الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة > قتل قتادة صاحب مكة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة
وَفِيهَا عَزَلَ الْمُعَظَّمُ الْمُعْتَمِدَ مُبَارِزَ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وِلَايَةِ دِمَشْقَ وَوَلَّاهَا لِلْعَزِيزِ خَلِيلٍ، وَلَمَّا خَرَجَ الْحَاجُّ إِلَى مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ أَمِيرَهُمُ الْمُعْتَمِدَ، فَحَصَلَ بِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَفَّ عَبِيدَ مَكَّةَ عَنْ نَهْبِ الْحُجَّاجِ بَعْدَ قَتْلِهِمْ أَمِيرَ حَاجِّ الْعِرَاقِيِّينَ آقْبَاشَ النَّاصِرِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْأُمَرَاءِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ النَّاصِرِ، وَأَخَصِّهِمْ عِنْدَهُ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدِمَ مَعَهُ بِخِلَعٍ لِلْأَمِيرِ حُسَيْنِ بْنِ أَبِي عَزِيزٍ قَتَادَةَ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ مُطَاعِنِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَلَوِيِّ الْحَسَنِيِّ الزَّيْدِيِّ بِوِلَايَتِهِ لِإِمْرَةِ مَكَّةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَنَازَعَ فِي ذَلِكَ رَاجِحٌ، وَهُوَ أَكْبَرُ أَوْلَادِ قَتَادَةَ، وَقَالَ: لَا يَتَأَمَّرُ عَلَيْهَا غَيْرِي. فَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ أَفْضَى الْحَالُ إِلَى قَتْلِ آقْبَاشَ غَلَطًا.
وَقَدْ كَانَ قَتَادَةُ مِنْ أَكَابِرِ الْأَشْرَافِ الْحَسَنِيِّينَ الزَّيْدِيِّينَ، وَكَانَ عَادِلًا مُنْصِفًا مُنَعَّمًا، نِقْمَةً عَلَى عَبِيدِ مَكَّةَ وَالْمُفْسِدِينَ بِهَا، ثُمَّ عَكَسَ هَذَا السَّيْرَ، فَظَلَمَ وَجَدَّدَ الْمُكُوسَ، وَنَهَبَ الْحَاجَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَدَهُ حَسَنًا، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ عَمَّهُ وَأَخَاهُ أَيْضًا، فَلِهَذَا لَمْ يُمْهِلِ اللَّهُ حَسَنًا هَذَا، بَلْ سَلَبَهُ الْمُلْكَ، وَشَرَّدَهُ فِي الْبِلَادِ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَكَانَ قَتَادَةُ شَيْخًا طَوِيلًا مَهِيبًا لَا يَخَافُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ، وَيَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَوَدُّ لَوْ حَضَرَ عِنْدَهُ لِيُكْرِمَهُ، وَكَانَ يَأْبَى مِنْ ذَلِكَ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَلَمْ يَفِدْ إِلَى أَحَدٍ قَطُّ، وَلَا ذَلَّ لْخَلِيفَةٍ وَلَا مَلِكٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ مَرَّةً يَسْتَدْعِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
وَلِي كَفُّ ضِرْغَامٍ أُذِلُّ بِبَطْشِهَا … وَأَشْرِي بِهَا بَيْنَ الْوَرَى وَأَبِيعُ تَظَلُّ مُلُوكُ الْأَرْضِ تَلْثُمُ ظَهْرَهَا … وَفِي وَسْطِهَا لِلْمُجْدِبِينَ رَبِيعُ أَأَجْعَلُهَا تَحْتَ الرَّحَى ثُمَّ أَبْتَغِى … خَلَاصًا لَهَا إِنِّي إِذًا لَرَقِيعُ وَمَا أَنَا إِلَّا الْمِسْكُ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ … يَضُوعُ وَأَمَّا عِنْدَكُمْ فَيَضِيعُ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ السِّنِّ سَبْعِينَ سَنَةً، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَفَاتَهُ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.