الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى عشرة من الهجرة > بعد وقعة اليمامة وقرآن مسيلمة الكذاب
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة إحدى عشرة من الهجرة
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، خَطَبَ إِلَى مُجَّاعَةَ ابْنَتَهُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ذَلِكَ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لِفَارِغُ الْقَلْبِ; تَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَحَوْلَ خِبَائِكَ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَجِفَّ دِمَاؤُهُمْ؟! وَبَعْدُ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَالْحَقْ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ جُمُوعِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْعِرَاقِ. وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَالَ: لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تُشَخِّصَهُ. فَلَمَّا قَرَأَ خَالِدٌ الْكِتَابَ قَالَ: هَذَا مِنْ عَمَلِ الْأُعَيْسِرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَدَعَاهُمْ خَالِدٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ بَعْضَ مَا كَانَ أَخَذَ مِنَ السَّبْيِ، وَسَاقَ الْبَاقِينَ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَقَدْ تَسَرَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِجَارِيَةٍ مِنْهُمْ، وَهِيَ أَمُّ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي
يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ. صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ قَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي غَزْوَةِ الْيَمَامَةِ هَذِهِ:
وَلَوْ سُئِلَتْ عَنَّا جَنُوبُ لَأَخْبَرَتْ … عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقْرَبَاءُ وَمَلْهَمُ وَسَالَ بِفَرْعِ الْوَادِ حَتَّى تَرَقْرَقَتْ … حِجَارَتُهُ فِيهِ مِنَ الْقَوْمِ بِالدَّمِ عَشِيَّةَ لَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا … وَلَا النَّبْلُ إِلَّا الْمَشْرَفِيُّ الْمُصَمِّمُ فَإِنْ تَبْتَغِي الْكُفَّارَ غَيْرَ مُلِيمَةٍ … جَنُوبُ فَإِنِّي تَابِعُ الدِّينِ مُسْلِمُ أُجَاهِدُ إِذْ كَانَ الْجِهَادُ غَنِيمَةً … وَلَلَّهُ بِالْمَرْءِ الْمُجَاهِدِ أَعْلَمُ
وَقَدْ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَخَلْقٌ مِنَ السَّلَفِ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: فِي آخِرِهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَآخَرُونَ: كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّ ابْتِدَاءَهَا فِي سِنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَالْفَرَاغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَمَّا قَدِمَتْ وُفُودُ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الصِّدِّيقِ قَالَ لَهُمْ: أَسْمِعُونَا شَيْئًا مِنْ قُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ. فَقَالُوا: أَوَتَعْفِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالُوا: كَانَ يَقُولُ: يَا ضِفْدَعُ بَنَتَ الضِّفْدَعِينْ، نَقِّي كَمْ تَنِقِّينْ، لَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينْ، وَلَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينْ، رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ وَذَنَبُكِ فِي الطِّينْ. وَكَانَ يَقُولُ: وَالْمُبَذِّرَاتِ زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، وَالذَّارِيَاتِ قَمْحًا، وَالطَّاحِنَاتِ طِحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رَفِيقَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ فَآوُوهُ، وَالْبَاغِيَ فَنَاوِئُوهُ. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي يَأْنَفُ مِنْ قَوْلِهَا الصِّبْيَانُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، فَيُقَالُ: إِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمُ!
أَيْنَ كَانَ يُذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ؟ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ. وَكَانَ يَقُولُ: وَالْفِيلْ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلْ، لَهُ زَلُّومٌ طَوِيلْ. وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّيْلُ الدَّامِسْ، وَالذِّئْبُ الْهَامِسْ، مَا قَطَعَتْ أَسَدٌ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسْ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا. وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ السَّخِيفِ الرَّكِيكِ الْبَارِدِ السَّمِجِ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فِي كِتَابِهِ «إِعْجَازِ الْقُرْآنِ» أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْمُتَنَبِّئِينَ كَمُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ وَالْأَسْوَدِ وَسَجَاحِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَعُقُولِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ وَمِحَالِهِمْ.
وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَيَّامِ جَاهِلِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فِي هَذَا الْحِينِ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ. فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ قَالَ: فَفَكَّرَ مُسَيْلِمَةُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُهَا. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: يَا وَبَرُ يَا وَبَرُ، إِنَّمَا أَنْتِ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكِ حَقْرٌ نَقْرٌ. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ إِنَّكَ لَتَكْذِبُ.
وَذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ أَنَّهُ كَانَ يَتَشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَصَقَ فِي بِئْرٍ، فَغَزُرَ مَاؤُهَا، فَبَصَقَ فِي بِئْرٍ فَغَاضَ مَاؤُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي أُخْرَى فَصَارَ مَاؤُهَا أُجَاجًا، وَتَوَضَّأَ وَسَقَى بِوَضُوئِهِ نَخْلًا فَيَبِسَتْ وَهَلَكَتْ، وَأُتِيَ بِوِلْدَانٍ يَبَرِّكُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ رَأْسُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لُثِغَ لِسَانُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ دَعَا لِرَجُلٍ أَصَابَهُ وَجَعٌ فِي عَيْنَيْهِ فَمَسَحَهُمَا فَعَمِيَ.
وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ ذَفَرَةَ النَّمَرِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ طَلْحَةَ،
عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَقَالَ: أَيْنَ مُسَيْلِمَةُ؟ قَالُوا: مَهْ، رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَرَاهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يَأْتِيكَ؟ قَالَ: رَحْمَنٌ. قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَذَّابٌ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنْ كَذَّابُ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادَقِ مُضَرَ. وَاتَّبَعَهُ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عَقْرَبَاءَ، لَا صلى الله عليه وسلم.