قصة سجاح وبني تميم ومالك بن نويرة

الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى عشرة من الهجرة > قصة سجاح وبني تميم ومالك بن نويرة

آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55

جزء من: سنة إحدى عشرة من الهجرة

قِصَّةُ سَجَاحِ وَبَنِي تَمِيمٍ.

كَانَتْ بَنُو تَمِيمٍ قَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ أَيَّامَ الرِّدَّةِ; فَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَعَثَ بِأَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَتْ سَجَاحِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ عُقْفَانَ التَّغْلِبِيَّةُ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَهِيَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَقَدِ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ، وَمَعَهَا جُنُودٌ مِنْ قَوْمِهَا وَمَنِ الْتَفَّ بِهِمْ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى غَزْوِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَلَمَّا مَرَّتْ بِبِلَادِ بَنِي تَمِيمٍ دَعَتْهُمْ إِلَى أَمْرِهَا فَاسْتَجَابَ لَهَا عَامَّتُهُمْ، وَكَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيُّ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ أُمَرَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ مِنْهُمْ عَنْهَا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ لَا حَرْبَ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لَمَّا وَادَعَهَا ثَنَاهَا عَنْ غَزْوِهَا، وَحَرَّضَهَا عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى قِتَالِ النَّاسِ، وَقَالُوا: بِمَنْ نَبْدَأُ؟ فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَسْجَعُهُ: أَعِدُّوا الرِّكَابَ، وَاسْتَعِدُّوا لِلنِّهَابِ، ثُمَّ أَغِيرُوا عَلَى الرَّبَابِ، فَلَيْسَ دُونَهُمْ حِجَابٌ.

تعاهد بني تميم على نصرها

ثُمَّ إِنَّهُمْ تَعَاهَدُوا عَلَى نَصْرِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ:

أَتَتْنَا أُخْتُ تَغْلِبَ فِي رِجَالٍ … جَلَائِبَ مِنْ سَرَاةِ بَنِي أَبِينَا وَأَرْسَتْ دَعْوَةً فِينَا سَفَاهًا … وَكَانَتْ مِنْ عَمَائِرَ آخَرِينَا فَمَا كُنَّا لِنَرْزِيَهُمْ زِبَالًا … وَمَا كَانَتْ لِتُسْلِمَ إِذْ أُتِينَا أَلَا سَفِهَتْ حُلُومُكُمُ وَضَلَّتْ … عَشِيَّةَ تَحْشِدُونَ لَهَا ثُبِينَا

وَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فِي ذَلِكَ:

توجه سجاح إلى اليمامة

أَمْسَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا … وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا ثُمَّ إِنَّ سَجَاحِ قَصَدَتْ بِجُنُودِهَا الْيَمَامَةَ; لِتَأْخُذَهَا مِنْ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ الْكَذَّابِ، فَهَابَهُ قَوْمُهَا، وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ وَعَظُمَ. فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَقُولُهُ: عَلَيْكُمْ بَالْيَمَامَهْ، دُفُوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ، فَإِنَّهَا غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ، لَا تَلْحَقُكُمْ بَعْدَهَا مَلَامَهْ. قَالَ: فَقَصَدُوا نَحْوَ مُسَيْلِمَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَسِيرِهَا إِلَيْهِ خَافَهَا عَلَى بِلَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَشْغُولٌ بِمُقَاتَلَةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَقَدْ سَاعَدَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ نَازِلُونَ بِبَعْضِ بِلَادِهِ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، كَمَا سَيَأْتِي، فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَسْتَأْمِنُهَا وَيَضْمَنُ لَهَا أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانَ لِقُرَيْشٍ لَوْ عَدَلَتْ، فَقَدْ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْكِ فَحَبَاكِ بِهِ، وَرَاسَلَهَا لِيَجْتَمِعَ بِهَا فِي طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَقَوْمِهَا، فَرَكِبَ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ قَوْمِهِ وَجَاءَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَا فِي خَيْمَةٍ، فَلَمَّا خَلَا بِهَا وَعَرَضَ عَلَيْهَا مَا عَرَضَ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ وَقَبِلَتْ ذَلِكَ، قَالَ مُسَيْلِمَةُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ سَمِعْ، وَأَطْمَعَهُ بِالْخَيْرِ إِذَا طَمِعْ، وَلَا

يَزَالُ أَمْرُهُ فِي كُلِّ مَا سَرَّ نَفْسَهُ مُجْتَمَعْ، رَآكُمْ رَبُّكُمْ فَحَيَّاكُمْ وَمِنْ وَحْشَةٍ أَخَلَّاكُمْ، وَيَوْمَ دِينِهِ أَنْجَاكُمْ، فَأَحْيَاكُمْ عَلَيْنَا مِنْ صَلَوَاتِ مَعْشَرٍ أَبْرَارْ، لَا أَشْقِيَاءَ وَلَا فُجَّارْ، يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَصُومُونَ النَّهَارْ، لِرَبِّكُمُ الْكُبَّارْ، رَبِّ الْغُيُومِ وَالْأَمْطَارْ. وَقَالَ أَيْضًا: لَمَّا رَأَيْتُ وُجُوهَهُمْ حَسُنَتْ، وَأَبْشَارَهُمْ صَفَتْ، وَأَيْدِيَهُمْ طَفُلَتْ، قُلْتُ لَهُمْ: لَا النِّسَاءَ تَأْتُونَ، وَلَا الْخَمْرَ تَشْرَبُونَ، وَلَكِنَّكُمْ مَعْشَرٌ أَبْرَارٌ تَصُومُونَ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا جَاءَتِ الْحَيَاةُ كَيْفَ تَحْيَوْنَ، وَإِلَى مَلِكِ السَّمَاءِ كَيْفَ تَرْقَوْنَ، فَلَوْ أَنَّهَا حَبَّةُ خَرْدَلَةٍ لَقَامَ عَلَيْهَا شَهِيدٌ يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَلَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهَا الثُّبُورَ.

شرع مسيلمة لنكاح العزب

وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، شَرَعَ لِمَنِ اتَّبَعَهُ أَنَّ الْعَزَبَ يَتَزَوَّجُ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ حِينَئِذٍ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ الذِّكْرُ، فَتَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ ذَكَرٌ، هَذَا مِمَّا اقْتَرَحَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا خَلَا بِسَجَاحِ سَأَلَهَا مَاذَا يُوحَى إِلَيْهَا؟ فَقَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ النِّسَاءُ يَبْتَدِئْنَ؟

بَلْ أَنْتَ مَاذَا أُوحِيَ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ فَعَلَ بِالْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صَفَاقٍ وَحَشَا. قَالَتْ: وَمَاذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النِّسَاءَ أَفْرَاجَا، وَجَعَلَ الرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا، فَنُولِجُ فِيهِنَّ قُعْسًا إِيلَاجًا، ثُمَّ نُخْرِجُهَا إِذَا نَشَاءُ إِخْرَاجًا، فَيُنْتِجْنَ لَنَا سِخَالًا إِنْتَاجًا، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَآكُلُ بِقَوْمِي وَقَوْمِكِ الْعَرَبَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ:

أَلَا قُومِي إِلَى النَّيْكِ … فَقَدْ هُيِّئَ لَكِ الْمَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْبَيْتِ … وَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْمَخْدَعْ وَإِنْ شِئْتِ سَلَقْنَاكِ … وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ … وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ

فَقَالَتْ: بَلْ بِهِ أَجْمَعْ. فَقَالَ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ، وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا فَقَالُوا: مَا أَصْدَقَكِ؟ فَقَالَتْ: لَمْ يَصْدُقْنِي شَيْئًا. فَقَالُوا: إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ تَسْأَلُهُ صَدَاقَهَا، فَقَالَ: أَرْسِلِي إِلَيَّ مُؤَذِّنَكِ. فَبَعَثَتْهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَقَالَ: نَادِ فِي قَوْمِكَ: إِنَّ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ صَلَاتَيْنِ مِمَّا أَتَاكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ.

يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرَ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ - وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي وَضَعْتُ عَنْكُمْ مَا أَتَاكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَأَبَحْتُ فُرُوجَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْكَاسَاتِ - فَكَانَ هَذَا صَدَاقَهَا عَلَيْهِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ انْشَمَرَتْ سَجَاحِ رَاجِعَةً إِلَى بِلَادِهَا، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهَا دُنُوِّ خَالِدٍ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَكَرَّتْ رَاجِعَةً إِلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَمَا قَبَضَتْ مِنْ مُسَيْلِمَةَ نِصْفَ خَرَاجِ أَرْضِهِ، فَأَقَامَتْ فِي قَوْمِهَا بَنِي تَغَلِبَ إِلَى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا عَامَ الْجَمَاعَةِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ.

فَصْلٌ فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيِّ التَّمِيمِيِّ.

كَانَ قَدْ صَانَعَ سَجَاحِ حِينَ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ بِمُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ تَرَحَّلَتْ إِلَى بِلَادِهَا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ نَدِمَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَتَلَوَّمَ فِي شَأْنِهِ، وَهُوَ نَازِلٌ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبُطَاحُ. فَقَصَدَهَا خَالِدٌ بِجُنُودِهِ وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مَا أَمَرَنَا بِهِ الصِّدِّيقُ. فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَفُرْصَةٌ لَا بُدَّ مِنَ انْتِهَازِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِنِي فِيهَا كِتَابٌ، وَأَنَا الْأَمِيرُ وَإِلَيَّ تَرِدُ الْأَخْبَارُ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُجْبِرُكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، وَأَنَا قَاصِدٌ الْبُطَاحَ.

فَسَارَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ لَحِقَهُ رَسُولُ الْأَنْصَارِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الِانْتِظَارَ، فَلَحِقُوا بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْبُطَاحَ وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ،، فَبَثَّ خَالِدٌ السَّرَايَا فِي الْبُطَاحِ يَدْعُونَ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ أُمَرَاءُ بَنِي تَمِيمٍ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَبَذَلُوا الزِّكْوَاتِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَإِنَّهُ مُتَحَيِّرٌ فِي أَمْرِهِ، مُتَنَحٍّ عَنِ النَّاسِ، فَجَاءَتْهُ السَّرَايَا فَأَسَرُوهُ وَأَسَرُوا مَعَهُ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِيهِمْ، فَشَهِدَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيِّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُمْ لَمْ يُؤَذِّنُوا وَلَا صَلَّوْا. فَيُقَالُ: إِنَّ الْأُسَارَى بَاتُوا فِي كُبُولِهِمْ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ أَنْ دَافِئُوا أَسْرَاكُمْ.

فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَتْلَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ خَالِدٌ الْوَاعِيَةَ خَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ.

وَاصْطَفَى خَالِدٌ امْرَأَةَ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَهِيَ أُمُّ تَمِيمٍ ابْنَةُ الْمِنْهَالِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فَلَمَّا حَلَّتْ بَنَى بِهَا. وَيُقَالُ: بَلِ اسْتَدْعَى خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ فَأَنَّبَهُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ مُتَابَعَةِ سَجَاحِ، وَعَلَى مَنْعِهِ الزَّكَاةَ، وَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهَا قَرِينَةُ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ كَانَ يَزْعُمُ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَهْوَ صَاحِبُنَا وَلَيْسَ بِصَاحِبِكَ؟! يَا ضِرَارُ، اضْرِبْ عُنُقَهُ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَأَمَرَ بِرَأْسِهِ فَجُعِلَ مَعَ حَجَرَيْنِ، وَطُبِخَ عَلَى الثَّلَاثَةِ قِدْرًا، فَأَكَلَ مِنْهَا خَالِدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِيُرْهِبَ بِذَلِكَ الْأَعْرَابَ مِنَ الْمُرْتَدَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ شَعْرَ مَالِكٍ جَعَلَتِ النَّارُ تَعْمَلُ فِيهِ إِلَى أَنْ نَضِجَ لَحْمِ الْقِدْرِ، وَلَمْ يَفَرُغَ الشَّعْرُ لِكَثْرَتِهِ.

وَقَدْ تَكَلَّمَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ خَالِدٍ فِيمَا صَنَعَ، وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ، حَتَّى ذَهَبَ أَبُو قَتَادَةَ فَشَكَاهُ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَتَكَلَّمَ عُمَرُ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ فِي خَالِدٍ، وَقَالَ لِلصَّدِيقِ: اعْزِلْهُ، فَإِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَشْيَمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ. وَجَاءَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فَجَعَلَ يَشْكُو إِلَى الصِّدِّيقِ خَالِدًا، وَعُمَرُ يُسَاعِدُهُ وَيُنْشِدُ الصِّدِّيقَ مَا قَالَ فِي أَخِيهِ مِنَ الْمَرَاثِي، فَوَدَاهُ الصِّدِّيقُ مِنْ عِنْدِهِ. وَمِنْ قَوْلِ مُتَمِّمٍ فِي ذَلِكَ:

وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَةً … مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا وَعِشْنَا بِخَيْرٍ مَا حَيِينَا وَقَبْلَنَا … أَبَادَ الْمَنَايَا قَوْمَ كِسْرَى وَتُبَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا … لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى … إِذَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ امْرِئِ السَّوْءَ مَطْمَعَا وَمَا كَانَ وَقَّافًا إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ … وَلَا طَالِبًا مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ مَفْزِعَا وَلَا بِكَهَامٍ سَيْفُهُ عَنْ عَدُوِّهِ … إِذَا هُوَ لَاقَى حَاسِرًا أَوْ مُقَنَّعَا وَإِنِّي مَتَى مَا أَدْعُ بِاسْمِكَ لَمْ تُجِبْ … وَكُنْتَ حَرِيًّا أَنْ تُجِيبَ وَتَسْمَعَا وَمَا شَارِفٌ حَنَّتْ حَنِينًا وَرَجَّعَتْ … أَنِينًا فَأَبْكَى شَجْوُهَا الْبَرْكَ أَجْمَعَا بِأَوْجَدَ مِنِّي يَوْمَ قَامَ بِمَالِكٍ … مُنَادٍ فَصِيحٌ بِالْفِرَاقِ فَأَسْمَعَا تَحِيَّتُهُ مِنِّي وَإِنْ كَانَ نَائِيًا … وَأَمْسَى تُرَابًا فَوْقَهُ الْأَرْضُ بَلْقَعَا سَقَى اللَّهُ أَرْضًا حَلَّهَا قَبْرُ مَالِكٍ … ذِهَابَ الْغَوَادِي الْمُدْجِنَاتِ فَأَمْرَعَا فِي أَبْيَاتٍ أُخَرَ اخْتَصَرْنَاهَا. وَقِيلَ: إِنَّ مُتَمِّمًا حَزِنَ عَلَى أَخِيهِ مَالِكٍ حُزْنًا شَدِيدًا; مَكَثَ سَنَةً كَامِلَةً لَمْ يَنِمِ اللَّيْلَ، وَلَمْ يَزَلْ حَزِينًا عَلَيْهِ يُنْشِدُ فِيهِ الْأَشْعَارَ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ أَعْوَرَ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِيهِ حَتَّى سَالَتْ عَيْنُهُ الْعَوْرَاءُ بِالدُّمُوعِ، وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنَ

الْحُزْنِ.

وَقَالَ أَيْضًا:

لَقَدْ لَامَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلَى الْبُكَا … رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ وَقَالَ أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ … لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الْأَسَى يَبْعَثُ الْأَسَى … فَدَعْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، صلى الله عليه وسلم، يُحَرِّضُ الصِّدِّيقَ وَيَذْمُرُهُ عَلَى عَزْلِ خَالِدٍ عَنِ الْإِمْرَةِ وَيَقُولُ: إِنَّ فِي سَيْفِهِ لَرَهَقًا، قَتَلَ مَالِكًا وَنَزَى عَلَى امْرَأَتِهِ. حَتَّى بَعَثَ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ وَقَدْ لَبِسَ عَلَيْهِ دِرْعَهُ الَّتِي مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ صَدِئَ مِنْ كَثْرَةِ الدِّمَاءِ، وَغَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ النُّشَّابَ الْمُضَمَّخَ بِالدِّمَاءِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَانْتَزَعَ الْأَسْهُمَ مِنْ عِمَامَةَ خَالِدٍ فَحَطَّمَهَا، وَقَالَ: أَرِيَاءً قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ؟! وَاللَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ.

وَخَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ، وَلَا يَظُنُّ إِلَّا أَنَّ رَأْيَ الصِّدِّيقِ فِيهِ كَرَأْيِ عُمَرَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَعَذَرَهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَوَدَى مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَعُمَرُ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ خَالِدٌ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ شَمْلَةَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ أَنَّ الصِّدِّيقَ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ. وَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ بِخَالِدٍ عَلَى الْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فِي قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَأَخْطَأَ فِي قَتْلِهِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَتَلَ أُولَئِكَ الْأُسَارَى الَّذِينَ قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا. وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا.

فَوَدَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى رَدَّ إِلَيْهِمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، وَرَفْعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ.

وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْزِلْ خَالِدًا عَنِ الْإِمْرَةِ.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 22 ربيع الآخر
التربيع الأخير اليوم 23.3 / 29.5
الإضاءة 38%
الهلال الجديد بعد 6 يوم
الله أكبر