صوم يوم عرفة

الإسلام > الصيام > صوم التطوع > صوم يوم عرفة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

صوم يوم عرفة - الأقوال والأدلة

٣ - صَومُ يَومِ عَرفةَ:

اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ يَومِ عَرَفةَ لِغَيرِ الحاجِّ، وهو اليَومُ التاسِعُ من ذي الحِجَّةِ، وصَومُه يُكفِّرُ سَنتَيْن: سَنةً ماضيةً، وسَنةً مُستقبَلةً، لِما رَواه أبو قَتادةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ على اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ التي بَعْدَهُ» (١).

= السائِلَ إلى صيامِ التاسِعِ معه، وأخبَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ كما يَصومُه كذلك، فأمَّا أنْ يَكونَ فَعَل ذلك هو الأوْلَى، وأمَّا أنْ يَكونَ حَمَل فِعلَه على الأمرِ به وعَزمِه عليه في المُستقبَلِ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّه هو الذي رَوى: صُوموا يَومًا قَبلَه ويَومًا بَعدَه، وهو الذي رَوَى: أمرَنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصيامِ يَومِ عاشوراءَ يَومَ العاشِرِ، وكُلُّ هذه الآثارِ عنه يُصدِّقُ بَعضُها بَعضًا، ويُؤيِّدُ بَعضُها بَعضًا.
فَمَراتِبُ صَومِه ثَلاثةٌ، أكمَلُها أنْ يَصومَ قَبلَه يَومًا وبَعدَه يَومًا، ويَلي ذلك أنْ يُصامَ التاسِعُ والعاشِرُ، وعليه أكثَرُ الأحاديثِ، ويَلي ذلك إفرادُ العاشِرِ وَحدَه بالصَّومِ.
وأمَّا إفرادُ التاسِعِ فمِن نَقصِ فَهمِ الآثارِ وعَدمِ تَتبُّعِ ألفاظِها وطُرُقِها وهو بَعيدٌ مِنَ اللُّغةِ والشَّرعِ، واللَّهُ المُوفِّقُ لِلصَّوابِ.
وقد سلَك بَعضُ أهلِ العِلمِ مَسلَكًا آخَرَ، فقال: قد ظهَر أنَّ القَصدَ مُخالَفةُ أهلِ الكِتابِ في هذه العِبادةِ مع الإتيانِ بها، وذلك يَحصُلُ بأحَدِ أمرَيْن، إمَّا يُنقَلُ العاشِرُ إلى التاسِعِ أو بصيامِهما مَعًا، وقَولُه: إذا كانَ العامُ المُقبِلُ صُمنا التاسِعَ، يَحتمِلُ الأمرَيْنِ فتُوُفِّي رَسولُ اللَّهِ ﷺ قَبلَ أنْ يَتبيَّنَ لَنا مُرادُه فكان الِاحتِياطُ صيامَ اليَومَيْن مَعًا، والطَّريقةُ الَّتي ذَكَرناها أصوَبُ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَجموعُ أحاديثِ ابنِ عَباسٍ عليها تَدُلُّ لِأنَّ قَولَه في حَديثِ أحمدَ: خالِفوا اليَهودَ، صُوموا يَومًا قَبلَه أو يَومًا بَعدَه، وقَولُه في حَديثِ التِّرمِذيِّ: أُمِرنا بصيامِ عاشوراءَ، يَومَ العاشِرِ، يُبيِّنُ صِحَّةَ الطَّريقةِ الَّتي سَلَكناها، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ. «زادَ المَعاد» (٢/ ٦٦، ٧٧).
(١) رواه مسلم (١١٦٢).

قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: وهو أفضَلُ الأيامِ، لِحَديثِ مُسلِمٍ: «ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فيه عَبْدًا من النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (١).

إلا أنَّهم اختَلفُوا في حُكمِ صَومِ يَومِ عَرفةَ بالنِّسبةِ لِلحاجِّ في عَرفاتٍ هل يُستحَبُّ له أو لا يُستحَبُّ؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ استِحبابِ صيامِ يَومِ عَرفةَ لِلحاجِّ ولو كان قَويًّا.

وصَومُه مَكروهٌ عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ الشافِعيَّةِ، وخِلافُ الأوْلَى أو الأفضَلِ كما قالَه الشافِعيُّ، وهو اختيارُ النَّوَويِّ، لِما رَوت أُمُّ الفَضلِ بِنتُ الحارِثِ رضي الله عنها: «أنَّها أَرْسَلَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ على بَعِيرِهِ فأخَذه بيَدِه فَشَرِبَهُ» (٢).

وعن أبي نَجيحٍ قال: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فقال: «حَجَجْتُ مع النَّبيِّ ﷺ فلَم يَصُمْهُ، وَمَعَ أبي بَكْرٍ فلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فلَم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فلَم يَصُمْهُ، وأنا لَا أَصُومُهُ ولا آمُرُ بِهِ ولا أَنْهَى عنه» (٣).

أمَّا الحَنفيَّةُ فقال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا صَومُ يَومِ عَرفةَ ففي حَقِّ غَيرِ الحاجِّ مُستحَبٌّ، لِكَثرةِ الأحاديثِ الوارِدةِ بالنَّدبِ إلى صَومِه؛ ولأنَّه له

(١) رواه مسلم (١٣٤٨).
(٢) رواه البخاري (٥٣١٣)، ومسلم (١١٢٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الترمذي (٧٥١) وحسنه، وأحمد (٢/ ٥٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء

باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء

قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن شابورٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ وَالسَّنَةِ التِّي تليها وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة " قال فأحب صومها إلا أن يكون حاجاً فأحب له ترك صوم يوم عرفة لأنه حاج مضح مسافر ولترك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صومه في الحج وليقوى بذلك على الدعاء وأفضل الدعاء يوم عرفة " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.

يُسْتَحَبُّ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ " وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ، وَالسَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:

أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ.

وَالثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا، فَأَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ.

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِسْحَاقَ، أَنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ إِنْ كان صيفاً، والأولى لَهُمْ إِفْطَارُهُ وَإِنْ كَانَ شِتَاءً فَالْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ إِنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا يَوْمَ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصوم
فصل أنواع الصيام

الْمُسْتَأْمَنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا يَجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْر عَنْ إنْسَانٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةً مَسَاكِينَ وَيُعْطَى مَا يَجِبُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِسْكِينًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ فَجَازَ جَمْعُهَا وَتَفْرِيقُهَا كَزَكَاةِ الْمَالِ وَلَا يَبْعَثُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا سَاعِيًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْعَثْ وَلَنَا فِيهِ قُدْوَةٌ.

فَصْلٌ مَكَانُ أَدَاء صَدَقَة الْفِطْر

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا مَكَانُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْمَالِ حَيْثُ الْمَالِ وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ هُوَ وَعَنْ عَبِيدِهِ حَيْثُ هُمْ حَكَى الْحَاكِمُ رُجُوعَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةِ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا زَكَاةُ الْمَالِ فَحَيْثُ الْمَالِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهَا إلَى أَهْلِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَيَبْعَثَهَا إلَيْهِمْ.

وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ ثُمَّ زَكَاةُ الْمَالِ تُؤَدَّى حَيْثُ الْمَالُ فَكَذَا زَكَاةُ الرَّأْسِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُؤَدِّي لَا بِمَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مَالُهُ لَا تَسْقُطُ الصَّدَقَةُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصيام
٥٢٣ - مسألة؛ قال: (وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ويوم عرفة كفارة سنتين)

وقال: "مَنْ قَرَأَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَكَأَنَّما قَرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ" . أرَادَ التَّشْبِيهَ بِثُلُثِ القُرْآنِ فى الفَضْلِ، لا فى كَرَاهةِ الزِّيادَةِ عليه. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين كَوْنِها مُتَتابِعَةً أو مُفَرَّقَةً، فى أوَّلِ الشَّهْرِ أو فى آخِرِه؛ لأنَّ الحديثَ وَرَدَ بها مُطْلَقًا مِن غيرِ تَقْيِيدٍ، ولأنَّ فَضِيلَتَها لِكَوْنِها تَصِيرُ مع الشَّهْرِ سِتَّةً وثلاثِينَ يَوْمًا، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ فيكونُ ذلك كثلاثِمائِة وسِتِّينَ يَوْمًا، وهى السَّنَةُ كُلُّها، فإذا وُجِدَ ذلك فى كلِّ سَنَةٍ صارَ كصِيامِ الدَّهْرِ كلِّه ، وهذا المَعْنَى يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ. واللهُ أعلمُ.

٥٢٣ - مسألة؛ قال: (وصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ)

وجُمْلَتُه أنَّ صِيامَ هذَيْنِ اليَوْمَيْنِ مُسْتَحَبٌّ؛ لما رَوَى أبو قَتادَةَ، عن النَّبِىِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال فى صِيَامِ عَرَفَةَ: "إنِّى أحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 633 - 634

ارجع إلى صوم التطوع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 10 جمادى الأولى
أحدب متزايد اليوم 11.3 / 29.5
الإضاءة 87%
البدر بعد 3 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56