عائشة على الناقة وانتهاء القتال

الإسلام > تاريخ الإسلام > ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة > عائشة على الناقة وانتهاء القتال

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: ثم دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة

القتال حول الجمل

وَتَقَدَّمَتْ عَائِشَةُ، صلى الله عليه وسلم، فِي هَوْدَجِهَا، وَنَاوَلَتْ كَعْبَ بْنَ سُورٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ مُصْحَفًا وَقَالَتِ: ادْعُهُمْ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَحَمِيَ الْقِتَالُ، وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ وَقُتِلَ طَلْحَةُ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا تَقَدَّمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ بِالْمُصْحَفِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، اسْتَقْبَلَهُ مُقَدَّمَةُ جَيْشِ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ - ابْنُ السَّوْدَاءِ - وَأَتْبَاعُهُ وَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ يَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا يَتَوَقَّفُونَ فِي أَحَدٍ، فَلَمَّا رَأَوْا كَعْبَ بْنَ سُورٍ رَافِعًا الْمُصْحَفَ رَشَقُوهُ بِنِبَالِهِمْ رَشْقَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ، وَوَصَلَتِ النِّبَالُ إِلَى هَوْدَجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَتْ تُنَادَى: اللَّهَ اللَّهَ! يَا بَنِيَّ اذْكُرُوا يَوْمَ الْحِسَابِ.

وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا تَدْعُو عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَضَجَّ النَّاسُ مَعَهَا بِالدُّعَاءِ حَتَّى وَصَلَتِ الضَّجَّةُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَشْيَاعِهِمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. وَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ لَا يُقْلِعُونَ عَنْ رَشْقِ هَوْدَجِهَا بِالنِّبَالِ حَتَّى بَقِيَ مِثْلَ الْقُنْفُذِ، وَجَعَلَتْ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى مَنْعِهِمْ وَكَفِّهِمْ، فَحَمَلَتْ مُضَرُ حَمْلَةَ الْحَفِيظَةِ، فَطَرَدُوهُمْ حَتَّى وَصَلَتِ الْحَمْلَةُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: وَيْحَكَ تَقَدَّمْ بِالرَّايَةِ.

قصيدة بني ضبة

فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ مِنْ يَدِهِ فَتَقَدَّمَ بِهَا وَجَعَلَتِ الْحَرْبُ تَأْخُذُ وَتُعْطِي; فَتَارَةً لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَتَارَةً لِأَهْلِ الْكُوفَةِ، حَتَّى قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَلَمْ تُرَ وَقْعَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَجَعَلَتْ عَائِشَةُ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَنَظَرَتْ عَنْ يَمِينِهَا فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ. فَقَالَتْ: لَكُمْ يَقُولُ الْقَائِلُ:

وَجَاءُوا إِلَيْنَا بِالْحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ … مِنَ الْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا بَنُو نَاجِيَةَ ثُمَّ بَنُو ضَبَّةَ، فَقُتِلَ عِنْدَهَا مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ.

وَيُقَالُ: إِنَّهُ قُطِعَتْ يَدُ سَبْعِينَ رَجُلًا وَهِيَ آخِذَةٌ بِخِطَامِ الْجَمَلِ. فَلَمَّا أُثْخِنُوا تَقَدَّمَ بَنُو عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَفَعُوا رَأْسَ الْجَمَلِ، وَجَعَلَ أُولَئِكَ يَقْصِدُونَ الْجَمَلَ، وَقَالُوا: لَا يَزَالُ الْحَرْبُ قَائِمًا مَا دَامَ هَذَا الْجَمَلُ وَاقِفًا.

وَرَأَسُ الْجَمَلِ فِي يَدِ عَمِيرَةَ بْنِ يَثْرِبِيِّ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيِّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، ثُمَّ صَمَدَ إِلَيْهِ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، فَقَتْلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ أَيْضًا، وَقَتَلَ سَيَحَانَ بْنَ صُوحَانَ، وَارْتُثَّ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، فَدَعَاهُ عَمَّارٌ إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ، فَتَجَاوَلَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ - وَعَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، عَلَيْهِ فَرْوَةٌ قَدْ رَبَطَ وَسَطَهُ بِحَبْلِ لِيفٍ - فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، الْآنَ يُلْحِقُ عَمَّارًا بِأَصْحَابِهِ. فَضَرَبَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ بِالسَّيْفِ فَاتَّقَاهُ عَمَّارٌ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضَّتِ السَّيْفَ وَنَشِبَ فِيهَا،

وَضَرَبَهُ عَمَّارٌ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ عَلِيٍّ فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَبَعْدَ ثَلَاثَةٍ تَقْتُلُهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَاسْتَمَرَّ زِمَامُ الْجَمَلِ بِيَدِ رَجُلٍ بَعْدَهُ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَبِيعَةُ الْعَقِيلِيُّ، فَتَجَاوَلَا حَتَّى قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَخَذَ الزِّمَامَ الْحَارِثُ الضَّبِّيُّ، فَمَا رُئِيَ أَشَدَّ مِنْهُ وَجَعَلَ يَقُولُ:

نَحْنُ بَنُو ضَبَّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ … نُبَارِزُ الْقِرْنَ إِذَا الْقِرْنُ نَزَلْ نَنْعَى ابْنَ عَفَّانَ بَأَطْرَافِ الْأَسَلْ … الْمَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ الْعَسَلْ رُدُّوا عَلَيْنَا شَيْخَنَا ثُمَّ بَجَلْ

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِوَسِيمِ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ.

وَكُلَّمَا قُتِلَ وَاحِدٌ مِمَّنْ يُمْسِكُ الْجَمَلَ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا زَالَ جَمَلِي مُعْتَدِلًا حَتَّى فَقَدْتُ أَصْوَاتَ بَنِي ضَبَّةَ.

أخذ الخطام سبعون من قريش

ثُمَّ أَخَذَ الْخِطَامَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُقْتَلُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْمَعْرُوفُ بِالسَّجَّادِ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: مُرِينِي بِأَمْرِكِ يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: آمُرُكَ أَنْ تَكُونَ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ. فَامْتَنَعَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَثَبَتَ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يَدَّعِي قَتْلَهُ، وَقَدْ طَعَنَهُ بَعْضُهُمْ بِحَرْبَةٍ فَأَنْفَذَهُ وَقَالَ:

وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ يُنَاشِدُنِي حم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَقَدُّمِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ وَأَخَذَ الْخِطَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ، فَجَعَلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا خَطَمَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ:

يَا أُمَّنَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ … أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكْلَمُ وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَحْدَقَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ وَالْمُرُوءَاتِ وَالشَّجَاعَةِ بِعَائِشَةَ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ الرَّايَةَ وَالْخِطَامَ إِلَّا شُجَاعٌ مَعْرُوفٌ، فَيَقْتُلُ مَنْ قَصَدَهُ، ثُمَّ يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ فَقَأَ بَعْضُهُمْ عَيْنَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ ابْنُكِ ابْنُ أُخْتِكِ. فَقَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ! وَجَاءَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فَاقْتَتَلَا، فَضَرَبَهُ الْأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا وَضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ اعْتَنَقَا وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ:

اقْتُلُونِي وَمَالِكًا … وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. وَجَعَلَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ مَالِكًا مَنْ هُوَ، إِنَّمَا هُوَ يُعْرَفُ بِالْأَشْتَرِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ فَخَلَّصُوهُمَا، وَقَدْ جُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَلِ، بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ جِرَاحَةً، وَجُرِحَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَيْضًا. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْجَمَلَ عَلَى قَوَائِمِهِ، فَعَقَرَهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَسُمِعَ لَهُ عَجِيجٌ مَا سُمِعَ أَشَدُّ وَلَا أَنْفَذُ مِنْهُ، وَآخِرُ مَنْ كَانَ الزِّمَامُ بِيَدِهِ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ فَعُقِرَ الْجَمَلُ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ اتَّفَقَ هُوَ وَبُجَيْرُ بْنُ دُلْجَةَ عَلَى عَقْرِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي أَشَارَ بِعَقْرِهِ عَلِيٌّ. وَقِيلَ: الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو; لِئَلَّا تُصَابُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا صَارَتْ غَرَضًا لِلرُّمَاةِ،

سقوط الجمل وانصراف أصحابه

وَمَنْ يُمْسِكُ بِالزِّمَامِ بُرْجَاسًا لِلرِّمَاحِ، وَلِيَنْفَصِلَ هَذَا الْمَوْقِفُ الَّذِي قَدْ تَفَانَى فِيهِ النَّاسُ. وَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ إِلَى الْأَرْضِ انْهَزَمَ مَنْ حَوْلَهُ، وَحُمِلَ هَوْدَجُ عَائِشَةَ وَإِنَّهُ لَكَالْقُنْفُذِ مِنْ كَثْرَةِ النُّشَّابِ، وَنَادَى مُنَادِي عَلِيٍّ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يَذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَدْخُلُوا الدُّورَ.

وَأَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا أَنْ يَحْمِلُوا الْهَوْدَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّارًا أَنْ يَضْرِبَا عَلَيْهَا قُبَّةً، وَجَاءَ إِلَيْهَا أَخُوهَا مُحَمَّدٌ فَسَأَلَهَا: هَلْ وَصَلَ إِلَيْكِ شَيْءٌ مِنَ الْجِرَاحِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا ابْنَ الْخَثْعَمِيَّةِ. وَسَلَّمَ عَلَيْهَا عَمَّارٌ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّ؟ فَقَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ. قَالَ: بَلَى وَإِنْ كَرِهْتِ. وَجَاءَ إِلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسَلِّمًا فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّهْ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ. وَجَاءَ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهَا، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا.

وَيُقَالُ: إِنَّ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيَّ اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلَّا حُمَيْرَاءَ. فَقَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ، وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ وَسُلِبَ وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرُمِيَ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خَرَابَاتِ الْأَزْدِ.

فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الْبَصْرَةَ، وَمَعَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ - وَهِيَ أَعْظَمُ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ - عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ ثَلَاثًا، وَقَدْ طَافَ عَلِيٌّ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ أَرَى قُرَيْشًا صَرْعَى. وَقَدْ مَرَّ عَلِيٌّ - فِيمَا ذُكِرَ - عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ: لَهْفِي عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ … إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ عَلَى الْقَتْلَى مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَخَصَّ قُرَيْشًا بِصَلَاةٍ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ جَمَعَ مَا وَجَدَ لِأَصْحَابِ عَائِشَةَ فِي الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا هُوَ لِأَهْلِهِمْ فَلْيَأْخُذْهُ، إِلَّا سِلَاحًا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ. وَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلِ يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشَرَةَ آلَافٍ;

خَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَخَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، رضي الله عنه وَرَضِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ. وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَلِيًّا أَنْ يُقَسِّمَ فِيهِمْ أَمْوَالُ أَصْحَابِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَطَعَنَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَحُلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحُلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ تَصِيرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَهْمِهِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ فَرَّقَ فِي أَصْحَابِهِ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، فَنَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةٍ، وَقَالَ: لَكُمْ مِثْلُهَا مِنَ الشَّامِ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ. فَتَكَلَّمَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ أَيْضًا، وَنَالُوا مِنْهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
الله أكبر