ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بُرْهَانَ، أَبُو الْقَاسِمِ النَّحْوِيُّ كَانَ شَرِسَ الْأَخْلَاقِ جِدًّا، لَمْ يَلْبَسْ سَرَاوِيلَ قَطُّ، وَلَا غَطَّى رَأْسَهُ، وَلَمْ يَقْبَلْ عَطَاءً لِأَحَدٍ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْمُرْدَ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَكَانَ يَخْتَارُ مَذْهَبَ مُرْجِئَةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَيَنْفِي خُلُودَ الْكُفَّارِ، وَيَقُولُ: دَوَامُ الْعِقَابِ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّشَفِّي لَا وَجْهَ لَهُ مَعَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ. وَيَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النِّسَاءِ: 169] أِيْ أَبَدًا مِنَ الْآبَادِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ بُرْهَانَ يَقْدَحُ فِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَيُخَالِفُ اعْتِقَادُهُ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِينَ; لِأَنَّهُ قَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِي عَدَمِ خُلُودِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ كَلَامُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى الثَّمَانِينَ.

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ.

فِيهَا سَارَ جَمَاعَةٌ لِلْحَجِّ بِخِفَارَةٍ فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمَسِيرُ فَعَدَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ وَرَجَعُوا، وَفِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا شُرِعَ فِي بِنَاءِ الْمَدْرَسَةِ النِّظَامِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَنُقِضَ لِأَجْلِهَا دَوْرٌ كَثِيرَةٌ مِنْ مَشْرِعَةِ الزَّوَايَا وَبَابِ الْبَصْرَةِ وَفِيهَا كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ تَمِيمِ بْنِ الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ وَأَوْلَادِ حَمَّادٍ وَالْعَرَبِ وَالْمَغَارِبَةِ بِصِنْهَاجَةَ وَزَنَاتَةَ.

وَحَجَّ بِالنَّاسِ مِنْ بَغْدَادَ النَّقِيبُ أَبُو الْغَنَائِمِ.

وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَبُو نَصْرٍ وَزِيرُ طُغْرُلْبَكَ وَقَدْ كَانَ مَسْجُونًا لَهُ سَنَةً تَامَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ حُمِلَ فَدُفِنَ عِنْدَ أَبِيهِ بِقَرْيَةِ كُنْدُرَ مِنْ عَمَلِ طُرَيْثِيثَ وَلَيْسَتْ بِكُنْدُرَ الَّتِي بِالْقُرْبِ مِنْ قَزْوِينَ وَاسْتَحْوَذَ السُّلْطَانُ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَقَدْ كَانَ ذَكِيًّا فَصِيحًا شَاعِرًا لَدَيْهِ فَضَائِلُ جَمَّةٌ حَاضِرَ الْجَوَابِ سَرِيعَهُ.

وَلَمَّا أَرْسَلَهُ طُغْرُلْبَكُ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ وَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ الْمُتَنَبِّي:

مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ

فَتَمَّمَهُ الْوَزِيرُ:

تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ فَسَكَتَ الْخَلِيفَةُ وَأَطْرَقَ.

وَكَانَ عُمْرُ الْكُنْدُرِيِّ حِينَ قُتِلَ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَمِنْ شِعْرِهِ الْجَيِّدِ قَوْلُهُ:

إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ ضِيقٌ عَنْ مُنَافَسَتِي … فَالْمَوْتُ قَدْ وَسَّعَ الدُّنْيَا عَلَى النَّاسِ مَضَيْتُ وَالشَّامِتُ الْمَغْبُونُ يَتْبَعُنِي … كُلٌّ لِكَأْسِ الْمَنَايَا شَارِبٌ حَاسِي وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ طُغْرُلْبَكُ بَعَثَهُ مَرَّةً يَخْطُبُ لَهُ امْرَأَةَ خُوَارَزْمَ شَاهْ فَتَزَوَّجَهَا هُوَ فَخَصَاهُ وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَدُفِنَ ذَكَرُهُ بِخُوَارَزْمَ وَسُفِحَ دَمُهُ حِينَ قُتِلَ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَدُفِنَ جَسَدُهُ بِكُنْدُرَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ فَدُفِنَ بِنَيْسَابُورَ وَنُقِلَ قَحْفُ رَأْسِهِ إِلَى كَرْمَانَ.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 19 جمادى الأولى
أحدب متناقص اليوم 20.3 / 29.5
الإضاءة 70%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56