ما جرى بعد مقتل أبي مسلم

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة > ما جرى بعد مقتل أبي مسلم

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِهِ فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقُتِلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ; فَإِنَّ بَغْدَادَ لَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ بَعْدُ، وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي «تَارِيخِهِ». وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ شَرَعَ فِي تَأْلِيفِ أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ بِالْأَعْطِيَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَاسْتَدْعَى أَبَا إِسْحَاقَ، وَكَانَ مِنْ أَعَزِّ أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ عِنْدَهُ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، وَهَمَّ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا أَمِنْتُ قَطُّ إِلَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَا مِنْ مَرَّةٍ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلَّا تَحَنَّطْتُ وَلَبِسْتُ أَكْفَانِي. ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ثِيَابِهِ الَّتِي تَلِي جَسَدَهُ فَإِذَا هُوَ مُحَنَّطٌ، وَعَلَيْهِ أَدْرَاعُ أَكْفَانٍ، فَرَقَّ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَطْلَقَهُ.

وَذِكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ قَتَلَ فِي حُرُوبِهِ وَمَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ لِأَجْلِ دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ صَبْرًا. وَقَدْ قَالَ لِلْمَنْصُورِ وَهُوَ يُعَاتِبُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُقَالُ لِي مِثْلُ هَذَا بَعْدَ بَلَائِي وَمَا كَانَ مِنِّي. فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ أَمَةٌ مَكَانَكَ لَأَجْزَأَتْ عَنْكَ، إِنَّمَا عَمِلْتَ مَا عَمِلْتَ فِي دَوْلَتِنَا وَبِرِيحِنَا، لَوْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيْكَ لَمَا قَطَعْتَ فَتِيلًا.

وَلَمَّا قَتَلَهُ الْمَنْصُورُ لُفَّ فِي كِسَاءٍ وَهُوَ مُقَطَّعٌ إِرَبًا إِرَبًا، فَدَخَلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الَّذِي كَانَ وَعَدَهُ أَنْ يَلْحَقَهُ لِيَشْفَعَ فِيهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْنَ أَبُو مُسْلِمٍ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ هَاهُنَا آنِفًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ عَرَفْتَ طَاعَتَهُ وَنَصِيحَتَهُ، وَرَأْيَ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَنْوَكُ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ عَدُوًّا أَعْدَى لَكَ مِنْهُ، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْبِسَاطِ. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: خَلَعَ اللَّهُ قَلْبَكَ! وَهَلْ كَانَ لَكُمْ مُلْكٌ أَوْ سُلْطَانٌ أَوْ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ؟

ثُمَّ اسْتَدْعَى الْمَنْصُورُ بِرُءُوسِ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِقَتْلِهِ، فَكُلُّهُمْ يُشِيرُ بِقَتْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا تَكَلَّمَ أَسَرَّ كَلَامَهُ لِئَلَّا يُنْقَلَ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا أَطْلَعَهُمُ الْخَلِيفَةُ عَلَى قَتْلِهِ أَفْرَحَهُمْ ذَلِكَ، وَأَظْهَرُوا سُرُورًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَطَبَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ عَامَّةً بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.

ثُمَّ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى نَائِبِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ بِكِتَابٍ عَلَى لِسَانِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ أَبِي مُسْلِمٍ، أَنْ يَقْدُمَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى نَائِبِهِ وَعَلَيْهِ الْخَاتَمُ بِكَمَالِهِ مَطْبُوعًا اسْتَرَابَ فِي الْأَمْرِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ: إِنِّي إِذَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي، فَإِنَّمَا أَخْتِمُ بِنِصْفِ الْفَصِّ عَلَى الْكِتَابِ، فَإِذَا جَاءَكَ الْخَاتَمُ بِكَمَالِهِ فَلَا تَقْبَلْ. فَامْتَنَعَ نَائِبُهُ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ، فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ مَنْ قَبَضَهُ لَهُ، وَقَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ.

وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِإِمْرَةِ خُرَاسَانَ كَمَا وَعَدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ. وَلِلَّهِ الْأَمْرُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 15 جمادى الأولى
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 97%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56