الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة ثمان عشرة ومائتين > آخر غزوة للمأمون ووفاته بطرسوس
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة ثمان عشرة ومائتين
وَلَمَّا تَجَهَّزَ الْمَأْمُونُ لِلْغَزْوِ فِي آخِرِ سَفْرَةٍ سَافَرَهَا إِلَى طَرَسُوسَ اسْتَدْعَى بِجَارِيَةٍ كَانَ يُحِبُّهَا، وَقَدِ اشْتَرَاهَا فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَبَكَتِ الْجَارِيَةُ وَقَالَتْ: قَتَلْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِسَفَرِكَ هَذَا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ:
سَأَدْعُو دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ رَبًّا … يُثِيبُ عَلَى الدُّعَاءِ وَيَسْتَجِيبُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَكَ حَرْبًا … وَيَجْمَعَنَا كَمَا تَهْوَى الْقُلُوبُ
فَضَمَّهَا إِلَيْهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ مُتَمَثِّلًا:
فَيَا حُسْنَهَا إِذْ يَغْسِلُ الدَّمْعُ كُحْلَهَا … وَإِذْ هِيَ تَذْرِي الدَّمْعَ مِنْهَا الْأَنَامِلُ صَبِيحَةَ قَالَتْ فِي الْعِتَابِ قَتَلْتَنِي … وَقَتْلِي بِمَا قَالَتْ هُنَاكَ تُحَاوِلُ ثُمَّ أَمَرَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا وَالِاحْتِفَاظِ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ، ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ … دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ ثُمَّ وَدَّعَهَا وَسَارَ فَمَرِضَتِ الْجَارِيَةُ فِي غَيْبَتِهِ هَذِهِ، وَمَاتَ الْمَأْمُونُ أَيْضًا، فَلَمَّا جَاءَ نَعْيُهُ إِلَيْهَا تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ وَحَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ، وَأَنْشَأَتْ تَقُولُ وَهِيَ فِي السِّيَاقِ:
إِنَّ الزَّمَانَ سَقَانَا مِنْ مَرَارَتِهِ … بَعْدَ الْحَلَاوَةِ أَنْفَاسًا فَأَرْوَانَا أَبْدَى لَنَا تَارَةً مِنْهُ فَأَضْحَكَنَا … ثُمَّ انْثَنَى تَارَةً أُخْرَى فَأَبْكَانَا إِنَّا إِلَى اللَّهِ فِيمَا لَا يَزَالُ بِنَا … مِنَ الْقَضَاءِ وَمِنْ تَلْوِينِ دُنْيَانَا دُنْيَا تَرَاهَا تُرِينَا مِنْ تَصَرُّفِهَا … مَا لَا يَدُومُ مُصَافَاةً وَأَحْزَانَا وَنَحْنُ فِيهَا كَأَنَّا لَا يُزَايِلُنَا … لِلْعَيْشِ أَحْيَاؤُنَا يَبْكُونَ مَوْتَانَا
وَكَانَتْ وَفَاةُ الْمَأْمُونِ بِطَرَسُوسَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَقْتَ الظُّهْرِ وَقِيلَ: بَعْدَ الْعَصْرِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ؛ وَهُوَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَدُفِنَ بِطَرَسُوسَ فِي دَارِ خَاقَانَ الْخَادِمِ. وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ خَارِجَ طَرَسُوسَ بِأَرْبَعِ مَرَاحِلَ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا فَدُفِنَ بِهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ نُقِلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَذَنَةَ فِي رَمَضَانَ فَدُفِنَ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَخْزُومِيُّ:
مَا رَأَيْتُ النُّجُومَ أَغْنَتْ عَنِ الْمَأْ … مُونِ فِي عِزِّ مُلْكِهِ الْمَأْسُوسِ خَلَّفُوهُ بِعَرْصَتَيْ طَرَسُوسَ … مِثْلَ مَا خَلَّفُوا أَبَاهُ بِطُوسِ وَقَدْ كَانَ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمِ، وَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِحَضْرَةِ ابْنِهِ الْعَبَّاسِ، وَجَمَاعَةِ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ، وَفِيهَا الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَدْرَكَهُ أَجَلُهُ وَانْقَضَى عَمَلُهُ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَأَوْصَى أَنْ يُكَبِّرَ عَلَيْهِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ خَمْسًا، وَأَوْصَى أَخَاهُ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ بِتَقْوَى اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَخُوهُ الْمَأْمُونُ فِي الْقُرْآنِ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَوْصَاهُ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْقَاضِي، وَقَالَ: شَاوِرْهُ فِي أُمُورِكَ كُلِّهَا وَلَا تُفَارِقْهُ، وَحَذَّرَهُ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَذَمَّهُ، وَقَالَ: خَانَنِي وَنَفَّرَ النَّاسَ عَنِّي، فَفَارَقْتُهُ غَيْرَ رَاضٍ عَنْهُ، ثُمَّ أَوْصَاهُ بِالْعَلَوِيِّينَ خَيْرًا؛ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأَنْ يُوَاصِلَهُمْ بِصِلَاتِهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ لِلْمَأْمُونِ تَرْجَمَةً حَافِلَةً، أَوْرَدَ فِيهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَمْ يَذْكُرْهَا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مَعَ كَثْرَةِ مَا يُورِدُهُ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.