الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة > رسالة قاضي المدينة في النار
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة
قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ: وَمِنْ كِتَابِ شَمْسِ الدِّينِ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُمَيْلَةَ الْحُسَيْنِيِّ قَاضِي الْمَدِينَةِ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ; لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَرْبِعَاءِ ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ حَدَثَ بِالْمَدِينَةِ فِي الثُّلْثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ أَشْفَقْنَا مِنْهَا، وَبَاتَتْ بَاقِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تُزَلْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَدْرَ عَشْرِ نَوْبَاتٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ زَلْزَلَتْ مَرَّةً وَنَحْنُ حَوْلَ حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اضْطَرَبَ لَهَا الْمِنْبَرُ إِلَى أَنْ أَوْجَسْنَا مِنْهُ صَوْتًا لِلْحَدِيدِ الَّذِي فِيهِ، وَاضْطَرَبَتْ قَنَادِيلُ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَتَمَّتِ الزَّلْزَلَةُ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ ضُحًى، وَلَهَا دَوِيٌّ مِثْلُ دَوِيِّ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ، ثُمَّ طَلَعَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِي طَرِيقِ الْحَرَّةِ فِي رَأْسِ جَبَلَيْنِ نَارٌ عَظِيمَةٌ مِثْلُ الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وَمَا بَانَتْ لَنَا إِلَّا لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَأَشْفَقْنَا مِنْهَا، وَخِفْنَا خَوْفًا عَظِيمًا، وَطَلَعْتُ إِلَى الْأَمِيرِ وَكَلَّمْتُهُ، وَقُلْتُ لَهُ: قَدْ أَحَاطَ بِنَا الْعَذَابُ، ارْجِعْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَأَعْتَقَ كُلَّ مَمَالِيكِهِ، وَرَدَّ عَلَى جَمَاعَةٍ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، قُلْتُ: اهْبِطِ السَّاعَةَ مَعَنَا إِلَى النَّبِيِّ
صلى الله عليه وسلم، فَهَبَطَ وَبِتْنَا لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَالنَّاسُ جَمِيعُهُمْ وَالنِّسْوَانُ وَأَوْلَادُهُمْ، وَمَا بَقِيَ أَحَدٌ لَا فِي النَّخِيلِ وَلَا فِي الْمَدِينَةِ إِلَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَشْفَقْنَا مِنْهَا، وَظَهَرَ ضَوْءُهَا إِلَى أَنْ أُبْصِرَتْ مِنْ مَكَّةَ وَمِنَ الْفَلَاةِ جَمِيعِهَا.
ثُمَّ سَالَ مِنْهَا نَهَرٌ مِنْ نَارٍ، وَأَخَذَ فِي وَادِي أُجَيْلِينَ وَسَدَّ الطَّرِيقَ، ثُمَّ طَلَعَ إِلَى بَحْرَةِ الْحَاجِّ، وَهُوَ بَحْرُ نَارٍ يَجْرِي، وَفَوْقَهُ جَمْرٌ يَسِيرُ إِلَى أَنْ قَطَعَتِ الْوَادِيَ; وَادِي الشَّظَا، وَمَا عَادَ يَجْرِي فِي الْوَادِي سَيْلٌ قَطُّ; لِأَنَّهَا حَفَرَتْهُ نَحْوَ قَامَتَيْنِ وَثُلْثٍ عُلُوُّهَا، وَبِاللَّهِ يَا أَخِي إِنَّ عِيشَتَنَا الْيَوْمَ مُكَدَّرَةٌ، وَالْمَدِينَةُ قَدْ تَابَ جَمِيعُ أَهْلِهَا، وَلَا بَقِيَ يُسْمَعُ فِيهَا رَبَابٌ، وَلَا دُفٌّ وَلَا شُرْبٌ، وَتَمَّتِ النَّارُ تَسِيرُ إِلَى أَنْ سَدَّتْ بَعْضَ طَرِيقِ الْحَاجِّ وَبَعْضَ بَحْرَةِ الْحَاجِّ، وَجَاءَ فِي الْوَادِي إِلَيْنَا مِنْهَا قَتِيرٌ، وَخِفْنَا أَنَّهُ يَجِيئُنَا، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَدَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبَاتُوا عِنْدَهُ جَمِيعُهُمْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا قَتِيرُهَا الَّذِي مِمَّا يَلِينَا فَقَدْ طُفِئَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهَا إِلَى السَّاعَةِ وَمَا نَقَصَتْ إِلَّا تَرَى مِثْلَ الْجِمَالِ حِجَارَةً مِنْ نَارٍ، وَلَهَا دَوِيٌّ مَا يَدَعُنَا نَرْقُدُ وَلَا نَأْكُلُ وَلَا نَشْرَبُ، وَمَا أَقْدِرُ أَصِفُ لَكَ عِظَمَهَا، وَلَا مَا فِيهَا مِنَ الْأَهْوَالِ، وَأَبْصَرَهَا أَهْلُ يَنْبُعَ وَنَدَبُوا قَاضِيَهُمْ ابْنَ أَسْعَدَ، وَجَاءَ وَعَدَا إِلَيْهَا، وَمَا أَصْبَحَ يَقْدِرُ يَصِفُهَا مِنْ عِظَمِهَا، وَكَتَبَ الْكُتَّابُ يَوْمَ خَامِسِ
رَجَبٍ، وَهِيَ عَلَى حَالِهَا، وَالنَّاسُ مِنْهَا خَائِفُونَ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مِنْ يَوْمِ مَا طَلَعَتْ مَا يَطْلُعَانِ إِلَّا كَاسِفَيْنِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَبَانَ عِنْدَنَا بِدِمَشْقَ أَثَرُ الْكُسُوفِ مِنْ ضَعْفِ نُورِهَا عَلَى الْحِيطَانِ، وَكُنَّا حَيَارَى مِنْ ذَلِكَ أَيْشِ هُوَ؟ إِلَى أَنْ جَاءَنَا هَذَا الْخَبَرُ عَنْ هَذِهِ النَّارِ.
قُلْتُ: وَكَانَ أَبُو شَامَةَ قَدْ أَرَّخَ قَبْلَ مَجِيءِ الْكُتُبِ بِأَمْرِ هَذِهِ النَّارِ، فَقَالَ: وَفِيهَا فِي لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ خَسَفَ الْقَمَرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ،
وَكَانَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، ثُمَّ انْجَلَى، وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَفِي غَدِهِ احْمَرَّتْ وَقْتَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا وَبَقِيَتْ كَذَلِكَ أَيَّامًا مُتَغَيِّرَةَ اللَّوْنِ، ضَعِيفَةَ النُّورِ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنَ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النِّجَامَةِ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَمِنْ كِتَابٍ آخَرَ مِنْ بَعْضِ بَنِي الْفَاشَانِيِّ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ فِيهِ: وَصَلَ إِلَيْنَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ نَجَابَةٌ مِنَ الْعِرَاقِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ بَغْدَادَ أَنَّهُ أَصَابَهَا غَرَقٌ عَظِيمٌ حَتَّى دَخَلَ الْمَاءُ مِنْ أَسْوَارِ بَغْدَادَ إِلَى الْبَلَدِ، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنَ الْبَلَدِ، وَدَخَلَ الْمَاءُ دَارَ الْخِلَافَةِ وَسَطَ الْبَلَدِ، وَانْهَدَمَتْ دَارُ الْوَزِيرِ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ دَارًا، وَانْهَدَمَ مَخْزَنُ الْخَلِيفَةِ، وَهَلَكَ مِنْ خِزَانَةِ السِّلَاحِ شَيْءٌ كَثِيرٌ بَلْ تَلِفَ كُلُّهُ، وَأَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى الْهَلَاكِ، وَعَادَتِ السُّفُنُ تَدْخُلُ إِلَى وَسَطِ الْبَلَدِ، وَتَخْتَرِقُ أَزِقَّةَ بَغْدَادَ.