الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة إحدى وأربعين ومائتين > فصل في ورعه وزهده
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة إحدى وأربعين ومائتين
فَصْلٌ فِي وَرَعِهِ وَتَقَشُّفِهِ وَزُهْدِهِ، صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ عَنْهُ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلرَّشِيدِ: إِنَّ الْيَمَنَ تَحْتَاجُ إِلَى قَاضٍ، فَقَالَ لَهُ: اخْتَرْ رَجُلًا نُوَلِّهِ إِيَّاهَا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ: أَلَا تَقْبَلُ قَضَاءَ الْيَمَنِ. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعًا شَدِيدًا، وَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَخْتَلِفُ إِلَيْكَ لِأَجْلِ الْعِلْمِ الْمُزَهِّدِ فِي الدُّنْيَا، أَفَتَأْمُرُنِي أَنْ أَلِيَ الْقَضَاءَ؟ وَلَوْلَا الْعِلْمُ لَمَا أُكَلِّمُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَاسْتَحْيَى الشَّافِعِيُّ مِنْهُ.
وَرَوِيَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ حَنْبَلٍ وَلَا خَلْفَ بَنِيهِ، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ أَيْضًا; لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا جَائِزَةَ السُّلْطَانِ.
وَمَكَثَ مَرَّةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَجِدُ مَا يَأْكُلُهُ حَتَّى بَعَثَ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَاسْتَقْرَضَ مِنْهُ دَقِيقًا، فَعَرَفَ أَهْلُهُ حَاجَتَهُ إِلَى الطَّعَامِ فَعَجَّلُوا وَعَجَنُوا وَخَبَزُوا لَهُ سَرِيعًا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْعَجَلَةُ! كَيْفَ خَبَزْتُمْ سَرِيعًا؟ فَقَالُوا: وَجَدْنَا تَنُّورَ بَيْتِ صَالِحٍ مَسْجُورًا فَخَبَزْنَا لَكَ فِيهِ. فَقَالَ: ارْفَعُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَأَمَرَ بِسَدِّ بَابِهِ إِلَى دَارِ صَالِحٍ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لِأَنَّ صَالِحًا أَخَذَ جَائِزَةَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: مَكَثَ أَبِي بِالْعَسْكَرِ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يَأْكُلْ فِيهَا إِلَّا رُبُعَ مُدٍّ سَوِيقًا، يُفْطِرُ بَعْدَ كُلِّ ثَلَاثِ لَيَالٍ عَلَى سَفَّةٍ مِنْهُ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ إِلَّا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَقَدْ رَأَيْتُ مُوقَيْهِ دَخَلَتَا فِي حَدَقَتَيْهِ.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ كَانَ الْخَلِيفَةُ يَبْعَثُ لِمَائِدَتِهِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ أَحْمَدُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ طَعَامِهِ شَيْئًا.
وَبَعَثَ الْخَلِيفَةُ الْمَأْمُونُ مَرَّةً ذَهَبَا; لِيُقَسَّمَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَ، إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ أَبَى.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونِيُّ: حَضَرْتُ أَحْمَدَ وَقَدْ رَهَنَ سَطْلًا لَهُ عِنْدَ فَامِيٍّ بِالْيَمَنِ، فَلَمَّا جَاءَهُ بِفِكَاكِهِ أَخْرَجَ إِلَيْهِ سَطْلَيْنِ فَقَالَ: خُذْ مَتَاعَكَ. فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَيُّهُمَا الَّذِي لَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ وَمِنَ الْفِكَاكِ، وَتَرَكَهُ.
وَحَكَى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ الْوَاثِقِ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، فَكَتَبَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي: إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَرِثْتُهَا مِنْ أَبِي وَلَيْسَتْ صَدَقَةً وَلَا زَكَاةً فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَقْبَلَهَا مِنِّي. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَرَّرَ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ حِينِ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كُنَّا قَبِلْنَاهَا كَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ.
وَعَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ التُّجَّارِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ رِبْحًا مِنْ بِضَاعَةٍ جَعَلَهَا بِاسْمِهِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: نَحْنُ فِي كِفَايَةٍ، وَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ قَصْدِكَ خَيْرًا، وَعَرَضَ عَلَيْهِ تَاجِرٌ آخَرُ ثَلَاثَةً آلَافِ دِينَارٍ فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا وَقَامَ وَتَرَكَهُ.
وَنَفَدَتْ نَفَقَةُ أَحْمَدَ وَهُوَ فِي الْيَمَنِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ شَيْخُهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِلْءَ كَفِّهِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَحْنُ فِي كِفَايَةٍ وَلَمْ يَقْبَلْهَا. وَسُرِقَتْ ثِيَابُهُ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَافْتَقَدَهُ أَصْحَابُهُ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ فَأَخْبَرَهُمْ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ ذَهَبًا فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ إِلَّا دِينَارًا وَاحِدًا; لِيَكْتُبَ لَهُمْ بِهِ فَكَتَبَ لَهُمْ بِالْأَجْرِ، صلى الله عليه وسلم.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَتْ مَجَالِسُ أَحْمَدَ مَجَالِسَ الْآخِرَةِ، لَا يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَمَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطُّ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ التَّوَكُّلِ فَقَالَ: هُوَ قَطْعُ الِاسْتِشْرَافِ بِالْيَأْسِ مِنَ النَّاسِ. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ مِنْ حُجَّةٍ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رُمِيَ بِهِ فِي النَّارِ فِي الْمِنْجَنِيقِ عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. قَالَ: فَسَلْ مَنْ لَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. فَقَالَ: أَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ أَحَبُّهُمَا إِلَيْهِ.