد.

والاستيقان: قوة اليقين، فالسين والتاء فيه للمبالغة.

والمعنى: ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقاً لما في كتبهم.

والمراد ب ﴿ الذين أُوتوا الكتاب ﴾ اليهود حين يبلغهم ما في القرآن من مثل ما في كتبهم أو أخبارهم.

وكان اليهود يترددون على مكة في التجارة ويتردد عليهم أهل مكة للميرة في خيبر وقريظة ويثرب فيسأل بعضهم بعضاً عما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم ويودّ المشركون لو يجدون عند اليهود ما يكذبون به أخبار القرآن ولكن ذلك لم يجدوه ولو وجدوه لكان أيسر ما يطعنون به في القرآن.

والاستيقان من شأنه أن يعقبه الإِيمان إذا صادف عقلاً بريئاً من عوارض الكفر كما وقع لعبد الله بن سَلاَم وقد لا يعقبه الإِيمان لمكابرة أو حسد أو إشفاق من فوات جاه أو مال كما كان شأن كثير من اليهود الذي قال الله فيهم ﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن كثيراً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146] ولذلك اقتصرت الآية على حصول الاستيقان لهم.

روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار؟، قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيئنا.

فجاء رجل إلى النبي فقال: يا محمد غُلب أصحابكم اليوم، قال: وبم غلبوا قال: سألهم يهودُ: هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار، قال: فما قالوا؟

قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبيئنا، قال: أفغُلب قوم سُئلوا عما لا يعلمون؟

فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبيئنا إلى أن قال جابر: فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟

قال.

هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة عشرة وفي مرة تسع (بإشارة الأصابع) قالوا: نعم الخ.

وليس في هذا ما يُلجئ إلى اعتبار هذه الآية نازلة بالمدينة كما روي عن قتادة لأن المراجعة بين المشركين واليهود في أخبار القرآن مألوفة من وقت كون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة.

قال أبوبكر ابن العربي في «العارضة»: حديث جابر صحيح والآية التي فيها ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30] مكية بإجماع، فكيف تقول اليهود هذا ويدعوهم النبي للجواب وذلك كان بالمدينة، فيحتمل أن الصحابة قالوا: لا نعلم، لأنهم لم يكونوا قرأوا الآية ولا كانت انتشرت عندهم (أي لأنهم كانوا من الأنصار الذين لم يتلقوا هذه الآية من سورة المدثر لبعد عهد نزولها بمكة وكان الذين يجتمعون باليهود ويسألهم اليهود هم الأنصار.

قال: ويحتمل أن الصحابة لم يمكنهم أن يعينوا أن التسعة عشر هم الخزنة دون أن يعيِّنهم الله حتى صرح به النبي صلى الله عليه وسلم اه.

فقد ظهر مصداق قوله تعالى: ﴿ ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ﴾ بعد سنين من وقت نزوله.

ومعنى ﴿ ويزداد الذين ءامنوا إيماناً ﴾ أنهم يؤمنون به في جملة ما يؤمنون به من الغيب فيزداد في عقولهم جُزئيّ في جزئيات حقيقة إيمانهم بالغيب، فهي زيادة كمية لا كيفية لأن حقيقة الإِيمان التصديق والجزم وذلك لا يقبل الزيادة، وبمثل هذا يكون تأويل كل ما ورد في زيادة الإِيمان من أقوال الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.

وقوله: ﴿ ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون ﴾ عطف على ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ﴾ أي لينتفي عنهم الريب فلا تعتورهم شبهة من بعد علمه لأنه إيقان عن دليل.

وإن كان الفريقان في العمل بعلمهم متفاوتين، فالمؤمنون علموا وعَملوا، والذين أُوتوا الكتاب علموا وعاندوا فكان علمهم حجة عليهم وحسرة في نفوسهم.

والمقصود من ذكره التمهيد لذكر مكابرة الذين في قلوبهم مرض والكافرين في سوء فهمهم لهذه العِدة تمهيداً بالتعريض قبل التصريح، لأنه إذا قيل ﴿ ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون ﴾ شعر الذين في قلوبهم مرض والكافرون بأنهم لما ارتابوا في ذلك فقد كانوا دون مرتبة الذين أوتوا الكتاب لأنهم لا ينازعون في أن الذين أوتوا الكتاب أرجح منهم عقولاً وأسد قولاً، ولذلك عطف عليه ﴿ وليقولَ الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ ، أي ليقولوا هذا القول إعراباً عما في نفوسهم من الطعن في القرآن غير عالمين بتصديق الذين أوتوا الكتاب.

واللام لام العاقبة مثل التي في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].

والمرض في القلوب: هو سوء النية في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك مثل الأخنس بن شَرِيق والوليد بن المغيرة، وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون لأن المنافقين ما ظهروا إلاّ في المدينة بعد الهجرة والآية مكية.

و ﴿ ماذا أراد الله ﴾ استفهام إنكاري فإن (ما) استفهامية، و(ذا) أصله اسم إشارة فإذا وقع بعد (ما) أو (مَن) الاستفهاميتين أفاد معنى الذي، فيكون تقديره: ما الأَمر الذي أراده الله بهذا الكلام في حال أنه مثل، والمعنى: لم يرد الله هذا العدد الممثل به، وقد كُنّي بنفي إرادة الله العدد عن إنكار أن يكون الله قال ذلك، والمعنى: لم يرد الله العدد الممثل به فكنَّوا بنفي إرادة الله وصفَ هذا العددِ عن تكذيبهم أن يكون هذا العدد موافقاً للواقع لأنهم ينفون فائدته، وإنما أرادوا تكذيب أن يكون هذا وحياً من عند الله.

والإِشارة بهذا إلى قوله: ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30].

و ﴿ مثلاً ﴾ منصوب على الحال من هذا، والمثل: الوصف، أي بهذا العدد وهو تسعة عشر، أي ما الفائدة في هذا العدد دون غيره مثل عشرين.

والمثل: وصف الحالة العجيبة، أي ما وصَفه من عدد خزنة النار كقوله تعالى: ﴿ مثل الجنّة التي وعد المتقون ﴾ [محمد: 15] الآية.

وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ في سورة [البقرة: 26].

اسم الإِشارة عائد إلى ما تضمنه الكلام المتقدم من قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ مثلاً ﴾ بتأويل ما تضمنه الكلام، بالمذكور، أي مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين، والحاصل للذين أوتوا الكتاب بعد أن استيقنوا فلم يؤمنوا يُضل الله من يشاء أن يضله من عباده، ومثل ذلك الهُدى الذي اهتداه المؤمنون فزادهم إيماناً مع إيمانهم يَهدي الله من يشاء.

والغرض من هذا التشبيهِ تقريبُ المعنى المعقول وهو تصرف الله تعالى بخلق أسباب الأحوال العارضة للبشر، إلى المعنى المحسوس المعروف في واقعة الحال، تعليماً للمسلمين وتنبيهاً للنّظر في تحصيل ما ينفع نفوسهم.

ووجه الشبه هو السببية في اهتداء من يهتدي وضَلال من يَضِل، في أن كُلاًّ من المشبَّه والمشبه به جعله الله سبباً وإرادة لحكمة اقتضاها علمه تعالى فتفاوتَ الناسُ في مدى إفهامهم فيه بين مهتدٍ ومرتاببٍ مُختلف المرتبةِ في ريبه، ومكابرٍ كافر وسَيّئ فهممٍ كافر.

وهذه كلمة عظيمة في اختلاف تلقي العقول للحقائق وانتفاعهم بها أو ضده بحسب اختلاف قرائحهم وفهومهم وتراكيب جبلاتهم المتسلسلة من صواب إلى مثله، أو من تردد واضطراب إلى مثله، أو من حَنق وعناد إلى مثله، فانطوى التشبيه من قوله: ﴿ كذلك ﴾ على أحوال وصور كثيرة تظهر في الخارج.

وإسناد الإِضلال إلى الله تعالى باعتبار أنه موجِد الأسباب الأصلية في الجبلات، واقتباس الأهواء وارتباط أحوال العالم بعضها ببعض، ودعوة الأنبياء والصلحاء إلى الخير، ومقاومة أيمة الضلال لتلك الدعوات.

تلك الأسباب التي أدت بالضالين إلى ضلالهم وبالمهتدين إلى هداهم.

وكلٌّ من خلق الله.

فما على الأنفس المريدة الخير والنجاة إلاّ التعرض لأحد المهيعين بعد التجرد والتدبر ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286].

ومشيئة الله ذلك تعلق علمه بسلوك المهتدين والضالّين.

ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب بالنيابة عن المفعول المطلق لأن الجار والمجرور هنا صفة لمصدر محذوف دلّت عليه الصفة، والتقدير: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إضلالاً وهدياً كذلك الإِضلال والهدي.

وليس هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].

وقدم وصف المفعول المطلق للاهتمام بهذا التشبيه لما يرشد إليه من تفصيل عند التدبر فيه، وحصل من تقديمه محسّن الجمع ثم التقسيم إذ جاء تقسيمه بقوله {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.

كلمة جامعة لإِبطال التخرصَات التي يتخرصها الضالون ومرضى القلوب عند سماع الأخبار عن عالم الغيب وأمور الآخرة من نحو: ما هَذَا به أبو جهل في أمر خزنة جهنم يشمل ذلك وغيره، فلذلك كان لهذه الجملة حكم التذييل.

والجنودُ: جمع جند وهو اسم لجماعة الجيش واستعير هنا للمخلوقات التي جعلها الله لتنفيذ أمره لمشابهتها الجنود في تنفيذ المراد.

وإضافة رب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف، وتعريض بأن من شأن تلك الجنود أن بعضها يكون به نصرُ النبي صلى الله عليه وسلم ونفي العلم هنا نفي للعلم التفصيلي بأعدادها وصفاتها وخصائصها بقرينة المقام، فإن العلم بعدد خزنة جهنم قد حصل للناس بإعلام من الله لكنهم لا يعلمون ما وراء ذلك.

فيه معان كثيرة أعلاها أن يكون هذا تتمة لقوله: ﴿ وما جعلنا عدتهم إلاّ فتنة للذين كفروا ﴾ على أن يكون جارياً على طريقة الأسلوب الحكيم، أي أن النافع لكم أن تعلموا أن الخبر عن خزنة النار بأنهم تسعة عشر فائدته أن يكون ذكرى للبشر ليتذكروا دار العقاب بتوصيف بعض صفاتها لأن في ذكر الصفة عوناً على زيادة استحضار الموصوف، فغرض القرآن الذكرى، وقد اتخذه الضالّون ومرضى القلوب لهواً وسخرية ومِراء بالسؤال عن جعلهم تسعة عشر ولِمَ لم يكونوا عشرين أو مئات أو آلافاً.

وضمير ﴿ هي ﴾ على هذا الوجه إلى ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكلام السابق وتأنيث ضميره لتأويله بالقصّة أو الصفة أو الآيات القرآنية.

والمعنى: نظير المعنى على الاحتمال الأول.

ويحتمل أن يرجع إلى ﴿ سَقَر ﴾ [المدثر: 26] وإنما تكون ﴿ ذِكْرى ﴾ باعتبار الوعيد بها وذكرِ أهوالها.

والقصرُ متوجه إلى مضاف محذوف يدل عليه السياق تقديره: وما ذكرها أو وصفها أو نحو ذلك.

ويحتمل أن يرجع ضمير ﴿ هي ﴾ إلى ﴿ جنود ربّك ﴾ والمعنَى المعنى، والتقديرُ التقديرُ، أي وما ذكرها أو عِدة بعضها.

وجوّز الزجاج أن يكون الضمير راجعاً إلى نار الدنيا، أي أنها تذكر للناس بنار الآخرة، يريد أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تَذْكرة ﴾ [الواقعة: 71 73].

وفيه محسن الاستخدام.

وقيل: المعنى: وما عدتهم إلاّ ذكرى للناس ليعلموا غنى الله عن الأعوان والجند فلا يظلوا في استقلال تسعة عشر تجاه كثرة أهل النار.

وإنما حَمَلَت الآية هذه المعانيَ بحسن موقعها في هذا الموضع وهذا من بلاغة نظم القرآن.

ولو وقعت إثر قوله: ﴿ لواحة للبشر ﴾ [المدثر: 29] لتمحض ضمير ﴿ وما هي إلاّ ذكرى ﴾ للعود إلى سقر، وهذا من الإعجاز بمواقع جمل القرآن كما في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.

وبين لفظ البشر المذكور هنا ولفظ البشَر المتقدم في قوله: ﴿ لوّاحة للبشر ﴾ التّجنيس التام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ وإنْ كانَ النّاسُ خُلِقُوا مِثْلَ خَلْقِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ لِأذى الرَّسُولِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: (وَحِيدًا) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ وحْدَهُ.

الثّانِي: خَلَقَهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ في المُرادِ بِخَلْقِهِ وحِيدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ بِهِ قَدْرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فِيما أُعْطِي مِنَ المالِ والوَلَدِ.

الثّانِي: أنْ يَدُلَّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُبْعَثُ وحِيدًا كَما خُلِقَ وحِيدًا.

﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّها أرْضٌ يُقالُ لَها مِيثاقٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

السّادِسُ: أنَّها غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّامِنُ: أنَّها الأنْعامُ الَّتِي يَمْتَدُّ سَيْرُها في أقْطارِ الأرْضِ لِلْمَرْعى والسِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُوهَ المَكاسِبِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ زِيادَةِ الزِّراعَةِ وكَسْبِ التِّجارَةِ ونِتاجِ المَواشِي فَيَمُدُّ بَعْضَها بِبَعْضٍ لِأنَّ لِكُلِّ مَكْسَبٍ وقْتًا.

وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَوَّنُ نَماؤُهُ مِن أصْلِهِ كالنَّخْلِ والشَّجَرِ.

﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَشَرَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ: كانَ لَهُ سَبْعَةٌ وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةٌ وُلِدُوا بِالطّائِفِ.

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ شُهُودًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم حُضُورٌ مَعَهُ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهم كُلُّهم رَبُّ بَيْتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم قَدْ صارُوا مِثْلَهُ مِن شُهُودِ ما كانَ يَشْهَدُهُ، والقِيامِ بِما كانَ يُباشِرُهُ.

﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: مَهَّدْتُ لَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مَهَّدْتُ لَهُ الرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ مَهَّدَ لَهُ الأمْرَ في وطَنِهِ حَتّى لا يَنْزَعِجَ عَنْهُ بِخَوْفٍ ولا حاجَةٍ.

﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، كَلّا، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ (كَلّا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمْ يَزَلِ النُّقْصانُ في مالِهِ ووَلَدِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أنْصُرَهُ عَلى كُفْرِهِ.

﴿ كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ في المُرادِ (بِآياتِنا) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي قَوْلِهِ (عَنِيدًا) أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُعانِدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ الحارِثِيِّ إذا نَزَلْتُ فاجْعَلانِي وسَطًا إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا الثّانِي: مُباعِدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أرانا عَلى حالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ∗∗∗ نَوى غُرْبَةٍ إنَّ الفِراقَ عُنُودُ.

الثّالِثُ: جاحِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: مُعْرِضٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّهُ المُجاهِرُ بِعَداوَتِهِ.

﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَشَقَّةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ عَذابٌ لا راحَةَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: أنَّها صَخْرَةٌ في النّارِ مَلْساءُ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَإذا صَعِدَها زَلَقَ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

الرّابِعُ: ما رَواهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ  ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: (هُوَ جَبَلٌ في النّارِ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ، وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ)» .

ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ تَصاعُدُ نَفْسِهِ لِلنَّزْعِ وإنْ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَوْتٌ لِيُعَذَّبَ مِن داخِلِ جَسَدِهِ كَما يُعَذَّبُ مِن خارِجِهِ.

﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: زَعَمُوا أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ أيْ فَكَّرَ في القُرْآنِ فِيما إنَّهُ سِحْرٌ ولَيْسَ بِشِعْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ فَكَّرَ في العَداوَةِ وقَدَّرَ في المُجاهَدَةِ.

﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ عُوقِبَ ثُمَّ عُوقِبَ، فَيَكُونُ العِقابُ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.

الثّانِي: أيْ لُعِنَ ثُمَّ لُعِنَ كَيْفَ قَدَّرَ أنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ، وأنَّهُ سِحْرٌ.

﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وفي ما نَظَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظَرَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى بَنِي هاشِمٍ حِينَ قالَ في النَّبِيِّ  إنَّهُ ساحِرٌ، لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهم.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ثُمَّ نَظَرَ إلى نَفْسِهِ فِيما أُعْطِيَ مِنَ المالِ والوَلَدِ فَطَغى وتَجَبَّرَ.

﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ أمّا عَبَسَ فَهو قَبْضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبَسَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَلَحَ وجْهُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الجِفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُومَةٍ باسِرَةٍ الثّانِي: تَغَيَّرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورِها.

واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَبَسَ وبَسَرَ عَلى النَّبِيِّ  حِينَ دَعاهُ.

واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى مَن آمَنَ بِهِ ونَصَرَهُ.

وَقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العَبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَ المُحاوَرَةِ.

﴿ ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ واسْتَكْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ.

الثّانِي: أدْبَرَ عَنْ مَقامِهِ واسْتَكْبَرَ في مَقالِهِ.

﴿ فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: إنْ هَذا القُرْآنَ إلّا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ فَأخَذَهُ عَمَّنْ تَقَدَّمُهُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ النُّفُوسَ تُؤْثَّرُ لِحَلاوَتِهِ فِيها كالسِّحْرِ.

﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنُونَ أنَّهُ مِن قَوْلِ أبِي اليُسْرِ عَبْدٌ لَبَنِي الحَضْرَمِيِّ كانَ يُجالِسُ النَّبِيَّ  ، فَنَسَبُوهُ إلى أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ ذَلِكَ.

﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ إذا آلَمَتْ دِماغَهُ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ إيلامِها.

﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا، ولا تَذَرُهُ مَيِّتًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا تُبْقِي أحَدًا مِن أهْلِها أنْ تَتَناوَلَهُ، ولا تَذَرُهُ مِنَ العَذابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: لا تُبْقِيهِ صَحِيحًا، ولا تَذَرُهُ مُسْتَرِيحًا.

﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُغَيِّرَةٌ لِألْوانِهِمْ، قالَ أبُو رُزَيْنٍ تَلْفَحُ وُجُوهَهم لَفْحَةً تَدَعُهم أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ.

الثّانِي: تَحْرِقُ البَشَرَ حَتّى تَلُوحَ العَظْمُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الثّالِثُ: أنَّ بَشَرَةَ أجْسادِهِمْ تَلُوحُ عَلى النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّ اللَّواحَ شَدَّةُ العَطَشِ، والمَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، أيْ لِأهْلِها، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيا.

يَعْنِي بِاللَّوَحِ شِدَّةَ العَطَشِ: ويَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ بِهَوْلِها حَتّى تَكُونَ أشَدَّ عَلى مَن سَبَقَ إلَيْها، وأسَرَّ لِمَن سَلِمَ مِنها.

وَفي البَشَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ والأكْثَرُونَ.

الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ بَشَرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ هَؤُلاءِ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ وهُمُ الزَّبانِيَةُ، وعَدَدُهم هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ورَوى عامِرٌ عَنِ البَراءِ «أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأهْوى بِأصابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَأمْسَكَ الإبْهامَ في الثّانِيَةِ»، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِهَذا العَدَدِ، وكانَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأعْدادِ إخْبارًا عَمَّنْ وُكِّلَ بِها وهو هَذا العَدَدُ، ومُوافَقَةً لَما نَزَلَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن قَبْلُ.

وَقَدْ يَلُوحُ لِي في الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ مَعْنًى خَفِيٌّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو أنَّ تِسْعَةَ عَشَرَ عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ العَدَدَ آحادٌ وعَشَراتٌ ومِئُونٌ وأُلُوفٌ، والآحادُ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُ الآحادِ تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ وأقَلُّ الكَثِيرِ عَشَرَةٌ، فَصارَتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَدَدًا يَجْمَعُ مِنَ الأعْدادِ أكْثَرَ قَلِيلِها، وأقَلَّ كَثِيرِها، فَلِذَلِكَ ما وقَعَ عَلَيْها الِاقْتِصارُ واَللَّهُ أعْلَمُ لِلنُّزُولِ عَنْ أقَلِّ القَلِيلِ وأكْثَرِ الكَثِيرِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما وصَفْتُ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَفِظَ جَهَنَّمَ حَتّى ضُبِطَتْ وحُفِظَتْ بِمِثْلِ ما ضُبِطَتْ بِهِ الأرْضُ وحُفِظَتْ بِهِ مِنَ الجِبالِ حَتّى رَسَتْ وثَبَتَتْ، وجِبالُ الأرْضِ الَّتِي أُرْسِيَتْ بِها واسْتَقَرَّتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ جَبَلًا، وإنَّ شُعَبَ فُرُوعِها تَحْفَظُ جَهَنَّمَ بِمِثْلِ هَذا العَدَدِ، لِأنَّها قَرارٌ لِعُصاةِ الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَحَفِظَتْ مُسْتَقَرَّهم في النّارِ بِمِثْلِ العَدَدِ الَّذِي حَفِظَ مُسْتَقَرَّهم في الأرْضِ، وحَدُّ الجَبَلِ ما أحاطَتْ بِهِ أرْضٌ تَتَشَعَّبُ فِيها عُرُوقُهُ ظاهِرُهُ ولا باطِنُهُ، وقَدْ عَدَّ قَوْمٌ جِبالَ الأرْضِ فَإذا هي مِائَةٌ وتِسْعُونَ جَبَلًا، واعْتَبَرُوا انْقِطاعَ عُرُوقِها رَواسِيَ وأوْتادًا، فَهَذانَ وجْهانِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِنْباطُ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ما اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ.

وَذَكَرَ مَن يَتَعاطى العُلُومَ العَقْلِيَّةَ وجْهًا ثالِثًا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَ نِظامَ خَلْقِهِ ودَبَّرَ ما قَضاهُ في عِبادِهِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ جَعَلَها المُدَبِّراتِ أمْرًا وهي سَبْعَةُ كَواكِبَ واثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَصارَ هَذا العَدَدُ أصْلًا في المَحْفُوظاتِ العامَّةِ، فَلِذَلِكَ حَفِظَ جَهَنَّمَ، وهَذا مَدْفُوعٌ بِالشَّرْعِ وإنْ راقَ ظاهِرُهُ.

ثُمَّ نَعُودُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، رَوى قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أما يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَأْخُذُوا واحِدًا مِنهم وأنْتُمْ أكْثَرُ مِنهم.

قالَ السُّدِّيُّ: وقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ الجُمَحِيِّ: لا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ أنا أدْفَعُ عَنْكم بِمَنكِبِي الأيْمَنِ عَشَرَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وبِمَنكِبِي الأيْسَرِ التِّسْعَةَ ثُمَّ تَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ، يَقُولُها مُسْتَهْزِئًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قلت: يقولون ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت.

قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت دثروني فدثروني، فنزلت ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ إلى قوله: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ » .

وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟

فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ إلى قوله: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: دثرت هذا الأمر فقم به.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: كان متدثراً في قطيف، يعني شملة صغيرة الخمل ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الإِثم ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: المتدثر في ثيابه ﴿ قم فأنذر ﴾ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم وشدة نقمته إذا انتقم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ يقول: طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية، كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهده قالوا: إن فلاناً لدنس الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: هما صنمان كانا عند البيت أساف ونائلة يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله نبيه محمداً أن يهجرهما ويجانبهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لمثابة الدنيا ولا لمجازاة الناس.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وربك فكبر ﴾ قال: عظم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الشيطان والأوثان.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة، فأنزل الله: ﴿ وربك فكبر ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بالتكبير.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: النائم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأصنام ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الغدر، ولا تكن غداراً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: إني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غدراً قالوا: فلان دنس الثياب.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عملك أصلحه، كان أهل الجاهلية إذا كان الرجل حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: وعملك فأصلح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عنه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأوثان ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: على ما أوذيت.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: ليس ثيابه الذي يلبس.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: خلقك فحسن.

وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن مرثد في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ أنه ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلا شاة.

وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ بالكسر.

وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ والرجز فاهجر ﴾ برفع الراء، وقال: هي الأوثان» .

وأخرج ابن المنذر عن حماد رضي الله عنه قال: قرأت في مصحف أبي ﴿ ولا تمنن أن تستكثر ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ يقول: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وإنما نزل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس موسع عليهم.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني، عد فادعهم ﴿ ولربك فاصبر ﴾ على ذلك.

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: الصور ﴿ يوم عسير ﴾ قال: شديد.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: فإذا نفخ في الصور.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه وأبي مالك وعامر مثله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الناقور الصور شيء كهيئة البوق.

وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر؟

قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟

قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .

وأخرج ابن سعد والحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر، فلما بلغ ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ خر ميتاً فكنت فيمن حمله.

وأخرج عبد حميد عن قتادة ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ﴾ قال: ثم بين على من مشقته وعسره فقال: ﴿ على الكافرين غير يسير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ سبب الآية أنه لما نزل ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ [المدثر: 30] قال أبو جهل: أيعجز عشرة منكم عن واحد من هؤلاء التسعة عشرة أن يبطشوا به، فنزلت الآية ومعناها أنهم ملائكة لا طاقة لكم بهم، ورُوي أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي جعلناهم هذا العدد ليفتتن الكفار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم ويقولون ما قالوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ أن ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم حق، فإن قيل: كيف نفى عنهم الشك بعد أن وصفهم باليقين والمعنى واحد، وهو تكرار؟

فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفى عنهم أن يشكوا فيما يستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال والاستقبال، وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ المرض عبارة عن الشك، وأكثر ما يطلق الذين في قلوبهم مرض على المنافقين.؟

فإن قيل: هذه السورة مكية ولم يكن حينئذ منافقون وإنما حدث المنافقون بالمدينة، فالجواب من وجهين؛ أحدهما أن معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، والآخر أن يريد من كان بمكة من أهل الشك.

وقولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً: استبعاد لأن يكون هذا من عند الله ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ يحتمل القصد بهذا وجهين؛ أحدهما وصف جنود الله بالكثرة أي: هم من كثرتهم لا يعلمهم إلا الله، والآخر رفع اعتراض الكفار على التسعة عشر أي لا يعلم أعداد جنود الله إلا هو؛ لأن منهم عدداً قليلاً ومنهم عدداً كثيراً حسبما أراد الله ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ﴾ الضمير لجهنم أو للآيات المتقدمة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ : قيل: إن الذي حمل رسول الله  على التدثر: أنه كان في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئاً؛ ففرق منه، فأتى بيته، وقال: "زملوني"، فدثروه.

فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول الله  أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق.

ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح.

وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ ، فإن صح ما ذكروا، فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ .

وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره الله -  - أن يقوم فينذرهم بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، وعلى هذا التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون منه من الآيات، والله أعلم.

وذكر أن موسى [صلوات الله على نبينا وعليه] قال: "أتاني ربي من طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران".

فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: "أتاني ربي"، أي: أوحى إلي، وقوله: "وسيأتي من طور ساعورا" هو الوحي إلى عيسى  ، وقوله: "وسيطلع من جبل فاران" هو القرآن الذي أنزل على نبينا محمد  .

وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: "هل من داع فيجاب؟، هل من مستغفر فيغفر له؟"، فجائز أن يكون رسول الله  في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان.

/////////////////ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ تثبيت نبوة [نبينا] محمد  وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ونسبته إليه، لا يخرجه مخر التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأن رسول الله  هو الذي اخترعه من ذات نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ لم يفعل ثبت أنه رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه، وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول الله  أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.

وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه.

وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى الله  نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة الله، ومسجد الله، ورب العرش، [على] تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف المسجد.

وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم الله  ؛ كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما.

ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: "سبحان ربي العظيم"، فيخص نفسه بقوله: "ربي"، والحق في مثله أن يقول "سبحان ربنا"؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس؛ كقوله: "رب العالمين"، و"رب السماوات الأرض وما بينهما"؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس.

فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي  إذا وافق [حال] نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب.

ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء ي مثل تلك الحال، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله  ، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إيه حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: ﴿ قُمْ ﴾ إلزام [قيام]؛ ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ : أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: "يا عظيم" فقط.

وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن لله  ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها.

أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة الله  طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئاً يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم الله  يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب.

فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - والله أعلم -: أن طهر خلقك، وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه.

وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ متوجها إلى التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس.

فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله  [به].

وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي  خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على تطهير الثياب خاصه؛ بل أمر يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها، والله أعلم.

وعن ابن عباس -  - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر.

قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب.

وقال الحسن: خلقك فحسِّنه.

وقال بعضهم: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها النجاسات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ : فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ فقال الله  ا: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ  ﴾ ، فالمأثم اسم لم تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: [العذاب وما تتألهم به] جميعا.

وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا.

وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما، فأمر الله - عز وجل - نبيه  أن يعتزلهما بقوله: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ .

وقيل - أيضاً -: بأن المشركين قالوا للنبي  : لو مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنز الله  : ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ ، أي: فاهجر عبادة الأوثان.

وقيل: الرجز: العذاب.

فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ : قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على التقديم والتأخير.

فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول الله  وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لايتوهم أن يكون رسول الله  يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله  ؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خُصَّ بأدنى خير؛ فكيف يتوهم على رسول الله صلى لله عليه وسلم؟!

ولأن الامتنان على الله  من فعل المنافقين؛ قال الله  : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ  ﴾ .

ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ  ﴾ ، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ العصمة [لا] نتفع بها [إلا] مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ  ﴾ ، فإذا نهى عن مدعينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ثبت أن الله  نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه -  - من الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمسكاه وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله -  -: "ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...

﴾ الآية [الحشر: 7]، وذكر أن رسول الله  كان لا يدخر لغد، وقال  : ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ  مَتَاعٌ قَلِيلٌ  ﴾ فثبت أنه كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ﴾ : في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله  ، وإلى الصدق فيه.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ  ﴾ دعاء إلى نفس الصبر.

وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن الله  يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول الله  قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه الله  إلى الصبر على تحمل المكاره، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما جعلنا خَزَنة النار إلا ملائكة، فلا طاقة للبشر بهم، وقد كذب أبو جهل حين ادّعى أنَّه وقومه يقدرون على البطش بهم، ثمّ يخرجون من النار، وما جعلنا عددهم هذا إلا اختبارًا للذين كفروا بالله؛ ليقولوا ما قالوا فيُضاعَف عليهم العذاب، وليتيقّن اليهود الذين أعطوا التوراة، والنصارى الذين أعطوا الإنجيل حين نزل القرآن مصدقًا لما في كتابيهم، وليزداد المؤمنون إيمانًا عندما يوافقهم أهل الكتاب، ولا يرتاب اليهود والنصارى والمؤمنون، وليقول المترددون في الإيمان، والكافرون: أي شيء أراده الله بهذا العدد الغريب؟!

مثل إضلال مُنْكِر هذا العدد وهداية المُصَدِّق به، يُضِلُّ الله من شاء أن يضلّه ويهدي من شاء أن يهديه، وما يعلم جنود ربك من كثرتها إلا هو سبحانه، فليعلم بذلك أبو جهل القائل: (أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟!) استخفافًا وتكذيبًا، وما النار إلا تذكرة للبشر يعلمون بها عظمة الله سبحانه.

<div class="verse-tafsir" id="91.r1v6n"

مزيد من التفاسير لسورة المدثر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر