الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين > فتح كرمان وسجستان ومكران
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين
ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ سَيْفٍ، عَنْ شُيُوخِهِ، فَتْحَ كِرْمَانَ عَلَى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَأَمَدَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ. وَقِيلَ: عَلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ.
وَذَكَرَ فَتْحَ سِجِسْتَانَ عَلَى يَدَيْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَكَانَتْ ثُغُورُهَا مُتَّسِعَةً وَبِلَادُهَا مُتَبَايِنَةً مَا بَيْنَ السِّنْدِ إِلَى نَهْرِ بَلْخَ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ الْقَنْدَهَارَ وَالتُّرْكَ مِنْ ثُغُورِهَا وَفُرُوجِهَا.
وَذَكَرَ فَتْحَ مُكْرَانَ عَلَى يَدَيِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَمَدَّهُ شِهَابُ بْنُ الْمُخَارِقِ بْنِ شِهَابٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَ مَلِكِ السِّنْدِ، فَهَزَمَ اللَّهُ جُمُوعَ السِّنْدَ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، وَكَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو بِالْفَتْحِ، وَبَعَثَ بِالْأَخْمَاسِ مَعَ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ سَأَلَهُ عَنْ أَرْضِ مُكْرَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْضٌ سَهْلُهَا جَبَلٌ، وَمَاؤُهَا وَشَلٌ، وَثَمَرُهَا دَقَلٌ، وَعَدُوُّهَا بَطَلٌ، وَخَيْرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا طَوِيلٌ، وَالْكَثِيرُ بِهَا قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ بِهَا ضَائِعٌ، وَمَا وَرَاءَهَا شَرٌّ مِنْهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَسَجَّاعٌ أَنْتَ أَمْ مُخْبِرٌ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ مُخْبِرٌ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ لَا يَغْزُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مُكْرَانَ، وَلْيَقْتَصِرُوا عَلَى مَا دُونَ النَّهْرِ.
وَقَدْ قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو فِي ذَلِكَ لَقَدْ شَبِعَ الْأَرَامِلُ غَيْرَ فَخْرٍ … بِفَيْءٍ جَاءَهُمُ مِنْ مُكَّرَانِ أَتَاهُمْ بَعْدَ مَسْغَبَةٍ وَجَهْدٍ … وَقَدْ صَفِرَ الشِّتَاءُ مِنَ الدُّخَانِ فَإِنِّي لَا يَذُمُّ الْجَيْشُ فِعْلِي … وَلَا سَيْفِي يُذَمُّ وَلَا سِنَانِي غَدَاةَ أُدَفِّعُ الْأَوْبَاشَ دَفْعَا … إِلَى السِّنْدِ الْعَرِيضَةِ وَالْمَدَانِي وَمِهْرَانٌ لَنَا فِيمَا أَرَدْنَا … مُطِيعٌ غَيْرَ مُسْتَرْخِي الْعِنَانِ فَلَوْلَا مَا نَهَى عَنْهُ أَمِيرِي … قَطَعْنَاهُ إِلَى الْبُدُدِ الزَّوَانِي غَزْوَةُ الْأَكْرَادِ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَيْفٍ، عَنْ شُيُوخِهِ، أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْتَفَّ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُرْسِ اجْتَمَعُوا، فَلَقِيَهُمْ أَبُو مُوسَى بِمَكَانٍ مِنْ أَرْضٍ بَيْرُوذَ قَرِيبٍ مِنْ نَهْرِ تِيرَى، ثُمَّ سَارَ عَنْهُمْ أَبُو مُوسَى إِلَى أَصْبَهَانَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى حَرْبِهِمُ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ بَعْدَ مَقْتَلِ أَخِيهِ الْمُهَاجِرِ بْنِ زِيَادٍ، فَتَسَلَّمَ الْحَرْبَ وَهُوَ حَنِقٌ عَلَيْهِمْ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ الْمُسْتَمِرَّةُ وَسُنَّتُهُ الْمُسْتَقِرَّةُ، فِي عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَحِزْبِهِ الْمُفْلِحِينَ مِنْ أَتْبَاعِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ. ثُمَّ خُمِّسَتِ الْغَنِيمَةُ وَبُعِثَ بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، صلى الله عليه وسلم.
وَقَدْ سَارَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ، فَاشْتَكَى أَبَا مُوسَى إِلَى عُمَرَ، وَذَكَرَ عَنْهُ أُمُورًا لَا يُنْقَمُ عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا، فَاسْتَدْعَاهُ عُمَرُ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَاعْتَذَرَ مِنْهَا بِوُجُوهٍ مَقْبُولَةٍ فَسَمِعَهَا عُمَرُ وَقَبِلَهَا، وَرَدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ وَعَذَرَ ضَبَّةَ فِيمَا تَأَوَّلَهُ. وَمَاتَ عُمَرُ وَأَبُو مُوسَى عَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ.
خَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ بَعَثَهُ عُمَرُ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَوَصَّاهُ بِوَصَايَا كَثِيرَةٍ بِمَضْمُونِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ». الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ. فَسَارُوا فَلَقَوْا جَمْعًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ، فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا وَاحِدَةً مِنْهَا، فَقَاتَلُوهُمْ فَقَتَلُوا مُقَاتَلَتَهُمْ، وَسَبَوْا ذَرَارِيَّهُمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ. ثُمَّ بَعَثَ سَلَمَةُ بْنُ قَيْسٍ رَسُولًا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِالْغَنَائِمِ، فَذَكَرُوا وُرُودَهُ عَلَى عُمَرَ وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ، وَذَهَابَهُ مَعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ؛ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ، وَطَلَبِهَا الْكُسْوَةَ كَمَا يَكْسُو طَلْحَةُ وَغَيْرُهُ أَزْوَاجَهُمْ، فَقَالَ: أَلَا يَكْفِيَكِ أَنْ يُقَالَ: بِنْتُ عَلِيٍّ وَامْرَأَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ!
ثُمَّ ذَكَرَ طَعَامَهُ الْخَشِنَ وَشَرَابَهُ مِنْ سُلْتٍ، ثُمَّ شَرَعَ يَسْتَعْلِمُهُ عَنْ أَخْبَارِ الْمُهَاجِرِينَ،
وَكَيْفَ طَعَامُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ؟ وَهَلْ يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ الَّذِي هُوَ شَجَرَتُهُمْ - وَلَا بَقَاءَ لِلْعَرَبِ دُونَ شَجَرَتِهِمْ؟ وَذَكَرَ عَرْضَهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ السَّفَطَ مِنَ الْجَوْهَرِ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَأَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يَرُدَّهُ فَيُقَسَّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ. وَقَدْ أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُطَوَّلًا جِدًّا.