الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة > أشعار عمارة وصلبه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة
وَذَكَرَ الْعِمَادُ فِي «الْخَرِيدَةِ» أَنَّهُ قَالَ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
الْعِلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَلَمِ … وَشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتَغْنِي عَنِ الْقَلَمِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ جِدًّا فِيهَا كُفْرٌ وَزَنْدَقَةٌ كَثِيرَةٌ، قَالَ فِيهَا:
قَدْ كَانَ أَوَّلُ هَذَا الدِّينِ مِنْ رَجُلٍ … سَعَى إِلَى أَنْ دَعَوْهُ سَيِّدَ الْأُمَمِ
قَالَ الْعِمَادُ: فَأَفْتَى عُلَمَاءُ مِصْرَ بِقَتْلِهِ، وَحَرَّضُوا السُّلْطَانَ عَلَى الْمُثْلَةِ بِمِثْلِهِ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَيْتُ مَعْمُولًا عَلَيْهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ السَّاعِي شَيْئًا مِنْ رَقِيقِ شِعْرِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَمْدَحُ بَعْضَ الْمُلُوكِ:
مَلِكٌ إِذَا قَابَلْتُ بِشْرَ جَبِينِهِ … فَارَقْتُهُ وَالْبِشْرُ فَوْقَ جَبِينِي وَإِذَا لَثَمْتُ يَمِينَهُ وَخَرَجْتُ مِنْ … أَبْوَابِهِ لَثَمَ الْمُلُوكُ يَمِينِي
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ يَتَغَزَّلُ:
لِي فِي هَوَى الرَّشَأِ الْعُذْرِيِّ أَعْذَارُ … لَمْ يَبْقَ لِي مُذْ أَقَرَّ الدَّمْعُ إِنْكَارُ لِي فِي الْقُدُودِ وَفِي لَثْمِ الْخُدُودِ وَفِي … ضَمِّ النُّهُودِ لُبَانَاتٌ وَأَوْطَارُ هَذَا اخْتِيَارِي فَوَافِقْ إِنْ رَضِيتَ بِهِ … أَوْ لَا فَدَعْنِي لِمَا أَهْوَى وَأَخْتَارُ
وَمِمَّا أَنْشَدَهُ تَاجُ الدَّيْنِ الْكِنْدِيُّ فِي عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ حِينَ صُلِبَ:
عُمَارَةُ فِي الْإِسْلَامِ أَبْدَى خِيَانَةً … وَبَايَعَ فِيهَا بَيْعَةً وَصَلِيبَا وَأَمْسَى شَرِيكَ الشِّرْكِ فِي بُغْضِ أَحْمَدٍ … فَأَصْبَحَ فِي حُبِّ الصَّلِيبِ صَلِيبَا وَكَانَ خَبِيثَ الْمُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ … تَجِدْ مِنْهُ عُودًا فِي النِّفَاقِ صَلِيبَا سَيَلْقَى غَدًا مَا كَانَ يَسْعَى لِأَجْلِهِ … وَيُسْقَى صَدِيدًا فِي لَظًى وَصَلِيبَا
قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ: فَالْأَوَّلُ صَلِيبُ النَّصَارَى وَالثَّانِي بِمَعْنَى مَصْلُوبٍ وَالثَّالِثُ بِمَعْنَى الْقَوِيِّ، وَالرَّابِعُ وَدَكُ الْعِظَامِ.
وَلَمَّا صَلَبَ الْمَلِكُ النَّاصِرُ هَؤُلَاءِ - وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ مِنَ الْقَاهِرَةِ - كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِنُورِ الدِّينِ يُعْلِمُهُ بِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ وَمَا أَوْقَعَ بِهِمْ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ، قَالَ الْعِمَادُ: فَوَصَلَ الْكِتَابُ بِذَلِكَ يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمَلِكُ نُورُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ قَتَلَ الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: قُدَيْدٌ الْقَفَّاصُ. قَدِ افْتَتَنَ بِهِ النَّاسُ وَجَعَلُوا لَهُ جُزْءًا مِنْ أَكْسَابِهِمْ حَتَّى النِّسَاءُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ فَأُحِيطَ بِهِ فَأَرَادَ الْخَلَاصَ، وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ. فَقُتِلَ أُسْوَةً بِمَنْ سَلَفَ، وَلَقَدْ كَانَ بِئْسَ الْخَلَفُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ.
وَمِمَّا وُجِدَ مِنْ شِعْرِ عُمَارَةَ يَرْثِي الْعَاضِدَ وَدَوْلَتَهُ وَأَيَّامَهُ:
أَسَفِي عَلَى زَمَنِ الْإِمَامِ الْعَاضِدِ … أَسَفُ الْعَقِيمِ عَلَى فِرَاقِ الْوَاحِدِ جَالَسْتُ مِنْ وُزَرَائِهِ وَصَحِبْتُ مِنْ … أُمَرَائِهِ أَهْلَ الثَّنَاءِ الَمَاجِدِ لَهْفِي عَلَى حُجُرَاتِ قَصْرِكَ إِذْ خَلَتْ … يَا ابْنَ النَّبِيِّ مِنَ ازْدِحَامِ الْوَافِدِ وَعَلَى انْفِرَادِكَ مِنْ عَسَاكِرِكَ الَّذِي … كَانُوا كَأَمْوَاجِ الْخِضَمِّ الرَّاكِدِ قَلَّدْتَ مُؤْتَمِنَ الْخِلَافَةِ أَمْرَهُمْ … فَكَبَا وَقَصَّرَ عَنْ صَلَاحِ الْفَاسِدِ فَعَسَى اللَّيَالِي أَنْ تَرُدَّ عَلَيْكُمُ … مَا عَوَّدَتْكُمْ مِنْ جَمِيلِ عَوَائِدِ
وَلَهُ مِنْ جُمْلَةِ قَصِيدَةٍ:
يَا عَاذِلِي فِي هَوَى أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ … لَكَ الْمَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذْلِي بِاللَّهِ زُرْ سَاحَةَ الْقَصْرَيْنِ وَابْكِ مَعِي … عَلَيْهِمَا لَا عَلَى صِفِّينَ وَالْجَمَلِ وَقُلْ لِأَهْلِهِمَا وَاللَّهِ مَا الْتَحَمَتْ … فَيكُمْ قُرُوحِي وَلَا جُرْحِي بِمُنْدَمِلِ مَاذَا تَرَى كَانَتِ الْإِفْرِنْجُ فَاعِلَةً … فِي نَسْلِ آلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي وَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ أَبُو شَامَةَ فِي «الرَّوْضَتَيْنِ» مِنْ أَشْعَارِ عُمَارَةِ الْيَمَنِيِّ وَمَدَائِحِهِ فِي الْخُلَفَاءِ الْفَاطِمِيِّينَ وَذَوِيهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَذَا الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ ابْنُ قُرْقُولَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَادِيسَ ابْنِ الْقَائِدِ الْحَمْزِيِّ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ قُرْقُولَ الْأَنْدَلُسِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ» الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى مِثَالِ كِتَابِ «مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ» لِلْقَاضِي عِيَاضٍ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِهِ وَفُضَلَائِهِمُ الْمَشْهُورِينَ، مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سَادِسَ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً; قَالَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ فَصْلٌ فِي وَفَاةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ زَنْكِيِّ بْنِ آقْ سُنْقُرَ التُّرْكِيِّ السَّلْجُوقِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ مَسِيرَتِهِ الْعَادِلَةِ وَأَيَّامِهِ الْكَامِلَةِ هُوَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ