الإسلام > تاريخ الإسلام > سنة خمس وتسعين ومائة > من مستجاد شعر أبي نواس وتلبية حجه
آخر تحديث 26 يوليو 2026 - 01:55
جزء من: سنة خمس وتسعين ومائة
وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا أَعْرِفُ فِي كَلَامِ الشُّعَرَاءِ أَرْفَعَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:
أَيَّةُ نارٍ قَدَحَ الْقَادِحُ … وَأَيُّ جِدٍّ بَلَغَ الْمَازِحُ لِلَّهِ دَرُّ الشَيبِ مِنْ واعِظٍ … وَناصِحٍ لَو خُطِئَ الناصِحُ يَأَبْى الْفَتَى إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى … وَمَنْهَجُ الْحَقِّ لَهُ واضِحُ فَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلى نِسْوَةٍ … مُهُورُهُنَّ الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَجْتَلِي الْحَوْرَاءَ مِنَ خِدْرِهَا … إِلَّا امْرُؤٌ مِيْزَانُهُ رَاجِحُ مَنِ اتَّقى اللَّهَ فَذَاكَ الَّذِي … سِيقَ إِلَيهِ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ فَاغْدُ فَمَا فِي الدِّينِ أُغْلُوطَةٌ … وَرُحْ لِمَا أَنْتَ لَهُ رَائِحُ
وَقَدِ اسْتَنْشَدَهُ أَبُو هِفَّانَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا:
لَا تَنْسَ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ لَهُ أَبُو هِفَّانَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَاسٍ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ مُدَّةً. قَالَ: فَغَمَّنِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ قَالَ: مَتَى أَرَاكَ؟ فَقُلْتُ: أَلَمْ تُقْسِمْ؟ فَقَالَ: الدَّهْرُ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَجْرٌ.
وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ:
أَيَا رُبَّ وَجْهٍ فِي التُّرَابِ عَتِيقِ … وَيا رُبَّ حُسْنٍ فِي التُّرَابِ رَقِيقِ وَيَا رُبَّ حَزْمٍ فِي التُّرَابِ وَنَجْدَةٍ … وَيَا رُبَّ رَأيٍ فِي التُّرَابِ وَثِيقِ أَرَى كُلَّ حَيٍّ هَالِكاً وَابْنَ هَالِكٍ … وَذَا حَسَبٍ فِي الْهَالِكِينَ عَرِيقِ فَقُلْ لِقَرِيبِ الدَّارِ إِنَّكَ ظَاعِنٌ … إِلَى سَفَرٍ نَائِي الْمَحَلِّ سَحِيقِ إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ … عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ
وَقَوْلُهُ:
لَا تَشْرَهَنَّ فَإِنَّ الذُّلَّ فِي الشَّرَهِ … وَالْعِزُّ فِي الْحِلْمِ لَا فِي الطَّيْشِ وَالسَّفَهِ وَقُلْ لِمُغْتَبِطٍ فِي التِّيْهِ مِنْ حُمَقٍ … لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي التِّيهِ لَمْ تَتُهِ التِّيهُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ مَنْقَصَةٌ … لِلْعَقْلِ مَهْلَكَةٌ لِلْعِرْضِ فَانْتَبِهِ وَجَلَسَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ فِي دُكَّانِ وَرَّاقٍ، فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ دَفْتَرٍ:
أَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَ … هُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ … تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ ثُمَّ جَاءَ أَبُو نُوَاسٍ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنَ، قَاتَلَهُ اللَّهُ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا لِي بِجَمِيعِ شَيْءٍ قُلْتُهُ، لِمَنْ هَذِهِ؟ قِيلَ: لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ. فَأَخَذَ الدَّفْتَرَ، فَكَتَبَ إِلَى جَانِبِهَا:
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْ … قَ مِنْ ضَعِيفٍ مَهِينِ يَسوقُهُ مِنْ قَرَارٍ … إِلى قَرارٍ مَكِينِ يَحورُ شَيئًا فَشَيئًا … فِي الْحُجُبِ دُونَ الْعُيُونِ حَتَّى بَدَتْ حَرَكَاتٌ … مَخْلُوقَةٌ مِنْ سُكُونِ
وَمِنْ شِعْرِ أَبِي نُوَاسٍ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ:
انْقَضَتْ شِرَّتِي فَعِفْتُ الْمَلَاهِي … إِذْ رَمَى الشَّيْبُ مَفْرِقِي بِالدَّوَاهِي وَنَهَتْنِي النُّهَى فَمِلْتُ إِلَى الْعَدْ … لِ وَأَشْفَقْتُ مِنْ مَقَالَةِ نَاهِ أَيُّهَا الْغَافِلُ الْمُقِيمُ عَلَى السَّهْ … وِ وَلَا عُذْرَ فِي الْمُقَامِ لِسَاهِ لَا بِأَعْمَالِنَا نُطِيقُ خَلَاصًا … يَوْمَ تَبْدُو السِّمَاتُ فَوْقَ الْجِبَاهِ غَيْرَ أَنَّا عَلَى الْإِسَاءَةِ وَالتَّفْ … رِيطِ نَرْجُو مِنْ حُسْنِ عَفْوِ الْإِلَهِ
وَقَوْلُهُ:
نَمُوتُ وَنَبْلَى غَيْرَ أَنَّ ذُنُوبَنَا … إِذَا نَحْنُ مِتْنَا لَا تَمُوتُ وَلَا تَبْلَى أَلَا رُبَّ ذِي عَيْنَيْنِ لَا تَنْفَعَانِهِ … وَهَلْ تَنْفَعُ الْعَيْنَانِ مَنْ قَلْبُهُ أَعْمَى
وَقَوْلُهُ:
لَوْ أَنَّ عَيْنًا وَهَّمَتْهَا نَفْسُهَا … يَوْمَ الْحِسَابِ مُمَثَّلًا لَمْ تَطْرَفِ سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ أَيَّةَ لَيْلَةٍ … مَخِضَتْ صَبِيحَتُهَا بِيَوْمِ الْمَوْقِفِ كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى الْبَرِيَّةِ رَبُّهَا … فَالنَّاسُ بَيْنَ مُقَدَّمٍ وَمُخَلَّفِ
وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ لَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَالَ:
إِلَهَنَا مَا أَعْدَلَكْ … مَلِيكَ كُلِّ مَنْ مَلَكْ لَبَّيْكَ قَدْ لَبَّيْتُ لَكْ … لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ … مَا خَابَ عَبْدٌ سَأَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ … وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ أَنْتَ لَهُ حَيْثُ سَلَكَ … لَوْلَاكَ يَا رَبِّي هَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ … وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَاللَّيْلُ لَمَّا أَنْ حَلَكْ … وَالسَّابِحَاتُ فِي الْفَلَكْ عَلَى مَجَارِي الْمُنْسَلَكْ … كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَكْ وَكُلُّ مَنْ أَهَلَّ لَكْ … سَبَّحَ أَوْ صَلَّى فَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ … وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ يَا مُخْطِئًا مَا أَغْفَلَكْ … عَجِّلْ وَبَادِرْ أَمَلَكْ وَاخْتِمْ بِخَيْرٍ عَمَلَكْ … لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ