الإسلام > الصلاة > الصلاة > مبدأ وقت المغرب ونهايته
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 12 دقيقة قراءةمَبدأُ وقتِ المَغربِ ونِهايَتُه:
أمَّا مَبدأُ وقتِ المَغربِ فهو حينَ تَغرُبُ الشَّمسُ، لا اختِلافَ بينَ الفُقهاءِ في ذلك؛ لِلأحادِيثِ الوارِدةِ في المَواقِيتِ عن النَّبيِّ ﷺ من طَريقِ ابنِ عبَّاسٍ وجابرٍ وأبي سَعيدٍ وغيرِهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغربَ في اليومَينِ جَميعًا حين غابَتِ الشَّمسُ.
وقالَ سَلمةُ بنُ الأكوَعِ رضي الله عنه: «كُنَّا نُصَلِّي مع النَّبيِّ ﷺ المَغربَ إذا تَوَارَت بِالحِجَابِ» (١).
قالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ صَلاةَ المَغربِ تَجِبُ إذا غرَبتِ الشَّمسُ (٢).
آخرُ وقتِ المَغربِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في آخرِ وقتِ المَغربِ، هل له وقتٌ واحدٌ؟ أو وَقتانِ كما في سائرِ الصَّلواتِ؟
فذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ الجَديدِ إلى أنَّ المَغربَ ليس لها إلا وقتٌ واحدٌ، عندَ مَغيبِ الشَّمسِ.
ويَخرُجُ وقتُها عندَ الشافِعيَّةِ بمِقدارِ طَهارةِ وسَترِ عَورةٍ وأذانٍ وإقامةٍ، وخَمسِ رَكعاتٍ، والاعتِبارُ في ذلك بالوَسَطِ المُعتَدِلِ.
(١) رواه البخاري (٥٣٦)، ومسلم (٦٣٦).
(٢) «الإجماع» (٤٨)، و «الإشراف» (١/ ٣٩٨).
وعندَ المالِكيَّةِ يُقدَّرُ بقَدرِ ثَلاثِ رَكعاتٍ بعدَ تَحصيلِ شُرُوطِها من مَكارِهِ حَدثٍ وخَبثٍ وسَترِ عَورةٍ.
واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ جِبريلَ عليه السلام؛ فإنَّه صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ المَغربَ في اليومَينِ في وَقتٍ واحدٍ، وقد حَكى أبو عَبد اللهِ خُوَيز مِندادُ البَصرِيُّ في كتابِه «الخِلافُ»: أنَّ الأمصارَ كلَّها بأسرِها لم يَزَلِ المُسلِمُونَ فيها على تَعجيلِ المَغربِ والمُبادَرَةِ إليها مِنْ حينِ غُروبِ الشَّمسِ، ولا نَعلمُ أحَدًا مِنْ المُسلِمِينَ تَأَخرَ بإقامةِ المَغربِ في مَسجدٍ جَماعةً عن وقتِ غُروبِ الشَّمسِ، وفي هذا ما يَكفي مِنْ العملِ بالمَدينةِ في تَعجيلِها.
قالَ أبُو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ رحمة الله عليه: لو كانَ وقتُها واسِعًا لَعَمِلَ المُسلِمُونَ فِيها كعَملِهم في العِشاءِ الآخِرةِ وسائرِ الصَّلواتِ، مِنْ أَذانِ وَاحدٍ مِنْ المُؤذِّنينِ بعدَ واحدٍ، وغيرِ ذلك مِنْ الاتِّساعِ في ذلك، وفِي هذا كلِه دَلِيلٌ واضِحٌ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَزَل يُصلِّيها وَقتًا واحدًا إلى أن ماتَ ﷺ، ولَو وَسَّعَ عليهِم لَتَوَسَّعُوا؛ لأنَّ شأنَ العُلماءِ الأخذُ بالتَّوسِعةِ، إلَّا أنَّ ضِيقَ وقتِ المَغربِ ليس كالشَّيءِ الذي لا يَتجزَّأُ، بل ذلك على قَدرِ عُرفِ النَّاسِ مِنْ إسباغِ الوُضوءِ، ولُبسِ الثَّوبِ، والأَذانِ، والإقامَةِ، والمَشيِ إلى ما لا يَبعُدُ مِنْ المَساجِدِ، ونحوِ ذلك. اه (١).
(١) «التَّمهيد» (٨/ ٨٤، ٨٥).
وذَهب الحَنفيَّةُ والإمامُ مالِكُ في رِوايةٍ والشافِعيُّ في القَدِيمِ -حَكاهُ أبُو ثَورٍ عنه، وهُو اختِيارُ جَماعةٍ مِنْ مُحقِّقِي الشافِعيَّةِ- والحَنابلَةُ إلى أنَّ آخر وقتِ المَغربِ غُروبُ الشَّفقِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وصحَّح جَماعةٌ القدِيمَ، أي قَديمَ قولِ الشافِعيِّ، وهُو أنَّ لَها وقتَينِ، ممَّن صحَّحهُ مِنْ أصحابِنا أبو بَكرِ بنُ خُزيمةَ، وأبو سُليمانَ الخطَّابيُّ، وأبو بَكرٍ البَيهقِيُّ والغَزاليُّ في إحياءِ عُلومِ الدِّينِ، وفِي دَرسِهِ، والبغَويُّ في التَّهذِيبِ، ونقلَه الرُّويَانِيُّ في الحِليةِ عن أبِي ثَورٍ، والمُزنيُّ وابنُ المُنذرِ وأبو عَبد اللهِ الزُّبَيرِيُّ قالَ: وهُو المُختارُ، وصحَّحهُ أيضًا العِجلِيُّ، والشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ.
قُلتُ -أي: النَّوويُّ-: هذا القولُ هو الصَّحِيحُ؛ لِأحادِيثَ صَحِيحةٍ، منها حَديثُ عَبد اللهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «وقتُ صَلاةِ المَغربِ مَا لم يَغِبِ الشَّفقُ»، وفي رِوايةٍ: «وقتُ المَغربِ ما لم يسقُط ثَورُ الشَّفقِ» (١)، رَواهُ مُسلِمٌ بهذه الألفاظِ كلِّها. وقولُه: ثَورُ الشَّفقِ، أي: ثَوَرَانُه، وعَن أبِي مُوسَى الأشعَرِيِّ في بَيانِ النَّبيِّ ﷺ لِلسَّائِلِ عَنْ مَواقيتِ الصَّلاةِ قالَ: «ثم أَخرَ المَغربَ حتى كانَ عندَ سُقُوطِ الشَّفقِ» رَوَاهُ مُسلِمٌ (٢).
وعن بُرَيدَةَ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى المَغربَ في اليَومِ الثاني قبلَ أن يَغيبَ الشَّفقُ» رَواه مُسلِمٌ (٣). وعن أبي قَتادةَ في حَديثِه السابقِ: «ليس في
(١) مسلم (٦١٢).
(٢)
(٣)
النَّومِ تَفرِيطٌ، إنَّما التَّفرِيطُ على مَنْ لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يَجِيءَ وقتُ الصَّلاةِ الأُخرَى» رَواهُ مُسلِمٌ. فإذا عَرَفتَ الأحاديثَ الصَحِيحةَ تَعيَّن القولُ به جَزمًا؛ لأنَّ الشافِعيَّ نصَّ عليه في القَديمِ كما نقلَه أبو ثَورٍ، وعلَّق الشافِعيُّ القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وقد ثَبت الحَديثُ، بل أحاديثُ، والإملاءُ مِنْ كُتُبِ الشافِعيِّ الجَديدةِ، فيَكونُ مَنصوصًا عليه في القَديمِ والجَديدِ، وهذا كلُّه مع القاعِدةِ العامَّةِ التي أوصى بها الشافِعيُّ رحمة الله عليه إذا صحَّ الحَديثُ خِلافَ قولِه يُترَكُ قولُه ويُعمَلُ بالحَديثِ، وإنَّ مَذَهبه ما صحَّ فيه الحَديثُ، وقد صحَّ الحَديثُ، ولا مُعارِضَ له، ولا يترُكُه الشافِعيُّ إلا لِعدمِ ثُبوتِه عندَه، ولهذا علَّق القولَ به في الإملاءِ على ثُبوتِ الحَديثِ، وباللهِ التَّوفيقُ (١).
وأمَّا حَديثُ صَلاةِ جِبريلَ عليه السلام في اليومَينِ في وَقتٍ، فجَوابُه مِنْ ثَلاثةِ أوجُهٍ، أحسَنُها وأصحُّها أنَّه إنَّما أرادَ بَيانَ وقتِ الاختِيارِ، لا بَيانَ وقتِ الجَوازِ، فهكذا هو في أكثرِ الصَّلواتِ، وهي العَصرُ والعِشاءُ والصُّبحُ، وكذا المَغربُ.
والثاني: أنَّ حَديثَ جِبريلَ مُقدَّمٌ في أوَّلِ الأمرِ بمَكةَ، وهذه الأحادِيثُ مُتأَخِّرةٌ بالمَدينةِ، فوجبَ تَقديمُها في العملِ.
الثَّالثُ: أنَّ هذه الأحاديثَ أقوَى مِنْ حَديثِ جِبريلَ؛ لوجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ رُواتَها أكثرُ، والآخَرُ: أنَّها أصحُّ إسنادًا؛ ولهذا خرَّجَها مُسلِمٌ في
(١) مسلم (٦٨١).
صَحِيحِه، دونَ حَديثِ جِبريلَ، وهذا لا شَكَّ فيه؛ فحصَل أنَّ الصَحِيحَ المُختارَ أنَّ لِلمَغربِ وقتَينِ، يَمتَدُّ بينَهما إلى مَغيبِ الشَّفقِ، ويَجوزُ ابتِداؤُها في كلِّ وَقتٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وهذه نُصوصٌ صَحِيحةٌ، لا يَجوزُ مُخالفَتُها بشَيءٍ مُحتمَلٍ؛ ولأنَّها إحدى الصَّلواتِ، فكانَ لها وقتٌ مُتَّسِعٌ كسائرِ الصَّلواتِ، ولأنَّها إحدى صَلاتَي جَمعٍ، فكانَ وقتُها مُتَّصِلًا بوقتِ التي تُجمَعُ إليها، كالظُّهرِ والعَصرِ، ولأنَّ ما قبلَ مَغيبِ الشَّفقِ وقتٌ لاستِدامَتِها، فكانَ وَقتًا لابتِدائِها، كأوَّلِ وقتِها، وأحاديثُهم مَحمولةٌ على الاستِحبابِ والاختِيارِ وكَراهةِ التَّأخِيرِ؛ ولِذلك قالَ الخرقِيُّ: «لا يُستحبُّ تَأخيرُها». فإنَّ الأحاديثَ فيها تَأكيدٌ لِفِعلِها في أوَّلِ وقتِها، وأقَلُّ أحوالِها تَأكيدُ الاستِحبابِ، وإن قُدِّرَ أنَّ الأحاديثَ مُتعارِضةٌ وجبَ حَملُ أحادِيثِهم على أنَّها مَنسوخةٌ؛ لأنَّها في أوَّلِ فَرضِ الصَّلاةِ بمَكةَ، وأحاديثُنا بالمَدينةِ مُتأخِّرةٌ، فتَكونُ ناسِخةً لمَا قبلَها ممَّا يُخالِفُها، واللهُ أعلَمُ (٢).
(١) «المجموع» (٣/ ٣٣، ٣٤).
(٢) «المغني» (١/ ٤٧٩)، و «أحكام القرآن» للجصَّاص (٣/ ٢٥٧)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٢١٢)، و «معاني الآثار» (١/ ٣٩٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٥٨)، و «المبسوط» (١/ ١٤٤)، و «التَّمهيد» (٨/ ٧٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ١٥٤)، و «حاشية الدُّسوقي» (١/ ١٧٨)، و «الاستذكار» (١/ ٢٨)، و «الأوسط» (٢/ ٣٣٤، ٣٣٧)، و «كفاية الأخيار» (١٢٤)، و «تفسير القرطبيِّ» (١٠/ ٣٠٤)، و «شرح مسلم» (٥/ ٦٨)، و «بداية المجتهد» (١/ ١٤٠).
ارجع إلى الصلاة للاطلاع على جميع المسائل.