الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة سبع وستين > استقرار الأمر لمصعب بن الزبير بالكوفة
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: ثم دخلت سنة سبع وستين
فَصْلٌ (اسْتِقْرَارُ الْأَمْرِ لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ)
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ بَعْثَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَحَارَ ابْنُ الْأَشْتَرِ فِي أَمْرِهِ، وَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ إِلَى أَيِّهِمَا يَذْهَبُ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى بَلَدِهِمُ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ ابْنُ الْأَشْتَرَ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَاحْتَرَمَهُ كَثِيرًا، وَبَعَثَ مُصْعَبٌ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ - وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ حِينَ خَرَجَ مِنْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ - وَأَقَامَ هُوَ بِالْكُوفَةِ.
ثُمَّ لَمْ تَنْسَلِخُ هَذِهِ السَّنَةُ حَتَّى عَزَلَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ شُجَاعًا جَوَادًا مُخَلِّطًا، يُعْطِي أَحْيَانًا حَتَّى لَا يَدَعَ شَيْئًا، وَيَمْنَعُ أَحْيَانًا مَا لَا يُمْنَعُ مِثْلُهُ، وَظَهَرَتْ خِفَّتُهُ وَطَيْشٌ فِي عَقْلِهِ وَسُرْعَةٌ فِي أَمْرِهِ، فَبَعَثَ الْأَحْنَفُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَعَزَلَهُ وَأَعَادَ إِلَى وِلَايَتِهَا أَخَاهُ مُصْعَبًا مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْكُوفَةِ، قَالُوا: وَخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْبَصْرَةِ بِمَالٍ كَثِيرٍ مِنْ بَيْتِ مَالِهَا فَعَرَضَ لَهُ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، فَقَالَ: لَا نَدَعُكَ تَذْهَبُ بِأَعْطِيَاتِنَا.
فَضَمِنَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ الْعَطَاءَ، فَكَفَّ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ حَمْزَةُ لَمْ يَقْدَمْ عَلَى أَبِيهِ مَكَّةَ بَلْ عَدَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَوْدَعَ ذَلِكَ الْمَالَ رِجَالًا، فَكُلُّهُمْ غَلَّ مَا أَوْدَعَهُ وَجَحَدَهُ، سِوَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَأَدَّى إِلَيْهِ أَمَانَتَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَاهُ مَا صَنَعَ، قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ، أَرَدْتُ أَنْ أُبَاهِيَ بِهِ بَنِي مَرْوَانَ فَنَكَصَ.
وَذَكَرَ أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَلِيَ الْبَصْرَةَ سَنَةً كَامِلَةً، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى الْكُوفَةِ أَخَاهُ مُصْعَبًا، وَعَلَى الْبَصْرَةِ ابْنَهُ حَمْزَةَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ رَجَعَ إِلَيْهَا أَخُوهُ. وَعَلَى خُرَاسَانَ وَتِلْكَ الْبِلَادِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَ أَبُو الْجَهْمِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَنْبِجَانِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَفِيهَا قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ.