الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسع وتسعين > نهمه ومرضه ووفاته
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة تسع وتسعين
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ خَصَى أَحَدَهُمْ ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَصْلِ الْغِنَاءِ فَقِيلَ: إِنَّهُ بِالْمَدِينَةِ. فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِهَا وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْصِيَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمُغَنِّينَ الْمُخَنَّثِينَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَدَعَاهُ إِلَى أَكْلِ الْفَالُوذَجِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَكْلَهَا يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَأْسُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ رَأْسِ الْبَغْلِ.
وَذَكَرُوا أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ نَهِمًا فِي الْأَكْلِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ فِي ذَلِكَ غَرِيبَةً; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اصْطَبَحَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِأَرْبَعِينَ دَجَاجَةً مَشْوِيَّةً، وَأَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ كُلْوَةً بِشَحْمِهَا، وَثَمَانِينَ جَرْدَقَةً، ثُمَّ أَكَلَ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْعَادَةِ فِي السِّمَاطِ الْعَامِّ.
وَدَخَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بُسْتَانًا لَهُ قَدْ أَمَرَ قَيِّمَهُ أَنْ يَحْبِسَ ثِمَارَهُ، وَقُطِفَتْ لَهُ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ، وَاسْتَمَرَّ هُوَ يَأْكُلُ أَكْلًا ذَرِيعًا مِنْ تِلْكَ الْفَوَاكِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِشَاةٍ مَشْوِيَّةٍ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِدَجَاجَتَيْنِ فَأَكَلَهُمَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْفَاكِهَةِ، ثُمَّ أُتِيَ بِقَعْبٍ يَقْعُدُ فِيهِ الرَّجُلُ مَمْلُوءًا بِسَوِيقٍ وَسَمْنٍ وَسُكَّرٍ، فَأَكَلَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ، وَأُتِيَ بِالسِّمَاطِ، فَمَا فَقَدَ مِنْ أَكْلِهِ شَيْئًا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَرَضَتْ لَهُ حُمَّى أَدَّتْهُ إِلَى الْمَوْتِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَرَضِهِ كَانَ مِنْ أَكْلِ أَرْبَعِمِائَةِ بَيْضَةٍ، وَسَلَّتَيْنِ مِنْ تِينٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْفَضْلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَبِسَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حُلَّةً صَفْرَاءَ، ثُمَّ نَزَعَهَا وَلَبِسَ بَدَلَهَا حُلَّةً خَضْرَاءَ، وَاعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ خَضْرَاءَ، وَجَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ أَخْضَرَ، وَقَدْ بُسِطَ مَا حَوْلَهُ بِالْخُضْرَةِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهُ، وَشَمَّرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: أَنَا الْخَلِيفَةُ الشَّابُّ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا وَيَقُولُ: كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقًا، وَكَانَ عُمَرُ فَارُوقًا، وَكَانَ عُثْمَانُ حَيِيًّا، وَكَانَ عَلِيٌّ شُجَاعًا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا، وَكَانَ يَزِيدُ صَبُورًا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَائِسًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا، وَأَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ.
قَالُوا: فَمَا دَارَ عَلَيْهِ شَهْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ: جُمُعَةٌ حَتَّى مَاتَ.
قَالُوا: وَلَمَّا حُمَّ شَرَعَ يَتَوَضَّأُ، فَدَعَا بِجَارِيَةٍ، فَصَبَّتْ عَلَيْهِ مَاءَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ:
أَنْتَ نِعْمَ الْمَتَاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى … غَيْرَ أَنْ لَا بَقَاءَ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ فِيمَا عَلِمْتُهُ فِيكَ عَيْبٌ … كَانَ فِي النَّاسِ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِ
قَالُوا: فَصَاحَ بِهَا وَقَالَ: عَزَّتْنِي فِي نَفْسِي. وَصَرَفَهَا ثُمَّ أَمَرَ خَالَهُ الْوَلِيدَ
بْنَ الْقَعْقَاعِ الْعَنْسِيَّ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ وَقَالَ:
قَرِّبْ وُضُوءَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا … هَذِي الْحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاعُ
فَقَالَ الْوَلِيدُ:
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا … فَالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وَجِمَاعُ وَيُرْوَى أَنَّ الْجَارِيَةَ لَمَّا جَاءَتْهُ بِالطَّسْتِ، جَعَلَتْ تَضْطَرِبُ مِنَ الْحُمَّى فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ فَقَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. قَالَ: فَفُلَانَةُ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. وَكَانَ بِمَرْجِ دَابِقٍ مِنْ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ فَأَمَرَ خَالَهُ فَوَضَّأَهُ، ثُمَّ خَرَجَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ فِي الْخُطْبَةِ، ثُمَّ نَزَلَ وَقَدْ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَاسْتَمَرَّ فِيهَا حَتَّى مَاتَ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَصَابَهُ ذَاتُ الْجَنْبِ، فَمَاتَ بِهَا، صلى الله عليه وسلم.
وَكَانَ قَدْ أَقْسَمَ أَنَّهُ لَا يَبْرَحُ دَابِقًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بِفَتْحِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، صلى الله عليه وسلم وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
قَالُوا: وَجَعَلَ يَلْهَجُ فِي مَرَضِهِ وَيَقُولُ:
إِنْ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صِغَارُ … أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ كِبَارُ
فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ يَقُولُ:
إِنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونَ … أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ شِتْوِيُّونَ وَيُرْوَى أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: أَسْأَلُكَ مُنْقَلَبًا كَرِيمًا. ثُمَّ قَضَى.