الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة خمس وثلاثين > فصل: كيفية قتله وأحاديث فضائله
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، صلى الله عليه وسلم؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا، أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ، لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَكُونُوا يُحَاوِلُونَ قَتْلَهُ عَيْنًا، بَلْ طَلَبُوا مِنْهُ أَحَدَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ; إِمَّا أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، أَوْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، أَوْ يَقْتُلُوهُ، فَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَى النَّاسِ مَرْوَانَ، أَوْ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ هَذِهِ الضَّائِقَةِ الشَّدِيدَةِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ فَمَا كَانَ يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَقَعُ، وَلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ إِلَى مَا هَذَا حَدُّهُ، حَتَّى وَقَعَ مَا وَقَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي، أَنَّ الصَّحَابَةَ مَانَعُوا دُونَهُ أَشَدَّ الْمُمَانَعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ التَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ عَزَمَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ أَنَّ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَيُغْمِدُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَفَعَلُوا، فَتَمَكَّنَ أُولَئِكَ مِمَّا أَرَادُوا، وَمَعَ هَذَا مَا ظَنَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْكُلِّيَّةِ.
الثَّالِثُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ لَمَّا اغْتَنَمُوا غَيْبَةَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَلَمْ تَقْدِمِ الْجُيُوشُ مِنَ الْآفَاقِ لِلنُّصْرَةِ، بَلْ لَمَّا اقْتَرَبَ مَجِيئُهُمْ، انْتَهَزُوا فُرْصَتَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ.
الرَّابِعُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ مِنَ الْأَبْطَالِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الثُّغُورِ وَفِي الْأَقَالِيمِ فِي كُلِّ جِهَةٍ وَفِي الْحَجِّ.
وَمَعَ هَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدِ اعْتَزَلَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ وَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ، وَمَنْ كَانَ يَحْضُرُ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ لَا يَجِيءُ إِلَّا وَمَعَهُ السَّيْفُ يَضَعُهُ عَلَى حَبْوَتِهِ إِذَا احْتَبَى، وَالْخَوَارِجُ مُحْدِقُونَ بِدَارِ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم. وَرُبَّمَا لَوْ أَرَادُوا صَرْفَهُمْ عَنِ الدَّارِ لَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ.
وَلَكِنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ قَدْ بَعَثُوا أَوْلَادَهُمْ إِلَى الدَّارِ يُجَاحِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم، لِكَيْ تَقْدَمَ الْجُيُوشُ مِنَ الْأَمْصَارِ لِنُصْرَتِهِ، فَمَا فَجَأَ النَّاسَ إِلَّا وَقَدْ ظَفِرَ أُولَئِكَ بِالدَّارِ مِنْ خَارِجِهَا، وَأَحْرَقُوا بَابَهَا، وَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ.
وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَسْلَمَهُ وَرَضِيَ بِقَتْلِهِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَضِيَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم، بَلْ كُلُّهُمْ كَرِهَهُ، وَمَقَتَهُ، وَسَبَّ مَنْ فَعَلَهُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَوَدُّ لَوْ خَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَمْرِ; كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: دَفَنُوا عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم بِحَشِّ كَوْكَبٍ، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ وَزَادَهُ فِي الْبَقِيعِ.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ حَيْثُ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ عُثْمَانَ: هُوَ أَمِيرُ الْبَرَرَةِ، وَقَتِيلُ الْفَجَرَةِ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ وَفَضَائِلِهِ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ: قُلْتُ: الَّذِينَ قَتَلُوهُ أَوْ أَلَّبُوا عَلَيْهِ قَتَلُوا إِلَى عَفْوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالَّذِينَ خَذَلُوهُ خَذَلُوا وَتَنَغَّصَ عَيْشُهُمْ، وَكَانَ الْمُلْكُ بَعْدَهُ فِي نَائِبِهِ مُعَاوِيَةَ وَابْنَيْهِ، ثُمَّ فِي وَزِيرِهِ مَرْوَانَ وَثَمَانِيَةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، اسْتَطَالُوا حَيَاتَهُ وَمَلُّوهُ مَعَ فَضْلِهِ وَسَوَابِقِهِ، فَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. وَهَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ.
هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْقُرَشِيُّ، الْأُمَوِيُّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ذُو النُّورَيْنِ، وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ، وَالْمُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَزَوْجُ الِابْنَتَيْنِ. وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ; وَهِيَ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم.
وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، وَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَلَصَتْ لَهُمُ الْخِلَافَةُ مِنَ السِّتَّةِ، ثُمَّ تَعَيَّنَتْ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ ثَالِثَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، الْمَأْمُورِ بِاتِّبَاعِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.
أَسْلَمَ عُثْمَانُ، صلى الله عليه وسلم، قَدِيمًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ عَجِيبًا، فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، زَوَّجَ ابْنَتَهُ رُقَيَّةَ - وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ - مِنَ ابْنِ عَمِّهَا عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، تَأَسَّفَ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ مَهْمُومًا فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ خَالَتَهُ سُعْدَى بِنْتَ كُرَيْزٍ - وَكَانَتْ كَاهِنَةً - فَقَالَتْ لَهُ:
أَبْشِرْ وَحُيِّيِتَ ثَلَاثًا تَتْرَا … ثُمَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا أُخْرَى ثُمَّ بِأُخْرَى كَيْ تَتِمَّ عَشْرَا … أَتَاكَ خَيْرٌ وَوُقِيتَ شَرَّا أُنْكِحْتِ وَاللَّهِ حَصَانًا زَهْرَا … وَأَنْتَ بِكْرٌ وَلَقِيتَ بِكْرَا وَافَيْتَهَا بِنْتَ عَظِيمٍ قَدْرَا … بَنَيْتَ أَمْرًا قَدْ أَشَادَ ذِكْرَا
قَالَ عُثْمَانُ: فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهَا; حَيْثُ تُبَشِّرُنِي بِامْرَأَةٍ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِي، فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا تَقُولِينَ! فَقَالَتْ: عُثْمَانُ لَكَ الْجَمَالُ وَلَكَ اللِّسَانُ … هَذَا نَبِيٌّ مَعَهُ الْبُرْهَانُ أَرْسَلَهُ بِحَقِّهِ الدَّيَّانُ … وَجَاءَهُ التَّنْزِيلُ وَالْفُرْقَانُ فَاتْبَعْهُ لَا تَغْتَالُكَ الْأَوْثَانُ
قَالَ: فَقُلْتُ إِنَّكِ لَتَذْكُرِينَ أَمْرًا مَا وَقَعَ بِبَلَدِنَا. فَقَالَتْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، جَاءَ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ، يَدْعُو بِهِ إِلَى اللَّهِ. ثُمَّ قَالَتْ:
مِصْبَاحُهُ مِصْبَاحُ … وَدِينُهُ فَلَاحُ وَأَمْرُهُ نَجَاحُ … وَقَرْنُهُ نَطَاحُ ذَلَّتْ لَهُ الْبِطَاحُ … مَا يَنْفَعُ الصِّيَاحُ لَوْ وَقَعَ الذِّبَاحُ … وَسُلَّتِ الصِّفَاحُ وَمُدَّتِ الرِّمَاحُ
قَالَ عُثْمَانُ: فَانْطَلَقْتُ مُفَكِّرًا فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عُثْمَانُ، إِنَّكَ لَرَجُلٌ حَازِمٌ، مَا يَخْفَى عَلَيْكَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُنَا؟ أَلَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةٍ صُمٍّ; لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَكَذَلِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَتْكَ خَالَتُكَ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ بِرِسَالَتِهِ، هَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ؟
فَاجْتَمَعْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ أَجِبِ اللَّهَ إِلَى جَنَّتِهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِلَى خَلْقِهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَمَالَكْتُ حِينَ سَمِعْتُ قَوْلَهُ أَنْ أَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَزَوَّجْتُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ يُقَالُ: أَحْسَنُ زَوْجٍ رَآهُ إِنْسَانٌ، رُقْيَةُ وَزَوْجُهَا عُثْمَانُ. فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ سُعْدَى بِنْتُ كُرَيْزٍ:
هَدَى اللَّهُ عُثْمَانَا بِقَوْلِي إِلَى الْهُدَى … وَأَرْشَدَهُ وَاللَّهُ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ فَتَابَعَ بِالرَّأْيِ السَّدِيدِ مُحَمَّدًا … وَكَانَ بِرَأْيٍ لَا يَصُدُّ عَنِ الصِّدْقِ وَأَنْكَحَهُ الْمَبْعُوثُ بِالْحَقِّ بِنْتَهُ … فَكَانَا كَبَدْرٍ مَازَجَ الشَّمْسَ فِي الْأُفْقِ فِدَاؤُكَ يَا ابْنَ الْهَاشِمِيِّينَ مُهْجَتِي … وَأَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ أُرْسِلْتَ لِلْخَلْقِ
قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْغَدِ بِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَبِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَالْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ، فَأَسْلَمُوا وَكَانُوا مَعَ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم; ثَمَانِيَةً وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.
ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلَ النَّاسِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ اشْتَغَلَ بِتَمْرِيضِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَقَامَ بِسَبَبِهَا فِي الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِسَهْمِهِ مِنْهَا وَأَجْرِهِ فِيهَا، فَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَنْ شَهِدَهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ، فَتُوُفِّيَتْ أَيْضًا فِي صُحْبَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا أُخْرَى لَزَوَّجْنَاهَا بِعُثْمَانَ.
وَشَهِدَ أُحُدًا وَفَرَّ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ تَوَلَّى، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْحُدَيْبِيَةَ، وَبَايَعَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَئِذٍ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَشَهِدَ خَيْبَرَ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَحَضَرَ الْفَتْحَ وَهَوَازِنَ وَالطَّائِفَ وَغَزْوَةَ تَبُوكَ، وَجَهَّزَ فِيهَا جَيْشَ الْعُسْرَةِ. فَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ أَنَّهُ جَهَّزَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا وَأَحْلَاسِهَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَئِذٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ،
صلى الله عليه وسلم: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ. مَرَّتَيْنِ. وَحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.
وَصَحِبَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.
وَصَحِبَ عُمَرَ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ - وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي أَهْلِ الشُّورَى السِّتَّةِ، فَكَانَ خَيْرَهُمْ، كَمَا سَيَأْتِي - فَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الْأَقَالِيمِ وَالْأَمْصَارِ، وَتَوَسَّعَتِ الْمَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَامْتَدَّتِ الدَّوْلَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَبُلِّغَتِ الرِّسَالَةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَظَهَرَ لِلنَّاسِ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النُّورِ: 55]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصَّفِّ: 9].
وَقَوْلِهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زَوَى لِي مِنْهَا. وَقَوْلِهِ، صلى الله عليه وسلم: إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا كُلُّهُ تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ وَتَأَكَّدَ وَتَوَطَّدَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، صلى الله عليه وسلم.