تراجم من قتل باليمامة

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى عشرة من الهجرة > تراجم من قتل باليمامة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: سنة إحدى عشرة من الهجرة

وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ أَيْمَنَ، بَرَكَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُصَيْنِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ، مَوَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَقِيلَ: مِنْ أُمِّهِ. وَحَضَنَتْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ شَرِبَتْ بُولَهُ، فَقَالَ لَهَا: لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ مِنَ النَّارِ. وَقَدْ أَعْتَقَهَا وَزَوَّجَهَا عُبَيْدًا، فَوَلَدَتْ مِنْهُ ابْنَهَا أَيْمَنَ فَعُرِفَتْ بِهِ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ

صلى الله عليه وسلم، فَوَلَدَتْ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَقَدْ هَاجَرَتِ الْهِجْرَتَيْنِ; إِلَى الْحَبَشَةِ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَكَانَ عليه السلام يَزُورُهَا فِي بَيْتِهَا وَيَقُولُ: هِيَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي. وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَزُورَانِهَا فِي بَيْتِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْمَوَالِي، وَقَدْ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ، عليه السلام، بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.

وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْعَجْلَانِ الْبَلَوِيُّ، حَلِيفُ الْأَنْصَارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ مِمَّنْ حَضَرَ مُؤْتَةَ فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ دُفِعَتِ الرَّايَةُ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْقِتَالِ مِنِّي. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ مَعَهُ عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ طُلَيْحَةُ:

عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا … وَعُكَّاشَةَ الْغَنْمِيَّ تَحْتَ مَجَالِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَهَذَا غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثابت بن قيس بن شماس

وَمِنْهُمْ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: خَطِيبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ، عليه السلام، أَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ - فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.

وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الدِّمَشْقِيُّ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَمَّنْ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لُقْمَانَ: 18].

اشْتَدَّتْ عَلَى ثَابِتٍ وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَطَفِقَ يَبْكِي، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْجَمَالَ، وَأَنَا أَسَوَدُ قَوْمِي. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وَتَمُوتُ بِخَيْرٍ، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [الْحُجُرَاتِ: 2]. فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَأَنَّهُ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ.

فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. قَالَتْ: وَأُرِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَزَعَ مِنِّي دِرْعًا نَفِيسَةً، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ، وَعِنْدَ مَنْزِلِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طُولِهِ، وَقَدْ أَكْفَأَ عَلَى الدِّرْعِ بُرْمَةً، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلًا، وَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ،، فَلْيَبْعَثْ إِلَى دِرْعِي فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا، وَلِي مِنَ الْمَالِ كَذَا، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ، فَتُضَيِّعَهُ. قَالَ: فَأَتَى خَالِدًا فَوَجَّهَ إِلَى الدِّرْعِ فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ.

وَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْقِصَّةِ شَوَاهِدُ أُخَرُ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَعَلِّقُ بِقَوْلِهِ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فِي» صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ.

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ جَاءَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَنَشَرَ أَكْفَانَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَأَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ. فَقُتِلَ، وَكَانَتْ لَهُ دِرْعٌ فَسُرِقَتْ، فَرَآهُ رَجُلٌ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقَالَ: إِنَّ دِرْعِي فِي قِدْرٍ تَحْتَ الْكَانُونِ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. وَأَوْصَاهُ بِوَصَايَا، فَطَلَبُوا الدِّرْعَ فَوَجَدُوهَا وَأَنْفَذُوا الْوَصَايَا. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا.

وَمِنْهُمْ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ، لَهُ هِجْرَةٌ، وَيُقَالُ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ. وَهُوَ جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُسَمِّيَهُ سَهْلًا فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبَوَايَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمْ تَزَلِ الْحُزُونَةُ فِينَا. اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَهْبٌ، وَابْنُ ابْنِهِ حَكِيمُ بْنُ وَهْبِ بْنِ حَزْنٍ.

وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ، أَحَدُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ غِيلَةً قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ حِينَ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ قَيْسٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا عَنَّفَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَبِلَ عَلَانِيَتَهُ وَإِسْلَامَهُ.

زيد بن الخطاب

وَمِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأَبِيهِ، وَكَانَ زَيْدٌ أَكْبَرُ مِنْ عُمَرَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ آخَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعْنِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، وَقَدْ قُتِلَا جَمِيعًا بِالْيَمَامَةِ، وَقَدْ كَانَتْ رَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَدَّمُ بِهَا حَتَّى قُتِلَ فَسَقَطَتْ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ قَتَلَ زَيْدٌ يَوْمَئِذٍ الرَّجَّالَ بْنَ عُنْفُوَةَ، وَاسْمُهُ نَهَارٌ، وَكَانَ الرَّجَّالُ هَذَا قَدْ أَسْلَمَ وَقَرَأَ» الْبَقَرَةَ «ثُمَّ ارْتَدَّ وَرَجَعَ فَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ، وَشَهِدَ لَهُ بِالرِّسَالَةِ، فَحَصَلَ بِهِ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ عَلَى يَدِ زَيْدٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ زَيْدٍ، ثُمَّ قَتَلَ زَيْدًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مَرْيَمَ الْحَنَفِيُّ.

وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ زَيْدًا بِيَدِي وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ سَلَمَةُ بْنُ صُبَيْحٍ، ابْنُ عَمِّ أَبِي مَرْيَمَ هَذَا. وَرَجَّحَهُ أَبُو عُمَرَ، وَقَالَ: لِأَنَّ عُمَرَ اسْتَقْضَى أَبَا مَرْيَمَ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا تَقَدَّمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ سَبَقَنِي إِلَى الْحُسْنَيَيْنِ; أَسْلَمَ قَبْلِي، وَاسْتُشْهِدَ قَبْلِي. وَقَالَ لِمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ حِينَ جَعَلَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا بِتِلْكَ الْأَبْيَاتِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا: لَوْ كُنْتُ أُحْسِنُ الشِّعْرَ لَقُلْتُ كَمَا قُلْتَ. فَقَالَ لَهُ مُتَمِّمٌ: لَوْ أَنَّ أَخِي ذَهَبَ عَلَى مَا ذَهَبَ عَلَيْهِ أَخُوكَ مَا حَزِنْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا عَزَّانِي أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا عَزَّيْتَنِي بِهِ. وَمَعَ هَذَا كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَا هَبَّتِ الصَّبَا إِلَّا ذَكَّرَتْنِي زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ، صلى الله عليه وسلم. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَسْمَاءُ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

سالم مولى أبي حذيفة

وَمِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عُبَيْدٍ وَيُقَالُ: ابْنُ مَعْقِلٍ. مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعْتَقًا لِزَوْجَتِهِ ثُبَيْتَةَ بِنْتِ يَعَارٍ، وَقَدْ تَبَنَّاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ وَزَوَّجَهُ بِابْنَةِ أَخِيهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الْأَحْزَابِ: 5]. جَاءَتِ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا فَضْلٌ. فَأَمَرَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ فَأَرْضَعَتْهُ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ.

وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، أَسَلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكَانَ يُصَلِّي بِمَنْ بِهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ; لِكَثْرَةِ حَفِظِهِ الْقُرْآنَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ. فَذَكَرَ مِنْهُمْ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.

وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا احْتُضِرَ: لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا لَمَا جَعَلْتُهَا شُورَى. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَصْدُرُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْخِلَافَةَ.

وَلَمَّا أَخَذَ الرَّايَةَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ الْمُهَاجِرُونَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ؟ فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا. انْقَطَعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى فَأَخَذَهَا بِيَسَارِهِ، فَقُطِعَتْ فَاحْتَضَنَهَا وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آلِ عِمْرَانَ: 144]، وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آلِ عِمْرَانَ: 146]. فَلَمَّا صُرِعَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا فَعَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ؟ قَالُوا: قُتِلَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالُوا: قُتِلَ. قَالَ: فَأَضْجِعُونِي بَيْنَهُمَا.

وَقَدْ بَعَثَ عُمَرُ بِمِيرَاثِهِ إِلَى مَوْلَاتِهِ الَّتِي أَعْتَقَتْهُ; ثُبَيْتَةَ، فَرَدَّتْهُ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَعْتَقْتُهُ سَائِبَةً. فَجَعَلَهُ عُمَرُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.

وَمِنْهُمْ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ - وَيُقَالُ: سِمَاكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَرَشَةَ - بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ سَيْفًا فَأَعْطَاهُ حَقَّهُ، وَكَانَ يَتَبَخْتَرُ عِنْدَ الْحَرْبِ، فَقَالَ عليه السلام: إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ. وَكَانَ يَعْصِبُ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ؛ شِعَارًا لَهُ بِالشَّجَاعَةِ، وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِمَّنِ اقْتَحَمَ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ يَوْمَئِذٍ الْحَدِيقَةَ، فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ،

فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَئِذٍ.

وَقَدْ قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ مَعَ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ; رَمَاهُ وَحْشِيٌّ بِالْحَرْبَةِ، وَعَلَاهُ أَبُو دُجَانَةَ بِالسَّيْفِ. قَالَ وَحْشِيٌّ: فَرَبُّكَ أَعْلَمُ أَيُّنَا قَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ حَتَّى شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلَيٍّ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا مَا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ ذَكْرِ الْحِرْزِ الْمَنْسُوبِ إِلَى أَبِي دُجَانَةَ، فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
سبحان الله