الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة خمس وثلاثين > علي بعد وفاة النبي وبيعة الناس له
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَأَمَّا مَا يَفْتَرِيهِ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الشِّيعَةِ وَالْقُصَّاصِ الْأَغْبِيَاءِ، مِنْ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ، فَكَذِبٌ وَبَهْتٌ وَافْتِرَاءٌ عَظِيمٌ يَلْزَمُ مِنْهُ خَطَأٌ كَبِيرٌ; مِنْ جَوْرِ الصَّحَابَةِ وَتَمَالُئِهِمْ بَعْدَهُ، عليه السلام، عَلَى تَرْكِ إِنْفَاذِ وَصِيَّتِهِ وَإِيصَالِهَا إِلَى مَنْ أَوْصَى إِلَيْهِ، وَصَرْفِهِمْ إِيَّاهَا إِلَى غَيْرِهِ لَا لِمَعْنًى وَلَا لِسَبَبٍ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَتَحَقَّقُ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَقُّ، يَعْلَمُ بُطْلَانَ هَذَا الِافْتِرَاءِ; لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا خَيْرَ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْأُمَمِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَمَا يَقُصُّهُ بَعْضُ الْقُصَّاصِ مِنَ الْعَوَامِّ وَغَيْرِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا، مِنَ الْوَصِيَّةِ لِعَلِيٍّ بِآدَابٍ وَأَخْلَاقٍ فِي الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، مِثْلَ مَا يَقُولُونَ: يَا عَلِيُّ لَا تَعْتَمَّ وَأَنْتَ قَاعِدٌ، يَا عَلِيُّ لَا تَلْبَسْ سَرَاوِيلَكَ وَأَنْتَ قَائِمٌ، يَا عَلِيُّ لَا تُمْسِكْ عِضَادَتَيِ الْبَابِ، وَلَا تَجْلِسْ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، وَلَا تَخِطْ ثَوْبَكَ وَهُوَ عَلَيْكَ. وَنَحْوَ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الْهَذَيَانَاتِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ هُوَ اخْتِلَاقٌ وَكَذِبٌ وَزُورٌ.
ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، كَانَ عَلِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ غَسَّلَهُ وَكَفَّنَهُ وَوَلِيَ دَفْنَهُ،
كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُفَصَّلًا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَسَيَأْتِي فِي بَابِ فَضَائِلِهِ ذِكْرُ تَزْوِيجِهِ بِفَاطِمَةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَمُحَسِّنٌ، كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ لَا يَصِحُّ كَثِيرٌ مِنْهَا بَلْ أَكْثَرُهَا مِنْ وَضْعِ الرَّوَافِضِ وَالْقُصَّاصِ.
وَلَمَّا بُويِعَ الصِّدِّيقُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ كَانَ عَلِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَ بِالْمَسْجِدِ، كَمَا قَدَّمْنَا.
وَكَانَ بَيْنَ يَدَيِ الصِّدِّيقِ كَغَيْرِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الصَّحَابَةِ يَرَى طَاعَتَهُ فَرْضًا عَلَيْهِ، وَأَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ قَدْ تَغَضَّبَتْ بَعْضَ التَّغَضُّبِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ الَّذِي فَاتَهَا مِنْ أَبِيهَا، عليه السلام وَلَمْ تَكُنِ اطَّلَعَتْ عَلَى النَّصِّ الْمُخْتَصِّ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُوَرَّثُونَ، فَلَمَّا بَلَغَهَا سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا نَاظِرًا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ، فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهَا شَيْءٌ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَاحْتَاجَ عَلِيٌّ أَنْ يُدَارِيَهَا بَعْضَ الْمُدَارَاةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ جَدَّدَ عَلِيٌّ الْبَيْعَةَ مَعَ الصِّدِّيقِ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَامَ عُمَرُ فِي الْخِلَافَةِ بِوَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، كَانَ عَلِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَهُ، وَكَانَ مَعَهُ يُشَاوِرُهُ فِي الْأُمُورِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اسْتَقْضَاهُ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ، وَقَدِمَ مَعَهُ فِي جُمْلَةِ سَادَاتِ أُمَرَاءِ الصَّحَابَةِ إِلَى الشَّامِ، وَشَهِدَ خُطْبَتَهُ بِالْجَابِيَةِ، فَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ وَجَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى فِي سِتَّةٍ أَحَدُهُمْ عَلِيٌّ، ثُمَّ خُلِصَ مِنْهُمْ بِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - كَمَا قَدَّمْنَا - فَقُدِّمَ عُثْمَانُ عَلَى عَلِيٍّ، سَمِعَ وَأَطَاعَ.
فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى الْمَشْهُورِ عَدَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِيٍّ فَبَايَعُوهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ عُثْمَانُ، وَقِيلَ: بَعْدَ دَفْنِهِ. كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدِ امْتَنَعَ عَلِيٌّ مِنْ مُبَايَعَتِهِمْ، وَفَرَّ مِنْهُمْ إِلَى حَائِطِ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ الْإِمَارَةِ حَتَّى تَكَرَّرَ قَوْلُهُمْ، فَجَاءَ النَّاسُ فَطَرَقُوا الْبَابَ وَوَلَجُوا عَلَيْهِ، وَجَاءُوا مَعَهُمْ بِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ بِلَا أَمِيرٍ، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَجَابَ.