الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة > شعر النار وغرق بغداد
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة
وَمِمَّا نَظَمَهُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي هَذِهِ النَّارِ الْحِجَازِيَّةِ وَغَرَقِ بَغْدَادَ قَوْلُهُ:
سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ … جَارِيَةً فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ أَغْرَقَ بَغْدَادَ بِالْمِيَاهِ كَمَا … أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ
قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ:
فِي سَنَةٍ أَغْرَقَ الْعِرَاقَ وَقَدْ … أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ
وَقَالَ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ: وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَامِنَ عَشَرَ رَجَبٍ - يَعْنِي مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ يَدَيِ الْوَزِيرِ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم صُحْبَةَ قَاصِدٍ يُعْرَفُ بِقَيْمَازَ الْعَلَوِيِّ الْحَسَنِيِّ الْمَدَنِيِّ، فَنَاوَلَهُ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ أَنَّ مَدِينَةَ رَسُولِ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم زُلْزِلَتْ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَةِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمِنْبَرُ الشَّرِيفُ النَّبَوِيُّ، وَسُمِعَ صَرِيرُ الْحَدِيدِ، وَتَحَرَّكَتِ السَّلَاسِلُ، وَظَهَرَتْ نَارٌ عَلَى مَسِيرَةِ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ تَرْمِي بِشَرَرٍ كَأَنَّهُ رُءُوسُ الْجِبَالِ، وَدَامَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. قَالَ الْقَاصِدُ: وَجِئْتُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ بَعْدُ، بَلْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا، وَسَأَلَهُ: إِلَى أَيِّ الْجِهَاتِ تَرْمِي؟ فَقَالَ: إِلَى جِهَةِ الشَّرْقِ.
وَاجْتَزْتُ عَلَيْهَا أَنَا وَنَجَابَةُ الْيَمَنِ، وَرَمَيْنَا فِيهَا سَعَفَةً، فَلَمْ تُحْرِقْهَا، بَلْ كَانَتْ تُحْرِقُ الْحِجَارَةَ وَتُذِيبُهَا، وَأَخْرَجَ قَيْمَازُ الْمَذْكُورُ شَيْئًا مِنَ الصَّخْرِ الْمُحْتَرِقِ، وَهُوَ كَالْفَحْمِ لَوْنًا وَخِفَّةً.
قَالَ: وَذَكَرَ فِي الْكِتَابِ وَكَانَ بِخَطِّ قَاضِي الْمَدِينَةِ، أَنَّهُمْ لَمَّا زُلْزِلُوا دَخَلُوا الْحَرَمَ، وَكَشَفُوا رُءُوسَهُمْ وَاسْتَغْفَرُوا، وَأَنَّ نَائِبَ الْمَدِينَةِ أَعْتَقَ جَمِيعَ مَمَالِيكِهِ، وَخَرَجَ مِنْ جَمِيعِ الْمَظَالِمِ، وَلَمْ يَزَالُوا مُسْتَغْفِرِينَ مُتَضَرِّعِينَ حَتَّى سَكَنَتِ الزَّلْزَلَةُ، إِلَّا أَنَّ النَّارَ الَّتِي ظَهَرَتْ لَمْ تَنْقَطِعْ، وَجَاءَ الْقَاصِدُ الْمَذْكُورُ، وَلَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِلَى الْآنَ.
قَالَ ابْنُ السَّاعِي: وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْعَدْلِ مَحْمُودِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْأَمْعَانِيِّ شَيْخِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ الَّتِي ظَهَرَتْ بِالْحِجَازِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَإِشَارَةٌ صَحِيحَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ دَالَّةٌ عَلَى اقْتِرَابِ السَّاعَةِ، فَالسَّعِيدُ مَنِ انْتَهَزَ الْفُرْصَةَ قَبْلَ الْفَوْتِ، وَتَدَارَكَ أَمْرَهُ بِإِصْلَاحِ حَالِهِ مَعَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ الْمَوْتِ، وَهَذِهِ النَّارُ فِي أَرْضٍ ذَاتِ حَجَرٍ، لَا شَجَرَ فِيهَا وَلَا نَبْتَ، وَهِيَ تَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَأْكُلُهُ، وَهِيَ تُحْرِقُ الْحِجَارَةَ وَتُذِيبُهَا حَتَّى تَعُودَ كَالطِّينِ الْمَبْلُولِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ الْهَوَاءُ حَتَّى يَعُودَ كَخَبَثِ الْحَدِيدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْكِيرِ، فَاللَّهُ يَجْعَلُهَا عِبْرَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَرَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، بِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ.