الخروج لعيادة المرضى وصلاة الجنازة

الإسلام > الصيام > الصيام > الخروج لعيادة المرضى وصلاة الجنازة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الخروج لعيادة المرضى وصلاة الجنازة - الأقوال والأدلة

قال ابنُ قُدامةَ: إذا ثبَت هذا فإنَّه إذا خرَج لِواجِبٍ فهو على اعتِكافِه ما لم يُطِلْ؛ لأنَّه خُروجٌ لِما لا بُدَّ له منه، أشبَهَ الخُروجَ لِحاجةِ الإنسانِ، فإنْ كان خُروجُه لِصَلاةِ الجُمعةِ فله أنْ يَتعجَّلَ، قال أحمدُ: أرجو أنَّ له ذلك؛ لأنَّه خُروجٌ جائِزٌ فجازَ تَعجيلُه كالخُروجِ لِحاجةِ الإنسانِ (١).

وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ خُروجَ المُعتكِفِ لِصَلاةِ الجُمعةِ يُفسِدُ اعتِكافَه، وعليه الاستِئنافُ؛ لأنَّه يُمكِنُه الاحتِرازُ من الخُروجِ بأنْ يَعتكِفَ في المَسجِدِ الجامِعِ، فإذا لم يَفعَلْ وخرَج بطَل اعتِكافُه.

واستَثنى الشافِعيَّةُ ما لو شرَط الخُروجَ في اعتِكافِه لِصَلاةِ الجُمعةِ فإنَّ شَرطَه يَصحُّ ولا يَبطُلُ اعتِكافُه بخُروجِه (٢).

الخُروجُ لِعيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ:

ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ جَوازِ الخُروجِ لِعِيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ لِعَدمِ الضَّرورةِ إلى الخُروجِ إلا أنْ يَشترِطَ ذلك عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.

(١) «المغني» (٤/ ٢٦٨، ٢٦٩)، و «البدائع» (٣/ ٢٢)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤٩٠)، و «حاشية الدسوقي» (٢/ ١٨٢)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣٥٧).
(٢) «الشرح الكبير» (٢/ ١٨٢)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٧٠)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٣٢١)، و «حاشية العدوي» (١/ ٥٨٥)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٤٠٩)، و «المجموع» (٦/ ٥١٤)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٢١٣).

لِما رُوي عن عائِشةَ رضي الله عنها قالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» (١).

وعنها رضي الله عنها قالت: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا ولا يَشْهَدَ جَنَازَةً ولا يَمَسَّ امْرَأَةً ولا يُبَاشِرَهَا ولا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلا لِمَا لَا بُدَّ منه» (٢).

ولأنَّ هذا ليس بواجِبٍ فلا يَجوزُ تَركُ الاعتِكافِ الواجِبِ من أجلِه كالمَشيِ مع أخيه في حاجةٍ لِيَقضيَها له.

قال ابنُ قُدامةَ: وإنْ تَعيَّنت عليه صَلاةُ الجِنازةِ وأمكَنَه فِعلُها في المَسجدِ لم يَجُزِ الخُروجُ إليها، فإنْ لم يُمكِنْه ذلك فله الخُروجُ إليها، وإنْ تَعيَّن دَفنُ المَيِّتِ أو تَغسيلُه جازَ أنْ يَخرُجَ له؛ لأنَّ هذا واجِبٌ مُتعيَّنٌ فيُقدَّمُ على الاعتِكافِ كصَلاةِ الجُمعةِ (٣).

ومَحلُّ ذلك إذا خرَج لِقَصدِ العيادةِ وصَلاةِ الجِنازةِ، أمَّا إذا خرَج لِقَضاءِ الحاجةِ ثم عَرَّج على مَريضٍ لِعِيادَتِه أو لِصَلاةِ جِنازةٍ فإنَّه يَجوزُ بشَرطِ ألَّا يَطولَ مُكثُه عندَ المَريضِ أو بعدَ صَلاةِ الجِنازةِ عندَ الجُمهورِ بألَّا يَقِفَ عندَ المَريضِ إلا بقَدرِ السَّلامِ؛ لِما رَوت عائِشةُ رضي الله عنها: أنَّه عليه الصلاة والسلام: «كان يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وهو مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كما هو ولا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عنه» (٤).

(١) رواه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تَقدَّم.
(٣) «المغني» (٤/ ٢٧٤).
(٤) رواه أبو داود (٢٤٧٢)، وضعَّفه الألبانيُّ في «ضعيف أبي داود» (٥٣٢).

ولِقَولِها رضي الله عنها: «إنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فيه فما أَسْأَلُ عنه إلا وأنا مَارَّةٌ» (١).

وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ له عيادةَ المَريضِ وشُهودَ الجَنازةِ وإنْ لم يَشترِطْ، لِما رَوى عَاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ عن عليٍّ قال: «إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَلْيَعُدِ الْمَرِيضَ وَلْيَشْهَدِ الْجِنَازَةَ وليأتِ أَهْلَهُ وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وهو قَائِمٌ» (٢)، قال أحمَدُ: يَشهَدُ الجَنازةَ، ويَعودُ المَريضَ، رُوي: يَجلِسُ ويَقضي الحاجةَ ويَعودُ إلى مُعتكَفِه (٣).

أمَّا المالِكيَّةُ فإنَّهم مع الجُمهورِ في فَسادِ الاعتِكافِ لِخُروجِ عيادةِ المَريضِ وصَلاةِ الجِنازةِ وقالوا: لا يَصحُّ اشتِراطُ فِعلِ هذا، ولا يُستباحُ بالشَّرطِ؛ لأنَّه اشتِراطٌ في العِبادةِ بما يُنافيها؛ فلم يَصحَّ، كما لو اشترَط في الصَّلاةِ أنْ يأكُلَ إذا احتاجَ أو يَتكلَّمَ.

إلا أنَّهم أوجَبوا الخُروجَ لِعيادةِ أحَدِ الأبوَيْن المَريضَيْن أو كِلَيْهما، وذلك لِبِرِّهما، فإنَّه آكَدُ من الاعتِكافِ المَنذورِ ويَبطُلُ اعتِكافُه به ويَقضيه، لأنَّ الخُروجَ لذلك ليس من جِنسِ الاعتِكافِ، ولا من الحَوائِجِ الأصليَّةِ التي لا انفِكاكَ لِلمُعتكِفِ عنها، فهو عارِضٌ كالخُروجِ لِتخَليصِ الغَرقَى

(١) رواه مسلم (٢٩٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣/ ٣٣٤)، قال الإمامُ أَحمدُ: عاصِمُ بنُ ضَمرةَ عندِي حُجّةٌ.
(٣) «المغني» (٤/ ٢٧٣).

فإنَّه واجِبٌ ومُبطِلٌ لِلاعتِكافِ، فكذا ما كان مِثلَه، وهو الخُروجُ لِبِرِّ الوالِدَيْن (١).

وهذا كلُّه في الاعتِكافِ الواجِبِ، أمَّا إنْ كان الاعتِكافُ تَطوُّعًا وأحَبَّ الخُروجَ منه لِعيادةِ مَريضٍ أو شُهودِ جِنازةٍ جازَ، وقال ابنُ قُدامةَ: لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَطوُّعٌ، فلا يَتحتَّمُ واحِدٌ منهما، لكنَّ الأفضَلَ المُقامُ على اعتِكافِه، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يُعرِّجُ على المَريضِ، ولم يَكُنْ واجِبًا عليه، فأمَّا إنْ خرَج لِما لا بُدَّ منه فسألَ عن المَريضِ في طَريقِه ولم يُعرِّجْ جازَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَل ذلك (٢).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٢/ ١٨٢)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٧٠)، و «الإشراف على مسائل الخلاف» ص (٢١٤، ٢١٥)، و «الموطأ» (١/ ٣١٢، ٣١٣)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٠)، و «بدائع الصنائع» (٣/ ٢١)، و «ابن عابدين» (٢/ ٤٩٣)، و «البحر الرائق» (٢/ ٣٢٥، ٣٢٦)، و «المجموع» (٦/ ٥٠٠)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٢١٣، ٢١٨)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٢٢٣)، و «المغني» (٤/ ٢٧٣، ٢٧٤).
(٢) «المغني» (٤/ ٢٧٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الاعتكاف
فصل ركن الاعتكاف

نَوْعَيْ الِاعْتِكَافِ: الْوَاجِبِ وَالتَّطَوُّعِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة: ١٨٧ وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ عَاكِفِينَ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا الْجِمَاعَ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِيُنْهَوْا عَنْ الْجِمَاعِ فِيهَا فَدَلَّ أَنَّ مَكَانَ الِاعْتِكَافِ هُوَ الْمَسْجِدُ وَيَسْتَوِي فِيهِ الِاعْتِكَافُ الْوَاجِبُ وَالتَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ مُطْلَقٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ يُرِيدُ بِهِ الرَّجُلَ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إنَّهُ يَصِحُّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ.

وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا، وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَأَنَّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 688 - 691

ارجع إلى الصيام للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 16 ربيع الآخر
أحدب متناقص اليوم 17.5 / 29.5
الإضاءة 92%
الهلال الجديد بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد