تفسير الآية ٤٩ من سورة المدثر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 74 المدثر > الآية ٤٩ من سورة المدثر

فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ٤٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 93 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٤٩ من سورة المدثر من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة المدثر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك مما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) يقول: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرة الله إياهم بهذا القرآن معرضين، لا يستمعون لها فيتعظوا ويعتبروا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ) أي: عن هذا القرآن.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فما لهم عن التذكرة معرضين أي فما لأهل مكة أعرضوا وولوا عما جئتم به .

وفي تفسير مقاتل : الإعراض عن القرآن من وجهين : أحدهما الجحود والإنكار ، والوجه الآخر ترك العمل بما فيه .

و ( معرضين ) نصب على الحال من الهاء والميم في لهم وفي اللام معنى الفعل ; فانتصاب الحال على معنى الفعل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } أي: صادين غافلين عنها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

"فما لهم عن التذكرة معرضين"، مواعظ القرآن (معرضين) نصب على الحال، وقيل صاروا معرضين.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فما» مبتدأ «لهم» خبره متعلق بمحذوف انتقل ضميره إليه «عن التذكرة معرضين» حال من الضمير والمعنى أي شيء حصل لهم في إعراضهم عن الاتعاظ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فما لهؤلاء المشركين عن القرآن وما فيه من المواعظ منصرفين؟

كأنهم حمر وحشية شديدة النِّفار، فرَّت من أسد كاسر.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والاستفهام فى قوله : ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ .

كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ .

فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) للتعجيب من إصرارهم على كفرهم ، ومن إعراضهم عن الحق الذى دعاهم إليه نبيهم صلى الله عليه وسلم .والمراد بالتذكرة : التذكير بمواعظ القرآن وإرشاداته ، والحمر : جمع حمار ، والمرادبه الحمار الوحشى المعروف بشدة نفوره وهروبه إذا ما أحس بحركة المقتنص له .وقوله : ( مُّسْتَنفِرَةٌ ) أى : شديدة النفور والهرب فالسين والتاء للمبالغة .والقسورة : الأسد ، سمى بذلك لأنه يقسر غيره من السباع ويقهرها ، وقيل : القسورة اسم الجماعة الرماة الذين يطاردون الحمر الوحشية ، ولا واحد له من لفظه ، ويطلق هذا اللفظ عند العرب على كل من كان بالغ النهاية فى الضخامة والقوة .

من القسر بمعنى القهر .

أى : ما الذى حدث لهؤلاء الجاحدين المجرمين ، فجعلهم يصرون إصرارا تاما على الإِعراض عن مواعظ القرآن الكريم ، وعن هداياته وإرشاداته ، وأوامره ونواهيه .

.

حتى لكأنهم - فى شدة إعراضهم عنه ، ونفورهم منه - حمر وحشية قد نفرت بسرعة وشدة من أسد يريد أن يفترسها ، أو من جماعة من الرماة أعدوا العدة لاصطيادها؟قال صاحب الكشاف : شبههم - سبحانه - فى إعراضهم عن القرآن ، واستماع الذكر والموعظة ، وشرادهم عنه - بحمر جدت فى نفارها مما أفزعها .وفى تشبيههم بالحمر : مذمة ظاهرة ، وتهجين لحالهم بين ، كما فى قوله - تعالى - : ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) وشهادة عليهم بالبلة وقلة العقل ، ولا ترى مثل نفار حمير الوحش ، واطرادها فى العدو ، إذا رابها رائب ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب ، فى وصف الإِبل ، وشدة سيرها ، بالحمر ، وعدوها إذا وردت ماء فأحست عليه بقانص .

.والتعبير بقوله : ( فَمَا لَهُمْ .

.

.

) وما يشبهه قد كثر استعماله فى القرآن الكريم ، كما فى قوله - تعالى - : ( فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ .

.

.

) والمقصود منه التعجيب من إصرار المخاطبين على باطلهم ، أو على معتقد من معتقداتهم .

.

مع أن الشواهد والبينات تدل على خلاف ذلك .وقال - سبحانه - ( عَنِ التذكرة ) بالتعميم ، ليشمل إعراضهم كل شئ يذكرهم بالحق ، ويصرفهم عن الباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي عن الذكر وهو العظة يريد القرآن أو غيره من المواعظ، ومعرضين نصب على الحال كقولهم مالك قائماً.

ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ رَهِينَةٌ ﴾ ليست بتأنيث رهين في قوله: ﴿ كُلُّ امرئ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ﴾ [الطور: 21] ، لتأنيث النفس؛ لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأنّ فعيلاً بمعنى مفعول يستوى فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى الرهن، كالشتيمة بمعنى الشتم، كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: أبَعْدَ الَّذيِ بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيكِبٍ ** رَهِينَةِ رَمْس ذِي تُرَابٍ وَجَنْدَلِ كأنه قال: رهن رمس.

والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند بكسبها عند الله غير مفكوك ﴿ إِلاَّ أصحاب اليمين ﴾ فإنهم فكوا عنه رقابهم بما أطابوه من كسبهم، كما يخلص الراهن رهنه بأداء الحق.

وعن علي رضي الله عنه أنه فسر أصحاب اليمين بالأطفال، لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: هم الملائكة ﴿ فِى جنات ﴾ أي هم في جنات لا يكتنه وصفها ﴿ يَتَسَاءلُونَ عَنِ المجرمين ﴾ يسأل بعضهم بعضاً عنهم.

أو يتساءلون غيرهم عنهم، كقولك: دعوته وتداعيناه.

فإن قلت: كيف طابق قوله ﴿ مَا سَلَكَكُمْ ﴾ وهو سؤال للمجرمين: قوله: ﴿ يَتَسَاءلُونَ عَنِ المجرمين ﴾ وهو سؤال عنهم؟

وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ماسلككم قلت: ماسلككم ليس ببيان للتساؤل عنهم، وإنما هو حكاية قول المسؤولين عنهم؛ لأنّ المسؤلين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم ﴿ ماسلككم فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين ﴾ إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه الخوض: الشروع في الباطل وما لا ينبغي فإن قلت: لم يسألونهم وهم عالمون بذلك قلت: توبيخا لهم وتحسيراً، وليكون حكاية الله ذلك في كتابه تذكرة للسامعين.

وقد عضد بعضهم تفسير أصحاب اليمين بالأطفال: أنهم إنما سألوهم لأنهم ولدان لا يعرفون موجب دخول النار.

فإن قلت: أيريدون أنّ كل واحد منهم بمجموع هذه الأربع دخل النار، أم دخلها بعضهم بهذه وبعضهم بهذه؟

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً.

فإن قلت: لم أخر التكذيب وهو أعظمها؟

قلت: أرادوا أنهم بعد ذلك كله كانوا مكذبين بيوم الدين تعظيماً للتكذيب.

كقوله ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] ، و ﴿ اليقين ﴾ الموت ومقدماته، أي: لو شفع لهم الشافعون جميعاً من الملائكة والنبيين وغيرهم؛ لم تنفعهم شفاعتهم: لأنّ الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم.

وفيه دليل على أنّ الشفاعة تنفع يومئذ؛ لأنها تزيد في درجات المرتضين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ الصَّلاةَ الواجِبَةَ.

﴿ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ أيْ ما يَجِبُ إعْطاؤُهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ.

﴿ وَكُنّا نَخُوضُ ﴾ نَشْرَعُ في الباطِلِ.

﴿ مَعَ الخائِضِينَ ﴾ مَعَ الشّارِعِينَ فِيهِ.

﴿ وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ أخَّرَهُ لِتَعْظِيمِهِ أيْ وكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُكَذِّبِينَ بِالقِيامَةِ.

﴿ حَتّى أتانا اليَقِينُ ﴾ المَوْتُ ومُقَدِّماتُهُ.

﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة} عن التذكير وهو العظة أي القرآن {مُعْرِضِينَ} مولين حال من الضمير نحو مالك قائماً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ ﴾ لَوْ شَفَعُوا لَهم جَمِيعًا فالكَلامُ عَلى الفَرْضِ واشْتُهِرَ أنَّهُ مِن بابِ: ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ وحَمْلُ التَّعْرِيفِ عَلى الِاسْتِغْراقِ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِالمَقامِ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿ فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ لِتَرْتِيبِ إنْكارِ إعْراضِهِمْ عَنِ القُرْآنِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عَلى ما قَبْلَها مِن مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ والِاتِّعاظِ بِهِ مِن سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ ومُعْرِضِينَ حالٌ لازِمَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الجارِّ الواقِعِ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ أعْنِي لَهم وهي المَقْصُودَةُ مِنَ الكَلامِ وعَنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والتَّقْدِيمُ لِلْعِنايَةِ مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ أيْ فَإذا كانَ حالُ المُكَذِّبِينَ بِهِ عَلى ما ذُكِرَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَهم مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإقْبالِ عَلَيْهِ وتَأْخُذُ الدَّواعِي إلى الإيمانِ بِهِ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّذْكِرَةِ ما يَعُمُّ القُرْآنَ وما بَعْدُ يُرَجِّحُ الأوَّلَ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّذْكِيرِ أصْلٌ عَلى ما ذَكَرَ مُبالَغَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً يعني: اترك هذا الذي خلقته وحيداً وفوض أمره إليَّ وهو الوليد بن المغيرة خلقه الله تعالى وحيداً بغير مال ولا ولد وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: ورزقته مالاً كثيراً قال مجاهد كان له مائة ألف دينار وكان بنوه عشرة وقال بعضهم: كان ماله أربعة آلاف درهم ثم قال عز وجل: وَبَنِينَ شُهُوداً يعني: حضوراً لا يغيبون عنه في التجارة ولا غيرهم وقال بعضهم: ذرني ومن خلقت وحيداً يعني: إنه لم يكن من قريش وكان ملصقاً بهم لأنه ذكر أن أباه المغيرة تبناه بعد ما أتت ثمانية أشهر ولم يكن منه كما قال الله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) [القلم: 13] وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً يعني: غير منقطع عنه وبنين شهوداً لا يغيبون عنه ولا يحتاجون إلى التصرف وكان له عشرة من البنين وهذا قول الكلبي وغيره وقال مقاتل: سبع بنين وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً يعني: بسطت له في المال والخير بسطاً ويقال: أمهلت له إمهالاً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ يعني: يطمع أن أزيد ماله وولده.

وذلك أنه تفاخر على رسول الله  وقال لي: مالاً ممدوداً ولي عشرة من البنين فلا يزال يزداد مالي وبني فنزل ثم يطمع أن أزيد يعني: أن أزيد وهو يعصيني كَلَّا يعني: وهو رد عليه يعني: لا أزيد فما أزداد ماله بعد ذلك ولا ولده ولكن أخذ في النقصان فهلك عامة ماله وولده قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً يعني: مكذباً معرضاً عنها معاندا ثم قال عز وجل: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: يكلف في النار صعود جبل من صخرة ملساء في الباب الخامس تسمى سقر فإذا بلغ رأس العقبة دخل دخان في حلقة فيخرج من جوفه ما كان في جوفه من الأمعاء فإذا سقط في أسفل العقبة سقي من الحميم فإذا بلغ أعلاه انحط منه إلى أسفله من مسيرة سبعين سنة وقال مجاهد: سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً يعني: مشقة من العذاب وقال الزجاج: سأحمله على مشقة من العذاب ويقال: سأكلفه الصعود على عقبة شاقة والصعود والكؤود بمعنى واحد ثم ذكر خبث أفعاله الذي يستوجب به العقوبة فقال: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ يعني: إنه فكر في أمر محمد  وقدر في أمره وقال ساحر يقول الله عز وجل: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ يعني: فلعن كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) [الذاريات: 10] .

ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة ليدبروا أمر محمد  وقالوا: هذه أيام الموسم والناس مجتمعون وقد فشا قول هذا الرجل في الناس وهم سائلون عنه فماذا تجيبون وتردون عليهم فقالوا نقول إنه مجنون وقال بعضهم: إنهم يأتونه ويكلمونه فيجدونه فصيحاً عاقلاً فيكذبونكم فقالوا: نقول شاعر قال بعضهم: هم العرب وقد رأوا الشعراء وقوله: لا يشبه الشعر فيكذبونكم قالوا: نقول كاهن قال بعضهم: إنهم لقوا الكهان وإذا سمعوا قوله وهو يستثني في كلامه المستقبل فيكذبونكم ففكر الوليد بن المغيرة ثم أدبر عنهم ثم رجع إليهم وقال: فكرت في أمره فإذا هو ساحر يفرق بين المرء وزوجه وأقربائه فاجتمع رأيهم على أن يقولوا: ساحر فقتل كيف قدر يعني: كيف قدر بمحمد  بالسحر ثم قتل يعني لعن مرة أخرى أي: اللعنة على أثر اللعنة كيف قدر هذا التقدير الذي قال للكفرة إنه ساحر ثُمَّ نَظَرَ يعني: ثم نظر في أمر محمد  ثُمَّ عَبَسَ يعني: عبس وجهه أي: كلح وتغير لون وجهه وقال الزجاج: ثم عبس وجهه وَبَسَرَ أي: نظر بكراهة شديدة ثُمَّ أَدْبَرَ يعني: أعرض عن الإيمان وَاسْتَكْبَرَ يعني: تكبر عن الإيمان ثم قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يعني: تأثره من صاحب اليمامة يعني: يرويه عن مسيلمة الكذاب ويقال: معناه: ما هذا الذي يقول: إلا سحر يرويه عن جابر ويسار ويقال عن أهل بابل: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني: ما هذا القرآن إلا قول الآدمي قال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ يعني: سأدخله سقر قال مقاتل: يعني: الباب الخامس وقال الكلبي: هو اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ مَا سَقَرُ تعظيماً لأمرها ثم بين قال: لاَ تُبْقِي وَلا تَذَرُ يعني: لا تبقي لحماً إلا أكلته ولا تذرهم إذا أعيدوا فيها خلقاً جديداً، ويقال: لا تبقى ولا تذر يعني: لا تميت ولا تحيي، ويقال: لا تبقى اللحم ولا العظم ولا الجلد إلا أحرقته ولا تذر لحماً ولا عظماً ولا جلداً أي: تدعه محرقاً بل تجده خلقاً جديدا ثم قال عز وجل: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ يعني: حراقة للأجساد شواهة للوجوه نزاعة للأعضاء وأصله في اللغة التسويد ويقال: لاحته الشمس إذا غيرته وذلك أن الشيء إذا كان فيه دسومة فإذا أحرق اسود ثم قال: عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ يعني: على النار تسعة عشر من الملائكة مسلطون من رؤساء الخزنة وأما الزبانية فلا يحصى عددهم كما قال في سياق الآية: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.

وإنما أراد تسعة عشر ملكاً ومعهم ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف ويخرج لهب النار من أفواههم فنزعت عنهم الرأفة غضاب على أهلها يدفع أحدهم سبعين ألفاً فلما نزلت هذه الآية قال الوليد بن المغيرة لعنه الله: أنا أكفيكم خمسة وكل ابن لي يكفي واحداً منهم وسائر أهل مكة يكفي أربعة منهم وقال رجل من المشركين وكان له قوة وأنا أكفيكموهم وحدي أدفع عشرة بمنكبي هذا وتسعة بمنكبي الأيسر فألقيهم في النار حتى يحترقوا وتجوزون حتى تدخلون الجنة فنزلت هذه الآية وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً يعني: ما سلطنا أعوان النار إلا ملائكة زبانية غلاظ شداد لا يغلبهم أحد وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ يعني: ما ذكرنا قلة عددهم وهم تسعة عشر إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعني: بلية لهم لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وذلك أن أهل الكتاب وجدوا في كتابهم أن مالكاً رئيسهم وثمانية عشر من الرؤساء فبين لهم أنما يقوله النبيّ  يقوله: بالوحي وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً يعني: تصديقاً وعلماً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني: يعلموا أنه حق وعدتهم كذلك وَالْمُؤْمِنُونَ أيضاً لا يشكون في ذلك وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: المنافقين وَالْكافِرُونَ يعني: المشركين مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يعني: بذكر خزنة جهنم تسعة عشر يقول الله تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ يعني: يخذله ولا يؤمن به أمناً له وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يوفقه لذلك وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ يعني: من يعلم قوة جنود ربك وكثرتها إلا هو يعني: الله تعالى ويقال: وما يعلم يعني: لا يعلم عدد جموع ربك إلا الله تعالى: وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ يعني: الدلائل والحجج في القرآن ويقال: ما هي يعني: القرآن ويقال: وما هي يعني: سقر إلا ذكرى للبشر يعني: عظه للخلق ثم أقسم الله تعالى لأجل سقر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

من أهل الجنة إنْ شاء اللَّه «١» .

وقوله تعالى: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ استثناءٌ ظاهره الانفصال، تقديره: لكن أصحاب اليمين في جنات.

- ص-: فِي جَنَّاتٍ أي: هم في جنات، فيكون خبر مبتدإ محذوف.

- م-: وأعربه أبو البقاء حالاً من الضمير في يَتَساءَلُونَ، انتهى.

قال ابن عباس: أَصْحابَ الْيَمِينِ هنا الملائكة «٢» ، وقال الضَّحَّاكُ: هم الذين سبقت لهم من اللَّه الحسنى «٣» ، وقال الحسن وابن كَيْسَانَ: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين «٤» .

ت: وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ قال: أصحاب اليمين: أطفال المسلمين «٥» ، انتهى من «التمهيد» .

حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)

وقولهم: مَا سَلَكَكُمْ أي: ما أدخلكم، فيحتمل أنْ يكون من قول أصحاب اليمين الآدميين أو من قول الملائكة.

وقوله تعالى: قالُوا يعني الكفار لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ...

الآية، وفي نفي الصلاة يدخل الإيمان باللَّه، والمعرفة به، والخشوع له وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ يشمل الصدقة فرضاً كانت أو نفلاً، والخوض مع الخائضين: عَرَّفه في الباطل والتكذيب بيوم الدين كفر صراح حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ يعني الموت قاله المفسرون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المُدَّثِّرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ آيَةٌ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً  ﴾ .

فَأمّا سَبَبُ نُزُولِها، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ  قالَ: «جاوَرْتُ بِحِراءَ شَهْرًا، فَلَمّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أمامِي، وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا هو في الهَواءِ "يَعْنِي: جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ" فَأقْبَلْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ » قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا رَأى جِبْرِيلَ وقَعَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمّا أفاقَ دَخَلَ إلى خَدِيجَةَ، ودَعا بِماءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ، وقالَ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُوهُ بِقَطِيفَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عِمْرانَ، والأعْمَشُ "المُتَدَثِّرُ" بِإظْهارِ التّاءِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ "المُدَثِّرُ" بِحَذْفِ التّاءِ، وتَخْفِيفِ الدّالِ.

قالَ اللُّغَوِيُّونَ: وأصْلُ "المُدَّثِّرِ" المُتَدَثِّرُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ، كَما ذَكَرْنا في المُتَزَمِّلِ، وهَذا في قَوْلِ الجُمْهُورِ مِنَ التَّدْثِيرِ بِالثِّيابِ.

وقِيلَ المَعْنى: يا أيُّها المُدَّثِّرُ بِالنُّبُوَّةِ، وأثْقالِها.

قالَ عِكْرِمَةُ: دُثِّرْتَ هَذا الأمْرَ فَقُمْ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ كَفّارَ مَكَّةَ العَذابَ إنْ لَمْ يُوَحِّدُوا ﴿ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ أيْ: عَظِّمْهُ عَمّا يَقُولُ عَبَدَةُ الأوْثانِ ﴿ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تَلْبَسْها عَلى مَعْصِيَةٍ، ولا عَلى غَدْرٍ.

قالَ غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ: وإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ لَبِسْتُ ولا مِن غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ رَوى هَذا المَعْنى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا تَكُنْ ثِيابُكَ مِن مَكْسَبٍ غَيْرِ طاهِرٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذَّنْبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الأصَمِّ ثِيابَهُ ∗∗∗ لَيْسَ الكَرِيمُ عَلى القَنا بِمُحَرَّمِ أيْ: نَفْسَهُ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ: المَعْنى: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَنّى عَنِ الجِسْمِ بِالثِّيابِ، لِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.

قالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ وذَكَرَتْ إبِلًا: رَمَوْها بِأثْوابٍ خِفافٍ فَلا تَرى ∗∗∗ لَها شَبَهًا إلّا النَّعامَ المُنَفَّرا أيْ: رَكِبُوها، فَرَمَوْها بِأنْفُسِهِمْ.

والعَرَبُ تَقُولُ لِلْعَفافِ: إزارٌ، لِأنَّ العَفِيفَ كَأنَّهُ اسْتَتَرَ لَمّا عَفَّ.

والرّابِعُ: وعَمَلَكَ فَأصْلِحْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والخامِسُ: خُلُقَكَ فَحَسِّنْ، قالَهُ الحَسَنُ، والقُرَظِيُّ.

والسّادِسُ: وثِيابَكَ فَقَصِّرْ وشَمِّرْ، قالَهُ طاوُوسٌ.

والسّابِعُ: قَلَبَكَ فَطَهِّرْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ.

فَإنْ يَكُ قَدْ ساءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ ∗∗∗ فَسُلِّي ثِيابِي مِن ثِيابِكِ تَنْسُلِ أيْ: قَلْبِي مِن قَلْبِكِ.

والثّامِنُ: اغْسِلْ ثِيابَكَ بِالماءِ، ونَقِّها، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والرُّجْزَ فاهْجُرْ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ إلّا أبا بَكْرٍ، ويَعْقُوبُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ "والرُّجْزَ" بِضَمِّ الرّاءِ.

والباقُونَ بِكَسْرِها.

ولَمْ يَخْتَلِفُوا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الحَسَنِ بِالضَّمِّ، وقالَ: هو اسْمُ صَنَمٍ.

وقالَ قَتادَةُ: صَنَمانِ: إسافٌ، ونائِلَةُ.

ومَن كَسَرَ، فالرِّجْزُ: العَذابُ.

فالمَعْنى: ذُو العَذابِ فاهْجُرْ.

وَفِي مَعْنى "الرِّجْزِ" لِلْمُفَسِّرِينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأصْنامُ، والأوْثانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والزُّهْرِيُّ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الإثْمُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: الذَّنْبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: العَذابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْزُ في اللُّغَةِ: العَذابُ.

ومَعْنى الآيَةِ: اهْجُرْ ما يُؤَدِّي إلى عَذابِ اللَّهِ.

والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا تُعْطِ عَطِيَّةً تَلْتَمِسُ بِها أفْضَلَ مِنها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ: أعْطِ لِرَبِّكَ وأرِدْ بِهِ اللَّهَ، فَأدَّبَهُ بِأشْرَفِ الآدابِ.

ومَعْنى "لا تَمْنُنْ" لا تُعْطِ شَيْئًا مِن مالِكَ لِتُعْطى أكْثَرَ مِنهُ، وهَذا الأدَبُ لِلنَّبِيِّ  خاصَّةً، ولَيْسَ عَلى أحَدٍ مِن أُمَّتِهِ إثْمٌ أنْ يَهْدِيَ هَدِيَّةً يَرْجُو بِها ثَوابًا أكْثَرَ مِنها.

والثّانِي: لا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ تَسْتَكْثِرُهُ عَلى رَبِّكَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لا تَضْعُفْ عَنِ الخَيْرِ أنْ تَسْتَكْثِرَ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: لا تَمْنُنْ عَلى النّاسِ بِالنُّبُوَّةِ لِتَأْخُذَ عَلَيْها مِنهم أجْرًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلِرَبِّكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِأجْلِ رَبِّكَ.

والثّانِي: لِثَوابِ رَبِّكَ.

والثّالِثُ: لِأمْرِ رَبِّكَ.

والرّابِعُ: لِوَعْدِ رَبِّكَ ﴿ فاصْبِرْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَلى طاعَتِهِ وفَرائِضِهِ.

والثّانِي: عَلى الأذى والتَّكْذِيبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ.

وهَلْ هَذِهِ النَّفْخَةُ هي الأُولى أوِ الثّانِيَةُ؟

فِيهِ قَوْلانِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴾ أيْ: يَعْسُرُ الأمْرُ فِيهِ ﴿ عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ غَيْرُ هَيِّنٍ ﴿ ذَرْنِي ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في [المُزَّمِّلِ: ١١] ﴿ وَمَن خَلَقْتُ ﴾ أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ ﴿ وَحِيدًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: خَلَقْتُهُ وحِيدًا في بَطْنِ أُمِّهِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يَشْرَكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النَّبِيِّ  فَقَرَأ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا جَهْلٍ، فَأتاهُ، فَقالَ: يا عَمِّ إنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أنْ يَجْمَعُوا لَكَ مالًا، فَإنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا تَتَعَرَّضُ لِما قِبَلَهُ، فَقالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِن أكْثَرِها مالًا.

قالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، قالَ: وماذا أقُولُ؟

فَواللَّهِ ما فِيكم رَجُلٌ أعْلَمُ بِالأشْعارِ مِنِّي، فَواللَّهِ ما يُشْبِهُها الَّذِي يَقُولُ، واللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ حَلاوَةً، وإنَّ عَلَيْهِ طَلاوَةً، وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلاهُ، مُغْدِقٌ أسْفَلُهُ، وإنَّهُ لِيَعْلُو ولا يُعْلى.

قالَ: لا يَرْضى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتّى تَقُولَ فِيهِ، قالَ: فَدَعْنِي حَتّى أُفَكِّرَ فِيهِ.

فَقالَ: هَذا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: يَأْثَرُهُ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا.

.

.

﴾ الآياتُ كُلُّها.» وقالَ مُجاهِدٌ: «قالَ الوَلِيدُ لِقُرَيْشٍ: إنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، فَقالَ: إنَّكم ذَوُو أحْسابٍ وأحْلامٍ، وإنَّ العَرَبَ يَأْتُونَكُمْ، ويَنْطَلِقُونَ مِن عِنْدِكم عَلى أمْرٍ مُخْتَلِفٍ، فَأجْمِعُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ.

ما تَقُولُونَ في هَذا الرَّجُلِ؟

قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ شاعِرٌ، فَعَبَسَ عِنْدَها، وقالَ: قَدْ سَمِعْنا الشِّعْرَ فَما يُشْبِهُ قَوْلُهُ الشِّعْرَ.

فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ كاهِنٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ يُحَدِّثُ بِما يُحَدِّثُ بِهِ الكَهَنَةُ، قالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ مَجْنُونٌ، قالَ: إذَنْ يَأْتُونَهُ فَلا يَجِدُونَهُ مَجْنُونًا.

فَقالُوا: نَقُولُ: إنَّهُ ساحِرٌ.

قالَ: وما السّاحِرُ؟

قالُوا: بَشَرٌ يُحَبِّبُونَ بَيْنَ المُتَباغِضِينَ، ويُبَغِّضُونَ بَيْنَ المُتَحابِّينَ، قالَ: فَهو ساحِرٌ، فَخَرَجُوا لا يَلْقى أحَدٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ إلّا قالَ: يا ساحِرُ، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها المُدَّثِّرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ » وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا ﴾ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ ولا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا ﴾ في مَعْنى المَمْدُودِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كَثِيرًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: دائِمًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مِقْدارِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: غَلَّةُ شَهْرٍ بِشَهْرٍ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

والثّانِي: ألْفُ دِينارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ الفَرّاءُ: نَرى أنَّ المَمْدُودَ: جُعِلَ غايَةً لِلْعَدَدِ، لِأنَّ "ألْفٌ" غايَةٌ لِلْعَدَدِ يَرْجِعُ في أوَّلِ العَدَدِ مِنَ الألْفِ.

والثّالِثُ: أرْبَعَةُ آلافٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ بُسْتانٌ كانَ لَهُ بِالطّائِفِ لا يَنْقَطِعُ خَيْرُهُ شِتاءً ولا صَيْفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴾ أيْ: حَضَرُوا مَعَهُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصَرُّفِ والسَّفَرِ فَيَغِيبُوا عَنْهُ.

وفي عَدَدِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: عَشْرَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: ثَلاثَةَ عَشَرَ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: اثْنا عَشَرَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: سَبْعَةٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ ﴿ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴾ أيْ: بَسَطْتُ لَهُ العَيْشَ، وطُولَ العُمُرِ، "ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَطْمَعُ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.،قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنْ أزِيدَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا ﴾ أيْ: لا أفْعَلُ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ المالَ والوَلَدَ حَتّى ماتَ فَقِيرًا "إنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا" أيْ: مُعانِدًا.

وَفِي المُرادِ بِالآياتِ هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ سَأحْمِلُهُ عَلى مَشَقَّةٍ مِنَ العَذابِ.

وقالَ غَيْرُهُ: سَأُكَلِّفُهُ مَشَقَّةً مِنَ العَذابِ لا راحَةَ لَهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: "الصَّعُودُ": العَقَبَةُ الشّاقَّةُ، وكَذَلِكَ "الكَؤُودُ" .

وفي حَدِيثٍ أبِي سَعِيدٍ «عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴾ قالَ: جَبَلٌ مِن نارٍ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَهُ، فَإذا وضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ.

يَصْعَدُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا.» وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ أنَّهُ جَبَلٌ مِن صَخْرَةٍ مَلْساءَ في النّارِ، يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها حَتّى إذا بَلَغَ أعْلاها أُحْدِرَ إلى أسْفَلِها، ثُمَّ يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَها، فَذَلِكَ دَأْبُهُ أبَدًا، يَجْذِبُ مِن أمامِهِ سَلاسِلَ الحَدِيدِ، ويُضْرَبُ مِن خَلْفِهِ بِمَقامِعِ الحَدِيدِ، فَيَصْعَدُها في أرْبَعِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ فَكَّرَ ﴾ أيْ: تَفَكَّرَ ماذا يَقُولُ في القُرْآنِ ﴿ وَقَدَّرَ ﴾ القَوْلَ في نَفْسِهِ ﴿ فَقُتِلَ ﴾ أيْ: لُعِنَ ﴿ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾ أيْ: لُعِنَ عَلى أيِّ حالٍ قَدَّرَ ما قَدَّرَ مِنَ الكَلامِ.

وقِيلَ: "كَيْفَ" ها هُنا بِمَعْنى التَّعَجُّبِ والإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.

وإنَّما كُرِّرَ تَأْكِيدًا ﴿ ثُمَّ نَظَرَ ﴾ في طَلَبِ ما يَدْفَعُ بِهِ القُرْآنَ، ويَرُدُّهُ، ﴿ ثُمَّ عَبَسَ وبَسَرَ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أيْ: كَرَّهَ وجْهَهُ وقَطَّبَ.

يُقالُ: بَسَرَ الرَّجُلُ وجْهَهُ، أيْ: قَبَضَهُ.

وأنْشَدُوا لِتَوْبَةَ: وقَدْ رابَنِي مِنها صُدُودٌ رَأيْتُهُ ∗∗∗ وإعْراضُها عَنْ حاجَتِي وبُسُورُها قالَ المُفَسِّرُونَ: كَرَّهَ وجَّهَهُ، ونَظَرَ بِكَراهِيَةٍ شَدِيدَةٍ، كالمُهْتَمِّ المُتَفَكِّرِ في الشَّيْءِ ﴿ ثُمَّ أدْبَرَ ﴾ عَنِ الإيمانِ ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ أيْ: تَكَبَّرَ حِينَ دُعِيَ إلَيْهِ "فَقالَ: ﴿ إنْ هَذا ﴾ أيْ: ما هَذا القُرْآنُ ﴿ إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾ أيْ: يُرْوى عَنِ السَّحَرَةِ ﴿ إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ ﴾ أيْ: مِن كَلامِ الإنْسِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ أيْ: سَأُدْخِلُهُ النّارَ.

وقَدْ ذُكِرَ "سَقَرُ" في سُورَةِ [القَمَرِ: ٤٨] ﴿ وَما أدْراكَ ما سَقَرُ ﴾ لِعِظَمِ شَأْنِها ﴿ لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ﴾ أيْ: لا تُبْقِي لَهم لَحْمًا إلّا أكَلَتْهُ، ولا تَذَرُهم إذا أُعِيدُوا خَلْقًا جَدِيدًا ﴿ لَوّاحَةٌ ﴾ أيْ: مُغَيِّرَةٌ.

يُقالُ: لاحَتْهُ الشَّمْسُ، أيْ: غَيَّرَتْهُ.

وأنْشَدُوا: يا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "لَوّاحَةً" بِالنَّصْبِ.

وفي البَشَرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَمْعُ بَشْرَةٍ، وهي جِلْدَةُ الإنْسانِ الظّاهِرَةُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الإنْسُ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾ وهم خُزّانُها، مالِكٌ ومَعَهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ، أعْيُنُهم كالبَرْقِ الخاطِفِ، وأنْيابُهم كالصَّياصِي يَخْرُجُ لَهَبُ النّارِ مِن أفْواهِهِمْ، ما بَيْنَ مَنكِبَيْ أحَدِهِمْ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، يَسَعُ كَفُّ أحَدِهِمْ مِثْلَ رَبِيعَةَ ومُضَرَ.

قَدْ نُزِعَتْ مِنهُمُ الرَّحْمَةُ.

فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو جَهْلٍ: يُخَوِّفُكم مُحَمَّدٌ بِتِسْعَةَ عَشَرَ، أما لَهُ مِنَ الجُنُودِ إلّا هَؤُلاءِ!

أيَعْجَزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشَ بِواحِدٍ مِنهُمْ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ!

فَقالَ أبُو الأشَدَّيْنِ - قالَ مُقاتِلٌ: اسْمُهُ: أُسَيْدُ بْنُ كِلْدَةَ.

وقالَ غَيْرُهُ: كَلِدَةُ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ: (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: أنا أمْشِي بَيْنَ أيْدِيكم فَأرْفَعُ عَشْرَةً بِمَنكِبِي الأيْمَنِ، وتِسْعَةً بِمَنكِبِي الأيْسَرِ، فَنَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً ﴾ لا أدَمِيِّيِنَ، فَمَن يُطِيقُهم ومَن يَغْلِبُهُمْ؟!

﴿ وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ ﴾ في هَذِهِ القِلَّةِ ﴿ إلا فِتْنَةً ﴾ أيْ: ضَلالَةً ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ حَتّى قالُوا ما قالُوا ﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ حَقٌّ، لِأنَّ عِدَّتَهم في التَّوْراةِ تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿ إيمانًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا بِمُحَمَّدٍ  إذْ وجَدُوا ما يُخْبِرُهم مُوافِقًا لِما في كِتابِهِمْ ﴿ وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ: ولا يَشُكُّ هَؤُلاءِ في عَدَدِ الخَزَنَةِ ﴿ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النِّفاقُ، ذَكَرَهُ الأكْثَرُونَ، والثّانِي: أنَّهُ الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ: وزَعَمَ أنَّهم يَهُودُ أهْلِ المَدِينَةِ، وعِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخِلافُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

وقالَ: لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ نِفاقٌ.

وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ.

فَأمّا "الكافِرُونَ" فَهم مُشْرِكُو العَرَبِ، "ماذا أرادَ اللَّهُ" أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ؟، "بِهَذا" الحَدِيثِ والخَبَرِ "مَثَلًا" والمَثَلُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَدِيثِ نَفْسِهِ.

ومَعْنى الكَلامِ: يَقُولُونَ: ما هَذا مِنَ الحَدِيثِ "كَذَلِكَ" أيْ: كَما أضَلَّ مَن أنْكَرَ عَدَدَ الخَزَنَةِ، وهَدى مَن صَدَّقَ "يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ" وأُنْزِلَ في قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: أما لِمُحَمَّدٍ مِنَ الجُنُودِ إلّا تِسْعَةَ عَشَرَ: "وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكِ إلّا هُوَ" يَعْنِي: مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ خَلَقَهم لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ.

وذَلِكَ أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الأعْوانِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ في وجْهِ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا مُحْتَمَلًا، فَقالَ: التِّسْعَةَ عَشَرَ: عَدَدٌ يَجْمَعُ أكْثَرَ القَلِيلِ، وأقَلَّ الكَثِيرِ، لِأنَّ الآحادَ أقَلُّ الأعْدادِ، وأكْثَرُها تِسْعَةٌ، وما سِوى الآحادِ كَثِيرٌ.

وأقَلُّ الكَثِيرِ: عَشْرَةٌ، فَوَقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى عَدَدٍ يَجْمَعُ أقَلَّ الكَثِيرِ، وأكْثَرَ القَلِيلِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى ذِكْرِ النّارِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى ﴾ أيْ: ما النّارُ في الدُّنْيا إلّا مُذَكِّرَةٌ لِنارِ الآخِرَةِ ﴿ كَلا ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿ والقَمَرِ.

﴾ ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "إذا أدْبَرَ" وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ "إذْ" بِسُكُونِ الذّالِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بَعْدَها "أدْبَرَ" بِسُكُونِ الدّالِ، وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.

وهَلْ مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أمْ لا؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

يُقالُ: دَبَرَ اللَّيْلُ، وأدْبَرَ.

ودَبَرَ الصَّيْفُ وأدْبَرَ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، وثَعْلَبٍ.

والثّانِي: أنَّ "دَبَرَ" بِمَعْنى خَلَفَ، و"أدْبَرَ" بِمَعْنى ولّى.

يُقالُ: دَبَرَنِي فُلانٌ: جاءَ خَلْفِي، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا أسْفَرَ ﴾ أيْ: أضاءَ وتَبَيَّنَ "إنَّها" يَعْنِي سَقَرَ "لَإحْدى الكُبَرِ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُبَرُ، جَمْعُ كُبْرى،مِثْلُ الأُوَلِ، والأُولى، والصُّغَرِ والصُّغْرى.

وهَذا كَما يُقالُ: إنَّها لَإحْدى العَظائِمِ.

قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما أنْذَرَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أوْهى مِنها.

وَقالَ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ: أرادَ بِالكُبَرِ: دَرَكاتِ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: نَصْبُ "نَذِيرًا" عَلى الحالِ.

والمَعْنى: إنَّها لَكَبِيرَةٌ في حالَةِ الإنْذارِ.

وذُكِّرَ "النَّذِيرُ"، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى العَذابِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَنصُوبًا مُتَعَلِّقًا بِأوَّلِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنى: قُمْ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ لِمَن شاءَ مِنكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْبَشَرِ ﴾ "أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ، أوْ يَتَأخَّرَ إلى الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

والرّابِعُ: أنْ يَتَقَدَّمَ في الإيمانِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْهُ.

والمَعْنى: أنَّ الإنْذارَ قَدْ حَصَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ أقَرَّ أوْ كَفَرَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللهُ بِهَذا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هو وما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ ﴿ واللَيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ ﴿ والصُبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ ﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ ﴿ فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ المُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ﴾ ، أيْ: بِهَذِهِ الصِفَةِ وهَذا الرَيْنُ عَلى القُلُوبِ يَضِلُّ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ لِما ورَدَ، وذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِالقُدْرَةِ، ووُقُوفِ عُقُولِهِمْ عَلى كُنْهِ سُلْطانِ اللهِ تَعالى، فَهم مُوقِنُونَ مُتَصَوِّرُونَ صِحَّةَ ما أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ وكَتَبَ اللهُ تَعالى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، ما يُتَوَهَّمُ، وأنَّ الخَبَرَ إنَّما هو عن بَعْضِ القُدْرَةِ لا عن كُلِّها، والسَماءُ كُلُّها عامِرَةٌ بِأنْواعٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كُلُّهم في عِبادَةٍ مُتَّصِلَةٍ، وخُشُوعٍ دائِمٍ وطاعَةٍ، لا فَتْرَةَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا دَقِيقَةَ واحِدَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ ، قالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "هِيَ" لِلنّارِ المَذْكُورَةِ، أيْ يَذْكُرُها البَشَرُ فَيَخافُونَها فَيُطِيعُونَ اللهَ تَعالى، وقالَ بَعْضُ الحُذّاقِ: قَوْلُهُ تَعالى: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هِيَ" يُرادُ بِها الحالُ والمُخاطَبَةُ والنِذارَةُ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ: "وَما هى"يُرادُ نارَ الدُنْيا، أيْ: إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ لِلْبَشَرِ بِنارِ الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى وجَلَّ: "كَلّا" رَدٌّ عَلى الكافِرِينَ وأنْواعِ الطاعِنِينَ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ أقْسَمَ تَعالى بِالقَمَرِ، تَخْصِيصُ تَشْرِيفٍ وتَنْبِيهٍ عَلى النَظَرِ في عَجائِبِهِ، وقُدْرَةِ اللهِ تَعالى في حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ الَّتِي هي مَعَ كَثْرَتِها واخْتِلافِها عَلى نِظامٍ واحِدٍ لا يَخْتَلُّ، وكَذَلِكَ هو القَسَمُ بِاللَيْلِ والصُبْحِ، فَيَعُودُ التَعْظِيمُ في آخِرِ الفِكْرَةِ وتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ إلى اللهِ تَعالى، مالِكُ الكُلِّ، وقِوامُ الوُجُودِ، ونُورُ السَماءِ والأرْضِ، لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الغَفّارُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "إذْ دَبَرَ" بِفَتْحِ الدالِ والباءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي الزِنادِ، وقَتادَةَ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، وطَلْحَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "إذا أدْبَرَ" بِتَسْكِينِ الدالِ وفِعْلٍ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُمْ- والأعْرَجِ، وأبِي شَيْخٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وابْنِ سِيرِينَ.

قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: "دَبَّرَ" مَعْناهُ: انْقَضى، و"أدْبَرَ" مَعْناهُ: تَوَلّى، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "إذْ أدْبَرَ" بِالألِفِ في "إذا" وألِفِ رُباعِيٍّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي رُزَيْنٍ، وأبِي رَجاءٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.

وسَألَ مُجاهِدٌ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما عن "دُبُرِ اللَيْلِ"، فَتَرَكَهُ حَتّى إذا سَمِعَ المُنادِي الأوَّلَ لِلصُّبْحِ قالَ لَهُ: يا مُجاهِدٌ هَذا حِينَ دَبَرَ اللَيْلُ، وقالَ قَتادَةُ: "دَبَرَ اللَيْلُ": ولّى، قالَ الشاعِرُ: وأبِي الَّذِي تَرَكَ المُلُوكَ وجَمْعَهم ∗∗∗ بِهَضّامِ هامِدَةٍ كَأمْسِ الدابِرِ والعَرَبُ تَقُولُ في كَلامِها: "كَأمْسِ المُدَبِّرِ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: فالقِراءَتانِ جَمِيعًا حَسَنَتانِ.

وأسْفَرَ الصُبْحُ: أضاءَ وانْتَشَرَ ضَوْءُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ بِكَثِيرٍ، والإسْفارُ رُتِّبَ: أوَّلٌ ووَسَطٌ وآخِرٌ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ السَفْرُ والسِفْرُ والسَفِيرُ وسَفَرَتِ المَرْأةُ عن وجْهِها، وكُلُّها تَرْجِعُ إلى مَعْنى الظُهُورِ والِانْجِلاءِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ الفُضَيْلِ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "إذا أسْفَرَ"، فَكَأنَّ المَعْنى: طَرَحَ الظُلْمَةَ عن وجْهِهِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو رُزَيْنٍ، وغَيْرُهُما الضَمِيرُ لِجَهَنَّمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلنِّذارَةِ وأمْرِ الآخِرَةِ، فَهو لِلْحالِ والقِصَّةِ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ  ﴾ ﴿ أنْتُمْ عنهُ مُعْرِضُونَ  ﴾ ، و"الكِبَرُ" جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لِإحْدى" بِهَمْزَةٍ في ألِفِ "إحْدى"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ قَرَأ: "حِدى" دُون هَمْزَةٍ، وهي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، قالَ أبُو عَلِيٍّ:التَخْفِيفُ في "لَإحْدى الكُبَرِ" أنْ تَجْعَلَ الهَمْزَةَ فِيها بَيْنَ بَيْنَ، فَأمّا حَذْفُ الهَمْزَةِ فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَدْ جاءَ حَذْفُها، قالَ أبُو الأُسُودِ الدُؤَلِيُّ: يا أبا المُغِيرَةَ رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ∗∗∗ فَرَّجْتُهُ بِالنُكْرِ مِنِّي والَدَّها وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إنْ لَمْ أُقاتِلْ فالبَسُونِي بُرْقُعًا..

∗∗∗ وفَتَخاتٍ في اليَدَيْنِ أرْبَعًا وقَوْلُهُ تَعالى: "نَذِيرًا لِلْبَشَرِ"، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ لا نَذِيرَ أدْهى مِنَ النارِ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "إنَّها"، أو مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لَإحْدى"، وكَذَلِكَ أيْضًا عَلى الِاحْتِمالِ في أنْ تَكُونَ "إنَّها"، يُرادُ بِها قِصَّةَ الآخِرَةِ وحالَ المَعادِ.

وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هو النَذِيرُ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: اعْبُدُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أوِ ادْعُوا نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مُحَمَّدٌ  ، فَهَذا القَوْلُ يَقْتَضِي أنَّ "نَذِيرًا" مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ، نادِ نَذِيرًا، أو بَلِّغْ نَذِيرًا، ونَحْوُ هَذا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "نَذِيرًا" مَصْدَرًا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ  ﴾ ؟

وهَذا اخْتِيارُ الخَلِيلِ في هَذِهِ الآيَةِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، قالَ: ولِذَلِكَ يُوصَفُ بِهِ المُؤَنَّثُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "نَذِيرٌ" بِالرَفْعِ عَلى إضْمارِ "هُوَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ، قالَ الحَسَنُ هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أو يَتَأخَّرَ ﴾ ، قالَ الحَسَنُ: هو وعِيدٌ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هُوَ بَيانٌ في النَذارَةِ، وإعْلامُ كُلِّ أحَدٍ يَسْلُكُ طَرِيقَ الهُدى والحَقِّ إذا حَقَّقَ النَظَرَ، أيْ: أو بِعَيْنِهِ يَتَأخَّرُ عن هَذِهِ الرُتْبَةِ بِغَفْلَتِهِ وسُوءِ نَظَرِهِ.

ثُمَّ قَوِيَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ إذْ أُلْزِمَ بِهَذا القَوْلِ أنَّ المُقَصِّرَ مُرْتَهِنٌ بِسُوءِ عَمَلِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ حَقَّتْ عَلَيْها كَلِمَةُ العَذابِ، ولا يَرْتَهِنُ اللهُ تَعالى أحَدًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

والهاءُ في "رَهِينَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، أو عَلى تَأْنِيثِ اللَفْظِ لا عَلى مَعْنى الإنْسانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا أصْحابَ اليَمِينِ ﴾ اسْتِثْناءٌ ظاهِرُ الِانْفِصالِ، وتَقْدِيرُهُ: لَكِنَّ أصْحابَ اليَمِينِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتَسِبُوا ما هم بِهِ مُرْتَهِنُونَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ في هَذِهِ الآيَةِ أطْفالُ المُسْلِمِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقالَ الضَحّاكُ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنَ اللهِ الحُسْنى، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ كَيْسانَ: هُمُ المُسْلِمُونَ المُخْلِصُونَ، ولَيْسُوا بِمُرْتَهِنِينَ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ أصْحابِ اليَمِينِ، وأنَّهم في جَنّاتٍ يَسْألُ بَعْضُهم بعضًا عَمَّنْ غابَ مِن مَعارِفِهِمْ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهم مُجْرِمُونَ في النارِ قالُوا لَهم -أو قالَتِ المَلائِكَةُ-: "ما سَلَكَكم في سَقَرَ"، و"سَلَكَ" مَعْناهُ: أدْخَلَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ: حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مَسَكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني يبين للسامع عقبى الاختيار الذي في قوله: ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ [المدثر: 37] أي كل إنسان رَهْن بما كسب من التقدم أو التأخر أو غير ذلك فهو على نفسه بصيرة ليكسب ما يفضي به إلى النعيم أو إلى الجحيم.

و ﴿ رهينة ﴾ : خبر عن ﴿ كل نفس ﴾ وهو بمعنى مرهونة.

والرهن: الوثاق والحبس ومنه الرهن في الدَيْن، وقد يطلق على الملازمة والمقارنة، ومنه: فَرَسا رِهَاننٍ، وكِلا المعنيين يصح الحمل عليه هنا على اختلاف الحال، وإنما يكون الرهن لتحقيق المطالبة بحق يخشى أن يتفلت منه المحْقوق به، فالرهن مشعر بالأخذ بالشدة ومنه رهائن الحرب الذين يأخذهم الغالب من القوم المغلوبين ضماناً لئلا يخيس القومُ بشروط الصلح وحتى يعطوا ديات القتلى فيكون الانتقام من الرهائن.

وبهذا يكون قوله: ﴿ كل نفس ﴾ مراداً به خصوص أنفس المنذَرين من البشر فهو من العام المراد به الخصوص بالقرينة، أي قرينة ما تعطيه مادة رَهينة من معنى الحَبس والأسر.

والباء للمصاحبة لا للسببية.

وظاهر هذا أنه كلام منصف وليس بخصوص تهديدِ أهل الشر.

و ﴿ رهينة ﴾ : مصدر بوزن فَعِيلة كالشَّتيمة فهو من المصادر المقترنة بهاء كهاء التأنيث مثل الفُعولة والفعالة، وليس هو من باب فعيل الذي هو وصف بمعنى المفعول مثيل قتيلة، إذ لو قصد الوصف لقيل رعين لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث إذا جرى على موصوفه كما هنا، والإِخبار بالمصدر للمبالغة على حد قول مِسْوَر بن زيادة الحارثي: أبَعْدَ الذي بالنَّعْففِ نَعْففِ كُوَيكِبٍ *** رهينةِ رَمْس ذي تراب وجندل ألا تراه أثبت الهاء في صفة المذكر وإلاّ لما كان موجب للتأنيث.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ أصحابَ اليمين ﴾ استثناء منقطع.

و ﴿ أصحاب اليمين ﴾ : هم أهل الخير جعلت علاماتهم في الحشر بجهات اليمين في مناولة الصحف وفي موقف الحساب وغير ذلك.

فاليمين هو جهة أهل الكرامة في الاعتبار كجهة يمين العرش أو يمين مَكان القُدُس يوم الحشر لا يحيط بها وصفنا وجعلت علامة أهل الشر الشمال في تناول صحف أعمالهم وفي مواقفهم وغير ذلك.

وقوله: ﴿ في جنّات ﴾ يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿ يتساءلون ﴾ قدّم للاهتمام، و ﴿ يتساءلون ﴾ حال من ﴿ أصحاب اليمين ﴾ وهو مناط التفصيل الذي جيء لأجله بالاستثناء المنقطع.

ويجوز أن يكون ﴿ في جنات ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم في جنات.

والجملة استئناف بياني لمضمون جملة الاستثناء ويَكون ﴿ يتساءَلون ﴾ حالاً من الضمير المحذوف.

ومعنى ﴿ يتساءلون ﴾ يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التفاعل للدلالة على صدور الفعل من جانبين، أي يسأل أصحاب اليمين بعضُهم بعضاً عن شأن المجرمين، وتكون جملة ﴿ ما سلككم في سقر ﴾ بياناً لجملة ﴿ يتساءلون.

﴾ وضمير الخطاب في قوله: ﴿ سلككم ﴾ يؤذن بمحذوف والتقدير: فيسألون المجرمين ما سلككم في سقر، وليس التفاتاً، أو يقول بعض المسؤولين لأصحابهم جواباً لسائليهم قلنا لهم: ما سلككم في سقر.

ويجوز أن يكون صيغة التفاعل مستعملة في معنى تكرير الفعل أي يكثر سؤال كل أحد منهم سؤالاً متكرراً أو هو من تعدد السؤال لأجل تعدد السائلين.

قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله الذي تسَّاءَلون به ﴾ في أول سورة النساء (1) هو كقولك تَداعينا.

ونقل عنه أيضاً أنه قال هنا: إذا كان المتكلم مفرداً يقال: دعوت، وإذا كان المتكلم متعدّداً يقال: تداعينا، ونظيره، رميتُه وتراميناه ورأيت الهلال وتَراءيناه ولا يكون هذا تفاعلاً من الجانبين اه.

ذكره صاحب الكشّاف } في سورة النساء، أي هو فعل من جانب واحد ذي عدد كثير، وعلى هذا يكون مفعول ﴿ يتساءَلون ﴾ محذوفاً يدلّ عليه قوله ﴿ عن المجومين ﴾ .

والتقدير: يتساءلون المجرمين عنهم، أي عن سبب حصولهم في سقر، ويدل عليه بيان جملة ﴿ يتساءلون ﴾ بجملة ﴿ ما سلككم في سقر، ﴾ فإن ﴿ ما سلككم ﴾ في بيان للتساؤل.

وأصل معنى سلكه أدخله بين أجزاء شيء حقيقة ومنه جاء سِلْك العِقد، واستعير هنا للزج بهم، وتقدم في سورة الحجر (12) قوله تعالى: ﴿ كذلك نَسْلُكْهُ في قلوب المجرمين ﴾ وفي قوله: ﴿ نُسْلِكْه عذاباً صعداً ﴾ في سورة الجن (17).

والمعنى: ما زجَّ بكم في سقر.

فإن كان السؤال على حقيقته والاستفهام مستعملاً في أصل معناه كان الباعث على السؤال: إِمَّا نسيان الذي كانوا عَلِموه في الدنيا من أسباب الثواب والعقاب فيبقى عموم يتساءلون} الراجع إلى أصحاب اليمين وعموم المجرمين على ظاهره، فكل من أصحاب اليمين يشرف على المجرمين من أعالي الجنة فيسألهم عن سبب ولوجهم النار فيحصل جوابهم وذلك إلهام من الله ليحمده أهل الجنّة على ما أخذوا به من أسباب نجاتهم ممّا أصاب المجرمين ويفرحوا بذلك.

وإما أن يكون سؤالاً موجهاً من بعض أصحاب اليمين إلى ناس كانوا يَظنونهم من أهل الجنة فرأوهم في النار من المنافقين أو المرتدين بعد موت أصحابهم، فيكون المراد بأصحابه اليمين بعضهم وبالمجرمين بعضهم وهذا مثل ما في قوله تعالى: ﴿ وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ﴾ الآيات في سورة الصافات (27، 28) وقوله فيها: ﴿ قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ﴾ إلى قوله ﴿ في سواء الجحيم ﴾ [الصافات: 51 55].

وإن كان السؤال ليس على حقيقته وكان الاستفهام مستعملاً في التنديم، أو التوبيخ فعموم أصحاب اليمين وعموم المجرمين على حقيقته.

وأجاب المجرمون بذكر أسباب الزج بهم في النار لأنهم ما ظنوا إلاّ ظاهر الاستفهام، فذكروا أربعة أسباب هي أصول الخطايا وهي: أنهم لم يكونوا من أهل الصلاة فحرموا أنفسهم من التقرب إلى الله.

وأنهم لم يكونوا من المطعمين المساكين وذلك اعتداء على ضعفاء الناس بمنعهم حقهم في المال.

وأنهم كانوا يخوضون خوضهم المعهود الذي لا يعدُو عن تأييد الشرك وأذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

وأنهم كذبوا بالجزاء فلم يتطلبوا ما ينجيهم.

وهذا كناية عن عدم إيمانهم، سلكوا بها طريق الإِطناب المناسبَ لمقام التحسر والتلهف على ما فات، فكأنهم قالوا: لأنا لم نكن من المؤمنين لأن أهل الإِيمان اشتهروا بأنهم أهل الصلاة، وبأنهم في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم، وبأنهم يؤمنون بالآخرة وبيوم الدين ويصدقون الرسل وقد جمعها قوله تعالى في سورة البقرة (2 4) ﴿ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ﴾ وأصل الخوض الدخول في الماء، ويستعار كثيراً للمحادثة المتكررة، وقد اشتهر إطلاقه في القرآن على الجدال واللجاج غير المحمود قال تعالى: ﴿ ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ﴾ [الأنعام: 91] وغيرَ ذلك، وقد جمع الإِطلاقين قوله تعالى: ﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ [الأنعام: 68].

وباعتبار مجموع الأسباب الأربعة في جوابهم فضلاً عن معنى الكناية، لم يكن في الآية ما يدل للقائلين بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

ويوم الدين: يوم الجزاء والجزاء.

و ﴿ اليقين ﴾ : اسم مصدر يَقِن كفَرِح، إذا علم علماً لا شك معه ولا تردد.

وإتيانه مستعار لحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً، شبه الحُصول بعد الانتفاء بالمجيء بعد المغيب.

والمعنى: حتى حصل لنا العلم بأن ما كنا نكذب به ثابت، فقوله: ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ على هذا الوجه غاية لجملة ويطلق اليقين أيضاً على الموت لأنه معلوم حصوله لكل حيّ فيجوز أن يكون مراداً هنا كما في قوله تعالى: ﴿ واعبد رَبّك حتى يأتيك اليقين ﴾ [الحجر: 99].

فتكون جملة ﴿ حتى أتانا اليقين ﴾ غاية للجمل الأربع التي قبلها من قوله: ﴿ لم نَكْ من المصلين ﴾ إلى والمعنى: كنا نفعل ذلك مدة حياتنا كلها.

وفي الأفعال المضارعة في قوله: لم نك، ونخوض، ونكذب} إيذان بأن ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم.

وفي الآية إشارة إلى أن المسلم الذي أضاع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مستحق حظّاً من سقر على مقدار إضاعته وعلى ما أراد الله من معادلة حسناته وسيئاته، وظواهره وسرائره، وقبل الشفاعة وبعدها.

وقد حَرَم الله هؤلاء المجرمين الكافرين أن تنفعهم الشفاعة فعسى أن تنفع الشفاعةُ المؤمنين على أقدارهم.

وفي قوله: ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ إيماء إلى ثبوت الشفاعة لغيرهم يوم القيامة على الجملة وتفصيلها في صحاح الأخبار.

وفاء ﴿ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ﴾ تفريع على قوله: ﴿ كلّ نفس بما كسبت رهينة، ﴾ أي فهم دائمون في الارتهان في سقر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ «أنَّ النَّبِيَّ  نَعَتَ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَقالَ: كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ، وكَأنَّ افْواهَهُمُ الصَّياصِي، يَجُرُّونَ شُعُورَهم، لَأحَدُهم مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يَسُوقُ أحَدُهُمُ الأُمَّةَ وعَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ فَيَرْمِي بِهِمْ في النّارِ، ويَرْمِي الجَبَلَ عَلَيْهِمْ» .

﴿ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَسْتَيْقِنُوا عَدَدَ الخَزَنَةِ لِمُوافَقَةِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لِيَسْتَيْقِنُوا أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ لِما جاءَ بِهِ مِن مُوافَقَةِ عِدَّةِ الخَزَنَةِ.

﴿ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ﴾ بِذَلِكَ، قالَهُ جُرَيْجٌ.

﴿ وَما هي إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وما نارُ جَهَنَّمَ إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: وما هَذِهِ النّارُ في الدُّنْيا إلّا تَذْكِرَةً لِنارِ الآخِرَةِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: وما هَذِهِ السُّورَةُ إلّا تَذْكِرَةً لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ كَلا والقَمَرِ ﴾ الواوُ في (والقَمَرِ) واوُ القَسَمِ، أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ أقْسَمَ بِما بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿ واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذْ ولّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: إذْ أقْبَلَ عِنْدَ إدْبارِ النَّهارِ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ إذا دَبَرَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

واخْتُلِفَ في أدْبَرَ ودَبَرَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّانِي: أنَّ مَعْناهُما مُخْتَلِفانِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَبَرَ إذا خَلَّفْتَهُ خَلْفَكَ، وأدْبَرَ إذا ولّى أمامَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ دَبَرَ إذا جاءَ بَعْدَ غَيْرِهِ وعَلى دُبُرٍ، وأدْبَرَ إذا ولّى مُدْبِرًا، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ ﴾ يَعْنِي أضاءَ وهَذا قَسَمٌ ثالِثٌ.

﴿ إنَّها لإحْدى الكُبَرِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِمُحَمَّدٍ  لَإحْدى الكُبَرِ، أيِ الكَبِيرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أيْ أنَّ هَذِهِ النّارَ لَإحْدى الكُبَرِ، أيْ لَإحْدى الدَّواهِي.

الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَإحْدى الكُبَرِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ قِيامَ السّاعَةِ لَإحْدى الكُبَرِ، والكُبَرُ هي العَظائِمُ والعُقُوباتُ والشَّدائِدُ، قالَ الرّاجِزُ يا ابْنَ المُغَلّى نَزَلَتْ إحْدى الكُبَرْ داهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمّاءُ الغِيَرْ.

﴿ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مُحَمَّدًا  نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ حِينَ قالَهُ لَهُ ﴿ قُمْ فَأنْذِرْ ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّ النّارَ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ، قالَ الحَسَنُ: واَللَّهِ ما أنْذَرَ الخَلائِقَ قَطُّ بِشَيْءٍ أدْهى مِنها.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ القُرْآنَ نَذِيرٌ لِلْبَشَرِ لِما تَضَمَّنُهُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

﴿ لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَتَقَدَّمَ في طاعَةِ اللَّهِ، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنْ يَتَقَدَّمَ في الخَيْرِ أوْ يَتَأخَّرَ في الشَّرِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّالِثُ: أنْ يَتَقَدَّمَ إلى النّارِ أوْ يَتَأخَّرَ عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَكْثِرَ أوْ يُقَصِّرَ، وهَذا وعِيدٌ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: هو الوليد بن المغيرة أخرجه الله من بطن أمه وحيداً لا مال له ولا ولد، فرزقه الله المال والولد والثروة والنماء ﴿ كلاّ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: كفوراً بآيات الله جحوداً بها ﴿ إنه فكر وقدر ﴾ قال: ذكر لنا أنه قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس بشعر وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى، وما أشك أنه سحر، فأنزل الله فيه ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ وبسر ﴾ قال: كلح.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿ وحيداً ﴾ قال: خلقته وحده لا مال له ولا ولد ﴿ وجعلت له مالاً مدوداً ﴾ قال: ألف دينار ﴿ وبنين ﴾ قال: كانوا عشرة ﴿ شهوداً ﴾ قال: لا يغيبون ﴿ ومهدت له تمهيداً ﴾ قال: بسطت له من المال والولد ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فما زال يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: معانداً عنها مجانباً لها ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ قال: الوليد بن المغيرة ﴿ وبنين شهوداً ﴾ قال: كانوا ثلاثة عشر ﴿ ثم يطمع أن أزيد كلا ﴾ قال: فلم يولد له بعد يومئذ ولم يزدد له من المال إلا ما كان ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ قال: مشاقاً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ الآيات، قال: هو الوليد بن المغيرة بن هشام المخزومي وكان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت ﴿ إنه كان لآياتنا عنيداً ﴾ لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى أخرجه من الدنيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف دينار.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: ألف ألف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدينوري في المجالسة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: غلة شهر بشهر.

وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن سالم في قوله: ﴿ وجعلت له مالاً ممدوداً ﴾ قال: الأرض.

وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوه لك، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله.

قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً.

قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر أو أنك كاره له.

قال: وماذا أقول؟

فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني، ولا بشاعر الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إن لقوله: الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلوا وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته.

قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.

قال: فدعني حتى أفكر.

ففكر.

فلما فكر قال: هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية وعبد الرزاق وابن المنذر عن عكرمة مرسلاً.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جمع الوليد بن المغيرة قريشاً فقال: ما تقولون في هذا الرجل، فقال بعضهم: هو شاعر، وقال بعضهم: هو كاهن، فقال الوليد: سمعت قول شاعر وسمعت قول الكهنة، فما هو مثله.

قالوا: فما تقول أنت؟

قال: فنظر ساعة ﴿ ثم فكر وقدر فقتل كيف قدر ﴾ إلى قوله: ﴿ سحر يؤثر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله: لمن كلام الله فلما سمع النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأن قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل قال: والله أنا أكفيكم شأنه.

فانطلق حتى دخل عليه بيته.

فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟

فقال: ألست أكثرهم مالاً وولداً فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه.

فقال الوليد: تحدث بهذا عشيرتي فوالله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة وما قوله: إلا سحر يؤثر فأنزل الله: ﴿ ذرني ومن خلقت وحيداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ .

وأخرج ابن جرير وهناد بن السري في الزهد وعبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ عنيداً ﴾ قال: جحوداً.

وأخرج أحمد وابن المنذر والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً» .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن أبي سعيد قال: إن ﴿ صعوداً ﴾ صخرة في جهنم إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت واقتحامها ﴿ فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ﴾ [ البلد: 14] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعود صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه.

وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس قي قوله: ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: جبل في النار.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله: ﴿ صعوداً ﴾ قال: جبلاً في جهنم.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: صخرة ملساء في جهنم يكلفون الصعود عليها.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ سأرهقه صعوداً ﴾ قال: مشقة من العذاب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ عبس وبسر ﴾ قال: قبض ما بين عينيه وكلح.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إن هذا إلا سحر يؤثر ﴾ قال: يأثره عن غيره.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: ﴿ سقر ﴾ أسفل الجحيم، نار فيها شجرة الزقوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: لا تحيي ولا تميت.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ لا تبقي ﴾ إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئاً، وإذا بدلوا جلداً جديداً لم تذر أن تباردهم سبيل العذاب الأول.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ تأكله كله، فإذا تبدى خلقه لم تذره حتى تقوم عليه.

وأخرج ابن المنذر عن ابن بريد ﴿ لا تبقي ولا تذر ﴾ قال: تأكل اللحم والعظم والعرق والمخ ولا تذره على ذلك.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: حراقة للجلد.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح الجلد فتحرقه فيتغير لونه فيصر أسود من الليل.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي رزين ﴿ لواحة للبشر ﴾ قال: تلوح جلده حتى تدعه أشد سواداً من الليل.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عليّ عن ابن عباس ﴿ لواحة ﴾ محرقة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء أن رهطاً من اليهود سألوا رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم، فجاء فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ .

وأخرج الترمذي وابن مردويه عن جابر قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟

قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة وفي مرة تسعة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: لما نزلت ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال رجل من قريش يدعى أبا الأشدين: يا معشر قريش لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله: ﴿ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما سمع أبو جهل ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له: ﴿ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: ذكر لنا أن أبا جهل حين أنزلت هذه الآية قال: يا معشر قريش ما يستطيع كل عشرة منكم أن يغلبوا واحداً من خزنة النار وأنتم ألدهم؟.

وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث من طريق الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال: كنا عند أبي العوام فقرأ هذه الآية ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ فقال: ما تقولون أتسعة عشر ملكاً أو تسعة عشر ألفاً؟

قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، فقال: ومن أين علمت ذلك؟

قلنا: لأن الله يقول: ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: صدقت هم تسعة عشر ملكاً بيد كل ملك منهم مرزبة من حديد له شعبتان فيضرب بها الضربة يهوي بها في جهنم سبعين ألفاً بين منكبي كل ملك منهم مسيرة كذا وكذا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ عليها تسعة عشر ﴾ قال: جعلوا فتنة.

قال: قال أبو الأشدين الجمحي: لا يبلغون رتوتي حتى أجهضهم عن جهنم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ﴾ قال: قال أبو الأشدين: خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم.

قال: وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال: «كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشفارهم لهم مثل قوة الثقلين، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل، حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ أنهم يجدون عدتهم في كتابهم تسعة عشر ﴿ ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ فيؤمنوا بما في كتابهم من عدتهم فيزدادوا بذلك إيماناً.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يستيقن أهل الكتاب حين وافق عدد خزنة النار ما في كتابهم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: يجدونه مكتوباً عندهم عدة خزنة النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ ليستيقن الذين أوتوا الكتاب، ويزداد الذين آمنوا إيماناً ﴾ قال: صدق القرآن الكتب التي خلت قبله التوراة والإِنجيل أن خزنة جهنم تسعة عشر ﴿ وليقول الذين في قلوبهم مرض ﴾ قال: الذين في قلوبهم النفاق والله أعلم.

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ قال: من كثرتهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله.

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق ابن جريج عن رجل عن عروة بن الزبير أنه سأل عبدالله بن عمرو بن العاص أي الخلق أعظم؟

قال: الملائكة.

قال: من ماذا خلقت؟

قال: من نور الذراعين والصدر.

قال: فبسط الذراعين.

فقال: كونوا ألفي ألفين.

قيل لابن جريج: ما ألفي ألفين؟

قال: ما لا يحصى كثرته.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة الإِسراء قال: «فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا، فإذا أنا بملك يقال له اسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو ﴾ » .

أخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وما هي إلا ذكرى للبشر ﴾ قال: النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة مثله.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ فجعل الألف مع إذا.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن الزبير أنه كان يقرأ: ﴿ والليل إذا دبر ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن سعيد بن جبير أنه قرأها: ﴿ دبر ﴾ مثل قراءة ابن عباس.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قرأها: ﴿ إذ ﴾ بغير ألف ﴿ أدبر ﴾ بألف.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال: إنها في حرف أبي وابن مسعود ﴿ إذا أدبر ﴾ يعني بألفين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ قال: دبوره ظلامه.

وأخرج مسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ والليل إذا أدبر ﴾ فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان الأول ناداني: يا مجاهد هذا حين دبر الليل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ والصبح إذا أسفر ﴾ قال: إذا أضاء ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ إنها لإِحدى الكبر ﴾ قال: النار.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي رزين ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر ﴾ قال: هي جهنم.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الأمل عن حذيفة قال: ما من صباح ولا مساء إلا ومنادٍ ينادي: يا أيها الناس الرحيل الرحيل، وإن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿ إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: الموت ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: الموت.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ﴾ قال: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لمن شاء منكم أن يتقدم ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ أو يتأخر ﴾ قال: في معصية الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَا لَهُمْ ﴾ ، يعني كفار قريش حين نفروا عن القرآن.

﴿ عَنِ التَّذْكِرَةِ ﴾ ، أي عن التذكرة بمواعظ القرآن.

﴿ مُعْرِضِينَ ﴾ ، نصب على الحال (١) ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة (فقال: ﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ ) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴾ ، أي: نافرة) (٦) (٧) أنشد أبو عبيدة (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) ارْبِط حِمارَكَ إنَهُ مُسْتَنْفَرٌ ...

في إثْرِ أحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّبِ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقال أبو علي الفارسي: (الكسر في "مُستنفِرة" أولى، ألا ترى أنه: قال "فرت من قسورة"، وهذا يدل على أنها هي استنفرت) (١٩) ويدل على صحة ما قال أبو علي (أن محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي (٢٠) (٢١) قوله تعالى: ﴿ فَرَّت ﴾ : يعني الحمر.

﴿ مِنْ قَسْوَرة ﴾ : اختلفوا في تفسير القسورة: فروى عن ابن عباس فيها أقوالاً، قال في رواية عطاء (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال أبو عبيدة (٢٧) (٢٨) (والمبرد (٢٩) (٣٠) قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون إذا رأوا محمدًا -  -، أو سمعوه يقرأ، هربوا منه كما تهرب الحمير من الأسد (٣١) وقال في رواية سليمان (بن قتة) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال (٣٦) (بن عبد (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وهذا معنى قول من قال في "القسورة": إنهم القناص (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (روى أبو العباس عن) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال ابن الأعرابي: القسورة: أول الليل (٥٨) وقال قتادة: القسورة: النَّبْل (٥٩) وقال (زيد) (٦٠) (٦١) قوله تعالى: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ قال المفسرون (٦٢)  - ليصبح عند رأس كل منا كتاب منشور من الله: أن آلهتنا باطلة، وأن إلهك حق، وأنك رسوله، نؤمر فيه باتباعك كقوله: ﴿ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) وقال الكلبي: إنهم قالوا: كنا نحدث أن الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب ذنبًا أصبح وعند رأسه صحيفة مكتوبة فيها ذنبه وتوبته: أذنبت كذا وكذا، وكفارتك كذا؛ فإن فعلت بها ذلك آمنا بك (٦٩) (٧٠) (٧١) (٧٢) (٧٣) ﴿ صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴾ بلفظ الجمع لكل امرئ منهم، والصحف: الكتب، واحدتها (٧٤) قال الليث: ومن النوادر أن تجمع فعيلة على فُعُل، مثل سفينة وسُفُن، وكان قياسهما: صحائف وسفائن (٧٥) و ﴿ مُّنَشَّرَةً ﴾ معناها منشورة، والتفعيل (٧٦) قال الله: ﴿ كَلَّا ﴾ ، قال مقاتل: لا يؤتون (٧٧) (٧٨) ﴿ بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ﴾ قال عطاء: أي النار والعقاب (٧٩) والمعنى: أنهم لو (٨٠) ﴿ كَلَّا ﴾ أي: حقًّا، ﴿ إِنَّهُ ﴾ ، يعني: القرآن، ﴿ تَذْكِرَةٌ ﴾ ، تذكير وموعظة، ﴿ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾ قال ابن عباس: (اتعظ) (٨١) (٨٢) ( ﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ ﴾ (٨٣) (٨٤) (٨٥) ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ ، قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى (٨٦) (٨٧) قوله تعالى: ﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ روى أنس أن رسول الله -  - قال في هذه الآية: "قال ربكم -عز وجل-: أنا أهل أن أتَّقَى فلا يُشْرَك بي غيري، وأنا أهل لِمَنِ اتَّقَى أن يشرك بي غيري أن أغْفِرَ له" (٨٨) وقال (٨٩) (٩٠) (ونحو هذا قال مقاتل: أهل أن يتقى فلا يعصى، وأهل المغفرة ذنوب أهل التقوى (٩١) (٩٢) وقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب (٩٣) وقال أبو إسحاق: أهل أن يُتَّقَى عِقَابُه، وأهل أن يُعمل بما يؤدي إلى مغفرته (٩٤) والمعنى أنه إذا كان أهلًا للمغفرة يجب أن يتعرض لمغفرته بما يؤدي إليه (٩٥) (١) انظر: "الكشف والبيان" 12: 211/ ب.

(٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٣) "زاد المسير" 8/ 130، و"التفسير الكبير" 30/ 212، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"البحر المحيط" 8/ 380.

(٤) عكرمة.

"الدر المنثور" 8/ 339، وعزاه إلى عبد بن حميد.

(٥) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٧) ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن الحجة: 6/ 341.

(٨) لم أجده في "مجاز القرآن".

(٩) في (أ): فقال، وهي تعتبر لفظة زائدة عند وجود ما أثبته من نسخة: ع، وهو: ابن الأعرابي، والفراء، والزجاج.

(١٠) "تهذيب اللغة" 15/ 210، مادة: (نفر) برواية: "اضرب" بدلاً من "اربط".

(١١) "معاني القرآن" 3/ 206، برواية: "أمسك" بدلاً من: "اربط".

(١٢) معاني القرآن وإعرابه: 5/ 250 برواية: "أمسك".

(١٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(١٤) البيت لنافع بن لقيط الفقعسي، وقد ورد في: في: كتاب "المعاني الكبير" 2/ 793، و"لسان العرب" 1/ 648: (غريب) ج: 5/ 24: مادة: (نفر)، و"جامع البيان" 29/ 168، و"النكت والعيون" 6/ 148، و"الجامع لأحكام القرآن" 9/ 87، وكلها برواية: "أمسك" بدلاً من: "اربط"، و"البحر المحيط" 8/ 380 برواية: "عهدن لعرب"، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 727.

== وموضع الشاهد: "مستنفر"، وهو عند أهل الحجاز "مستنفَر" بفتح الفاء، وهما جميعًا كثيران في كلام العرب.

والمعنى: كف نفسك عن أذى قومك، ولا تطمحن إليهم بالأذى، فإنك قد عرت في شتمهم كما يعير الحمار عند مربط أهله يتبع حمرًا.

انظر: "شرح أبيات معاني القرآن للفراء ومواضع الاحتجاج بها" د.

ناصر حسين علي: 60: ش 115.

(١٥) قرأ أبو جعفر، ونافع، وابن عامر: مُسْتَنْفَرَة -بفتح الراء، ونصب الفاء-، والمفضل عن عاصم مثله.

وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: مُستَنْفِرة -بكسر الفاء-.

انظر: كتاب السبعة: 660، و"الحجة": 6/ 341، و"المبسوط": 386، و"كتاب التبصرة": 714، و"تحبير التيسير": 194.

(١٦) ما بين القوسين نقله عن الأزهري.

انظر: "تهذيب اللغة" 15/ 210، مادة: (نفر).

(١٧) أي اختار قراءة فتح الفاء.

(١٨) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٩) ما بين القوسين هو من قول أبي الحسن نقله عنه أبو علي في الحجة: 6/ 341 بنصه.

(٢٠) أبو سوار الغنوي: روى عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز، روى عنه أبو سلمة موسى بن إسماعيل.

انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 9/ 342: ت: 1827.

(٢١) ما بين القوسين عند أبي علي في الحجة: 6/ 342 نقله عنه الإمام الواحدي بنصه.

(٢٢) "معالم التنزيل" 4/ 419، كما ذكرت الرواية عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس في: "المحرر الوجيز" 5/ 399، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"البحر المحيط" 8/ 380، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 476.

(٢٣) المراجع السابقة، وانظر: الوسيط بين المقبوض والبسيط: 2/ 621، وانظر: مادة: (قسر) في: "تهذيب اللغة" 8/ 399، و"لسان العرب" 5/ 92.

(٢٤) ساقط من: (أ).

(٢٥) بياض في (ع).

(٢٦) "جامع البيان" 29/ 170، و"الكشف والبيان" 12: 213/ أمن غير ذكر الأسود، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"لباب التأويل" 4/ 332، و"البحر المحيط" 8/ 380، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 476، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وانظر: مجمع الزوائد: 7/ 132: تفسير سورة المدثر.

وقال الهيثمي: رواه البزار، ورجاله ثقات.

(٢٧) "مجاز القرآن" 2/ 276.

(٢٨) "لسان العرب" 5/ 92: مادة: (قسر).

(٢٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٠) ساقط من: (أ).

(٣١) "زاد المسير" 8/ 130، و"التفسير الكبير" 30/ 791.

(٣٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٣٣) الحبشة ويراد به حاليًا أثيوبيا تقع في الجناح الشمالي الشرقي من قارة إفريقيا، أو ما يعرف الآن بالقرن الأفريقي، وأثيوبيا كلمة إغريقية معناها بلاد الأثيوبيين، أي بلاد المحروقة وجوههم، عاصمتها: أديس أبابا، واللغة الرسمية: الأمهرية، تتميز بغزارة أمطارها صيفًا التي تذهب أكثرها إلى بحيرة تانا في الشمال الشرقي.

تحوي صادراتها: الحبوب، والبن، والعسل، والجلود، والذهب.

العملة الرسمية لها: البِرّ، كانت تدين بالوثنية ثم اعتنقت النصرانية، ودخلتها اليهودية من اليمن ثم دخلها الإسلام في القرن 7 م.

انظر: الموسوعة العالمية: 1/ 83 - 87، و"الموسوعة العربية الميسرة" 1/ 53.

(٣٤) ورد قوله في: "الكشف والبيان" 12: 213/ أ، و"التفسير الكبير" 30/ 212 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس.

(٣٥) "جامع البيان" 29/ 169، و"التفسير الكبير" 30/ 212.

(٣٦) أي ابن عباس.

(٣٧) سليم بن عبد: لعله: سليم بن عبد السلولي الكناني، كوفي، روى عن حذيفة، روى عنه أبو إسحاق السبيعي.

انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 4/ 212: ت: 915.

أو لعله يراد به: سليمان بن عبد الله السلولي، فقد وردت بمثل هذه الرواية من طريقه عن ابن عباس في: "جامع البيان" 29/ 169، ولم أعثر على ترجمة له.

(٣٨) ما بين القوسين ساقط من: أ، وغير مستكمل في: ع بسبب بياض في آخر الكلام.

(٣٩) "جامع البيان" 29/ 169.

(٤٠) "جامع البيان" 29/ 168، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.

(٤١) ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 168، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، الدر: 8/ 339 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وانظر: "المستدرك" 2/ 508: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

(٤٢) "معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 130، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب.

(٤٣) "تفسير مقاتل" 217/ أ، و"زاد المسير" 8/ 130.

(٤٤) "زاد المسير" 8/ 130، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87.

(٤٥) "جامع البيان" 29/ 169، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 87.

(٤٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٤٧) القانص: الصائد، والقوانص جمع قانصة من القنص: الصيد.

النهاية في "غريب الحديث" والأثر: 4/ 112.

(٤٨) "جامع البيان" 29/ 169، و"الكشف والبيان" ج: 12: 212/ ب.

(٤٩) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٥٠) المرجعان السابقان، وانظر: "الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد.

(٥١) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٥٣) "المحرر الوجيز" 5/ 399 من غير ذكر الطريق، و"الدر المنثور" 8/ 339 وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.

(٥٤) ما بين القوسين ساقط من: أ، وقد ذكر بدلاً منه لفظ: "قال" في نسخة: أ.

(٥٥) في (أ): قسورة (٥٦) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٥٧) "الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"فتح القدير" 5/ 333.

(٥٨) "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"البحر المحيط" 8/ 381.

(٥٩) تفسير عبد الرزاق: 2/ 332، و"النكت والعيون" 6/ 149، و"زاد المسير" 8/ 131.

(٦٠) ساقط من: (أ).

(٦١) ورد قوله في: "الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 419، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88.

(٦٢) ورد قول المفسرين في: "معالم التنزيل" 4/ 419، و"زاد المسير" 8/ 131، و"التفسير الكبير" 30/ 212، و"لباب التأويل" 4/ 232، و"البحر المحيط" 8/ 381، و"فتح القدير" 5/ 333.

(٦٣) الإسراء: 93: ﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ .

(٦٤) بمعناه في "جامع البيان" 29/ 171، و"النكت والعيون" 6/ 149 مختصرًا، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88، و"الدر المنثور" 8/ 340، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٦٥) "تفسير مقاتل" 217/ أ.

(٦٦) "جامع البيان" 29/ 171، و"الدر المنثور" 8/ 340، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.

(٦٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٦٨) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٦٩) "الكشف والبيان" ج: 12: 213/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 420، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 88.

(٧٠) "معاني القرآن" 3/ 206.

(٧١) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 250.

(٧٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٧٣) في (أ): صحة.

(٧٤) في (أ): واحدها.

(٧٥) "تهذيب اللغة" 4/ 254 مادة: (صحف)، نقله عنه بنصه.

(٧٦) في (أ): الفعيل.

(٧٧) في (ع): تؤتون.

(٧٨) "تفسير مقاتل" 217/ أ، قال: "لا يؤمنون بالصحف".

(٧٩) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٠) زاد في (أ): أنهم، ولم تذكر في (ع)، وهو الصواب، لاستقامة المعنى بدونها.

(٨١) لم أعثر على مصدر لقوله، وورد من غير نسبة في الوسيط: 4/ 388.

(٨٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٨٣) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٨٤) أي ابن عباس.

(٨٥) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨٦) "فتح القدير" 5/ 334، وبمعناه في "تفسير مقاتل" 217/ ب.

(٨٧) قال السعدي في معنى قوله: ﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ : "فإن مشيئة الله نافذة عامة، لا يخرج عنها حادث قليل ولا كثير، ففيها رد على القدرية، الذين لا يدخلون أفعال العباد تحت مشيئة الله، والجبرية: الذين يزعمون أنه ليس للعبد مشيئة، ولا فعل حقيقة، وإنما هو مجبور على أفعاله، فأثبت تعالى للعباد مشيئة حقيقية وفعلاً، وجعل ذلك تابعًا لمشيئته".

تفسير الكريم الرحمن: 5/ 338.

(٨٨) الحديث أخرجه: الدارمي في سننه: 2/ 758: ح: 2624: كتاب الرقاق.

باب 16 في تقوى الله، والإمام أحمد في مسنده: 3/ 142.

وابن ماجه 2/ 447: ح 4354 بنحوه في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة.

والترمذي 5/ 430: ح 3328: كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر "71" وقال: هذا حديث غريب، و"سُهَيْل" ليس بالقوي، قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.

والحاكم في "المستدرك" 2/ 508: بمعناه في التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه ووافقه الذهبي.

والحديث في سنده ضعف.

انظر: "ضعيف سنن ابن ماجه" 350: ح: 936 - 4299، وضعيف سنن الترمذي: 432: ح: 659 - 3563، وقال السيد بن عبد المقصود: وفي سنده ضعف، فهو من رواية سهيل بن أبي حزم القطعي، عن == ثابت، عن أنس، وسهيل ضعيف كما في التقريب (1: 338: ت: 576)، وقد قال عنه الترمذي: غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد به عن ثابت -ثم قال- قلت: وعلى هذا فتصحيح الحاكم للحديث فيه نظر.

انظر -حاشية- "النكت والعيون" 6/ 149 تحقيق السيد بن عبد المقصود.

(٨٩) في (أ): قال.

(٩٠) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٩١) "تفسير مقاتل" 213/ ب.

(٩٢) ما بين القوسين ساقط من: (أ).

(٩٣) "جامع البيان" 29/ 172، و"النكت والعيون" 6/ 149، و"المحرر الوجيز" 5/ 400.

(٩٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 250 بنصه.

(٩٥) في (ع): إليها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كَلاَّ ﴾ ردع للكفار عن كفرهم، وقال الزمخشري: هي إنكار لأن تكون لهم ذكرى ﴿ إِذْ أَدْبَرَ ﴾ أي ولى وقرئ دَبَر بغير ألف والمعنى واحد.

وقيل: معناه دبر الليل والنهار أي جاء في دبره ﴿ والصبح إِذَآ أَسْفَرَ ﴾ أي أضاء، ومنه الإسفار بصلاة الصبح ﴿ إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر ﴾ الضمير لجهنم، أو للآيات والنذارة أي هي من الأمور العظام، والكبر جمع كبرى وقال ابن عطية: جمع كبيرة والأول هو الصحيح ﴿ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ ﴾ تمييز أو حال من إحدى الكبر وقيل: النذير هنا الله، فالعامل فيه على هذا محذوف.

وهذا ضعيف، وقيل: هو حال من هذه السورة أي قم فأنذر نذيراً وهذا بعيد، قال الزمخشري: هو من بدع التفاسير ﴿ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ التقديم عبارة عن تقديم سلوك طريق الهدى والتأخر ضده، ولمن شاء بدل من البشر أي هم متمكنون من التقدم والتأخر، وقيل: معناه الوعيد كقوله: ﴿ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] وعلى هذا أعرب الزمخشري أن يتقدم مبتدأ ولمن شاء خبره والأول أظهر ﴿ رَهِينَةٌ ﴾ قال ابن عطية: الهاء في رهينة للمبالغة أو على تأنيث النفس.

وقال الزمخشري: ليست بتأنيث رهين لأن فعيلاً بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي بمعنى الرهن، أي كل نفس رهن عند الله بعملها ﴿ إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين ﴾ أي أهل السعادة فإنهم فكوا رقابهم بأعمالهم الصالحة، كما فكَّ الراهن رهنه بأداء الحق وقال عليّ بن أبي طالب: أصحاب اليمين هم الأطفال لأنهم لا أعمال لهم يرتهنون بها، وقال ابن عباس: هم الملائكة ﴿ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ المجرمين ﴾ أي سأل بعضهم بعضاً عن حال المجرمين الذين في النار ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ أي ما أدخلكم النار، وهذا خطاب للمجرمين، يحتمل أن خاطبهم به المسلمون أو الملائكة فأجابوهم بقولهم: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين ﴾ وما بعده، أي هذا الذي أوجب دخولهم النار، وإنما أخر التكذيب بيوم الدين تعظيماً له لأنه أعظم جرائمهم ﴿ نَخُوضُ ﴾ الخوض هو كثرة الكلام بما لا ينبغي من الباطل وشبهه ﴿ حتى أَتَانَا اليقين ﴾ هو الموت عند المفسرين وقال ابن عطية: إنما يقين الذي أرادوا ما كانوا يكذبون في الدنيا، فيتيقنونه بعد الموت ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين ﴾ إنما ذلك لأنهم كفار، وأجمع العلماء أنه لا يشفع أحد في الكفار، وجمع الشافعين دليل على كثرتهم كما ورد في الآثار، تشفع الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ : أصحاب اليمين هم الذين وصفهم الله  في موضع آخر في كتابه، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ  ﴾ ، فاستثنى أصحاب اليمين من جملة المرتهنين؛ لأنه ذكر الرهون بلفظ يعبر بها عن الجمع، وهو قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ ، فاستقام استثناء الجماعة من تلك الجملة، أي: أصحاب اليمين قد سبقت منهم الأعمال التي يستوجبون بها الإطلاق عن الحبس؛ لأن المجرمين صاروا مرهونين بإجرامهم، وأصحاب اليمين قد اكتسبوا الخيرات، وعملوا الصالحات، والأعمال الصالحة جعلها الله  مكفرة للمساوى والإجرام؛ كقوله: ﴿ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ﴾ : فظاهر هذا يؤدي إلى أن التساؤل كان من أهل الجنة بعضهم بعضا، وإذا صدر السؤال عن بعضهم بعضا فحقه أن يقال: "ما سلكهم في سقر"؛ لأن أهل السقر لم يسألوا، بل سئل عنهم غيرهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ ، ولم يقل: "يتساءلون المجرمون"؛ فثبت أن الظاهر يقتضي أن يكون المخاطبون غير المجرمين؛ لذلك قلنا: إن حق مثله أن يقال: "ما سلكهم في سقر"، لكنه يحتمل أن يكون قوله: ﴿ عَنِ ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الحذف والإسقاط، وإذا حذف ارتفع الريب والإشكال؛ كأنه قال: في جنات يتساءلون المجرمين؛ فيكون فيه تثبيت أن أهل السقر هم الذين خوطبوا بالسؤال.

وجائز أن يكون أهل الجنة يسأل بعضهم بعضا عن مكان المجرمين، أين مكانهم؟

وأين هم؟

فيطلعون عليهم فيسألونهم: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ ؟

فيقولون إذ ذاك: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ...

﴾ إلى آخر الآية؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ؛ فثبت أنهم يطلعون على أماكنهم، فإذا رأوهم سألوهم عن ذلك بقوله: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴾ ، فأجابوا بما أخبر الله  عنهم بقوله: {لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ000} إلىش قوله: ﴿ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

والأصل: أن الأفعال التي يتعلق جوازها بالإيمان إذا أضيفت إلى من ليس من أهل الإيمان، أريد بها القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان، أريد بها أعين تلك الأفعال.

والذي يدل على هذا هو أن الكافر يسلك به إلى سقر إذا كانا مكذبا بيوم الدين، وإن أقام الصلاة، وأطعم المسكين، لم ينفعه ذلك حتى يوجد منه الإيمان؛ فثبت أنه لم يرد بذكر هذه الأفعال إتيان أعينها؛ وإنما أريد بها القبول الإقرار بها؛ والذي يدل على صحة ما ذكرنا قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ  ﴾ ؛ فثبت أنهم جحدوا أن يكون عليهم إطعام؛ فدل أنه أريد بذكر الإقامة قبولها، لا وجود عينها، وعليهم أن يقبلوا إقامة الصلاة، ويقروا بإيتاء الزكاة، وقد يجوز أن يذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويراد به القبول؛ قال الله  : ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ولم يكن إيجاد الإقامة وإيجاد الإيتاء من شرط التخلية؛ بل كان معناه على القبول، فإذا أقروا بالصلاة وقبلوا إقامتها، وأقروا بالزكاة، لزم تخلية سبيلهم وإن لم يوجد منهم الفعل بعد؛ فلذلك صلح حمل التأويل على القبول، ولم يحمل على وجود حقيقة الفعل؛ لما ذكرناه.

هذا إذا ثبت أن تأويل قوله: ﴿ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ﴾ منصرف إلى الصلاة المعروفة، فكيف وقد يجوز أن يكون أريد بالمصلين: الموحدين هاهنا؛ لأن أهل الصلاة هم المسلمون، يقال: "أجمع أهل الصلاة على هذا"، ويُعني به المسلمون.

ثم الله - عز وجل - جمع في الذكر بين التكذيب بيوم الدين وبين ترك الصلاة وترك الإطعام، وهذا - والله أعلم - يحتمل وجهين: أحدهما: أن الذي يقر بالصلاة والإطعام وإيتاء الزكاة هو الذي يقر بيوم الدين؛ لأن المرء إنما يرغب في فعل هذه الأشياء؛ لما يطمع من المنافع في العواقب، ويتقي بتركها مخافة التبعة في العواقب؛ فإذا لم يقر بيوم الدين، لم يرج المنافع، ولا خاف المضار؛ فيحمله ذلك على ترك الإطعام وتضييع الصلاة، وعلى ترك إيتاء الزكوات، وعلى جحودها كلها وعدم قبولها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ  فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ  وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ  ﴾ ؛ لعدم رجاء العواقب؛ فإذا لم ير لفعله عاقبة، لم يقم بالانتصار لليتيم، ولا قام بالإحسان للمسكين، بل تكذيبه بيوم الدين يحمله على الجور على اليتيم، وترك الإحسان إلى المسكين؛ فلذلك جمع في الذكر بين [تكذيب] يوم الدين وبين ترك الصلاة، وإيتاء الزكاة وترك الإطعام.

وجائز أن يكون الذي حملهم على التكذيب بيوم الدين هذه الوظائف التي وظفت عليهم بالإسلام؛ لأنهم إذا آمنوا بيوم الدين، لزمهم تحمل هذه الأحمال من إقامة الأفعال؛ والصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطعام المساكين، وصيام شهر رمضان، وغير ذلك من العبادات؛ فاشتد عليهم [ذلك]؛ فتركوا الإيمان بها؛ لئلا يلزمهم تحمل هذه الأفعال التي حملها أهل الإيمان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ ﴾ : فالخائض هو الذي يخوض في الباطل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ أَتَانَا ٱلْيَقِينُ ﴾ : أي: حتى أيقنا أنا كنا على باطل فيما كنا نخوض فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ معناه: أن لا شفيع لهم؛ والأصل: أن الشفاعة إذا أضيفت إلى أهل الكفر، فقيل: ليس لهم شفعاء، أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين، اقتضى نفي الشفاعة، أي: لا شفيع لهم.

وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان اقتضى نفي الانتفاع بشفاعة الشفعاء، ولم يقتض نفي الشفاعة؛ كما ذكرنا: أن الأفعال التي يكون قوامها بالإيمان إذا أضيفت إلى الكفار فهي تقتضي نفي القبول، وإذا أضيفت إلى أهل الإيمان فهي [تقتضي] نفي الفعل.

وقولنا بأنه إذا قيل: "لا شفيع له"، وأريد به أهل الإسلام، فهو يقتضي نفي الانتفاع، ولا يقتضي نفي الشفاعة - فذلك ينصرف عندنا إلى أهل الاعتزال الخوارج؛ لأنا نرى أصحاب الكبائر من أهل الإسلام مستوجبين للشفاعة، وهم يقولون: لا يجوز في حكم الله  أن يعفو عن أصحاب الكبائر، بل يخلدهم في النار؛ لأن الله  أوعد النار لمن ارتكب الكبائر، وأخبر أنهم يخلدون فيها؛ فلا يجوز أن يقع في وعده خلف، أو يتحقق في خبره كذب، ولو استوجبوا الشفاعة، ونالوا بها المغفرة من رب العزة، لصار فيما وعد مخلفا، وفيما أخبر كذوبا؛ فمثل هؤلاء إذا ارتكبوا الكبائر لا يجرى لهم الخلاص بالشفاعة أبدا؛ بل يحكم عليهم بالخلود في النار؛ فيرتفع ما يثبت الكذب وينتفي [ما يوجب] خلف الوعد.

ولأنهم لما اعتقدوا التخليد في النار لمن ارتكب الكبائر، وجب أن يكون نفيهم الشفاعة بزعمهم على ذلك؛ لأن الله  يقول: ﴿ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ  فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ  ﴾ ؛ فلا يجوز أن يحق عليهم العذاب ثم لا ينالهم العذاب إذا بعثوا.

ثم احتج فريق منهم بنفي الشفاعة في الآخرة بقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ ، وزعموا أن شفيع كل امرئ منهم عمله يومئذ؛ فمن حسن عمله نجا به، ومن ساء عمله حق عليه العذاب، ولم يكن له شافع، ولو وجب نفي الشفاعة بما ذكر من هذه الآيات الظاهرة، لوجب تحقيقها بقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً  ﴾ ؛ إذ في هاتين الآيتين أن الله  قد يأذن بالشفاعة يومئذ للبعض؛ فثبت أن ما ذكرتكم من نفي الشفاعة، ولم يقتض نفيا على الإطلاق، بل النفي انصرف إلى بعض الخلائق، ووجب القول بثبوتها لبعضهم.

ثم جاءت الأخبار مفسرة على إيجاب القول بالشفاعة لأهل الكبائر؛ فثتب أن ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ  ﴾ منصرف إلى أهل الكفر، وبه نقول.

ومن المعتزلة من يحقق الشفاعة، ولكنه يراها للذين يستوجبون استغفار الملائكة في الدنيا، وهم الذين ذكرهم الله  في كتابه: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ  ﴾ ، فأما أصحاب الكبائر؛ فإنهم لا تنالهم شفاعة أحد؛ بل يخلدون في النار.

فيقال لهم: فأية منفعة تحصل للذين تابوا وابتعوا سبيله في الشفاعة، وهم قد استوجبوا الخلاص بتوبتهم، واتباعهم سبيل الرشاد.

فإن قالوا: منفعتهم بها: أنه يعظم قدرهم عند الله  ، ويستوجبون بها فضل الدرجات؛ كما ترى المرء في الشاهد يذكر أخاه عند الملوك بحسن السيرة، ويذكره بما فيه من المناقب الجميلة والمحاسن، ويبتغي بذلك إعلاء منزلته، وإعظام قدره عندهم؛ ليعظموه، ويبجلوه، فكذلك الشفعاء في الآخرة يثنون عند الله  على أوليائه خيرا؛ ليزيد في درجاتهم، وتعظم منزلتهم عند الله  .

والجواب أن هذه الزيادة في الدرجات ليست إلا إلى الوصول إلى فضول الشهوات، وفضول الشهوات والزيادة في اللذات لا تذكر في المنافع؛ إذ لا حاجة [لهم] إلى ما هو في حق الفضول من الشهوات؛ فيكون في مثالها دفع الحاجة، والوصول إلى المنفعة، ومعلوم أنهم إنما طمعوا في الشفاعة؛ لما يحصل لهم بها من المنفعة وإنما تحصل لهم بها المنفعة إذا وقعت إليها الحاجة، وأهل الكبائر هم الذين تمسهم الحاجة إليها؛ فأما لاذين تابوا وأنابوا فقد استغنوا عن الشفاعة؛ لذلك وجب القول بتحقيق الشفاعة في أهل الكبائر.

وأما استدلالهم بما ذكروا من أمر الشهود، فليس بمحكم من القول؛ لأن المرء إنما يذكر أخاه بالجميل، ويظهر ما اشتمل عليه من خلال الخير لجهل الملوك بحاله فيما هو عليه من جميل الخصال، ومحمود الفعال؛ ألا ترى أن الملك إذا كان عالما بحاله، لم يقدم الإنسان على نشر الجميل منه؛ فثبت أن الذي يحوجه إلى الثناء عليه عند الملوك جهل الملوك بحاله؛ ولا يجوز أن يكون الله  يخفى عليه حال أحد، وما هو عليه من ظواهر أموره وبواطنها حتى يحتاج إلى معرف يعرفه؛ فبطل أن تكون الشفاعة للوجه الذي ذكروه، وثبت أنها للوجه الذي ذكرناه.

ثم العفو والصفح عن إحلال العقوبة بمن هموا أن يعاقبوه بجريمة سبقت منه، ثم الشافعة فيما بين الخلق أمر معهود أنها تكون عند زلات يستوجب بها العقوبة والمقت؛ فيعفى عن مرتكبها بشفاعة الأخبار وأهل الرضاء؛ [فلا ينكر أن يكون الله  يعفو عمن استوجب العقاب بشفاعة الأخيار وأهل الرضاء] والأبرار، والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أي شيء جعل هؤلاء المشركين معرضين عن القرآن؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.Mbl98"

مزيد من التفاسير لسورة المدثر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله