الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ثلاث عشرة من الهجرة > أبو عبيد على العراق ووقعة النمارق
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة ثلاث عشرة من الهجرة
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ لَمَّا سَارَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ بِمَنْ صَحِبَهُ إِلَى الشَّامِ - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ سَارَ بِتِسْعَةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: بِثَلَاثَةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: بِسَبْعِمِائَةٍ. وَقِيلَ: بِأَقَلَّ.
إِلَّا أَنَّهُمْ صَنَادِيدُ جَيْشِ الْعِرَاقِ - فَأَقَامَ الْمُثَنَّى بِمَنْ بَقِيَ، فَاسْتَقَلَّ عَدَدَهُمْ، وَخَافَ مِنْ سَطْوَةِ الْفُرْسِ لَوْلَا اشْتِغَالُهُمْ بِتَبْدِيلِ مُلُوكِهِمْ وَمَلِكَاتِهِمْ، وَاسْتَبْطَأَ الْمُثَنَّى خَبَرَ الصِّدِّيقِ، فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَجْدَ الصِّدِّيقَ فِي السِّيَاقِ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْعِرَاقِ، فَأَوْصَى الصِّدِّيقُ عُمَرَ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ وَدُفِنَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، أَصْبَحَ عُمَرُ فَنَدَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَحَرَّضَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ فِي الثَّوَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَكْرَهُونَ قِتَالَ الْفُرْسِ; لِقُوَّةِ سَطْوَتِهِمْ، وَشِدَّةِ قِتَالِهِمْ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَأَحْسَنَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْ خَالِدٍ مِنْ مُعْظَمِ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَمَا لَهُمْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالزَّادِ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَدَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْإِجَابَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ أَبَا عُبَيْدٍ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ
صَحَابِيًّا، فَقِيلَ لِعُمَرَ: هَلَّا أَمَرْتَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أُؤَمِّرُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ، إِنَّكُمْ إِنَّمَا سَبَقْتُمُ النَّاسَ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَجَابَ قَبْلَكُمْ.
ثُمَّ دَعَاهُ فَوَصَّاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمَيْنِ خَيْرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْ يَسْتَشِيرَ سَلِيطَ بْنَ قَيْسٍ; فَإِنَّهُ رَجُلٌ بَاشَرَ الْحُرُوبَ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَهُمْ سَبْعَةُ آلَافِ رَجُلٍ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَجَهَّزَ عَشَرَةَ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَرْسَلَ عُمَرُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فَوَاقَعَ هِرَقْرَانَ الْمَدَارَ فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ فِي دِجْلَةَ فَلَمَّا وَصَلَ النَّاسُ إِلَى الْعِرَاقِ وَجَدُوا الْفُرْسَ مُضْطَرِبِينَ فِي مُلْكِهِمْ، وَآخِرُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ أَنْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بُورَانَ بِنْتَ كِسْرَى بَعْدَمَا قَتَلُوا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا آزَرْمِيدُخْتَ، وَفَوَّضَتْ بُورَانُ أَمْرَ الْمُلْكِ عَشْرَ سِنِينَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: رُسْتُمُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ.
عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْمُلْكُ إِلَى آلِ كِسْرَى، فَقَبِلَ ذَلِكَ. وَكَانَ رُسْتُمُ هَذَا مُنَجِّمًا يَعْرِفُ النُّجُومَ وَعِلْمَهَا جَيِّدًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ يَعْنُونَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَتِمُّ لَكَ، فَقَالَ: الطَّمَعُ وَحُبُّ الشَّرَفِ.
وَقْعَةُ النَّمَارِقِ.
بَعَثَ رُسْتُمُ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ: جَابَانُ. وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ رَجُلَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا:
جِشْنِسُ مَاهْ. وَيُقَالُ لِلْآخَرِ: مَرْدَانْ شَاهْ. وَهُوَ حَصِيُّ أَمِيرِ حَاجِبِ الْفُرْسِ، فَالْتَقَوْا مَعَ أَبِي عُبَيْدٍ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: النَّمَارِقُ. بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَهَزَمَ اللَّهُ الْفُرْسَ، وَأُسِرَ جَابَانُ وَمَرْدَانْ شَاهْ. فَأَمَّا مَرْدَانْ شَاهْ فَإِنَّهُ قَتَلَهُ الَّذِي أَسَرَهُ، وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ الَّذِي أَسَرَهُ حَتَّى أَطْلَقَهُ، فَأَمْسَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَبَوْا أَنْ يُطْلِقُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ.
وَجَاءُوا بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالُوا: اقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ الْأَمِيرُ. فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرَ، فَإِنِّي لَا أَقْتُلُهُ وَقَدْ أَمَّنَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ رَكِبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي آثَارِ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ، وَقَدْ لَجَأُوا إِلَى مَدِينَةِ كَسْكَرَ الَّتِي لِابْنِ خَالَةِ كِسْرَى، وَاسْمُهُ نَرْسِي، فَوَازَرَهُمْ نَرْسِي عَلَى قِتَالِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَهَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَأَطْعِمَاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَبَعَثَ بِخُمُسِ مَا غَنِمَ مِنَ الْمَالِ وَالطَّعَامِ إِلَى عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ … لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالْخِزْيِ أَهْلُ النَّمَارِقِ بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ … يَجُوسُونَهُمْ مَا بَيْنَ دُرْتَا وَبَارِقِ قَتَلْنَاهُمْ مَا بَيْنَ مَرْجِ مُسَلِّحٍ … وَبَيْنَ الْهَوَافِي مِنْ طَرِيقِ الْبَذَارِقِ فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالسَّقَاطِيَةِ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ نَرْسِي وَمَيْسَرَتِهِ ابْنَا خَالِهِ بِنَدَوَيْهِ وَتِيرَوَيْهِ أَوْلَادُ بِسْطَامَ، وَكَانَ رُسْتُمُ قَدْ جَهَّزَ الْجُيُوشَ مَعَ الْجَالِنُوسِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ أَعْجَلَ نَرْسِي بِالْقِتَالِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَهَرَبَ نَرْسِي وَالْجَالِنُوسُ إِلَى الْمَدَائِنِ بَعْدَ وَقْعَةٍ جَرَتْ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَعَ الْجَالِنُوسِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: بَارُوسْمَا.
فَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَسَرَايَا أُخَرَ إِلَى مَا تَاخَمَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ كَنَهْرِ جَوْبَرَ وَنَحْوِهَا، فَفَتَحَهَا صُلْحًا وَقَهْرًا، وَضَرَبُوا الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَكَسَرُوا الْجَالِنُوسَ الَّذِي جَاءَ لِنُصْرَةِ جَابَانَ، وَغَنِمُوا جَيْشَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَكَرَّ هَارِبًا إِلَى قَوْمِهِ حَقِيرًا ذَلِيلًا.