"يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلّمُك كَلَمات: احفْظَ الله يَحْفَظك، احْفَظ الله…

الإسلام > حديث > الأربعون النووية > حديث 19

الحديث رقم 19 من كتاب «الحديث التاسع عشر» في الأربعون النووية، تحت باب: الحديث التاسع عشر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك…

عَنْ أَبي الْعَبَّاسِ: عَبد الله بْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله تعَالَى عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ خَلْف النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - يَومًا، فَقالَ:"يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلّمُك كَلَمات: احفْظَ الله يَحْفَظك، احْفَظ الله تَجدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل الله، وَإذَا اسْتعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَم أَن الأُمة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفعُوكَ بِشَيء، لَمْ يَنْفعوكَ إِلَّا بِشْيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله تَعَالَى لَكَ، وِإنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيء قَدْ كَتَبهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ". رَوَاهُ التِّرمِذِي وَقالَ: حَديِثٌ حَسن صَحِيحٌ.• وَفي رِوَايَة غَيْرِ التِّرْمِذي: "احفْظ الله تَجِدْهُ أَمامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى الله في الرَّخاء، يَعْرفْكَ في الشّدَّةِ، وَاعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَم يَكُنْ لُيِصيِبَكَ، وَما أَصَابَك لَم يَكُنْ لِيُخْطئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبر، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرًا".

شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله

من «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم».

اضغط لعرض شرح ابن رجب كاملًا

وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ رحمه الله وعزاه إِلى غير الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عَبْدُ بن حُمَيْد في مسنده بإِسناد ضعيف، عن عطاء، عن ابن عباس.

وكذلك عزاه ابن الصلاح في الأَحاديث الكلية التي هي أَصل أَربعين الشيخ رحمه الله إلى عبد بن حميد وغيره.

• وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أَبى رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أَبي مُلَيكة وغيرهم.

وأَصح الطرق كلها: طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي - كذا قاله ابن منده وغيره.

• وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أَبي طالب وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر. وفي أَسانيدها كلها ضعف.

وذكر العقيلي أَن أَسانيد الحديث كلها لينة. وبعضها أَصلح من بعض.

وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة.

هذا الحديث]]

• وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أُمور الدين حتى قال بعض العلماء : تدبرت هذا الحديث فأَدهشني وكدت أَطيش؛ فوا أَسفا من الجهل بهذا الحديث، وقَلَّةِ التفهُّم لمعناه؟!.

• قلت: وقد أَفردت لشرحه جزءًا كبيرًا.

ونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه الاختصار، إِن شاءَ الله تعالى.

* * *

احفظ الله]]

فقوله صلى الله عليه وسلم: "احفظ الله" يعني احفظ حدودُه، وحقوقَه، وأوَامِرَهُ ونواهيَه.

• وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أَوامره بالامتثال، وعند نواهيه، بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه، إلى ما نُهي عنه. فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه. وقال عز وجل: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } وفُسِّر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها.

ومن أَعظم ما يجب حفظه من أَوامر الله: الصلاة، وقد أَمر الله تعالى بالمحافظة عليها فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} ومدح المحافظين عليها بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} .

• وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"من حافظ عليها كان له عند الله عهدٌ أَن يُدْخلَه الجنةَ" .

وفىِ حديث آخر:

"من حافظ عليهن كنّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة" .

• وكذلك الطهارة؛ فإِنها مفتاح الصلاة وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .

ومما يؤمر بحفظه]]

• ومما يؤمر بحفظه: الأَيمان، قال الله عز وجل: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} فإِن الأَيمان يقع الناس فيها كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه.

* * *

• ومن ذلك: حفظ الرأْس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع.

"الاستحياءُ من الله حقَّ الحياء: أَن تحفَظَ الرَّأْسَ وما وَعَى، وتَحْفَظَ البَطْنَ وما حَوَى".

خرجه الإِمام أَحمد والترمذي .

ما الذي يدخل في حفظ الرأس؟]]

• وحفظ الرأْس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظَ القلب عن الإِصرار على مُحَرَّم، قال الله عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} وقد جمع الله ذلك كلَّه في قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} .

ويتضمن أَيضًا حفظ البطن من إِدخال الحرام إِليه من المآكل والمشارب.

* * *

• ومن أَعظم ما يجب حفظه من نواهي الله عز وجل: اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"من حفظ ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رجليه دخل الجنة".

خرجه الحاكم .

وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي موسى رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حفظ ما بين فُفْمَيْه وفرجه دخل الجنة" .

وأمر الله عز وجل بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها فقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} .

وقال تعالى: {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} .

وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} إِلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} .

• وقال أبو إِدريس الخَوْلاني: أَوّل ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظه فرجه وقال: لا تضعه إِلا في حلال.

قوله - صلى الله عليه وسلم -: يحفظك]]

• وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحفظك" يعني: أَن من حفظ حدود اللَّه، وراعى حقوقَه - حفظه الله؟ فإِن الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} .

وقال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} .

وقال تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} .

• وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أَحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأَهله وماله، قال الله عز وجل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} .

من أقوال السلف]]

• قال ابن عباس: هم الملائكة؛ يحفظونه بأَمر الله (مما لم يقدَّر) فإذا جاءَ القدر خَلَّوْا عنه .

* * *

• وقال عليّ رضي الله عنه؟ "إِن مع كل رجل مَلَكَيِنْ يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بيْنَهُ وبينه، وإِن الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ" .

• وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ يحفظهُ في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما من شيء يأتيه إِلا قال له: وَرَاءَكَ، إِلا شيئا أَذن الله فيه فيصيبه" .

* * *

من الدعاء لذلك]]

• وخرج الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى، وحين يصبح: "اللهم! إِني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم! إني أَسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأَهلي ومالي، اللهم! استُرْ عوراتي، وآمنْ رَوْعاتي ، واحفظني من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني وعن شِمالي ومن فوقي، وأَعوذ بعظمتك أَن أغتالَ من

تحتي" .

ومن حفظ الله في صباه وقوّته حفظه الله في حال كِبَرِه، وضعْف قوّته، ومتَّعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله.

* * *

حفظ العبد جوارحه في صغره]]

• وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.

وعكسه]]

• وعكس هذا: أَن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: "إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره".

[حفظ الله العبد في ذرِّيَّتِهِ]:

وقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} الآية: إِنهما حفظا بصلاح أبيهما.

من أقوال السلف في ذلك]]

• قال سعيد بن المسيب لابنه: "لأَزيدنّ في صلاتي من أَجلك رجاء أَن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} .

• وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقّب عقبه".

• وقال ابن المنكدر: "إِن الله ليحفظ بالرجل الصالح وَلَده وولد وَلَدِه والدُّوَيْرَات التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وسِتر".

القاعدة في ذلك]]

ومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإِن الله يحفظه في تلك الحال.

• وفي مسند الإمام أَحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كانت امرأَة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزًا وصيصيِّتَهَا كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيَصيِّتَهَا فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإِني قد فقدت عنزا من غنمي وصِيصيَّتي، وإني أَنْشُدُكَ عَنْزِي وصِيصِيَّتي. قال: وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يذكر شدة مناشدتها ربَّها تبارك وتعالى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فأَصبحت عنزها ومثلُها وصِيصِتُها ومثلها.

والصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وَيُنْسَج .

فمن حفظ الله حفظه الله من كل أَذى.

* * *

• قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه؛ فقد ضيع

نفسه، والله الغني عنه.

من عجيب حفظ الله للعبد]]

• ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أَن يجعل الحيوانات المؤذيةَ بالطبع حافظةً له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كُسر به المركب، وخرج إِلى جزيرة فرأَى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أَوقفه عليها جعل يُهَمهِم كأَنه يودعه! ثم رجع عنه!.

• ورؤي إِبراهيم بن أَدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذُبُّ عنه حتى استيقظ.

وعكس هذا]]

• وعكس هذا: أَن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعَه من أهله وغيرهم.

كما قال بعض السلف: "إِني لأعصي الله، فأَعرفُ ذلك في خُلُق خادمي ودابتي".

* * *

النوع الثاني من الحفظ]]

• النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله لِلْعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينَه عند

موته، فيتوفاه على الإِيمان.

قال بعض السلف: إِذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك: شُمَّ رأْسَهُ قال: أَجد في رأسه القرآن، قال: شُمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام. قال: شُمَّ قدميه. قال: أَجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه، فحفظه الله.

دعاء المؤمن بالحفظ]]

• وفي الصحيحين عن البراءِ بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أَنه أَمره أَن يقول عند منامه: إِن قبضتَ نفسي فارحمها، وإن أَرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .

• وفي حديث عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه أن يقول: "اللهم احفظني بالإِسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسدا".

خرجه ابن حبان في صحيحه .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يودع من أراد سفرا فيقول: "أَستودع الله دينك وأَمانتك وخواتيم عملك" .

وكان يقول:

"إن الله إِذا استُودع شيئًا حَفِظَهُ".

خرجه النَّسَائِي وغيره .

* * *

من هو المحفوظ بعناية الله عز وجل؟]]

• وفي الجملة فإن الله عز وجل يحفظ على المؤمن الحافظ لحدوده دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه - بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارها له، محما قال في حق يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .

من المأثور عن السلف]]

• قال ابن عباس في قوله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرهُ إلى النار .

* * *

• وقال الحسن، وذكر أَهلَ المعاصي: "هانوا عليه، فعَصوُه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم!؟ ".

* * *

• وقال ابن مسعود: "إن العبد ليَهُما بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيَسَّرَ له فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإني إِن يسرته له أَدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبقني فلان، دهاني فلان، وما هو إلا فضل الله عز وجل!؟ ".

* * *

• وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله عز وجل:

"إن من عبادي من لا يُصلح إِيمانَهُ إِلا الفقر ، وِإن بسطتُ عليه أَفسده ذلك.

وإن من عبادي من لا يُصْلحُ إِيمانَهُ إِلا الغنى، ولو أَفقرتُه لأفسده ذلك.

وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إِيمانَهُ إِلا الصحة، ولو أَسقَمْتهُ لأَفسده ذلك.

وإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إِلا السُّقْم، ولو أَصححته لأَفسده ذلك

وِإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأَكُفُّهُ عنه لكيلا يَدْخُلَهُ العُجْبُ.

إني أُدبِّر [أمر] عبادي بعلمي بما في قلوبهم. إِني عليم خبير".

* * *

احفظ الله تجده تجاهك]]

• وقوله - صلى الله عليه وسلم -: احفظ الله تَجِدهُ تُجَاهَكَ" وفي رواية "أمامك" معناه: أَن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أَحواله حيث توجه، يحوُطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده؛ فإِن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون.

من مأثور السلف]]

• قال قتادة: "من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل! " .

* * *

• كتب بعض السلف إِلى أَخ له: "أَما بعد! فإِن كان الله معك فَمَنْ تَخَافُ؟ وِإن كان عليك فَمنْ تَرْجُو؟ ".

وهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: {لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} وقول موسى: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وهما في الغار: "ما ظنك باثنين: الله ثالثهما؛ لا تحزن إِن الله معنا" .

* * *

بين المعيتين: الخاصة والعامة]]

• فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا

هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} .

• وقوله: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم؛ فهي مقتضية لتخويف العباد منه.

• والمعية الأولى: تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أَمامه وتجاهه على كل حال فاستأْنسَ به، واستغنى به عن خلقه.

كما في حديث: "أَفضل الإِيمان أَن يَعْلَمَ العَبْدُ أَن الله معه حَيْثُ كان" وقد سبق .

• وروي عن بُنان الجمال أَنه دخل البرِّيَّةَ وحده على طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: " لم تستوحش؟! أَليس حبيبك معك ؟ ".

• وقيل لبعضهم: " أَلا تستوحش وحدك؟ فقال: كيف أَستوحش وهو يقول: أَنا جليس من ذكرني؟ ".

• وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: " من يكن الله معه كيف يكون وحده؟ ".

• وقيل لآخر: "أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أَين هو؟ قال؟ أَمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي!؟ ".

• وكان الشِّبْلي يُنْشِد:

إِذا نحن أَدلجنا وأَنت أَمامَنَا … كفى لمطايانا بذكركَ هَاديا

* * *

المعرفة بين العبد وربه]]

• فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تعرَّف إلى الله في الرخاءِ يعرفك في الشدة" يعني أَن العبد إِذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إِلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، وراعى له تعرُّفه إِليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة.

وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه، ومحبته له، وِإجابته لدعائه.

معرفة العبد لربه نوعان]]

• فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرارِ به، والتصديق والإِيمان. وهذه عامة للمؤْمنين.

• والثاني معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنسَ به، والطمأنينة بذكره، والحياءَ منه، والهيبةَ له.

وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: "مساكين أَهلُ الدنيا خرجوا منها ما وما ذاقوا فيها". قيل له: وما هو؟ قال: "معرفة الله عز وجل!؟ ".

• وقال أَحمد بن عاصم، الأَنطاكي: "أحب أَن لا أَموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرارَ به، ولكن المعرفة التي إِذا عرفته استحييتَ منه! ".

معرفة الله لعبده نوعان]]

ومعرفة الله [أيضًا] لعبده نوعان:

• معرفة عامة، وهي علمه سبحانه وتعالى بعباده واطلاعه على ما أَسرَّوهُ وما أَعْلَنُوه كما قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} وقال: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} .

• والثاني معرفة خاصة، وهي تقتضي محبتَه لعبده، وتقريبَه إِليه، وإِجابة دعائه وِإنجاءَهُ من الشدائد. وهي المشار إِليها بقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه عز وجل ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ فإِذا أَحْبَبْتُه كنت سمعَه الذي يسمعِ به، وِبصَرَه الذي يُبِصرُ به، ويدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه .

وفي رواية: " ولئن دعاني لأُجِيبَنَّهُ".

* * *

من مواقف السلف]]

• ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إِلى بيت حبيب: أَبي محمد فقال له حبيب: يا أبا سعيد! أَليس بينك وبين ربك ما تدعوه به فَيَسْتُرَك من هؤلاء؟ ادخل البيت فدخل ودخل الشُّرَط على أَتره فلم يروه. فذكر ذلك للحجاج. فقال: بل كان في البيت إلا أَنَّ الله طمس أَعينهم فلم يروه.

* * *

• واجتمع الفضيل بن عياضِ بشعوانة العابدة فسألها الدعاءَ فقالت! " يا فضيل! وما بينك وبينه؟ ما إِن دعوتَه أجابك؟ " فغشي على الفضيل .

* * *

• وقيل لمعروف: " ما الذي هيجك إِلى الانقطاع والعبادة، وذكر له الموتَ والبرزخَ والجَنَّةَ والنَّارَ؟ فقال معروف! إِن مَلِكًا هذا كلُّه بيده إِن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا!؟ ".

وفي الجملة]]

• وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإِعانة في حال شدته.

* * *

والدليل]]

• وخرج الترمذي من حديث أَبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"من سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله له عند الشَّدَائد فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخَاء"

• وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية يزيدَ الرقَاشي عن أَنس يرفعه أن يونس عليه الصلاة والسلام لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة: يا رب! هذا صوت معروف من بلاد غريبة؟ فقال الله عز وجل: أَما تعرفون ذلك؟ قالوا: من هو؟ قال: عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عمل متقبَّلٌ، ودعوةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قال: نعم قالوا: يا رب! أَفلا ترحم ما كان يصنع في الرخَاء فتنجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمر الله عز وجل الحوت فطرحه بالعراءِ .

* * *

• وقال الضحاك بن قيس: "اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إِن يونُسَ عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .

• وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أَدركه الغرق قال: آمنت فقال الله تعالى: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} .

* * *

• وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجُلُ دَعَّاءً في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف؛ فشفعوا له. وإِذا كان ليس بدعَّاءٍ في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله قالت الملائكة: صوتٌ لَيْسَ بمعروف، فلا يشفعون له.

• وقال رجل لأَبي الدرداءِ: أَوصني فقال: " اذكُرِ الله في السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ عزّ وجلّ في الضَّراءِ ".

وعنه أَنه قال: "ادْعُ اللهَ في يوم سرَّائكَ لعله أَن يستجبَ لك في يوم ضَرّائك !؟ ".

* * *

أعظم الشدائد]]

وأَعظم الشدائد اليَ تنزل بالعبد في الدنيا: الموت، وما بعده أَشَد منه.

وجوب الاستعداد]]

• إِن لم يكن مصير العبد إلى خير. فالواجب على المؤمن: الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .

وأثر ذلك]]

• فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله عز وجل بالموت وما بعده - ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأَعانه وتولاه وَثبَّتَهُ على التَّوحِيد، فلقيه وهو عنه راض.

ومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعدَّ حينئذ للفائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض عنه وأَهمله. فإِذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءَته البشرى من الله فأحب لمَاء الله: وأَحب الله لقاءَه.

والفاجر بعكس ذلك.

وحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول: {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} .

من مأثور السلف]]

• قال أَبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: " كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان؟ ".

* * *

• وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: " أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم

القرآن كل ليلة؟ ".

• وختم آدم بن أبي إِياس القرآن وهو مسجي للموت ثم قال: " بِحُبِّي لك إِلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤَمّلُكَ لهذا اليوم، كنت أرجو: " لا إله إلا الله! " ثم قضى.

• ولما احْتُضِرَ زكرياءُ بن عدي رفع يديه وقال: "اللهم إِني إليك لمشتاق! ".

* * *

• وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: "سيدي لهذه الساعة خَبَأتُك، فلهذا اليوم اقتنيتُكَ، حَقِّقْ حُسْنَ ظنِّي بك!؟ ".

* * *

• وقال قتادة في قول الله عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} قال: من الكرب عند الموت.

* * *

• وقال علي بن أَبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: ينجِّيه من كل كرب في الدنيا والآخرة .

* * *

• وقال زيد بن أَسلم في قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} .

قال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه .

* * *

• وقال ثابت البناني في هذه الآية: " بلغنا أَن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاهُ اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشي الناس يوم القيامة إِلا هي للمؤمن قرة عين لا هداه الله [تبارك وتعالى]، ولما كان يعمل [له] في الدنيا .

* * *

إذا سألت فاسأل الله]]

• وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إِذا سأَلت فاسأل الله وإِذا استعنتَ فاستعن بالله ".

هذا منتزع من قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} فإِن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إِليه. والدعاءُ هو العبادة. كذا روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثِ النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .

• خرجه الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

وخرج الترمذي من حديث أَنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:

" الدعاءُ مخُّ العبادة " .

فتضمن هذا الكلام: أَن يُسأَلَ الله عز وجل، ولا يُسألَ غيره، وأَن يُستعانَ بالله دون غيره.

فأَما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا:

"سلوا الله من فضله؛ فإِن الله يُحب أَن يُسأَل" .

• وفيه أَيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا:

" من لا يسأَلِ الله يغضَبُ عليه " .

وفي حديث آخر: " ليسأَلْ أَحدُكم ربَّهُ حَاجَتَهُ كلَّها، حتى يَسْألَهُ شِسْعَ نعله إِذا انقطع " .

النهي عن سؤال المخلوقين]]

• وفي النهي عن مسألة المخلوقين أَحاديث كثيرة صحيحة.

وقد بايع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - جماعةٌ من أَصحابه على أَن لا يسأَلوا الناس شيئًا، منهم: أَبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثَوْبَانُ: وكان أَحدهم يسقط سوطه أَو خطام ناقته فلا يسأل أَحدا أَن يناوله إِياه.

• وخرَّج ابن أَبي الدنيا من حديث أَبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أَن رجلا جاءَ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إِن بني فلان أَغاروا عليّ فذهبوا بابني وإِبلي؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن آل محمد كذا وكذا أَهل بيت مالهم مدٌّ من طعام أَو صاع فاسأَل الله عز وجل فرجع إِلى امرأته فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعْمَ مَا رَدَّ عليك!؟. فما لبث أَن رد الله عليه ابنه وإِبله أَوفر ما كانت، فأَتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأَخبره، فصعد المنبر، فحمد الله وأَثنى عليه، وأَمر الناس بمسألة الله عز وجل، والرغبة إِليه، وقرأَ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَن الله عز وجل يقول: "هل من داع فأَستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه سُؤْلَهُ؟ هل من مستغفر فأَغِفرَ له؟ " .

* وخرج المحاملي وغيره من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله تعالى:

"من ذا الذي دعاني فلم أُجبهُ؟ وسألني فلم أُعطِه؟ واستغفرني فلم أَغفِر له، وأَنا أَرْحَمُ الراحمِينَ؟ ".

سؤال الله هو الواجب المتعين]]

* واعلم أَن سؤال الله عز وجل دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار

الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر، ونَيْل المطلوب، وجلب المنافع، ودرءِ المضارّ، ولا يصلح الذل والافتقار إِلا للهِ وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة.

[دعاء الإِمام أحمد]:

* وكان الإمام أَحمد يدعو ويقول: "اللهم! كما صُنْتَ وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك".

هو القادر وحده]]

* ولا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع سواه كما قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} ، وقال: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} والله سبحانه يحب أَن يُسأَلَ ويُرغبَ إِليه في الحوائج. وَيُلَحَّ في سؤاله ودعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤالَهُ وهو قادِر على إِعطاءِ خلقه كلِّهم سُؤْلَهم من غير أَن ينقص من ملكه شيء.

والمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أَن يُسْأَلَ، ويحب أَن لا يُسْأَل: لعجزه وفقره وحاجته.

من مأثورات السلف]]

* ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: "ويحك! تأْتي من يغلق عنك بَابَهُ؟ ويُظْهِر لك فَقْرَة؟ ويواري عنك غِنَاهُ؟ وتدع مَنْ يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار؟ ويظهر لك غناهُ؟ ويقول: ادعني أستجبْ لك؟ ".

* وقال طاووس لعطاء: "إِياك أَن تطلب حوائجك إِلى من أَغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أَمرك أَن تسأَله، ووعدك أَن يجيبك".

حكمة الاستعانة بالله وحده]]

* وأَما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق فلأَن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إِلا الله عز وجل،

فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.

* وهذا تحقيق معنى قول: "لا حول ولا قوة إِلا بالله" فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إِلا بالله.

* وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت وبعده من أَهوال البرزخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإِعانة على ذلك إِلا الله عز وجل؛ فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه أَعانه.

* وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجِزْ" .

من استعان بغير الله]]

* ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به؛ فصار مخذولا.

* * *

[من المأْثور في ذلك]:

* كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: "لا تستعن بغير الله فيكِلَكَ الله إليه".

* ومن كلام بعض السلف: "يا ربِّ! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟ وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟ ".

جف القلم]]

* قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جفّ القلَم بما هو كائن" وفي رواية أُخرى "رُفِعَت الأَقلام وجَفَّت الصُّحُف" هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أَمد بعيد؛ فإِن الكتاب إِذا فرغ منِ كتابته، ورفعت الأَقلام عنه، وطال عهده - فقد رفعت عنه الأَقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب فيها.

وهذا من أَحسن الكنايات وأَبلغها.

دلالات الكتاب والسنة]]

* وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .

* وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"إن الله كتَبَ مقادير الخَلائِقَ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بخَمسين أَلفَ سَنَةٍ" .

* وفيه أَيضًا عن جابر:

"أن رجلا قال: يا رسول الله! فيم العمل اليوم؟ أَفيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير؟ أَم فيما يستقبل؟ قال: "لا، بل فيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير".

قال: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلق له" .

* وخرج الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"إِن أَول ما خلق الله: القلمُ ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" .

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول ذكرها.

* قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلو أَن الخلق جميعًا أَرادوا أَن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك - لم يقدروا عليه، وإِن أَرادوا أَن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك - لم يقدروا عليه".

هذه رواية الإمام أَحمد .

ورواه الترمذي بهذا المعنى أَيضًا .

والمراد أنَّ ما يصيب العبدَ في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدّر عليه، ولا يصيب العبدَ إِلا ما كُتبَ له من ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا.

وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز وجل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} .

وقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} .

وقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} .

وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أَن ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأَه لم يكن ليصيبه" .

وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى ذلك أَيضًا .

مدار الوصية]]

واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأَصل. وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إِليه؛ فإِن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلقَ كلِّهم على خلاف المقدور غيرُ مفيد أَلبتة - علم حينئذ أَن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع؛ فأَوجب ذلك للعبد توحيدَ ربه عز وجل، وإفرادَه بالطاعة، وحفْظَ حدودِهِ؛ فإِن المعبود إِنما يُقصد بعبادته جَلْبُ المنافع، ودَفْعُ المضار؛ ولهذا ذَمَّ الله من يعبد من لَا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا.

مقتضى عقيدة التوحيد]]

* فمن عَلِم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غيرُ الله، أوجب ذلك إفراده بالخوفِ والرجاءِ، والمحبةِ والسؤال، والتضرُّع والدعاء، وتقديمَ طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأَن يُتَّقَى سُخْطُه ولو كان فيه سَخَطُ الخْلق جميعًا، وإفرادَه بالاستعانة به، والسؤال له، وإِخلاصِ الدعاء له، في حال الشدة، وحال الرخاءِ، خلافَ ما كان

المشركون عليه من إِخلاص الدعاءِ له عندَ الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودُعاء مَنْ يَرْجُونَ نَفْعَه مِنْ دونه قال الله عز وجل: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} .

* * *

في الصبر على ما تكره خير كثير]]

* قوله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلم أَن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرًا" يعني أَن ما أَصاب العبدَ من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إِذا صبر عليها كان له في الصبر خير كثير.

* وفي رواية عمر مولى غُفْرة ، وغيره، عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام وهي: "فإن استطعت أَن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل. وإن لم تستطع فإِن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا".

* وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه: لكن إسنادها ضعيف، زيادة أُخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله! كيف أَصنع باليقين؟ قال: "أن تعلم أَن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. فإذا أنت أحكمت باب اليقين ".

* ومعنى هذا: أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق، والتقدير الماضي - يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أَصابه. فمن استطاع أَن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل، فإن لم يستطع الرضا فإِن في الصبر على المكروه خيرًا كثيرًا.

درجتان للمؤمن]]

فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:

إِحداهما: أَن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدًّا، قال عز وجل: {مَا

أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} .

قال علقمة: "هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أَنها من عند الله فيسلِّم لها ويرضى".

* وخرج الترمذي من حديث أَنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِن الله إِذا أَحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخْط" .

* وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: "أسأَلكَ الرضا بعد القضاء" .

* ومما يدعو المؤمنَ إِلى الرضا بالقضاءِ تحقيقُ إِيمانه بمعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"لا يقضي الله للمؤمن قضاء إِلا كان خيرًا له: إِن أَصابته سراءُ شكر، كان خيرا له، وإِن أَصابته ضراءُ صبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" .

وجاءَ رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله أَن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال: "لا تتهم الله في قضائه" .

من أقوال السلف]]

* قال أَبو الدرداءِ: "إن الله عز وجل إذا قضى قضاءً أَحب أَن يُرضى به".

* * *

* وقال ابن مسعود: إِن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزَن في الشك والسُّخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء .

كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما.

* * *

* وقال عمر بن عبد العزيز: أَصبحت ومالي سرور إِلا في مواضع القضاءِ والقدر.

* * *

من وصل إلى هذه الدرجة]]

* فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور. قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} .

* قال بعض السلف: "الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة ".

* وقال عبد الواحد بن زيد: "الرضا باب الله الأَعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين".

أهل الرضا]]

* وأَهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلِي، وخيرتَه لعبده في البلاءِ، وأَنه غير متهم في قضائه.

* وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم أَلم المقضيّ به.

* وتارة يلاحظون عظمة المبتلِي وجلالَه وكمالَه فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالأَلم.

وهذا يصل إليه خواص أَهل المعرفة والمحبة؛ حتى ربما تلذذوا بما أَصابهم لملاحظتهم صدورَه عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أَوجدهم في عذابه عُذُوبَةً.

وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه؟ فقال: أحبُّه إِليه أحبُّه إليّ! ".

وسئل سَرِيّ: هل يجد المحب أَلم البلاءِ؟ فقال: لا.

* * *

وقال بعضهم:

عذابه فيك عَذْبُ … وبُعْده فيكَ قُربُ

وأَنتَ عندي كَرَوحي … بل أَنتَ منها أَحبُّ

حسبى من الحبّ أَني … لما تحِبُ أحِبُّ

* * *

* والدرجة الثانية أَن يصبر على البلاءِ. وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاءِ؛ فالرضا فضل مندوب إِليه مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير؛ فإن الله أَمر به ووعد عليه جزيل الأَجر. قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن.

* والفرق بين الرضا والصبر: أَن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الأَلم وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.

* والرضا: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم وإِن وجد الإِحساس بالألم؛ لكن الرضا يخففه؛ لما يباشر القلبَ من رَوْح اليقين والمعرفة.

وإِذا قوي الرضا فقد يزيل الإِحساس بالأَلم بالكلية، كما سبق.

* * *

واعلم أن النصر مع الصبر]]

قوله - صلى الله عليه وسلم -: "واعلم أَن النصر مع الصبر" هذا موافق لقول الله عز وجل: {قَالَ

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقوله تعالى: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} .

* * *

من المأثور في هذا]]

* وقال عمر لأَشياخ من بني عبس: "بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إِلا صبرنا لهم، كما صبروا لنا".

* وقال بعض السلف: "كلنا نكره الموت، وأَلَم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر".

* وقال البطال: "الشجاعة: صبر ساعة".

* * *

من هو المجاهد]]

* وهذا في جهاد العدُوِّ الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدُوِّ الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإِن جهادهما من أَعظم الجهاد كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"المجاهد من جاهد نفسه في الله" .

* وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن الجهاد: "ابدأ بنفسك

فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها".

* * *

* وقال بقية بن الوليد: أَخبرنا إِبراهيم بن أدهم قال: حدثنا الثقة، عن علي بن أبي طالب، قال: "أوّل ما تنكرون من جهادِكم جهادُكم أنفسَكم".

* وقال إِبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: "قد جئتم من الجهاد الأَصغر، فما فعلتم في الجهاد الأَكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأَكبر قال: جهاد القلب" ويروى هذا مرفوعًا من حديث جابر بإِسناد ضعيف ولفظه:

"قدمتم من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر قالوا: وما الجهاد الأَكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه" .

ويروى من حديث سعد بن سنان عن أَنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"ليس عدوُّك الذي إِذا قتلك أَدخلك الجنة، وِإذا قتلته كان لك نورًا، أَعدى عدوّك نفسُك التي بين جنبيك" .

* * *

* وقال أَبو بكر الصديق رضي الله عنه في وصيته لعمر حين استخلفه: "إِن أَوَّلَ ما اُحَذِّرك نفسُك التي بين جنبيك".

* * *

الصبر في مجاهدة النفس]]

* فهذا الجهاد يحتاج أيضًا إِلى صبر.

فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه - غلب وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه فصار عزيزًا ملكا .

ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك - غُلب وَقُهِرَ وأُسِرَ وصار عبدًا ذليلا أسيرًا في يد شيطانه وهواه، كما قيل:

إِذا المرءُ لم يغلبْ هواه أَقامهُ … بمنْزِلةٍ فيها العزيزُ ذليلُ

* قال ابن المبارك رحمه الله: "من صبر فما أَقل ما يصبر، ومن جزع فما أَقل ما يتمتع؟! ".

إن النصر مع الصبر]]

* فقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَن النصر مع الصبر".

يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن؛ فمن صبر فيهما نُصِرَ وَظفِر بعدوّه، ومن لم يصبر فيهما وجزع قُهر وصار أَسيرًا لعدوه أَو قتيلا له.

* * *

[وإِن الفرج مع الكرب]:

وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأَن الفرَج معَ الكَرْب":

هذا يشهد له قولُه عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} .

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"ضَحِكَ ربُّنَا من قُنوُطِ عباده وقُرْبِ غيره".

خرجه الإِمام أَحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل وفيه: علم الله يوم الغيث أَنه ليُشْرِف عَليكم أَزِلِينَ قَنِطين فيظل يضحك قد علم أَن غيركم إلى قرب" .

والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطْر عنهم، وقنوطهم ويأْسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرَجه، ورحمته لعباده؛ بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون.

وقال تعالى: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} .

وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} .

وقال تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} .

وقال تعالى حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} .

ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك.

وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب! كإنجاء نوح ومن معه في الفُلْكِ، وإِنجاءِ إِبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أُمر بذبحه، وإِنجاء موسى وقومه من الْيَمِّ، وإِغراقِ عَدُوِّهم، وقصص أَيوب، ويونس، وقصص محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أعدائه، وإِنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويوم حُنَينْ، وغير ذلك.

إن مع العسر يسرا]]

* وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وأن مع العسر يسرا" هو منتزع من قوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} وقوله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .

لن يغلب عسر يسرين]]

* وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم، واللفظ له، من حديث أَنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: لو جاء العسر فدخل هذا الجُحْرَ لجاءَ اليسر حتى يدخل عليه فيُخْرِجَه، فأنزل الله عز وجل: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} .

* وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه.

وفي حديثه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لن يغلبَ عُسرٌ يُسرَين".

* وروى ابن أبي الدنيا لإِسناده عن ابن مسعود قال: لو أَن العسر دخل في جُحْر لجاءَ اليسر حتى يدخل معه. ثم قال: قال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

وبإِسناده أَن أَبا عبيدة حُصر فكتب إِليه عمر رضي الله عنهما يقول: مهما ينزل بامرئ شدةٌ يجعل الله بعدها فرجا، وإِنه لن يغلب عسر يسرين، وإِنه سبحانه يقول: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .

من أسرار اقتران الفرج بالكرب]]

ومن لطائف أَسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أَن الكرب إِذا اشتدّ وعظم وتناهى - حصل للعبد الإياسُ من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده. وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أَعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. فإِن الله عز وجل يكفي من تو كل عليه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} .

وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاءَ مالك الأَشجعي إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل إليه أَن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فأَتاه الرسول، فأخبره، فأَكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إِلا بالله. وكانوا قد شدّوه بالقِد فسقط القِدُّ عنه؛ فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها فأقبل فإذا هو بِسَرْحِ القوم الذين كانوا شدوه، فصاح بهم، فأَتبع آخرَها أَولَها، فلما يفجأ أَبويه إِلا وهو ينادي بالباب، فقال أَبوه: عوف وربِ الكعبة! فقالت أُمه: واسوأَتاه! وعوف كئيب يأَلم لما هو فيه من القِدِّ، فاستبق الأب والخادم إليه، فإِذا عوف قد ملأَ الفناءَ إِبلًا، فقصّ على أَبيه أمره وأَمر الإبل، فأَتى أَبوه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأَخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اصنع بها ما أَحببت، وما كنت صانعًا بإِبلك، ونزل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} .

من المأثور في ذلك]]

* قال الفضيل: "والله لو يئستَ من الخلق حتى لا تريدَ منهم شيئًا لأَعطاكَ مولاكَ كَلَّ ما تُرِيدَ".

* وذكر إِبراهيم بن أدهم، عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي أَلْحَفُ من أَن يقول العبد: ما شاء الله! قال: يعني بذلك التفويضَ إِلى الله عز وجل.

* وقال سعيد بن سالم القدَّاح: "بلغني أَن موسى عليه الصلاة والسلام كانت له إلى الله حاجة فطلبها فأَبطأَتْ عليه. فقال: ما شاء الله! فإِذا حاجته بين يديه، فعجب، فأَوحى الله عز وجل إِليه: أَما علمتَ أَن قولك: "ما شاءَ الله" أَنجح ما طلبتَ به الحوائجُ؟!.

السلوك الأمثل في هذا]]

وأَيضًا فإِن المؤمن إِذا استبطأَ الفرج، وأَيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أَثر الإِجابة - يرجع إِلى نفسه باللائمة، ويقول لها: إنما أُتيت من قِبَلكِ ولو كان فيك خير لأُجِبْتُ.

وهذا اللوم أَحب إِلى الله من كثير منِ الطاعات؛ فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأَنه أَهل لما نزل من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاءِ؛ فلذلك تسرع إِليه حينئذ إِجابة الدعاءِ، وتفريج الكرب، فإِنه تعالى عند المنكسرة قلوبُهُم من أَجله.

* * *

قال وهب: تعبَّد رجل زمانا ثم بدت له إِلى الله حاجة فصام سبعين سبتا يأْكل في كل سبت إِحدى عشرة تمرة، ثم سأَل الله حاجته فلم يُعطَهَا، فرجع إِلى نفسه فقال: منكِ أُتيت، لو كان فيكِ خير أُعطِيتِ حاجتك. فنزل إِليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك .

أخرجه ابن أَبي الدنيا .

ولبعض المتقدمين في هذا المعنى:

عسى ما ترى أن لا يدومَ وأن تَرى … له فَرَجًا مما ألحّ به الدهْرُ

عصي فرَجٌ يأْتي به الله إِنه … له كلّ يَوْم في خَليقته أَمْرُ

إِذا لاحَ عُسْرٌ فارْجُ يُسْرًا فإِنه … قضَى الله أَن العُسْر يَتْبعُهُ اليُسْرُ

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك…

قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم مكة في حجة الوداع ومعه هديه وقدم علي بن أبى طالب رضي الله عنه من اليمن، ومعه هدي، وبما أنها صدقة للفقراء والمساكين، فليس لمهديها حق التصرف بها، أو بشيء منها على طريقة المعاوضة، فقد نهاه أن يعطي جازرها منها، معاوضة له على عمله، وإنما أعطاه أجرته من غير لحمها وجلودها وأجلتها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • مشروعية الهدي، وأنه من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • الأفضل كونه كثيرًا، عظيم النفع، فقد أهدى النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة بدنة.
  • الأفضل أن يتصدق بها، وبما يتبعها، من جلود وأجلة، وله أن يأكل من هدي التطوع وما أهداه في الحج بأنواعه الثلث فأقل.
  • لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا على سبيل المعاوضة والأجرة، أما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه صاحبها -إذا كان فقيرًا- فلا بأس.
  • جواز التوكيل في ذبحها والتصدق بها.
  • منع بيع شيء من الهدي كما يُمنع أن يجعل شيء من لحمها أجرة للجزار.
  • فضل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 14 جمادى الأولى
بدر اليوم 15.5 / 29.5
الإضاءة 99%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56