الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين > أنس والفتن ووفاته وممن توفي معه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، ثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: بَعَثَ أَمِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى أَنَسٍ شَيْئًا مِنَ الْفَيْءِ، فَقَالَ: أَخُمُسٌ؟ قَالَ: لَا. فَلَمْ يَقْبَلْهُ.
وَقَالَ النَّضِرُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ: مَرِضَ أَنَسٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي.
وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتَ فِي الْقَصْرِ مَعَ الْحَجَّاجِ وَهُوَ يَعْرِضُ النَّاسَ لَيَالِيَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: هِي يَا خَبِيثُ، جَوَّالٌ فِي الْفِتَنِ، مَرَّةً مَعَ عَلِيٍّ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ الْحَجَّاجِ بِيَدِهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الصِّمْغَةُ، وَلَأُجَرِّدَنَّكَ كَمَا يُجَرَّدُ الضَّبُّ. قَالَ: يَقُولُ أَنَسٌ: مَنْ يَعْنِي الْأَمِيرُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ أَعْنِي، أَصَمَّ اللَّهُ سَمْعَكَ. قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ أَنَسٌ، وَشُغِلَ الْحَجَّاجُ، فَخَرَجَ أَنَسٌ فَتَبِعْنَاهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ وَلَدِي وَخِفْتُهُ عَلَيْهِمْ لَكَلَّمْتُهُ بِكَلَامٍ فِي مَقَامِي هَذَا لَا يَسْتَحْيِينِي بَعْدَهُ أَبَدًا.
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ أَنَّ أَنَسًا بَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَشْكُو إِلَيْهِ الْحَجَّاجَ، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ: إِنِّي خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَدْرَكُوا رَجُلًا خَدَمَ نَبِيَّهُمْ لَأَكْرَمُوهُ. وَذَكَرَ لَهُ أَذِيَّةَ الْحَجَّاجِ لَهُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَهُ حَصَلَ عِنْدَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: وَيْلَكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَصْلُحَ عَلَى يَدَيَّ أَحَدٌ. وَذَكَرَ لَهُ كَلَامًا فِيهِ غِلْظَةٌ، وَيَقُولُ فِيهِ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي فَقُمْ إِلَى أَنَسٍ، وَاعْتَذِرْ لَهُ.
فَجَاءَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْغِلْظَةِ فِي ذَلِكَ، فَهَمَّ أَنْ يَنْهَضَ إِلَى أَنَسٍ، فَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الَّذِي قَدِمَ بِالْكِتَابِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إِلَى أَنَسٍ، وَأَشَارَ عَلَى أَنَسٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْمُصَالَحَةِ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ صَدِيقَ الْحَجَّاجِ فَجَاءَ أَنَسٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَتَلَقَّاهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكَ، كَمَا قِيلَ: إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ. أَرَدْتُ أَنْ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَيَّ مَنْطِقٌ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ لَمَّا قَالَ لِأَنَسٍ مَا قَالَ: يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرِمَةِ بِحَبِّ الزَّبِيبِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْكُلَكَ رَكْلَةً تَهْوِي بِهَا إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، قَاتَلَكَ اللَّهُ أُخَيْفِشَ الْعَيْنَيْنِ، أُقَيْبِلَ الرِّجْلَيْنِ، أَسْوَدَ الْجَاعِرَتَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْمُسْتَفْرِمَةِ بِحَبِّ الزَّبِيبِ، أَيْ: تُضَيِّقُ فَرْجَهَا عِنْدَ الْجِمَاعِ بِهِ. وَمَعْنَى: أَرْكُلُكَ، أَيْ: أَرْفُسُكَ بِرِجْلِي. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ: لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلَيْنِ; مُعَيْقِيبٌ كَانَ بِهِ الْجُذَامُ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ; كَانَ بِهِ وَضَحٌ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسًا يَأْكُلُ، فَرَأَيْتُهُ يَلْقَمُ لُقَمًا عِظَامًا، وَرَأَيْتُ بِهِ وَضَحًا شَدِيدًا.
وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عِمْرَانُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: ضَعُفَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ فَصَنَعَ جَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ،
وَدَعَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى السُّنْبُلَانِيِّ، قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَنْتَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: قَدْ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَا آخِرُ مَنْ بَقِيَ.
وَقِيلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ: أَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. وَجَعَلَ يَقُولُ: لَقِّنُونِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَهُوَ مُحْتَضِرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى قُبِضَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ عُصَيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ مَعَهُ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ وَلَهُ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّ أَنَسًا عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ غَيْرَ سَنَةٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ والْفَلَّاسُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ; فَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا مَاتَ أَنَسٌ قَالَ مُوَرِّقُ الْعِجْلِيُّ: ذَهَبَ الْيَوْمَ نِصْفُ الْعِلْمِ. قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا الْمُعْتَمِرِ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفُونَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْنَا لَهُمْ: تَعَالَوْا إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ.
عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ
يُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَخُتِنَ يَوْمَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، وَتَزَوَّجَ يَوْمَ مَقْتَلِ عَلِيٍّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مَشْهُورًا بِالتَّغَزُّلِ الْمَلِيحِ الْبَلِيغِ، كَانَ يَتَغَزَّلُ فِي امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: الثُّرَيَّا بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأُمَوِيَّةُ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا سَهْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ:
أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا … عَمْرَكَ اللَّهَ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ … وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ
وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ خَلِّكَانَ:
حَيِّ طَيْفًا مِنَ الْأَحِبَّةِ زَارَا … بَعْدَ مَا صَرَّعَ الْكَرَى السُّمَّارَا طَارِقًا فِي الْمَنَامِ تَحْتَ دُجَى اللَّيْ … لِ ضَنِينًا بِأَنْ يَزُورَ نَهَارَا قُلْتُ مَا بَالُنَا جَفَيْنَا وَكُنَّا … قَبْلَ ذَاكَ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَا قَالَ إِنَّا كَمَا عَهِدْتَ وَلَكِنْ … شَغَلَ الْحَلْيُ أَهْلَهُ أَنْ يُعَارَا