مواجهته معاوية ويزيد ورفضه قيدهما

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين > مواجهته معاوية ويزيد ورفضه قيدهما

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين

وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِمَّنْ حَاجَفَ عَنْ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ بِضْعَ عَشْرَةَ جِرَاحَةً، وَكَانَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ تِسْعَ عَشْرَةَ جِرَاحَةً أَيْضًا، وَقَدْ تَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْأَشْتَرِ فَاتَّحَدَا فَصَرَعَ الْأَشْتَرُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْأَشْتَرُ مِنَ الْقِيَامِ عَنْهُ، بَلِ احْتَضَنَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ يُنَادِي، وَيَقُولُ:

اقْتُلُونِي وَمَالِكًا وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، ثُمَّ تَفَرَّقَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْأَشْتَرُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ جُرِحَ يَوْمَئِذٍ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ جِرَاحَةً، وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا بَيْنَ الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ، وَقَدْ أَعْطَتْ عَائِشَةُ لِمَنْ بَشَّرَهَا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَسَجَدَتْ لِلَّهِ شُكْرًا، وَقَدْ كَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا; لِأَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهَا، وَكَانَ عَزِيزًا عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ تُحِبُّ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ مِثْلَ حُبِّهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَبِي وَعَائِشَةَ يَدْعُوَانِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مِثْلَ دُعَائِهِمَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ.

وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي أَخِي هَارُونُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَقْحَمَتِ السَّنَةُ نَابِغَةَ بَنِي جَعْدَةَ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:

حَكَيْتَ لَنَا الصِّدِّيقَ لَمَّا وَلِيتَنَا … وَعُثْمَانَ وَالْفَارُوقَ فَارْتَاحَ مُعْدِمُ وَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحَقِّ فَاسْتَوَوْا … فَعَادَ صَبَاحًا حَالِكُ اللَّيْلِ مُظْلِمُ أَتَاكَ أَبُو لَيْلَى يَجُوبُ بِهِ الدُّجَا … دُجَى اللَّيْلِ جَوَّابُ الْفَلَاةِ عَثَمْثَمُ لِتَجْبُرَ مِنْهُ جَانِبًا ذَعْذَعَتْ بِهِ … صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالزَّمَانُ الْمُصَمِّمُ

فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ أَبَا لَيْلَى، فَإِنَّ الشِّعْرَ أَهْوَنُ وَسَائِلِكَ عِنْدَنَا، أَمَّا صِفْوَةُ مَالِنَا فَلِآلِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا عَفْوُهُ فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ يَشْغَلُهَا عَنْكَ وَتَيْمًا، وَلَكِنْ لَكَ فِي مَالِ اللَّهِ حَقَّانِ: حَقٌّ بِرُؤْيَتِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَحَقٌّ لِشَرِكَتِكَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي فَيْئِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ دَارَ النَّعَمِ، فَأَعْطَاهُ قَلَائِصَ سَبْعًا، وَجَمَلًا رَحِيلًا، وَأَوْقَرَ لَهُ الرِّكَابَ بُرًّا وَتَمْرًا وَثِيَابًا، فَجَعَلَ النَّابِغَةُ يَسْتَعْجِلُ، وَيَأْكُلُ الْحَبَّ صِرْفًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَيْحَ أَبِي لَيْلَى، لَقَدْ بَلَغَ الْجَهْدُ. فَقَالَ النَّابِغَةُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا وَلِيَتْ قُرَيْشٌ فَعَدَلَتْ، وَاسْتُرْحِمَتْ فَرَحِمَتْ، وَحَدَّثَتْ فَصَدَقَتْ، وَوَعَدَتْ خَيْرًا فَأَنْجَزَتْ، فَأَنَا وَالنَّبِيُّونَ فُرَّاطُ الْقَاصِفِينَ.

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ صَاحِبُ كِتَابِ «الْمُجَالَسَةِ»: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ نَصْرٍ الْأَزْدِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الضَّبِّيُّ، ثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَذِنَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَاحْتَفَلَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَأَجَالَ بَصَرَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشِدُونِي لِقُدَمَاءِ الْعَرَبِ ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ جَامِعَةٍ، مِنْ أَجْمَعَ مَا قَالَتْهَا الْعَرَبُ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا خُبَيْبٍ. فَقَالَ: مَهْيَمْ؟ قَالَ: أَنْشِدْنِي ذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ; كُلُّ بَيْتٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: نَعَمْ، إِنْ سَاوَتْ. قَالَ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ، وَأَنْتَ وَافٍ كَافٍ. فَأَنْشَدَهُ لِلْأَفْوَهِ الْأَوَدِيِّ:

بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ … فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِ

فَقَالَ: صَدَقَ.

وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا … وَكَيْدًا مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ

فَقَالَ: صَدَقَ.

وَذُقْتُ مَرَارَةَ الْأَشْيَاءِ طُرًّا … فَمَا شَيْءٌ أَمَرُّ مِنَ السُّؤَالِ

فَقَالَ: صَدَقَ. ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيهِ يَا أَبَا خُبَيْبٍ. قَالَ: إِلَى هَاهُنَا انْتَهَى. قَالَ: فَدَعَا مُعَاوِيَةُ بِثَلَاثِينَ عَبْدًا، عَلَى عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدْرَةٌ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَمَرُّوا بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى دَارِهِ.

وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي يَزِيدَ النُّمَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ تَلَقَّاهُ النَّاسُ، وَتَخَلَّفَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ جَاءَهُ وَقَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَكْثَرَ جِحَرَةَ رَأْسِكَ؟ فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ; لَا تَخْرُجْ عَلَيْكَ مِنْهَا حَيَّةٌ فَتَقْتُلَكَ. فَلَمَّا أَفَاضَ مُعَاوِيَةُ طَافَ مَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ إِلَى دَارِهِ وَمَنَازِلِهِ بِقُعَيْقِعَانَ، فَذَهَبَ مَعَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: جَاءَ مَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى دُورِهِ وَمَنَازِلِهِ فَفَعَلَ مَاذَا؟ لَا وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي مِائَةَ أَلْفٍ.

فَأَعْطَاهُ، فَجَاءَ مَرْوَانَ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ; جَاءَكَ رَجُلٌ قَدْ سَمَّى بَيْتَ مَالِ الدِّيوَانِ، وَبَيْتَ الْخِلَافَةِ، وَبَيْتَ كَذَا وَبَيْتَ كَذَا، فَأَعْطَيْتَهُ مِائَةَ أَلْفٍ. فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ؛ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ؟

وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ،

عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ شَيْئًا فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَجْهَلُ أَنْ أَلْزَمَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ، فَلَا أَشْتُمُ لَكَ عِرْضًا، وَلَا أَقَصِبُ لَكَ حَسَبًا، وَلَكِنِّي أَسْدُلُ عِمَامَتِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ذِرَاعًا، وَمِنْ خَلْفِي ذِرَاعًا فِي طَرِيقِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَذْكُرُ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَابْنُ بِنْتِ الصِّدِّيقِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: حَسْبُكَ بِهَذَا شَرًّا. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ حَوَائِجَكَ.

وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا غَسَّانُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا فَلَطَمَهُ لَطْمَةً دَوَّخَ مِنْهَا رَأْسَهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ لِلصَّبِيِّ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: الْطِمْ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَبِي. فَرَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَدَهُ، فَلَطَمَ الصَّبِيَّ لَطْمَةً جَعَلَ يَدُورُ مِنْهَا كَمَا تَدُورُ الدُّوَّامَةُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَفْعَلُ هَذَا بِغُلَامٍ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ؟ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ قَدْ عَرَفَ مَا يَضُرُّهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحْسِنَ أَدَبَهُ.

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَحِقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَهُ وَهُوَ يَنْعَسُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْعَسُ وَأَنَا مَعَكَ؟

أَمَا تَخَافُ مِنِّي أَنْ أَقْتُلَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ قُتَّالِ الْمُلُوكِ، إِنَّمَا يَصِيدُ كُلُّ طَائِرٍ قَدْرَهُ. فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ سِرْتُ تَحْتَ لِوَاءِ أَبِي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مَنْ تَعْلَمُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ قَتَلَكُمْ وَاللَّهِ بِشِمَالِهِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُصْرَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ لَمْ يُجْزَ بِهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ لِبُغْضِ عَلِيٍّ لَا لِنُصْرَةِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَاكَ عَهْدًا، فَنَحْنُ وَافُونَ لَكَ بِهِ مَا عِشْتَ، فَسَيَعْلَمُ مَنْ بَعْدَكَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخَافُكَ إِلَّا عَلَى نَفْسِكَ، وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ خُبِطْتَ فِي الْحِبَالَةِ، وَاسْتُحْكِمَتْ عَلَيْكَ الْأُنْشُوطَةُ، فَذَكَرْتَنِي وَأَنْتَ فِيهَا، فَقُلْتُ: لَيْتَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهَا، لَيْتَنِي وَاللَّهِ لَهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَأَحْلُلَنَّكَ رُوَيْدًا، وَلَأُطْلِقَنَّكَ سَرِيعًا، وَلَبِئْسَ الْوَلِيُّ أَنْتَ تِلْكَ السَّاعَةَ.

وَحَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ هَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ، وَجَاءَتْ بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ انْشَمَرَ مِنْهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقَصَدَا مَكَّةَ فَأَقَامَا بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ مَقْتَلِهِ بِأَرْضِ كَرْبَلَاءَ مَا تَقَدَّمَ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّيَاسَةِ وَالسُّؤْدُدِ

بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ; وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ بَعْدَ مَخْرَجِ الْحُسَيْنِ:

يَا لَكِ مِنْ قُنْبَرَةٍ بِمَعْمَرِ … خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي يُعَرِّضُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ.

وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَقَيْدٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَامِعَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَحَلَفْتُ لَتَأْتِيَنِي فِي ذَلِكَ، فَأَبِرَّ قَسَمِي، وَلَا تَشُقَّ الْعَصَا. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ:

وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ … حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ بَعْدِهِ قَرِيبًا، اسْتَفْحَلَ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، وَبُويِعَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَبَايَعَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِدِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَلَكِنْ عَارَضَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي ذَلِكَ، وَمَا زَالَ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَمَاعَةً بِمَرْجِ رَاهِطٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَبَايَعَ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَانْتَزَعَهَا مِنْ نُوَّابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ جَهَّزَ السَّرَايَا إِلَى الْعِرَاقِ، وَمَاتَ وَاسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَ الْعِرَاقَ مِنْهُ، ثُمَّ بَعَثَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَحَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 5 جمادى الأولى
هلال متزايد اليوم 5.8 / 29.5
الإضاءة 33%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56