الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٣٣ من سورة المدثر
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٣٣ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
أي ولى.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) إذ ولَّى.
وقال آخرون في ذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي ؛ عن أبيه، عن ابن عباس ( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ) دبوره: إظلامه.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة ( إِذْ أَدْبَرَ )، وبعض قرّاء مكة والكوفة ( إذا دَبَرَ ).
والصواب من القول في ذلك عندنا، أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقد اختلف أهل العلم بكلام العرب في ذلك، فقال بعض الكوفيين: هما لغتان، يقال: دبر النهار وأدبر، ودبر الصيف وأدبر ، قال: وكذلك قَبل وأقبل ؛ فإذا قالوا: أقبل الراكب وأدبر لم يقولوه إلا بالألف.
وقال بعض البصريين: ( واللَّيْل إذَا دَبَرَ ) يعني: إذا دبر النهار وكان في آخره ؛ قال: ويقال: دبرني: إذا جاء خلفي، وأدبر: إذا ولَّى.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما لغتان بمعنى، وذلك أنه محكيّ عن العرب: قبح الله ما قَبِل منه وما دبر.
وأخرى أن أهل التفسير لم يميزوا في تفسيرهم بين القراءتين، وذلك دليل على أنهم فعلوا ذلك كذلك، لأنهما بمعنى واحد.
( والليل إذ أدبر ) أي ولى وكذلك ( دبر ) .
وقرأ نافع وحمزة وحفص إذ أدبر الباقون ( إذا ) بألف و ( دبر ) بغير ألف وهما لغتان بمعنى ; يقال دبر وأدبر ، وكذلك قبل الليل وأقبل .
وقد قالوا : أمس الدابر والمدبر ; قال صخر بن عمرو بن الشريد السلمي :ولقد قتلناكم ثناء وموحدا وتركت مرة مثل أمس الدابرويروى " المدبر " .
وهذا قول الفراء والأخفش .
وقال بعض أهل اللغة : دبر الليل : إذا مضى ، وأدبر : أخذ في الإدبار .
وقال مجاهد : سألت ابن عباس عن قوله تعالى : ( والليل إذا دبر ) فسكت حتى إذا دبر قال : يا مجاهد ، هذا حين دبر الليل .
وقرأ محمد بن السميقع ( والليل إذا أدبر ) بألفين ، وكذلك في مصحف عبد الله وأبي بألفين .
وقال قطرب من قرأ ( دبر ) فيعني أقبل ، من قول العرب دبر فلان : إذا جاء من خلفي .
قال أبو عمرو : وهي لغة قريش .
وقال ابن عباس في رواية عنه : الصواب : أدبر ، إنما يدبر ظهر البعير .
واختار أبو عبيد : [ ص: 78 ] ( إذا أدبر ) قال : لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه ; ألا تراه يقول : والصبح إذا أسفر ، فكيف يكون أحدهما إذ والآخر إذا وليس في القرآن قسم تعقبه إذ وإنما يتعقبه إذا
وبالليل وقت إدباره.
( والقمر والليل إذ أدبر ) قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب " إذ " بغير ألف ، " أدبر " بالألف ، وقرأ الآخرون " إذا " بالألف " دبر " بلا ألف ، لأنه أشد موافقة لما يليه ، وهو قوله : ( والصبح إذا أسفر ) ولأنه ليس في القرآن قسم بجانبه إذ وإنما بجانب الإقسام إذا [ ودبر وأدبر ] كلاهما لغة ، يقال : دبر الليل وأدبر إذا ولى ذاهبا .
قال أبو عمرو : دبر لغة قريش ، وقال قطرب : دبر أي أقبل ، تقول العرب : دبرني فلان أي جاء خلفي ، فالليل يأتي خلف النهار .
«والليل إذا» بفتح الذال «دبر» جاء بعد النهار وفي قراءة إذ دبر بسكون الذال بعدها همزة، أي مضى.
ليس الأمر كما ذكروا من التكذيب للرسول فيما جاء به، أقسم الله سبحانه بالقمر، وبالليل إذ ولى وذهب، وبالصبح إذا أضاء وانكشف.
إن النار لإحدى العظائم؛ إنذارًا وتخويفًا للناس، لمن أراد منكم أن يتقرَّب إلى ربه بفعل الطاعات، أو يتأخر بفعل المعاصي.
وحق ( والليل إِذْ أَدْبَرَ ) أى : وقت أن ولى ذاهبا بسبب إقبال النهار عليه .
ثم قال تعالى: ﴿ كَلاَّ ﴾ وفيه وجوه: أحدها: أنه إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن تكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون.
وثانيها: أنه ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر نذيراً.
وثالثها: أنه ردع لقول أبي جهل وأصحابه: إنهم يقدرون على مقاومة خزنة النار.
ورابعها: أنه ردع لهم عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة.
ثم قال تعالى: ﴿ والقمر * واليل إِذْ أَدْبَرَ ﴾ وفيه قولان: الأول: قال الفراء والزجاج: دبر وأدبر بمعنى واحد كقبل وأقبل ويدل على هذا قراءة من قرأ إذا دبر، وروى أن مجاهداً سأل ابن عباس عن قوله: ﴿ دُبُرٍ ﴾ فسكت حتى إذا أدبر الليل قال: يا مجاهد هذا حين دبر الليل، وروى أبو الضحى أن ابن عباس كان يعيب هذه القراءة ويقول: إنما يدبر ظهر البعير، قال الواحدي: والقراءتان عند أهل اللغة سواء على ما ذكرنا، وأنشد أبو علي: وأبى الذي ترك الملوك وجمعهم *** بصهاب هامدة كأمس الدابر القول الثاني: قال أبو عبيدة وابن قتيبة: دبر أي جاء بعد النهار، يقال: دبرني أي جاء خلفي ودبر الليل أي جاء بعد النهار، قال قطرب: فعلى هذا معنى إذا دبر إذا أقبل بعد مضي النهار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ بدل من ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ﴾ [المدثر: 17] ، ﴿ لاَ تُبْقِى ﴾ شيئاً يلقى فيها إلا أهلكته؛ وإذا هلك لم تذره هالكاً حتى يعاد.
أو لا تبقي على شيء، ولا تدعه من الهلاك، بل كل ما يطرح فيها هالك لا محالة ﴿ لَوَّاحَةٌ ﴾ من لوح الهجير.
قال: تَقُولُ مَا لاَحَكَ يَا مُسَافِرُ ** يَا آبْنَةَ عَمِّي لاَحَنِى الْهَوَاجِرُ قيل: تلفح الجلد لفحة فتدعه أشدّ سواداً من الليل.
والبشر: أعالي الجلود.
وعن الحسن.
تلوح للناس، كقوله: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين ﴾ [التكاثر: 7] وقرئ ﴿ لواحة ﴾ نصباً على الاختصاص للتهويل ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ أي يلي أمرها ويتسلط على أهلها تسعة عشر ملكاً.
وقيل: صنفاً من الملائكة.
وقيل: صفة.
وقيل: نقيباً.
وقرئ: ﴿ تسعة عشر ﴾ بسكون العين لتوالي الحركات في ما هو في حكم اسم واحد وقرئ ﴿ تسعة أعشر ﴾ جمع عشير، مثل: يمين وأيمن جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم، ولأنهم أقوم مّنْ خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم، ولأنهم أشد الخلق بأساً وأقواهم بطشاً.
عن عمرو بن دينار: واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لأحدهم مثل قوّة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرمى بهم في النار بالجبل عليهم» وروي أنه لما نزلت ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أنّ خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم، فقال أبو الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحى وكان شديد البطش، أنا أكفيكم سبعة عشر، فأكفوني أنتم اثنين، فأنزل الله ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً ﴾ أي ما جعلناهم رجالاً من جنسكم يطاقون.
فإن قلت: قد جعل افتنان الكافرين بعدة الزبانية سبباً لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين، فما وجه صحة ذلك؟
قلت ما جعل افتتانهم بالعدة سبباً لذلك، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سبباً، وذلك أن المراد بقوله ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، فوضع ﴿ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ موضع ﴿ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ لأن حال هذه العدة الناقصة واحداً من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزيء، ولا يذعن إذعان المؤمن، وإن خفى عليه وجه الحكمة، كأنه قيل ولقد جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها، لأجل استيقان المؤمنين وحيرة الكافرين واستيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين، فإذا سمعوا بمثلها في القرآن أيقنوا أنه منزل من الله، وازدياد المؤمنين إيماناً لتصديقهم بذلك كما صدقوا سائر ما أنزل، ولما رأوا من تسليم أهل الكتاب وتصديقهم أنه كذلك.
فإن قلت: لم قال ﴿ وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون ﴾ والاستيقان وازدياد الإيمان دالا على انتفاء الارتياب؟
قلت: لأنه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفي الشك.
كان آكد وأبلغ لوصفهم بسكون النفس وثلج الصدر، ولأن فيه تعريضاً بحال من عداهم، كأنه قال: ولتخالف حالهم حال الشاكين المرتابين من أهل النفاق والكفر.
فإن قلت: كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون، والسورة مكية، ولم يكن بمكة نفاق، وإنما نجم بالمدينة؟
قلت: معناه وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة ﴿ والكافرون ﴾ بمكة ﴿ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً ﴾ وليس في ذلك إلا إخبار بما سيكون كسائر الإخبارات بالغيوب، وذلك لا يخالف كون السورة مكية.
ويجوز أن يراد بالمرض: الشك والارتياب، لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين وبعضهم قاطعين بالكذب.
فإن قلت: قد علل جعلهم تسعة عشر بالاستيقان وانتفاء الارتياب وقول المنافقين والكافرين ما قالوا فهب أن الإستيقان وإنتفاء الإرتياب يصح أن يكونا غرضين فكيف صح أن يكون قول المنافقين والكافرين غرضاً؟
قلت: أفادت اللام معنى العلة والسبب، ولا يجب في العلة أن تكون غرضاً، ألا ترى إلى قولك: خرجت من البلد لمخافة الشر، فقد جعلت المخافة علة لخروجك وما هي بغرضك.
﴿ مَثَلاً ﴾ تمييز لهذا، أو حال منه، كقوله: ﴿ هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً ﴾ [هود: 64] ، فإن قلت: لم سموه مثلا؟
قلت: هو استعارة من المثل المضروب.
لأنه مما غرب من الكلام وبدع، استغراباً منهم لهذا العدد واستبداعاً له.
والمعنى: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب، وأي غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء، ومرادهم إنكاره من أصله، وأنه ليس من عند الله، وأنه لو كان من عند الله لما جاء بهذا العدد الناقص.
الكاف في ﴿ كَذَلِكَ ﴾ نصب، وذلك: إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى، أي: مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين، يعني: يفعل فعلا حسناً مبنياً على الحكمة والصواب، فيراه المؤمنون حكمة ويذعنون له لاعتقادهم أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة فيزيدهم إيماناً، وينكره الكافرون ويشكون فيه فيزيدهم كفراً وضلالا ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ ﴾ وما عليه كل جند من العدد الخاص من كون بعضها على عقد كامل وبعضها على عدد ناقص، وما في اختصاص كل جند بعدده من الحكمة ﴿ إِلاَّ هُوَ ﴾ ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك كما لا يعرف الحكمة في أعداد السموات والأرضين وأيام السنة والشهور والبروج والكواكب وأعداد النصب والحدود والكفارات والصلوات في الشريعة أو: وما يعلم جنود ربك لفرط كثرتها إلا هو، فلا يعز عليه تتميم الخزنة عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها وهو يعلمها.
وقيل: هو جواب لقول أبي جهل: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر، ﴿ وما جعلنا أصحاب النار- إلى قوله- إلا هو ﴾ : اعتراض.
وقوله: ﴿ وَمَا هِىَ إِلاَّ ذكرى ﴾ متصل بوصف سقر وهي ضميرها أي: وما سقر وصفتها إلا تذكرة ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ أو ضمير الآيات التي ذكرت فيها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّونَ لَهم ولا يَسْتَرْوِحُونَ إلَيْهِمْ، ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ بَأْسًا وأشَدُّهم غَضَبًا لِلَّهِ.
رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا سَمِعَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ لِقُرَيْشٍ: أيُعْجِزُ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهم فَنَزَلَتْ.
﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وما جَعَلْنا عَدَدَهم إلّا العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَتَهم وهو التِّسْعَةَ عَشَرَ، فَعَبَّرَ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنْفَكُّ مِنهُ وافْتِتانُهم بِهِ اسْتِقْلالُهم واسْتِهْزاؤُهم بِهِ واسْتِبْعادُهم أنْ يَتَوَلّى هَذا العَدَدُ القَلِيلُ تَعْذِيبَ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ، ولَعَلَّ المُرادَ الجَعْلُ بِالقَوْلِ لِيَحْسُنَ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وصِدْقِ القُرْآنِ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ.
﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ بِالإيمانِ بِهِ وبِتَصْدِيقِ أهْلِ الكِتابِ لَهُ.
﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ وهو تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِيقانِ وزِيادَةُ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما يَعْرِضُ لِلْمُتَيَقِّنِ حَيْثُما عَراهُ شُبْهَةٌ.
﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمَكَّةَ عَمّا سَيَكُونُ في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
﴿ والكافِرُونَ ﴾ الجازِمُونَ في التَّكْذِيبِ.
﴿ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا ﴾ أيَّ شَيْءٍ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ، وقِيلَ: لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ حَسِبُوا أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ.
﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ مِثْلَ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِنَ الإضْلالِ والهُدى يُضِلُّ الكافِرِينَ ويَهْدِي المُؤْمِنِينَ.
﴿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ﴾ جُمُوعُ خَلْقِهِ عَلى ما هم عَلَيْهِ.
﴿ إلا هُوَ ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ والِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها وما يُوجِبُ اخْتِصاصَ كُلٍّ مِنها بِما يَخُصُّهُ مِن كَمٍّ وكَيْفٍ واعْتِبارٍ ونِسْبَةٍ.
﴿ وَما هِيَ ﴾ وما سَقَرُ أوْ عِدَّةُ الخَزَنَةِ أوِ السُّورَةِ.
﴿ إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ إلّا تَذْكِرَةً لَهم.
<div class="verse-tafsir"
وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)
{والليل إِذْ أَدْبَرَ} نافع وحفص وحمزة ويعقوب وخلف وغيرهم أدبر ومعناهما ولى وذهب وقيل أدبر ولى ومضى ودبر جاء بعد النهار
﴿ كَلا ﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها وقِيلَ زَجْرٌ عَنْ قَوْلِ أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ.
وقِيلَ: رَدْعٌ عَنِ الِاسْتِهْزاءِ بِالعِدَّةِ المَخْصُوصَةِ وقالَ الفَرّاءُ: هي صِلَةٌ لِلْقَسَمِ وقَدَّرَها بَعْضُهم بِحَقًّا وبَعْضُهم بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ إنْكارٌ بَعْدَ أنْ جَعَلَها سُبْحانَهُ ذِكْرى أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانٍ بِأنَّهُ لا يُسَوَّغُ في حَقِّهِ تَعالى أنْ يُخْبِرَ أنَّها ذِكْرى لِلْبَشَرِ ثُمَّ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهم ذِكْرى وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا تَناقُضَ لِأنَّ مَعْنى كَوْنِها ذِكْرى أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مُذَكِّرَةً لِكُلِّ أحَدٍ ومَن لَمْ يَتَذَكَّرْ لِغَلَبَةِ الشَّقاءِ عَلَيْهِ لا يُعَدُّ مِنَ البَشَرِ ولا يُلْتَفَتُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِ كَما أنَّ حَلاوَةَ العَسَلِ لا يَضُرُّها كَوْنُها مُرَّةً في فَمِ مُنْحَرِفِ المِزاجِ المُحْتاجِ إلى العِلاجِ وحالَ حُسْنُ الوَقْفِ عَلى كَّلا وعَدَمُ حُسْنِهِ هُنا يُعْلَمُ مِنَ النَّظَرِ إلى المُرادِ بِها.
وصَرَّحَ بَعْضُهم بِذَلِكَ فَقالَ: إنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ السّابِقِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالكَلامِ اللّاحِقِ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ أيْ كَما أنَّها كانَتْ بِمَعْنى ألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ فالوَقْتُ حِينَئِذٍ تامٌّ عَلى لِلْبَشَرِ ويَسْتَأْنِفُ ﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ أيْ ولّى وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وأبُو الزِّنادِ وقَتادَةُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والحَسَنُ وطَلْحَةُ والنَّحْوِيّانِ والِابْنانِ وأبُو بَكْرٍ «إذا» ظَرْفُ زَمانٍ مُسْتَقْبَلٌ «دَبَرَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو بِمَعْنى أدْبَرَ المَزِيدِ كَقَبَلَ وأقْبَلَ والمَعْرُوفُ المَزِيدُ.
وحُسْنُ الثُّلاثِيِّ هُنا مُشاكَلَةُ أكْثَرِ الفَواصِلِ وقِيلَ دَبَرَ مِن دُبُرِ اللَّيْلِ النَّهارِ إذا خَلَفَهُ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مَعَ إذا الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ لِلتَّحْقِيقِ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّها تُقَلُّبُهُ مُسْتَقْبَلًا.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ ومَطَرٌ ويُونُسُ بْنُ عَبِيدٍ وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ يَعْمُرَ والسُّلَمِيِّ وطَلْحَةَ «إذا» بِالألْفِ ﴿ أدْبَرَ ﴾ بِالهَمْزِ وكَذا هو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني: اترك هذا الذي خلقته وحيداً وفوض أمره إليَّ وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيداً بغير مال ولا ولد وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: ورزقته مالاً كثيراً قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم: كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل: وَبَنِينَ شُهُوداً يعني: حضوراً لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم: ذرني ومن خلقت وحيداً يعني: إنه لم يكن من قريش وكان ملصقاً بهم لأنه ذكر أن أباه المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) [القلم: 13] وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: غير منقطع عنه وبنين شهوداً لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل: سبع بنين وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً يعني: بسطت له في المال والخير بسطاً ويقال: أمهلت له إمهالاً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ يعني: يطمع أن أزيد ماله وولده.
وذلك أنه تفاخر على رسول الله وقال لي: مالاً ممدوداً ولي عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني: أن أزيد وهو يعصيني كَلَّا يعني: وهو رد عليه يعني: لا أزيد فما أزداد ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يعني: مكذباً معرضاً عنها معاندا ثم قال عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: يكلف في النار صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة دخل دخان في حلقة فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة سبعين سنة وقال مجاهد: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: مشقة من العذاب وقال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب ويقال: سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ يعني: إنه فكر في أمر محمد وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: فلعن كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) [الذاريات: 10] .
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر محمد وقالوا: هذه أيام الموسم والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم: إنهم يأتونه ويكلمونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم فقالوا: نقول شاعر قال بعضهم: هم العرب وقد رأوا الشعراء وقوله: لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا: نقول كاهن قال بعضهم: إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم وقال: فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع رأيهم على أن يقولوا: ساحر فقتل كيف قدر يعني: كيف قدر بمحمد بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي: اللعنة على أثر اللعنة كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر ثُمَّ نَظَرَ يعني: ثم نظر في أمر محمد ثُمَّ عَبَسَ يعني: عبس وجهه أي: كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج: ثم عبس وجهه وَبَسَرَ أي: نظر بكراهة شديدة ثُمَّ أَدْبَرَ يعني: أعرض عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ يعني: تكبر عن الإيمان ثم قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يعني: تأثره من صاحب اليمامة يعني: يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال: معناه: ما هذا الذي يقول: إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني: ما هذا القرآن إلا قول الآدمي قال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ يعني: سأدخله سقر قال مقاتل: يعني: الباب الخامس وقال الكلبي: هو اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تعظيماً لأمرها ثم بين قال: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ يعني: لا تبقي لحماً إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقاً جديداً، ويقال: لا تبقى ولا تذر يعني: لا تميت ولا تحيي، ويقال: لا تبقى اللحم ولا العظم ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحماً ولا عظماً ولا جلداً أي: تدعه محرقاً بل تجده خلقاً جديدا ثم قال عز وجل: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يعني: حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال: لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق اسود ثم قال: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ يعني: على النار تسعة عشر من الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال في سياق الآية: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
وإنما أراد تسعة عشر ملكاً ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ألفاً فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: أنا أكفيكم خمسة وكل ابن لي يكفي واحداً منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون الجنة فنزلت هذه الآية وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يعني: ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا يغلبهم أحد وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ يعني: ما ذكرنا قلة عددهم وهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بلية لهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وذلك أن أهل الكتاب وجدوا في كتابهم أن مالكاً رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما يقوله النبيّ يقوله: بالوحي وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً يعني: تصديقاً وعلماً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك وَالْمُؤْمِنُونَ أيضاً لا يشكون في ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: المنافقين وَالْكافِرُونَ يعني: المشركين مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يعني: بذكر خزنة جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذله ولا يؤمن به أمناً له وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يوفقه لذلك وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يعني: من يعلم قوة جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني: الله تعالى ويقال: وما يعلم يعني: لا يعلم عدد جموع ربك إلا الله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يعني: الدلائل والحجج في القرآن ويقال: ما هي يعني: القرآن ويقال: وما هي يعني: سقر إلا ذكرى للبشر يعني: عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر.
<div class="verse-tafsir"
وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً قال سفيانُ: المعنى بَسَطْتُ له العيش بسطا «١» .
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨)
وقوله تعالى: كَلَّا رَدْعٌ وَزَجْرٌ له على أمنيّته، وسَأُرْهِقُهُ معناه أُكَلِّفُه بمشقَةٍ وعُسْرُ، وصَعُودٌ عَقَبَةٌ في نَارِ جهنَّمَ، روى ذلك أبو سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: كُلَّما وُضِعَ عليها شَيءٌ مِن الإنْسَانِ ذَابَ، ثم يَعُودُ، والصَّعودُ في اللغة: العَقَبَةُ الشَّاقَة.
وقوله تعالى مخبراً عن الوليد: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الآية، رَوَى جمهورٌ من المفسرينَ:
أن الوليدَ سَمِعَ من القرآن ما أعْجَبَه وَمَدحَه، ثم سمِعَ كذلك مراراً، حتى كَادَ أنْ يُقَارِبَ الإسْلامِ، وقال: واللَّه لَقَدْ سمعتُ من محمدٍ كلاماً مَا هُو مِنْ كلامِ الإنْسِ، ولا هو مِنْ كَلامِ الجنِّ، إنَّ له الحلاوة، وإنَّ عليه لَطَلاَوَةً، وإنَّ أَعْلاَهُ لمثمرٌ، وإنَّ أسْفَلَه لَمُغْدِقٌ، وإِنَّه يَعْلُو، وَمَا يُعْلَى، فقالتْ قريشٌ: صَبَأَ الوليدُ واللَّه لتصبأَنَّ قريشٌ، فقال أبو جهل: أنا أكْفِيكُمُوه فَحاجَّه أبو جهل وجماعة حتَى غَضِبَ الوليدُ، وقال: تَزْعُمُون أَنَّ محمداً مجنُونٌ، فَهَلْ رأيتمُوه يُخْنَقُ قَط؟
قالوا: لا، قال: تزعمُون أنه شاعر، فهل رأيتموه يَنْطِق بشعرٍ قط؟
قالوا: لا، قال: تَزْعَمُونَ أَنّه كاهنٌ، فهل رأيتموه يتكهن قط؟
قالوا لا، قال: تَزْعمُونَ أَنَّه كذابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عليه شيئاً من الكذبِ قط؟
قالوا: لا، وكانوا يُسمُّونه قبلَ النبوةِ الأمِينُ لِصِدْقِهِ، فَقَالَتْ قريش: ما عندَك فيه؟
فتفكَّرَ في نفسه، فقال: ما أرى فيه شيئاً مما ذكرتمُوه فقالوا: هو ساحرٌ، فقال: أما هذا فُيُشْبِه، / وألفاظ الرواة هنا مُتَقَارِبَة المعاني مِنْ رواية الزهري وغيره.
وقوله تعالى: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قَالَ الثعلبيُّ وغيرُه: قُتِلَ معناه: لُعِنَ، انتهى.
وَبَسَرَ أي قَطَبَ مَا بَيْنَ عينيه واربد وَجْهُه ثم أدْبَر عَنْ الهُدَى بعد أن أقْبَلَ إليهِ، وقال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أي: يُرْوَى، أي: يرويه محمدٌ عن غيره.
وسَقَرُ هي الدَّرْكُ السادسِ منَ النَّارِ، لاَ تُبْقِي عَلَى مَنْ أُلْقي فيها وَلا تَذَرُ غايةً من العذاب إلا وصّلته إليه.
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣)
وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥)
وقوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ قال ابن عباس وجمهور الناس: معناه مُغَيِّرَةٌ للبَشَرَاتِ ومُحَرِّقَةٌ للجُلودِ مُسَوِّدَة لها «١» ، فالبَشَرُ جَمْع بَشَرَةٍ، وقال الحسن وابن كَيْسَانَ: لَوَّاحَةٌ بِنَاء مبالغَةٍ من لاَحَ يَلُوحُ إذا ظَهَرَ، فالمعنى أنها تظهرُ للناسِ وهم البَشَرُ من مسيرةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذلك لعظمِها وهَوْلِهَا وزفيرها «٢» .
وقولُه تعالى: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ لاَ خِلاَفَ بينَ العلماءِ أنهم خَزَنَةُ جهنمَ المحيطونَ بأمْرِها الذين إليهم جِمَاع أمْرِ زبانِيَتِها، ورُوِي أن قريشاً لما سَمِعَتْ هذا كَثُرَ لَغَطُهم فيه، وقالوا: ولَوْ كَانَ هذا حقاً، فإن هَذَا العَدَدَ قليلٌ، وقالَ أبو جهل: هؤلاء تسعةَ عشَرَ، وأنْتُمْ الدُّهْمُ أي: الشُّجْعَانُ: أفَيَعْجَزُ عشرةٌ منا عن رجلٍ منهم إلى غير هذا من أقوالهم السخيفةِ.
وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً تَبْيينٌ لفسادِ أقوالِ قريشٍ، أي:
إنا جَعَلْنَاهم خَلْقاً لا قِبَلَ لاًّحَدٍ من الناس بهم وجعلنا عِدَّتَهم هذا القدرَ فتنةً للكفارِ لِيَقَع منهم من التعاطِي والطَّمَعِ في المغالَبَةِ ما وقع، ولِيَسْتَيْقِنَ أهلُ الكتابِ- التوراةِ والإنجيلِ- أنَّ هذا القرآنَ مِنْ عندَ اللَّهِ، إذْ هُمْ يَجِدُونَ هذهِ العدةَ في كُتُبِهم المنزَّلةِ، قال هذا المعنى ابنُ عباسٍ وغيرُه «٣» ، وبوُرُودِ الحقائقِ من عند الله- عز وجل- يَزْدَادُ كلُّ ذِي إيمانٍ إيمَاناً، ويَزُولُ الرَّيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِنْ أهْلِ الكتابِ ومِنَ المؤمنين.
/ وقوله سبحانه: وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ....
الآية، نوعٌ من الفتنةِ لهذا الصِّنفِ المنافِق أو الكافرِ، أي حَارُوا وَلَمْ يَهْتَدُوا لِمَقْصِدِ الحقِ، فجعلَ بَعْضُهم يَسْتَفْهِمُ بَعْضاً عن مرادِ اللَّه بهذا المثل، استبعاداً أنْ يكونَ هذا مِنْ عِندِ اللَّهِ، قال الحسين بن الفضل: السورة مكيَّةٌ وَلَمْ يكن بمكةَ نِفَاقٌ وإنَّما المرض في هذه الآيةِ الاضْطِرَابُ وضَعْفُ الإيمانِ «٤» ، ثم قَالَ تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إعْلاماً بأن الأمْرَ فَوْقَ ما يتوهّم،
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ ﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ "سَقَرُ" هو الدَرْكُ السادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، و"أُصْلِيهِ" مَعْناهُ: أجْعَلُهُ فِيها مُباشِرًا لِنارِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ المَعْنى: لا تُبْقِي عَلى مَن أُلْقِيَ فِيها، ولا تَذَرُ غايَةً مِنَ العَذابِ إلّا أوصَلَتْهُ إلَيْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ"، ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: مَعْناهُ: مُغَيِّرَةٌ لِلْبَشَراتِ، مُحْرِقَةٌ لِلْجُلُودِ مُسَوَّدَةٌ لَها، فـَ "البَشَرُ" جَمْعُ بَشْرَةٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: لاحَتِ النارُ الشَيْءَ إذا أحْرَقَتْهُ وسَوَّدَتْهُ، وقالَ الشاعِرُ: لاحَّةُ الصَيْفِ والغِيارُ وإشْفا قٌ عَلى سِقْبَةٍ كَقَوْسِ الضالِّ وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: ..........
∗∗∗ يا بِنْتَ عَمِّي لاحِنِي الهَواجِرَ وَقالَ الحَسَنُ وابْنُ كَيْسانَ: "لَوّاحَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "لاحَ يَلُوحُ" إذا ظَهَرَ، فالمَعْنى أنَّها تَظْهَرُ لِلنّاسِ وهُمُ البَشَرُ مِن مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ لِعَظْمِها وهَوْلِها وزَفِيرِها، وقَرَأ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ "لَوّاحَةً" بِالنَصْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ في المَجْرُورِ، ولا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّهم خَزَنَةُ جَهَنَّمَ المُحِيطُونَ بِأمْرِها، الَّذِينَ إلَيْهِمْ جِماعُ أمْرِ زَبانِيَتِها، وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّهم عَلى عَدَدِ حُرُوفِ "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ" لِأنَّ بِها تَقْوُوا، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ هَذا كَثُرَ إلْغاطُهم فِيهِ وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا فَإنَّ هَذا العَدَدَ قَلِيلٌ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَؤُلاءِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدُهْمُ، أفَيَعْجَزُ عَشْرَةٌ مِنّا عن رَجُلٍ مِنهُمْ؟
وقالَ أبُو الأشَدِّ الجُمَحِيُّ: أنا أُجْهِضُهم عَلى النارِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن أقْوالِهِمُ السَخِيفَةِ، فَنَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ: ﴿ أولى لَكَ فَأولى ﴾ الآيَةُ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ "تِسْعَةَ عَشْرَ" بِسُكُونِ العَيْنِ مِن "عَشْرَ" لِتَوالِي الحَرَكاتِ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "تِسْعَةُ عَشَرَ" بِرَفْعِ التاءِ، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ: "تِسْعَةَ أعُشْرَ"، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ تَبْيِينٌ لِفَسادِ أقْوالِ قُرَيْشٍ، أيْ: إنّا جَعَلْناهم خَلْقًا لا قِبَلَ لِأحَدٍ مِنَ الناسِ بِهِمْ، وجَعَلْنا عِدَّتَهم هَذا القَدْرَ فِتْنَةً لِلْكُفّارِ، لِيَقَعَ مِنهم مَنِ التَعاطِي والطَمَعِ في المُبالَغَةِ ما وقَعَ ويَسْتَيْقِنَ أهْلُ -الكِتابِ: التَوْراةِ والإنْجِيلِ- أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى؛ إذْ يَجِدُونَ هَذِهِ العُدَّةَ في كُتُبِهِمُ المُنَزَّلَةِ الَّتِي لَمْ يَقْرَأْها مُحَمَّدٌ ولا هو مَن أهْلِها، ولَكِنَّ كِتابَهُ يُصَدِّقُ ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كُتُبِ الأنْبِياءِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ؛ إذْ جَمِيعُ ذَلِكَ حَقٌّ يَتَعاضَدُ، مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما، وبِوُرُودِ الحَقائِقِ مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَزْدادُ كُلُّ مَن آمَنَ إيمانًا، ويَزُولُ الرَيْبُ عَنِ المُصَدِّقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ الآيَةُ...
نَوْعٌ مِنَ الفِتْنَةِ لِهَذا الصِنْفِ المُنافِقِ أوِ الكافِرِ، أيْ: جارُوا وضَلُّوا ولَمْ يَهْتَدُوا لِقَصْدِ الحَقِّ، فَجَعَلُوا يَسْتَفْهِمُ بَعْضُهم بَعْضًا عن مُرادِ اللهِ تَعالى بِهَذا المَثَلِ اسْتِبْعادًا أنْ يَكُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: السُورَةُ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ، وإنَّما المَرَضُ في هَذِهِ الآيَةِ الِاضْطِرابُ وضَعْفُ الإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَآ أصحاب ﴾ .
روى الطبري عن ابن عباس وجابر بن زيد: «أن أبا جهل لما سمع قوله تعالى: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ [المدثر: 30] قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم إن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدَّهْم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟
فقال الله تعالى: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ ، أي ما جعلناهم رجالاً فيأخذ كل رجل رجلاً، فمن ذا يغلب الملائكة اه.
وفي «تفسير القرطبي» عن السدي: أن أبا الأشَدَّ بنَ كَلَدَة الجمحِي قال مستهزئاً: لا يَهُولَنَّكم التسعةَ عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمننِ عشرة وبمنكبي الأيسر تسعة ثم تمرون إلى الجنة، وقيل: قال الحارث بن كَلَدة: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني أنتم اثنين، يريد التهكم مع إظهار فرط قوته بين قومه.
فالمراد مِن ﴿ أصحاب النار ﴾ خزنتها، وهم المتقدم ذكرهم بقوله: ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30].
والاستثناء من عموم الأنواع، أي ما جعلنا خزنة النار من نوع إلاّ من نوع الملائكة.
وصيغة القصر تفيد قلب اعتقاد أبي جهل وغيره مَا توهموه أو تظاهروا بتوهمه أن المراد تسعة عشر رجلاً فطمع أن يخلص منهم هو وأصحابه بالقوة فقد قال أبو الأشدِّ بن أُسَيد الجُمحِي: لا يَبلغون ثوبي حتى أُجْهضَهم عن جهنم، أي أنحِّيهم.
وقوله تعالى: ﴿ وما جعلنا عدّتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ تتميم في إبطال توهم المشركين حقارة عدد خزنة النار، وهو كلام جار على تقدير الأسلوب الحكيم إذ الكلام قد أثار في النفوس تساؤلاً عن فائدة جعل خزنة جهنم تسعةَ عشر وهلاّ كانوا آلافاً ليكون مرآهم أشد هولاً على أهل النار، أو هلاَّ كانوا ملكاً واحداً فإن قُوى الملائكة تأتي كل عمل يسخرها الله له، فكان جواب هذا السؤال: أن هذا العدد قد أظهر لأصناف الناس مبلغ فَهم الكفار للقرآن.
وإنما حصلت الفتنة من ذكر عددهم في الآية السابقة.
فقوله: ﴿ وما جعلنا عدتهم ﴾ تقديره: وما جعلنا ذكر عدتهم إلاّ فتنة، ولاستيقان الذين أوتوا الكتاب، وازدياد الذين آمنوا إيماناً، واضطراب الذين في قلوبهم مرض فيظهر ضلال الضالين واهتداء المهتدين.
فالله جعل عدة خزنة النار تسعة عشر لحكمة أخرى غير ما ذكر هنا اقتضت ذلك الجعل يعلمها الله.
والاستثناء مفرغ لمفعول ثان لفعل ﴿ جعلنا ﴾ تقديره جعلنا عدتهم فتنة لا غير، ولما كانت الفتنة حالاً من أحوال الذين كفروا لم تكن مراداً منها ذاتها بل عروضها للذين كفروا فكانت حالاً لهم.
والتقدير: ما جعلنا ذكر عدتهم لعلة وغرض إلاّ لغرض فتنة الذين كفروا؛ فانتصب ﴿ فتنة ﴾ على أنه مفعول ثان لفعل ﴿ جعلنا ﴾ على الاستثناء المفرغ، وهو قصر قلب للردّ على الذين كفروا إذ اعتقدوا أن عدتهم أمر هيّن.
وقوله: ﴿ ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ﴾ الخ.
علة ثانية لفعل ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ﴾ .
ولولا أن كلمة ﴿ فتنة ﴾ منصوبة على المفعول به لِفعل ﴿ جعلنا ﴾ .
لكان حق ﴿ ليستيقن ﴾ أن يعطف على ﴿ فتنة ﴾ ولكنه جاء في نظم الكلام متعلقاً بفعل: ويجوز أن يكون للذين كفروا } متعلقاً بفعل ﴿ جعلنا وب فتنة ﴾ ، على وجه التنازع فيه، أي ما جعلنا عدتهم للذين كفروا إلاّ فتنةً لهم إذ لم يحصل لهم من ذكرها إلاّ فساد التأويل، وتلك العِدة مجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم الله وإلى تدبر مفيد.
والاستيقان: قوة اليقين، فالسين والتاء فيه للمبالغة.
والمعنى: ليستيقنوا صدق القرآن حيث يجدون هذا العدد مصدقاً لما في كتبهم.
والمراد ب ﴿ الذين أُوتوا الكتاب ﴾ اليهود حين يبلغهم ما في القرآن من مثل ما في كتبهم أو أخبارهم.
وكان اليهود يترددون على مكة في التجارة ويتردد عليهم أهل مكة للميرة في خيبر وقريظة ويثرب فيسأل بعضهم بعضاً عما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم ويودّ المشركون لو يجدون عند اليهود ما يكذبون به أخبار القرآن ولكن ذلك لم يجدوه ولو وجدوه لكان أيسر ما يطعنون به في القرآن.
والاستيقان من شأنه أن يعقبه الإِيمان إذا صادف عقلاً بريئاً من عوارض الكفر كما وقع لعبد الله بن سَلاَم وقد لا يعقبه الإِيمان لمكابرة أو حسد أو إشفاق من فوات جاه أو مال كما كان شأن كثير من اليهود الذي قال الله فيهم ﴿ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن كثيراً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146] ولذلك اقتصرت الآية على حصول الاستيقان لهم.
روى الترمذي بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار؟، قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيئنا.
فجاء رجل إلى النبي فقال: يا محمد غُلب أصحابكم اليوم، قال: وبم غلبوا قال: سألهم يهودُ: هل يعلم نبيئكم عدد خزنة النار، قال: فما قالوا؟
قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبيئنا، قال: أفغُلب قوم سُئلوا عما لا يعلمون؟
فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبيئنا إلى أن قال جابر: فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟
قال.
هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة عشرة وفي مرة تسع (بإشارة الأصابع) قالوا: نعم الخ.
وليس في هذا ما يُلجئ إلى اعتبار هذه الآية نازلة بالمدينة كما روي عن قتادة لأن المراجعة بين المشركين واليهود في أخبار القرآن مألوفة من وقت كون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة.
قال أبوبكر ابن العربي في «العارضة»: حديث جابر صحيح والآية التي فيها ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30] مكية بإجماع، فكيف تقول اليهود هذا ويدعوهم النبي للجواب وذلك كان بالمدينة، فيحتمل أن الصحابة قالوا: لا نعلم، لأنهم لم يكونوا قرأوا الآية ولا كانت انتشرت عندهم (أي لأنهم كانوا من الأنصار الذين لم يتلقوا هذه الآية من سورة المدثر لبعد عهد نزولها بمكة وكان الذين يجتمعون باليهود ويسألهم اليهود هم الأنصار.
قال: ويحتمل أن الصحابة لم يمكنهم أن يعينوا أن التسعة عشر هم الخزنة دون أن يعيِّنهم الله حتى صرح به النبي صلى الله عليه وسلم اه.
فقد ظهر مصداق قوله تعالى: ﴿ ليستيقن الذين أُوتوا الكتاب ﴾ بعد سنين من وقت نزوله.
ومعنى ﴿ ويزداد الذين ءامنوا إيماناً ﴾ أنهم يؤمنون به في جملة ما يؤمنون به من الغيب فيزداد في عقولهم جُزئيّ في جزئيات حقيقة إيمانهم بالغيب، فهي زيادة كمية لا كيفية لأن حقيقة الإِيمان التصديق والجزم وذلك لا يقبل الزيادة، وبمثل هذا يكون تأويل كل ما ورد في زيادة الإِيمان من أقوال الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
وقوله: ﴿ ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون ﴾ عطف على ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ﴾ أي لينتفي عنهم الريب فلا تعتورهم شبهة من بعد علمه لأنه إيقان عن دليل.
وإن كان الفريقان في العمل بعلمهم متفاوتين، فالمؤمنون علموا وعَملوا، والذين أُوتوا الكتاب علموا وعاندوا فكان علمهم حجة عليهم وحسرة في نفوسهم.
والمقصود من ذكره التمهيد لذكر مكابرة الذين في قلوبهم مرض والكافرين في سوء فهمهم لهذه العِدة تمهيداً بالتعريض قبل التصريح، لأنه إذا قيل ﴿ ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون ﴾ شعر الذين في قلوبهم مرض والكافرون بأنهم لما ارتابوا في ذلك فقد كانوا دون مرتبة الذين أوتوا الكتاب لأنهم لا ينازعون في أن الذين أوتوا الكتاب أرجح منهم عقولاً وأسد قولاً، ولذلك عطف عليه ﴿ وليقولَ الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ ، أي ليقولوا هذا القول إعراباً عما في نفوسهم من الطعن في القرآن غير عالمين بتصديق الذين أوتوا الكتاب.
واللام لام العاقبة مثل التي في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].
والمرض في القلوب: هو سوء النية في القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء هم الذين لم يزالوا في تردد بين أن يسلموا وأن يبقوا على الشرك مثل الأخنس بن شَرِيق والوليد بن المغيرة، وليس المراد بالذين في قلوبهم مرض المنافقون لأن المنافقين ما ظهروا إلاّ في المدينة بعد الهجرة والآية مكية.
و ﴿ ماذا أراد الله ﴾ استفهام إنكاري فإن (ما) استفهامية، و(ذا) أصله اسم إشارة فإذا وقع بعد (ما) أو (مَن) الاستفهاميتين أفاد معنى الذي، فيكون تقديره: ما الأَمر الذي أراده الله بهذا الكلام في حال أنه مثل، والمعنى: لم يرد الله هذا العدد الممثل به، وقد كُنّي بنفي إرادة الله العدد عن إنكار أن يكون الله قال ذلك، والمعنى: لم يرد الله العدد الممثل به فكنَّوا بنفي إرادة الله وصفَ هذا العددِ عن تكذيبهم أن يكون هذا العدد موافقاً للواقع لأنهم ينفون فائدته، وإنما أرادوا تكذيب أن يكون هذا وحياً من عند الله.
والإِشارة بهذا إلى قوله: ﴿ عليها تسعةَ عشر ﴾ [المدثر: 30].
و ﴿ مثلاً ﴾ منصوب على الحال من هذا، والمثل: الوصف، أي بهذا العدد وهو تسعة عشر، أي ما الفائدة في هذا العدد دون غيره مثل عشرين.
والمثل: وصف الحالة العجيبة، أي ما وصَفه من عدد خزنة النار كقوله تعالى: ﴿ مثل الجنّة التي وعد المتقون ﴾ [محمد: 15] الآية.
وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ في سورة [البقرة: 26].
اسم الإِشارة عائد إلى ما تضمنه الكلام المتقدم من قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ مثلاً ﴾ بتأويل ما تضمنه الكلام، بالمذكور، أي مثل ذلك الضلال الحاصل للذين في قلوبهم مرض وللكافرين، والحاصل للذين أوتوا الكتاب بعد أن استيقنوا فلم يؤمنوا يُضل الله من يشاء أن يضله من عباده، ومثل ذلك الهُدى الذي اهتداه المؤمنون فزادهم إيماناً مع إيمانهم يَهدي الله من يشاء.
والغرض من هذا التشبيهِ تقريبُ المعنى المعقول وهو تصرف الله تعالى بخلق أسباب الأحوال العارضة للبشر، إلى المعنى المحسوس المعروف في واقعة الحال، تعليماً للمسلمين وتنبيهاً للنّظر في تحصيل ما ينفع نفوسهم.
ووجه الشبه هو السببية في اهتداء من يهتدي وضَلال من يَضِل، في أن كُلاًّ من المشبَّه والمشبه به جعله الله سبباً وإرادة لحكمة اقتضاها علمه تعالى فتفاوتَ الناسُ في مدى إفهامهم فيه بين مهتدٍ ومرتاببٍ مُختلف المرتبةِ في ريبه، ومكابرٍ كافر وسَيّئ فهممٍ كافر.
وهذه كلمة عظيمة في اختلاف تلقي العقول للحقائق وانتفاعهم بها أو ضده بحسب اختلاف قرائحهم وفهومهم وتراكيب جبلاتهم المتسلسلة من صواب إلى مثله، أو من تردد واضطراب إلى مثله، أو من حَنق وعناد إلى مثله، فانطوى التشبيه من قوله: ﴿ كذلك ﴾ على أحوال وصور كثيرة تظهر في الخارج.
وإسناد الإِضلال إلى الله تعالى باعتبار أنه موجِد الأسباب الأصلية في الجبلات، واقتباس الأهواء وارتباط أحوال العالم بعضها ببعض، ودعوة الأنبياء والصلحاء إلى الخير، ومقاومة أيمة الضلال لتلك الدعوات.
تلك الأسباب التي أدت بالضالين إلى ضلالهم وبالمهتدين إلى هداهم.
وكلٌّ من خلق الله.
فما على الأنفس المريدة الخير والنجاة إلاّ التعرض لأحد المهيعين بعد التجرد والتدبر ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ [البقرة: 286].
ومشيئة الله ذلك تعلق علمه بسلوك المهتدين والضالّين.
ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب بالنيابة عن المفعول المطلق لأن الجار والمجرور هنا صفة لمصدر محذوف دلّت عليه الصفة، والتقدير: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إضلالاً وهدياً كذلك الإِضلال والهدي.
وليس هذا من قبيل قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].
وقدم وصف المفعول المطلق للاهتمام بهذا التشبيه لما يرشد إليه من تفصيل عند التدبر فيه، وحصل من تقديمه محسّن الجمع ثم التقسيم إذ جاء تقسيمه بقوله {يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء.
كلمة جامعة لإِبطال التخرصَات التي يتخرصها الضالون ومرضى القلوب عند سماع الأخبار عن عالم الغيب وأمور الآخرة من نحو: ما هَذَا به أبو جهل في أمر خزنة جهنم يشمل ذلك وغيره، فلذلك كان لهذه الجملة حكم التذييل.
والجنودُ: جمع جند وهو اسم لجماعة الجيش واستعير هنا للمخلوقات التي جعلها الله لتنفيذ أمره لمشابهتها الجنود في تنفيذ المراد.
وإضافة رب إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم إضافة تشريف، وتعريض بأن من شأن تلك الجنود أن بعضها يكون به نصرُ النبي صلى الله عليه وسلم ونفي العلم هنا نفي للعلم التفصيلي بأعدادها وصفاتها وخصائصها بقرينة المقام، فإن العلم بعدد خزنة جهنم قد حصل للناس بإعلام من الله لكنهم لا يعلمون ما وراء ذلك.
فيه معان كثيرة أعلاها أن يكون هذا تتمة لقوله: ﴿ وما جعلنا عدتهم إلاّ فتنة للذين كفروا ﴾ على أن يكون جارياً على طريقة الأسلوب الحكيم، أي أن النافع لكم أن تعلموا أن الخبر عن خزنة النار بأنهم تسعة عشر فائدته أن يكون ذكرى للبشر ليتذكروا دار العقاب بتوصيف بعض صفاتها لأن في ذكر الصفة عوناً على زيادة استحضار الموصوف، فغرض القرآن الذكرى، وقد اتخذه الضالّون ومرضى القلوب لهواً وسخرية ومِراء بالسؤال عن جعلهم تسعة عشر ولِمَ لم يكونوا عشرين أو مئات أو آلافاً.
وضمير ﴿ هي ﴾ على هذا الوجه إلى ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكلام السابق وتأنيث ضميره لتأويله بالقصّة أو الصفة أو الآيات القرآنية.
والمعنى: نظير المعنى على الاحتمال الأول.
ويحتمل أن يرجع إلى ﴿ سَقَر ﴾ [المدثر: 26] وإنما تكون ﴿ ذِكْرى ﴾ باعتبار الوعيد بها وذكرِ أهوالها.
والقصرُ متوجه إلى مضاف محذوف يدل عليه السياق تقديره: وما ذكرها أو وصفها أو نحو ذلك.
ويحتمل أن يرجع ضمير ﴿ هي ﴾ إلى ﴿ جنود ربّك ﴾ والمعنَى المعنى، والتقديرُ التقديرُ، أي وما ذكرها أو عِدة بعضها.
وجوّز الزجاج أن يكون الضمير راجعاً إلى نار الدنيا، أي أنها تذكر للناس بنار الآخرة، يريد أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿ أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تَذْكرة ﴾ [الواقعة: 71 73].
وفيه محسن الاستخدام.
وقيل: المعنى: وما عدتهم إلاّ ذكرى للناس ليعلموا غنى الله عن الأعوان والجند فلا يظلوا في استقلال تسعة عشر تجاه كثرة أهل النار.
وإنما حَمَلَت الآية هذه المعانيَ بحسن موقعها في هذا الموضع وهذا من بلاغة نظم القرآن.
ولو وقعت إثر قوله: ﴿ لواحة للبشر ﴾ [المدثر: 29] لتمحض ضمير ﴿ وما هي إلاّ ذكرى ﴾ للعود إلى سقر، وهذا من الإعجاز بمواقع جمل القرآن كما في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير.
وبين لفظ البشر المذكور هنا ولفظ البشَر المتقدم في قوله: ﴿ لوّاحة للبشر ﴾ التّجنيس التام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ وإنْ كانَ النّاسُ خُلِقُوا مِثْلَ خَلْقِهِ، وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصاصِهِ بِكُفْرِ النِّعْمَةِ لِأذى الرَّسُولِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: (وَحِيدًا) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ وحْدَهُ.
الثّانِي: خَلَقَهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، فَعَلى هَذا الوَجْهِ في المُرادِ بِخَلْقِهِ وحِيدًا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَعْلَمَ بِهِ قَدْرَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ فِيما أُعْطِي مِنَ المالِ والوَلَدِ.
الثّانِي: أنْ يَدُلَّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يُبْعَثُ وحِيدًا كَما خُلِقَ وحِيدًا.
﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّالِثُ: سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مِائَةُ ألْفِ دِينارٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّها أرْضٌ يُقالُ لَها مِيثاقٌ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.
السّادِسُ: أنَّها غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
السّابِعُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّامِنُ: أنَّها الأنْعامُ الَّتِي يَمْتَدُّ سَيْرُها في أقْطارِ الأرْضِ لِلْمَرْعى والسِّعَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ تاسِعًا: أنْ يَسْتَوْعِبَ وُجُوهَ المَكاسِبِ فَيَجْمَعُ بَيْنَ زِيادَةِ الزِّراعَةِ وكَسْبِ التِّجارَةِ ونِتاجِ المَواشِي فَيَمُدُّ بَعْضَها بِبَعْضٍ لِأنَّ لِكُلِّ مَكْسَبٍ وقْتًا.
وَيَحْتَمِلُ عاشِرًا: أنَّهُ الَّذِي يَتَكَوَّنُ نَماؤُهُ مِن أصْلِهِ كالنَّخْلِ والشَّجَرِ.
﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ اخْتُلِفَ في عَدَدِهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَشَرَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: قالَ الضَّحّاكُ: كانَ لَهُ سَبْعَةٌ وُلِدُوا بِمَكَّةَ، وخَمْسَةٌ وُلِدُوا بِالطّائِفِ.
الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ شُهُودًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم حُضُورٌ مَعَهُ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ إذا ذُكِرَ ذُكِرُوا مَعَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم كُلُّهم رَبُّ بَيْتٍ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهم قَدْ صارُوا مِثْلَهُ مِن شُهُودِ ما كانَ يَشْهَدُهُ، والقِيامِ بِما كانَ يُباشِرُهُ.
﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُها: مَهَّدْتُ لَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَهَّدْتُ لَهُ الرِّياسَةَ في قَوْمِهِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ مَهَّدَ لَهُ الأمْرَ في وطَنِهِ حَتّى لا يَنْزَعِجَ عَنْهُ بِخَوْفٍ ولا حاجَةٍ.
﴿ ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، كَلّا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ (كَلّا) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمْ يَزَلِ النُّقْصانُ في مالِهِ ووَلَدِهِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أنْصُرَهُ عَلى كُفْرِهِ.
﴿ كَلا إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا ﴾ في المُرادِ (بِآياتِنا) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: مُحَمَّدٌ ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفي قَوْلِهِ (عَنِيدًا) أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُعانِدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ الحارِثِيِّ إذا نَزَلْتُ فاجْعَلانِي وسَطًا إنِّي كَبِيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدا الثّانِي: مُباعِدٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ أرانا عَلى حالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ∗∗∗ نَوى غُرْبَةٍ إنَّ الفِراقَ عُنُودُ.
الثّالِثُ: جاحِدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: مُعْرِضٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنَّهُ المُجاهِرُ بِعَداوَتِهِ.
﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَشَقَّةٌ مِنَ العَذابِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ عَذابٌ لا راحَةَ فِيهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّها صَخْرَةٌ في النّارِ مَلْساءُ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَإذا صَعِدَها زَلَقَ مِنها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
الرّابِعُ: ما رَواهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «عَنِ النَّبِيِّ ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: (هُوَ جَبَلٌ في النّارِ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ، وإذا وضَعَ رِجْلَهُ ذابَتْ، وإذا رَفَعَها عادَتْ)» .
ويَحْتَمِلُ إنْ لَمْ يَثْبُتْ هَذا النَّقْلُ قَوْلًا خامِسًا: أنَّهُ تَصاعُدُ نَفْسِهِ لِلنَّزْعِ وإنْ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ مَوْتٌ لِيُعَذَّبَ مِن داخِلِ جَسَدِهِ كَما يُعَذَّبُ مِن خارِجِهِ.
﴿ إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ قالَ قَتادَةُ: زَعَمُوا أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: لَقَدْ نَظَرْتُ فِيما قالَ هَذا الرَّجُلُ فَإذا هو لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّ لَهُ لَحَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّهُ لِيَعْلُوَ وما يُعْلى، وما أشُكُّ أنَّهُ سِحْرٌ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ فَكَّرَ وقَدَّرَ ﴾ أيْ فَكَّرَ في القُرْآنِ فِيما إنَّهُ سِحْرٌ ولَيْسَ بِشِعْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنْ يَكُونَ فَكَّرَ في العَداوَةِ وقَدَّرَ في المُجاهَدَةِ.
﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ عُوقِبَ ثُمَّ عُوقِبَ، فَيَكُونُ العِقابُ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
الثّانِي: أيْ لُعِنَ ثُمَّ لُعِنَ كَيْفَ قَدَّرَ أنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ، وأنَّهُ سِحْرٌ.
﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ يَعْنِي الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وفي ما نَظَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ نَظَرَ في الوَحْيِ المُنَزَّلِ مِنَ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ نَظَرَ إلى بَنِي هاشِمٍ حِينَ قالَ في النَّبِيِّ إنَّهُ ساحِرٌ، لِيَعْلَمَ ما عِنْدَهم.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ثُمَّ نَظَرَ إلى نَفْسِهِ فِيما أُعْطِيَ مِنَ المالِ والوَلَدِ فَطَغى وتَجَبَّرَ.
﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ أمّا عَبَسَ فَهو قَبْضُ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وبَسَرَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كَلَحَ وجْهُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ صَبَّحْنا تَمِيمًا غَداةَ الجِفارِ ∗∗∗ بِشَهْباءَ مَلْمُومَةٍ باسِرَةٍ الثّانِي: تَغَيَّرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومِنهُ قَوْلُ تَوْبَةَ وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورِها.
واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ قَدْ عَبَسَ وبَسَرَ عَلى النَّبِيِّ حِينَ دَعاهُ.
واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى مَن آمَنَ بِهِ ونَصَرَهُ.
وَقِيلَ إنَّ ظُهُورَ العَبُوسِ في الوَجْهِ يَكُونُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، وظُهُورَ البُسُورِ في الوَجْهِ قَبْلَ المُحاوَرَةِ.
﴿ ثُمَّ أدْبَرَ واسْتَكْبَرَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أدْبَرَ عَنِ الحَقِّ واسْتَكْبَرَ عَنِ الطّاعَةِ.
الثّانِي: أدْبَرَ عَنْ مَقامِهِ واسْتَكْبَرَ في مَقالِهِ.
﴿ فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: إنْ هَذا القُرْآنَ إلّا سِحْرٌ يَأْثِرُهُ مُحَمَّدٌ عَنْ غَيْرِهِ فَأخَذَهُ عَمَّنْ تَقَدَّمُهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ النُّفُوسَ تُؤْثَّرُ لِحَلاوَتِهِ فِيها كالسِّحْرِ.
﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، قالَ السُّدِّيُّ: يَعْنُونَ أنَّهُ مِن قَوْلِ أبِي اليُسْرِ عَبْدٌ لَبَنِي الحَضْرَمِيِّ كانَ يُجالِسُ النَّبِيَّ ، فَنَسَبُوهُ إلى أنَّهُ تَعَلَّمَ مِنهُ ذَلِكَ.
﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ إذا آلَمَتْ دِماغَهُ، فَسُمِّيَتْ جَهَنَّمُ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ إيلامِها.
﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُبْقِي مَن فِيها حَيًّا، ولا تَذَرُهُ مَيِّتًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: لا تُبْقِي أحَدًا مِن أهْلِها أنْ تَتَناوَلَهُ، ولا تَذَرُهُ مِنَ العَذابِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: لا تُبْقِيهِ صَحِيحًا، ولا تَذَرُهُ مُسْتَرِيحًا.
﴿ لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُغَيِّرَةٌ لِألْوانِهِمْ، قالَ أبُو رُزَيْنٍ تَلْفَحُ وُجُوهَهم لَفْحَةً تَدَعُهم أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ.
الثّانِي: تَحْرِقُ البَشَرَ حَتّى تَلُوحَ العَظْمُ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: أنَّ بَشَرَةَ أجْسادِهِمْ تَلُوحُ عَلى النّارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّ اللَّواحَ شَدَّةُ العَطَشِ، والمَعْنى أنَّها مُعَطِّشَةٌ لِلْبَشَرِ، أيْ لِأهْلِها، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ سَقَتْنِي عَلى لَوْحٍ مِنَ الماءِ شَرْبَةً ∗∗∗ سَقاها بِهِ اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيا.
يَعْنِي بِاللَّوَحِ شِدَّةَ العَطَشِ: ويَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّها تَلُوحُ لِلْبَشَرِ بِهَوْلِها حَتّى تَكُونَ أشَدَّ عَلى مَن سَبَقَ إلَيْها، وأسَرَّ لِمَن سَلِمَ مِنها.
وَفي البَشَرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ والأكْثَرُونَ.
الثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ بَشَرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ هَؤُلاءِ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ وهُمُ الزَّبانِيَةُ، وعَدَدُهم هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ورَوى عامِرٌ عَنِ البَراءِ «أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، فَأهْوى بِأصابِعِ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ، فَأمْسَكَ الإبْهامَ في الثّانِيَةِ»، وأخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِهَذا العَدَدِ، وكانَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأعْدادِ إخْبارًا عَمَّنْ وُكِّلَ بِها وهو هَذا العَدَدُ، ومُوافَقَةً لَما نَزَلَ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن قَبْلُ.
وَقَدْ يَلُوحُ لِي في الِاقْتِصارِ عَلى هَذا العَدَدِ مَعْنًى خَفِيٌّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا، وهو أنَّ تِسْعَةَ عَشَرَ عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ مِنَ العَدَدِ وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ العَدَدَ آحادٌ وعَشَراتٌ ومِئُونٌ وأُلُوفٌ، والآحادُ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُ الآحادِ تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ وأقَلُّ الكَثِيرِ عَشَرَةٌ، فَصارَتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ عَدَدًا يَجْمَعُ مِنَ الأعْدادِ أكْثَرَ قَلِيلِها، وأقَلَّ كَثِيرِها، فَلِذَلِكَ ما وقَعَ عَلَيْها الِاقْتِصارُ واَللَّهُ أعْلَمُ لِلنُّزُولِ عَنْ أقَلِّ القَلِيلِ وأكْثَرِ الكَثِيرِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا ما وصَفْتُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يَكُونَ اللَّهُ حَفِظَ جَهَنَّمَ حَتّى ضُبِطَتْ وحُفِظَتْ بِمِثْلِ ما ضُبِطَتْ بِهِ الأرْضُ وحُفِظَتْ بِهِ مِنَ الجِبالِ حَتّى رَسَتْ وثَبَتَتْ، وجِبالُ الأرْضِ الَّتِي أُرْسِيَتْ بِها واسْتَقَرَّتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ جَبَلًا، وإنَّ شُعَبَ فُرُوعِها تَحْفَظُ جَهَنَّمَ بِمِثْلِ هَذا العَدَدِ، لِأنَّها قَرارٌ لِعُصاةِ الأرْضِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، فَحَفِظَتْ مُسْتَقَرَّهم في النّارِ بِمِثْلِ العَدَدِ الَّذِي حَفِظَ مُسْتَقَرَّهم في الأرْضِ، وحَدُّ الجَبَلِ ما أحاطَتْ بِهِ أرْضٌ تَتَشَعَّبُ فِيها عُرُوقُهُ ظاهِرُهُ ولا باطِنُهُ، وقَدْ عَدَّ قَوْمٌ جِبالَ الأرْضِ فَإذا هي مِائَةٌ وتِسْعُونَ جَبَلًا، واعْتَبَرُوا انْقِطاعَ عُرُوقِها رَواسِيَ وأوْتادًا، فَهَذانَ وجْهانِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِنْباطُ، واَللَّهُ أعْلَمُ بِصَوابِ ما اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ.
وَذَكَرَ مَن يَتَعاطى العُلُومَ العَقْلِيَّةَ وجْهًا ثالِثًا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَفِظَ نِظامَ خَلْقِهِ ودَبَّرَ ما قَضاهُ في عِبادِهِ بِتِسْعَةَ عَشَرَ جَعَلَها المُدَبِّراتِ أمْرًا وهي سَبْعَةُ كَواكِبَ واثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَصارَ هَذا العَدَدُ أصْلًا في المَحْفُوظاتِ العامَّةِ، فَلِذَلِكَ حَفِظَ جَهَنَّمَ، وهَذا مَدْفُوعٌ بِالشَّرْعِ وإنْ راقَ ظاهِرُهُ.
ثُمَّ نَعُودُ إلى تَفْسِيرِ الآيَةِ، رَوى قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أما يَسْتَطِيعُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَأْخُذُوا واحِدًا مِنهم وأنْتُمْ أكْثَرُ مِنهم.
قالَ السُّدِّيُّ: وقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ الجُمَحِيِّ: لا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ أنا أدْفَعُ عَنْكم بِمَنكِبِي الأيْمَنِ عَشَرَةً مِنَ المَلائِكَةِ، وبِمَنكِبِي الأيْسَرِ التِّسْعَةَ ثُمَّ تَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ، يَقُولُها مُسْتَهْزِئًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن الأنباري في المصاحف قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قلت: يقولون ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق ﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت.
قال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً، فرجعت فقلت دثروني فدثروني، فنزلت ﴿ يا أيها المدثر قم فأنذر ﴾ إلى قوله: ﴿ والرجز فاهجر ﴾ » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟
فقال بعضهم: ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال بعضهم: شاعر، وقال بعضهم ليس بشاعر، وقال بعضهم: سحر يؤثر، فاجتمع رأيهم على أنه سحر يؤثر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ إلى قوله: ﴿ ولربك فاصبر ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: دثرت هذا الأمر فقم به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: كان متدثراً في قطيف، يعني شملة صغيرة الخمل ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الإِثم ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: المتدثر في ثيابه ﴿ قم فأنذر ﴾ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم وشدة نقمته إذا انتقم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ يقول: طهرها من المعاصي وهي كلمة عربية، كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهده قالوا: إن فلاناً لدنس الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: هما صنمان كانا عند البيت أساف ونائلة يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله نبيه محمداً أن يهجرهما ويجانبهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لمثابة الدنيا ولا لمجازاة الناس.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وربك فكبر ﴾ قال: عظم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الشيطان والأوثان.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: قلنا يا رسول الله كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة، فأنزل الله: ﴿ وربك فكبر ﴾ فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفتتح الصلاة بالتكبير.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يا أيها المدثر ﴾ قال: النائم ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأصنام ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الإِثم قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: من الغدر، ولا تكن غداراً.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه عن عكرمة أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجرة، ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: إني بحمد الله لا ثوب فاجر ** لبست ولا من غدرة أتقنع وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غدراً قالوا: فلان دنس الثياب.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عملك أصلحه، كان أهل الجاهلية إذا كان الرجل حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: وعملك فأصلح.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عنه ﴿ والرجز فاهجر ﴾ قال: الأوثان ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب ﴿ ولربك فاصبر ﴾ قال: على ما أوذيت.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: عنى نفسه.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: ليس ثيابه الذي يلبس.
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ قال: خلقك فحسن.
وأخرج ابن المنذر عن يزيد بن مرثد في قوله: ﴿ وثيابك فطهر ﴾ أنه ألقى على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلا شاة.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والرجز فاهجر ﴾ بالكسر.
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ والرجز فاهجر ﴾ برفع الراء، وقال: هي الأوثان» .
وأخرج ابن المنذر عن حماد رضي الله عنه قال: قرأت في مصحف أبي ﴿ ولا تمنن أن تستكثر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ يقول: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وإنما نزل هذا في النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه، وهي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة والناس موسع عليهم.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ قال: لا تقل قد دعوتهم فلم يقبل مني، عد فادعهم ﴿ ولربك فاصبر ﴾ على ذلك.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: الصور ﴿ يوم عسير ﴾ قال: شديد.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال: فإذا نفخ في الصور.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه وأبي مالك وعامر مثله.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: الناقور الصور شيء كهيئة البوق.
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر؟
قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟
قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا» .
وأخرج ابن سعد والحاكم عن بهز بن حكيم قال: أمنا زرارة بن أوفى فقرأ المدثر، فلما بلغ ﴿ فإذا نقر في الناقور ﴾ خر ميتاً فكنت فيمن حمله.
وأخرج عبد حميد عن قتادة ﴿ فذلك يومئذ يوم عسير ﴾ قال: ثم بين على من مشقته وعسره فقال: ﴿ على الكافرين غير يسير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً ﴾ سبب الآية أنه لما نزل ﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ [المدثر: 30] قال أبو جهل: أيعجز عشرة منكم عن واحد من هؤلاء التسعة عشرة أن يبطشوا به، فنزلت الآية ومعناها أنهم ملائكة لا طاقة لكم بهم، ورُوي أن الواحد منهم يرمي بالجبل على الكفار ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي جعلناهم هذا العدد ليفتتن الكفار بذلك ويطمعوا أن يغلبوهم ويقولون ما قالوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ أن ما قاله محمد صلى الله عليه وسلم حق، فإن قيل: كيف نفى عنهم الشك بعد أن وصفهم باليقين والمعنى واحد، وهو تكرار؟
فالجواب: أنه لما وصفهم باليقين نفى عنهم أن يشكوا فيما يستقبل بعد يقينهم الحاصل الآن، فكأنه وصفهم باليقين في الحال والاستقبال، وقال الزمخشري: ذلك مبالغة وتأكيد ﴿ وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ ﴾ المرض عبارة عن الشك، وأكثر ما يطلق الذين في قلوبهم مرض على المنافقين.؟
فإن قيل: هذه السورة مكية ولم يكن حينئذ منافقون وإنما حدث المنافقون بالمدينة، فالجواب من وجهين؛ أحدهما أن معناه يقول المنافقون إذا حدثوا، ففيه إخبار بالغيب، والآخر أن يريد من كان بمكة من أهل الشك.
وقولهم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً: استبعاد لأن يكون هذا من عند الله ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ يحتمل القصد بهذا وجهين؛ أحدهما وصف جنود الله بالكثرة أي: هم من كثرتهم لا يعلمهم إلا الله، والآخر رفع اعتراض الكفار على التسعة عشر أي لا يعلم أعداد جنود الله إلا هو؛ لأن منهم عدداً قليلاً ومنهم عدداً كثيراً حسبما أراد الله ﴿ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ ﴾ الضمير لجهنم أو للآيات المتقدمة.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ : قيل: إن الذي حمل رسول الله على التدثر: أنه كان في بعض طرق مكة إذ سمع صوتا من السماء والأرض؛ فنظر عن يمينه وعن يساره وأمامه وخلفه، فلم ير شيئا، فرفع رأسه فرأى شيئاً؛ ففرق منه، فأتى بيته، وقال: "زملوني"، فدثروه.
فإن صح ما قالوا، وإلا لم يسعهم أن يشهدوا على رسول الله أن الذي حمله على التدثر ما ذكروا من الفرق.
ولأن التدثر ليس مما يسكن به الروع الذي يحل بصاحبه من الصياح.
وذكروا أن أول ما نزل من الوحي قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ ، فإن صح ما ذكروا، فأول ما أوحي إليه هو الصياح الذي سمعه؛ إذ كان ذلك متقدما على قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ .
وقيل: إن كفار مكة قذفوه بالسحر، وأجمعوا رأيهم على أن ينسبوه إليه، وفشا هذا القول فيهم له؛ فأحزنه ذلك؛ فدخل بيته وتدثر بثيابه، فأمره الله - - أن يقوم فينذرهم بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ، وعلى هذا التأويل يكون الوحي نازلا قبل نزول هذه السورة، حتى سموه: ساحرا؛ لما يرون منه من الآيات، والله أعلم.
وذكر أن موسى [صلوات الله على نبينا وعليه] قال: "أتاني ربي من طور سيناء، وسيأتي من طور ساعورا، وسيطلع من جبل فاران".
فإن صح هذا الخبر، فمعنى قوله: "أتاني ربي"، أي: أوحى إلي، وقوله: "وسيأتي من طور ساعورا" هو الوحي إلى عيسى ، وقوله: "وسيطلع من جبل فاران" هو القرآن الذي أنزل على نبينا محمد .
وفي هذا الخبر دلالة أن الأخبار التي ورد بها ذكر نزول الرب في كل ليلة إلى سماء الدنيا، هي على نزول أمره إلى ملائكته، أن قولوا: "هل من داع فيجاب؟، هل من مستغفر فيغفر له؟"، فجائز أن يكون رسول الله في أول ما أوحي إليه كان بجبل فاران، وهو جبل من جبال مكة، أو كان ذلك الجبل منسوبا إلى ذلك المكان.
/////////////////ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ ﴾ تثبيت نبوة [نبينا] محمد وآية رسالته، وذلك أن تعريف المرء بما عليه من الثياب ونسبته إليه، لا يخرجه مخر التعظيم والتبجيل، وإنما التبجيل فيما يدعى باسمه أو بكنيته، فلو كان الأمر على ما زعمت الكفرة: أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأن رسول الله هو الذي اخترعه من ذات نفسه، لكان لا يعرف نفسه بثيابه، بل يعرفها بما فيه تبجيلها وتعظيمها، فإذ لم يفعل ثبت أنه رسولا حقا، بلغ الرسالة على ما أوحي إليه، وأدى كما أمر، على ما ذكرنا في الآيات التي خرجت مخرج المعاتبة لرسول الله أن فيها تثبيت رسالته؛ نحو قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ ، وغير ذلك من الآيات.
وجائز أن تكون نسبته إلى ثيابه؛ ليعلم الخلق أن لا بأس للمرء أن يعرف أخاه بثيابه.
وجائز أن تكون نسبته إلى الثوب الذي يدثر به يخرج مخرج التعظيم لذلك الثوب؛ لموافقته حال نزول الوحي، وهذا كما ذكرنا: أن إضافة الأشياء إلى الله نحو الجزئيات تخرج مخرج تعظيم تلك الأشياء، كقوله: ناقة الله، ومسجد الله، ورب العرش، [على] تعظيم العرش، وتعظيم أمر الناقة، وتشريف المسجد.
وإضافة الأشياء إليه نحو الكليات، يخرج مخرج تعظيم الله ؛ كقوله: رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما.
ثم أذن للمرء أن يسبح في ركوعه، فيقول: "سبحان ربي العظيم"، فيخص نفسه بقوله: "ربي"، والحق في مثله أن يقول "سبحان ربنا"؛ لئلا يخرج ذلك مخرج تعظيم النفس؛ كقوله: "رب العالمين"، و"رب السماوات الأرض وما بينهما"؛ إذ الإضافة من الجانبين على السواء فيما ذكرنا، لكن ذلك الذكر إذا وافق الحالة التي فيها تعظيم الرب ووصفه بالعلو؛ وهي الركوع والسجود، أذن له بأن يأتي بهذا الذكر، وإن خرج ذلك مخرج تعظيم النفس.
فكذلك ذلك الثوب الذي تدثر به النبي إذا وافق [حال] نزول الوحي عظم شأنه من ذلك الوجه؛ فنسب إلى ذلك الثوب.
ثم المرء إنما يتدثر عندما يريد أن ينام، أو عند طلب الراحة، وليست تلك الحالة حالة يستحب المرء مصاحبة الكبراء العظماء ي مثل تلك الحال، فضلا من أن يصحب الملك في مثل تلك الحال؛ فيكون في هذا دلالة أن رسول الله ، لم يطلع على الأوقات التي كان يأتي فيها الوحي، وإذا لم يعلم كان الأمر عليه أصعب وأشد منه إذا بين له؛ لأنه إذا لم يبين له، لزمه أن يصون نفسه في الحالات كلها عن أشياء يستحي مع مثلها الخلوة بالملائكة؛ ولهذا لم يبين لأحد منتهى عمره؛ ليكون أبدا مستعدا للموت؛ فرقا أن يحل به ساعة بعد ساعة، ويكون أبدا على خوف ووجل من ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ خص النذارة دون البشارة، وقد كان هو نذيرا وبشيرا، ففي ذكر النذارة ذكر البشارة وإن أمسك عنها؛ لأن النذارة ليست ترجع إلى نفس الخلائق؛ وإنما النذارة هي تبيين عواقب ما ينتهي إيه حال من التزم الفعل المذموم؛ فإذا استوجب النذارة بالتزامه ذلك الفعل، فقد استوجب البشارة في تركه؛ فثبت أن النذارة بشارة، وفي البشارة نذارة أيضا؛ فاقتصر بذكر إحداهما عن ذكر الأخرى، وليس في قوله: ﴿ قُمْ ﴾ إلزام [قيام]؛ ولكن معناه: قم في إنذار الخلق وبشارتهم، على ما ينتهي إليه وسعك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ : أي: عظم، وتعظيمه: أن يجيبه فيما دعاه إليه، ويطيعه فيما أمره، وأن يتحمل ما ألزمه عمله، فذلك هو تعظيمه لا أن يقول بلسانه: "يا عظيم" فقط.
وجائز أن يكون تأويله: أن عظمه عن المعاني التي قالت فيه الملاحدة من أن لله ولدا، وأن له شريكا، ونزهه عنها.
أو عظم حقه أو شكر نعمه، وهذا كما نقول: إن محبة الله طاعته وائتمار أوامره، لا أن تكون هي شيئاً يعتري في القلب؛ فيصعق منه المرء، ويغشى عليه؛ فكذلك تعظيم الله يكون بالمعاني التي ذكرنا، لا أن يكون بالقول خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ : جائز أن يكون أريد بالثياب نفسه، وتجعل الثياب كناية عنها؛ كما ذكر أن العرب كانت تقول إذا كان الرجل ينكث بالعهد، وليس بذي وفاء: إنه لدنس الثياب؛ وإذا كان له وفاء قالوا: إنه لطاهر الثياب.
فإن كان الخطاب متوجها إلى النفس، فتأويله - والله أعلم -: أن طهر خلقك، وأفعالك، وأقوالك عما تذم عليه.
وجائز أن يكون أريد بها الثياب؛ فيكون قوله: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ متوجها إلى التطهير من النجاسات، وإلى التطهير من الأدناس.
فأما التطهير من الأنجاس، فقد امتحنا جميعا نحن ورسول الله [به].
وأما التطهير من الأدناس، فجائز أن يؤمر به النبي خاصة؛ لأنه كان مأمورا بتبليغ الرسالة إلى الخلق؛ فندب إلى تطهير ثيابه من الدنس؛ لئلا يستقذر، بل ينظر إليه بعين التبجيل والعظمة، وليس هذا على تطهير الثياب خاصه؛ بل أمر يطهر جميع ما يقع له به التمتع من المأكل والمشرب والملبس وغيرها، والله أعلم.
وعن ابن عباس - - أنه قال: أي: لا يلبس الثوب على فخر ولا غدر.
قيل: وكان الرجل إذا كان غادرا في الجاهلية يقال: إنه دنس الثياب.
وقال الحسن: خلقك فحسِّنه.
وقال بعضهم: أي: قصر ثيابك ولا تطولها؛ فتقع أطرافها على الأرض؛ فتصيبها النجاسات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ : فالرجز: اسم للمأثم، واسم لما يعذب عليه؛ فيكون منصرفا إلى ما تتأذى به النفس وتتألم به كالسبة في أنها اسم لما يتأذى به ولما تتألم عليه النفس؛ فقال الله ا: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ﴾ ، فالمأثم اسم لم تتأذى به النفس، فهو اسم للأمرين: [العذاب وما تتألهم به] جميعا.
وصرف أهل التأويل الرجز إلى المأثم هاهنا.
وذكر قتادة أنه كان بمكة صنمان: إساف، ونائلة، فكان من أتى عليهما من المشركين مسح وجوههما، فأمر الله - عز وجل - نبيه أن يعتزلهما بقوله: ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ .
وقيل - أيضاً -: بأن المشركين قالوا للنبي : لو مسحت وجوههما، لكنا نؤمن لك ونتبعك؛ فأنز الله : ﴿ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ ﴾ ، أي: فاهجر عبادة الأوثان.
وقيل: الرجز: العذاب.
فجملته ترجع إلى ما ذكرنا: أنه اسم للعذاب، ولما يعذب عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ : قال مجاهد والحسن: تأويله: ألا تستكثر عملك، فتمن به على ربك؛ على التقديم والتأخير.
فإن كان التأويل هذا، فالمراد من الخطاب غير رسول الله وإن كان هو المذكور في الخطاب؛ إذ لايتوهم أن يكون رسول الله يمن على ربه، ولا أن يستكثر عمله لله ؛ لأن هذا النوع من الصنيع لا يفعله واحد من العوام الذي خُصَّ بأدنى خير؛ فكيف يتوهم على رسول الله صلى لله عليه وسلم؟!
ولأن الامتنان على الله من فعل المنافقين؛ قال الله : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ ﴾ .
ويجوز أن يكون الخطاب له، وإن كان هو معصوما من ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ ، ونحوه، وهذا كما ذكرنا أن العصمة لا تمنع وقوع النهي؛ إذ العصمة [لا] نتفع بها [إلا] مع ثبات النهي، فإذا لم يكن فلا فائدة في العصمة.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ﴾ ، أي: لا تعطيه عطية تلتمس بها أفضل منها في الدنيا من الثواب، نهى عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى استكثار المال في الدنيا من التجارة وغيرها، إلا القدر الذي لا بد له منه، وتقع إليه الحاجة؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فإذا نهى عن مدعينيه إلى ما متعوا؛ ففي اكتساب أسباب المال أحق؛ ثبت أن الله نهاه عن اكتساب ذلك وجمعه، وجعل رزقه - - من الوجه الذي لا يبلغه حيل البشر، وهو الفيء والغنيمة، ثم نهى عن إمسكاه وادخاره لنفسه؛ بل أمر أن يصرفه في أمته بقوله - -: "ما لي من هذا المال إلا الخمس، والخمس مردود فيكم" وقال الله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ...
﴾ الآية [الحشر: 7]، وذكر أن رسول الله كان لا يدخر لغد، وقال : ﴿ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ فثبت أنه كان منهيا عن اكتساب الأسباب التي يتوصل بها إلى اكتساب الأموال، وإلى الجمع؛ فنهي عن العطايا التي يلتمس بها أفضل منها في الدنيا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ ﴾ : في هذا دعاء إلى إخلاص الصبر لله ، وإلى الصدق فيه.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾ دعاء إلى نفس الصبر.
وجائز أن يكون هذا - أيضا - على الأمر بالصبر؛ فيكون على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: فاصبر لربك، أي: اصبر على ما تؤذى، ولا تجازهم بصنيعهم؛ فإن الله يكفيهم؛ فيكون في هذا إبانة أن رسول الله قد امتحن بالأمور التي تكرهها نفسه، وتشتد عليها؛ فدعاه الله إلى الصبر على تحمل المكاره، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وأقسم بالليل حين ولى.
<div class="verse-tafsir" id="91.VO2NR"