"إِنَّما الأعْمَالُ بِالنّيات، وِإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوىَ، فَمنْ كَانتْ…

الإسلام > حديث > الأربعون النووية > حديث 1

الحديث رقم 1 من كتاب «الحديث الأول» في الأربعون النووية، تحت باب: الحديث الأول.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما…

عَنْ أَمير الْمؤمنين: أَبي حَفْصٍ: عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عنه قَالَ:سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّما الأعْمَالُ بِالنّيات، وِإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوىَ، فَمنْ كَانتْ هِجرتُهُ إِلى الله وَرَسُولِه فَهِجْرتُه إِلى الله وَرَسُولِه، ومَنْ كانتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصِيبُهَا، أو امرأةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليْه". رواه البخارىِ ومسلم

شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله

من «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم».

اضغط لعرض شرح ابن رجب كاملًا

راوٍ وقيل: رواه عنه سبعمائة راوٍ .

ومن أعيانهم: [الإمام] مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم.

* * *

صحة الحديث وتلقي الأمة له]]

واتفق العلماء على صحته وتلقِّيه بالقبول، وبه صدَّر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدنيا، ولا في الآخرة؛ ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: "لو صنفت الأبواب لجعلت حديث عمر [بن الخطاب] في الأعمال بالنية في كل باب".

وعنه أنه قال: "من أراد أن يصنِّفَ كتابًا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات" .

* * *

القيمة العلمية للحديث]]

وهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها.

* * *

عند الشافعي]]

فروي عن الشافعي أنه قال: "هذا الحديث ثُلُث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من

الفقه" .

عند أحمد]]

وعن الإمام أحمد رضي الله عنه قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث:

حديث عمر: "إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيات".

وحديث عائشة: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرِنَا [هَذَا] مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

وحديث النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ" .

* * *

عند الحاكم]]

وقال الحاكم: "حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنه ذكر قوله عليه السلام: "الأعمال بالنيات"

وقوله: إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يجمَعُ فيِ بَطْن أُمِّه أَرْبَعيِنَ يَوْمًا" .

وقوله: "مَن أحْدَثَ فيِ ديننا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" فقال: ينبغي أن يبدأ بهذه الأحاديث في كل تصنيف. فإنها أصول الأحاديث".

* * *

عند إسحاق بن راهويه]]

وعن إسحاق بن راهويه قال: "أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ".

وحديث: "الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرامُ بَيِّنٌ" .

وحديث: "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْن أُمِّهِ أَرْبَعين يَوْمًا".

وحديث: "مَنْ صَنَعَ في أمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

* * *

عند أبي عبيد]]

وروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: "جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- جميع أمر الآخرة في كلمة: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

وجمع أمر الدنيا كلَّه في كلمة:

"إنما الأعْمَال بالنِّيات":

ويدخلان في كل باب .

* * *

عند أبي داود]]

وعن أبي داود قال: "نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة آلاف حديث على أربعة أحاديث:

حديث النعمان بن بشير: "الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ".

وحديث عمر: "إِنَّما الأعْمالُ بِالنِّيات".

وحديث أبي هريرة: إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله أَمَرَ الْمؤمنين بِما أَمَرَ بِه المرْسَلينَ. . الحديث" .

وحديث: "مِنْ حسنِ إِسْلامِ المرْءِ تَرْكُهُ مَالا يَعْنيِهِ".

قال: "فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم".

* * *

وعن أبي داود، أيضًا قال: "كتبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنْتُهُ هذا الكتاب، يعني كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث .

ويكفىِ الإنسانَ من ذلك لدينه أربعةُ أحاديث:

أحدها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ" .

والثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مِنْ حُسْن إِسْلام الْمرءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه".

والثالث: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَكُونُ المؤمن مُؤْمنًا حَتَّى لا يَرْضَى لأخِيه إِلَّا مَا يرَضَى لِنَفْسِهِ".

والرابع: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرامُ بيِّنٌ" .

* * *

وفي رواية أخرى عنه أنه قال:

الفقه يدور على خمسة أحاديث: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ".

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار" .

وقوله "الأَعَمالُ بِالنِّيات".

وقوله: "الدِّينُ النَّصيِحَةُ" .

وقوله: "مَا نَهْيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمرْتُكُمْ بِه فَائْتُوا منه مَا اسْتَطَعْتُمْ" .

* * *

وفي رواية عنه، قال: "أصول السُّنن في كل فن أربعة أحاديث: حديث عمر : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات".

وحديث: الْحَلالُ بَيِّنٌ، والْحَرامُ بَيِّنٌ".

وحديث: "مِنْ حُسْنِ إِسْلام الْمرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه".

وحديث: "ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّكَ الله وازْهَدْ فيِمَا في أَيْدى النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ" .

* * *

[عند الحافظ طاهر بن مفوِّز]:

وللحافظ أَبي الحس: طاهر بن مُفَوِّز المعافري الأندلسي:

عمدة الدين عندنا كلمات … أربعٌ من كَلام خَيْرِ البَريّهْ

"اتق الشبهات" "وازهد" ودع ما … ليس يعنيك" "واعْمَلنَّ بنيّهْ"

* * *

معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: إنما الأعمال بالنيات]]

• فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيات".

وفي رواية: "الأعْمَالُ بِالنِّيات":

وكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح، وليس غرضنا ها هنا توجيهَ ذلك ولا بسطَ القول فيه.

* * *

عند كثير من المتأخرين]]

وقد اختلف في تقدير قوله: "الأعمال بالنيات": (فكثير من المتأخرين يزعم أنا تقديره: الأعمال صحيحة، أو معتبرة ومقبولة، بالنيات) وعلى هذا: فالأعمال إنما أريد بها: الأعمالُ الشرعيةُ المفتقرةُ إلى النية.

الأعمال ليست على عمومها]]

فأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات كالودائع والغصوب ، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية.

فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة ها هنا.

وهى على عمومها عند جمهور المتقدمين]]

وقال آخرون: بل الأعمال هنا على عمومها لا يخص منها شيء.

وحكاه بعضهم عن الجمهور، كأنه يريد به جمهور المتقدمين.

وقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي، وغيرهما من المتقدمين.

وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ قال في رواية حنبل : أُحب لكل من عمل عملا من صلاة أو صيام أو صدقة أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الأعْمَال بِالنِّيَّات".

فهذا يأتي على كل أمر من الأمور.

* * *

• وقال الفضل بن زياد: "سألت أبا عبد الله يعني أحمد عن النية في العمل، قلت: كيف النية؟ قال: يعالج نفسه؛ إذا أراد عملا: لا يريد به الناس".

* * *

• وقال أحمد بن داود الحربي: "حدث يزيد بن هارون بحديث عمر: "الأَعْمالُ بالنيَّاتِ" - وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد! هذا الخناق؟! ".

* * *

تقدير الكلام]]

وعلى هذا القول فقيل تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات، فيكون إخبارًا عن الأعمال الاختيارية: أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل، وهو سبب عملها ووجودها، ويكون قوله بعد ذلك "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى" إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته؛ فإن كانت صالحة؛ فعمله صالح؛ فله أجره، وإن كانت فاسدة؛ [فعمله فاسد] ؛ فعليه وزره؟.

* * *

احتمال آخر]]

ويُحتَمل أن يكون التقدير في قوله: "الأعْمال بِالنِّيَّات" الأعمال صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها: بالنيات، فيكون خبرًا عن حكم شرعي وهو: أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَواتيمِ" أي أن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة.

* * *

معنى قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى"

وقوله بعد ذلك: "وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوى" إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به: فإن نوى خيرًا حصل له خير، وإن نوى شرًّا حصل له شر.

وليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولى؛ فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة.

وقد تكون نيته مباحة؛ فيكون العمل مباحًا؛ فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب.

فالعمل في نفسه: صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية (الحاملة عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيتة ) التي بها صار العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا.

* * *

النية في اللغة]]

واعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضعَ ذكره.

* * *

وعند علماء الشرع]]

والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:

أحدهما: بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك.

وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.

* * *

والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم الله وغيره؟

وهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم، في كلامهم على الإخلاص وتوابعه. وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين.

* * *

كتاب الإخلاص والنية]]

وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه "كتاب الإخلاص والنية" وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-: تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك. وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله عز وجل بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها.

* * *

لماذا فرقوا بين النية والإرادة؟]]

وإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء.

فمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك؛ كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك.

* * *

النية في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي القرآن].]

وقد ذكرنا أن النية في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعني الثاني غالبًا؛ فهي حينئذ بمعنى الإرادة؛ ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا كما في قوله تعالى:

{مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} .

وقوله عز وجل: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} .

وقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} .

وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

وقوله: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} .

وقوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .

وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} .

* * *

النية قد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء]]

وقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى} .

وقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} .

وقوله تعالى {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} .

وقوله: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .

* * *

مع الآية الأخيرة]]

فنفي الخير عن كثير مما يتناجى الناس به؛ إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس؛ لعموم نفعهما؛ فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء مرضاة الله.

وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا وإن لما يُبْتَغَ به وَجْهُ الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي؛ فيحصل به للناس إحسان وخير.

وأما بالنسبة إلى الآمر فإن قَصدَ به وجه الله وابتغاءَ مرضاته؛ كان خيرًا له وأُثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه.

وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله يقصد بذلك عَرَضَ الدنيا؛ فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحدٍ، اللهم! إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك.

* * *

ما ورد في السنة عن هذا المعنى]]

وأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًّا، ونحن نذكر بعضه كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ غَزَا فيِ سَبِيل الله وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى" .

* * *

• وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ، بَيْن الصَّفَّين: الله أعْلَمُ بنيته" .

* * *

• وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيّاتِهِمْ" .

* * *

• ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا يُبعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ" .

• وخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّمَا يُبْعَثُ المقُتَتِلُونَ عَلَى النِّيَّات ".

* * *

• وفي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَعُوذُ عَائذٌ

بِالبَيْتِ فيُبْعَثُ إِلَيْه بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْداءَ مِنَ الأَرْض خُسِفَ بِهمْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَكَيْفَ بِمنْ كَان كَارهًا؟ قَالً: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلكِنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى نِيَّتِه" .

* * *

وفيه أيضًا عن عائشة رضي الله عنها عن النبي -صلى الله عليه وسلم- معنى هذا الحديث وقال فيه: "يَهِلكُونَ مَهْلِكًا واحدًا، وَيصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ الله عَلَى نِيَّاتِهم" .

* * *

وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بنِ ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ الله عليه أمرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينْ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مَنَ الدُّنْيَا إلا مَا كَتَبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ نِيَّتَهَ جَمَعَ اللهُ لَهُ أمَره، وَجَعَل غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَأتَتْهُ الدُّنَيا وَهِي رَاغمَةٌ" .

• هذا لفظ ابن ماجه .

• ولفظ أحمد: "مَنْ كَان هَمُّهُ الآخِرَة … ومَنْ كِانت نِيَّتُهُ الدُّنْيا".

وخرجه ابن أبي الدنيا وعنده "مَنَ كَانَتْ نيتُهُ الآخرةَ … ومَنْ كانت نيتُه الدّنيا" .

* * *

وفي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً

تَبتَغِي بَها وَجْهَ الله إِلا أُثِبْتَ عَلَيْها؛ حَتَّى اللُّقْمةَ تَجْعلُها في في امْرَأتِكَ" .

* * *

النية في أقوال السلف]]

وروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر رضي الله عنه قال: "لا عَمَلَ لِمِنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلا أجْرَ لِمَنْ لَا حِسْبَة لَهُ" .

يعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله عز وجل.

وبإسناد ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لا ينفع قول؛ إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل؛ إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية ؛ إلا بما وافق السنة.

* * *

• وعن يحيى بن أبي كثير قال: "تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل" .

* * *

• وعن زُبَيد اليامي قال: "إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب".

• وعنه أنه قال: "انْوِ في كل شيء تريد الخير، حتى خروجِك إلى الكُنَاسة".

* * *

• وعن داود الطائي، قال: "رأيت الخير كله إنما يجمعه حُسْنُ النية؛ وكفاك به خيرا وإن لم تَنْصَب".

* * *

• قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقِيِّ. ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردَّته يومًا نيته إلى أصله".

* * *

• وعن سفيان الثوري قال: "ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ عن نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ" .

* * *

• وعن يوسف بن أسباط قال: "تخليص النية من فسادها أَشَدُّ على العاملين من طول الاجتهاد".

* * *

• وقيل لنافع بن جُبَيْر ألا تشهد الجِنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي قال: ففكر هنيهة ثم قال: امض.

• وعن مطرف بن عبد الله قال: "صلاحُ القلب بصلاح العمل، وصلاحُ العمل بصلاح النية ".

• وعن بعض السلف قال: "من سَرَّه أنْ يكمل له عمله فليُحْسِن نيَّته؛ فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حَسُنَتْ نيته حتى باللقمة".

* * *

• وعن ابن المبارك قال: "رُبَّ عملٍ صغير تُعَظِّمه النية، ورب عمل كبير تُصَغِّره النية".

* * *

• وقال ابن عجلان: "لا يَصْلُح العمل إلا بثلاث: التقوى لله؛ والنية الحسنة؛ والإصابة".

* * *

• وقال الفضيل بن عياض: "إنما يريدُ الله عزَّ وجلَّ منك نِيَّتَكَ وإرادتَك".

* * *

• وعن يوسف بن أسباط قال: "إيثار الله عز وجل أفضلُ من القتل في سبيله" .

* * *

• خرج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدنيا في "كتاب: الإخلاص والنية".

* * *

وروي فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: "أفضل الأعمال أداء ما افترض الله عز وجل، والورَعُ عما حرم الله عز وجل، وصدْقُ النيَّة فيما عند الله عز وجل".

* * *

قيمة الحديث بين الأحاديث]]

وبهذا يُعلم معنى ما روي عن الإمام أحمد أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث:

حديث: "الأَعَمالُ بِالنيَّاتِ".

وحديث: مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

وحديث: "الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ".

فإن الدين كلَّه يرجع إلى فعل المأمْورَاتِ، وتَرْكِ المحظوراتِ، والتوقُّف عن الشبهات.

وهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير.

[وتمام ذلك]:

وِإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة رضي الله عنها: "مَنْ أَحْدَثَ فيِ أمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ".

والثاني أن يكون العمل في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله عز وجل كما تضمنه حديث عمر: "الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ".

أخلص العمل وأصوبه]]

وقال الفضيل في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} .

قال: "أخلصُهُ وأصوبُهُ، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابا لم يُقْبَل.

وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل.

حتى يكون خالصًا وصوابًا".

قال: "والخالص: إذا كان لله عز وجل.

والصواب: إذا كان على السنة!؟ ".

* * *

دليل ذلك]]

• وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل قوله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .

• وقال بعض العارفين: "إنما تفاضلوا بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة".

* * *

عود إلى شرح الحديث]]

• وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُها أو امْرأةٍ يَنْكحُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِليْه".

* * *

حكمة ترتيب الجمل في الحديث]]

• لما ذكر -صلى الله عليه وسلم- أن الأعمال بحسب النيات، وأن حَظَّ العامل من عمله نيتُه منْ خير أو شر. وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان، لا يخرج عنهما شيء -ذكر بعد ذلك مثالا من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.

* * *

أصل معنى الهجرة]]

• وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها.

* * *

[من هاجر حبًّا في الله ورسوله]:

• فمن هاجر إلى دار الإسلام؛ حُبًّا لله ورسوله؛ ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه -حيث كان يعجز عنه في دار الشرك- فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًا. وكفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.

* * *

إعادة الشرط بلفظه]]

• ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة.

* * *

من هاجر للدنيا]]

ومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا يصيبها أو امرأة

ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك.

* * *

• فالأول تاجر.

• والثاني خاطب.

وليس واحد منهما بمهاجر .

* * *

التعبير بقوله إلى ما هاجر إليه]]

وفي قوله "إلى ما هاجر إليه" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به؛ حيث لما يذكره بلفظه.

حكمة أخرى لإعادة الجواب بلفظ الشرط]]

• وأيضا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة لا تعدد فيها؛ فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط.

[وثالثة]:

والهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر؛ فقد يُهَاجر الإنسان لطلب الدنيا: مباحة تارة؛ ومحرمة تارة أخرى.

وأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر؛ فلذلك قال: "فهجرته إلى ما هاجر إليه".

يعني كائنا ما كان.

* * *

[كانت المهاجِرة تُحلَّف]:

• وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} .

قال: "كانت المرأة إذا أتت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَلَّفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبةً بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماسَ دُنْيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله! ".

أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزَّار في مسنده .

وخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا .

قصة مهاجر أم قيس]]

• وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن شقيق، هو أبو وائل، قال: "خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تَزَوَّجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجته؛ فكنا نُسَمِّيه مهاجر أم قيس قال: فقال عبد الله -يعني ابن مسعود- "من هاجر يبتغي شيئًا فهو له" .

وهذا السياق يقتضي أن هذا لما يكن في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان في عهد ابن مسعود. ولكن روى من طريق سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجها وكنا نسميه مهاجر أم قيس.

• قال ابن مسعود رضي الله عنه: من هاجر لشيء فهو له.

* * *

لا أصل لها]]

• وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هى كانت سبب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ومن كانت هِجْرَتُه إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امرَأةٍ يَنْكِحُهَا"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في

كتبهم ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح والله أعلم .

قياس الأعمال على الهجرة]]

وسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى؛ فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد وغيرهما.

وقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اختلاف نيات الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قَاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله".

فخرج بهذا كلُّ ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية.

ومن ذلك الجهاد]]

• فَفِي الصَّحيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسَىَ الأَشْعَريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَّ أعْرابيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُول الله! الرَّجُلُ يُقاتِلُ للَمَغْنَم، وَالرَّجلُ يُقَاتِل للذّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتلُ ليُرى مَكانُهُ؛ فمن في سَبيل الله؟ فَقَالَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَاتَلِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي الْعُلْيَا فَهُو في سَبيِل الله".

• وفي رواية لمسلم سُئِلَ رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- عَن الرَّجُلِ يُقَايلُ شَجَاعةً، وَيُقَاتِلُ حَميَّةً، ويُقَاتلُ رِيَاءً فأيُّ ذَلِكَ فيِ سَبِيلِ الله؟ فَذكَرَ الْحَدِيثَ.

• وفي رواية له أيضًا: الرَّجُلُ يُقُاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً .

* * *

• وخرَّج النّسائيُّ من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلا غَزَا يلتمس الأجر والذكر! ماله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا شَيء له" ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلا مَا كَانَ خَالِصًا وابْتُغِيَ بِه وَجْهُهُ" .

* * *

• وخرَّجَ أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ يُرِيدُ الجهَادَ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا؟ فقال رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا أَجْرَ لَهُ" فأعَأدَ عَلْيهِ ثَلاثًا والنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "لا أَجْرَ لَهُ" .

* * *

• وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأمَّا مَنَ ابتَغَى وَجْهَ الله: وَأطَاعَ الإمامَ، وأَنْفَقَ الكَرَيمةَ، وَيَاسَر الشَّريكَ وَاجتَنَبَ الْفَسَادَ -فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّه، وأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وسُمْعةً، وَعَصىَ الإِمَامَ، وأفْسَدَ فيِ الأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفَافَ" .

* * *

• وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الجهِاد والْغَزْو؟ فَقَالَ: إنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ الله صَابِرًا مُحْتَسبًا، وإن قَاتَلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا بَعَثَك الله مُرائِيًا مُكاثِرًا: عَلَى أيِّ حَالٍ قَاتلْتَ أوْ قُتِلْتَ بَعَثكَ الله عَلَى تيك الحَال".

* * *

وتعليم العلم والإنفاق]]

• وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حديث أبي هُرَيرَة رَضيَ الله عَنْهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقولُ: "إِنَّ أوّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشهد فَأُتِيَ به فَغَرّفَهُ نعمه فَعرَفَها فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ؟ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكنَّكَ قَاتَلتَ لأنْ يُقَالَ جَريءٌ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرِ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهه حتَّى أُلْقِيَ في النَّار".

"وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعلْمَ وعلَّمَهُ وقَرَأ القُرآنَ فأُتِيَ بِه فَعَرّفه نِعَمَهُ فَعَرفَهَا قَال: فما عَمِلَتَ فِيها؟ قَالَ: تَعلّمْتُ العلْمَ وَعلَّمْتُهُ، وقَرأْتُ فِيكَ القُرآنَ؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكِنَّك تَعلّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عالِمٌ، وقَرأتَ القرآن لِيُقَال قَارئ فَقَدْ قيل ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهه؛ حتى أُلْقِي في النَّار".

" وَرَجلٌ وسُّعَ الله عليه وأَعْطَاهُ مِنْ أصناف الْمَال كُلِّه فأُتِيَ به فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرفَها، قَال فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قَال مَا تَركْتُ مِنْ سَبيلٍ تحبُّ أنْ يُنفْقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها لك؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكنكَ فَعلْت لِيقَالَ هوُ جَوَادٌ؟ فَقَدْ قِيلَ، ثمّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلىَ وَجْهه ثم أُلْقِيَ فيِ النَّار".

* * *

معاوية يبكي عند سماعه هذا الحديث]]

• وفي الحديث أن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غُشِيَ عليه فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله عز وجل:

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّار} .

* * *

الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله]]

• وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

• "مَنْ تَعلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتغَى به وَجْهُ الله لا يَتَعلَّمهُ إلا ليُصِيبَ له عَرضًا من الدّنيا لَم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يَوْمَ القِيامَة" .

يعني رِيحهَا.

* * *

• وخرَّج الترمذي: من حديث كعب بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ ليُمارِيَ به السُّفَهَاءَ، أو يُجَارِيَ بِه العُلَمَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وْجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهَ النَّار ".

* * *

• وخرجه ابن ماجه بمعناه من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر رضي الله عنهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولفظ حديث جابر: "لا تَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، وَلا لتِمارُوا به السُّفَهَاءَ وَلا تخيَّروا به الْمَجَالِسَ؛ فَمَنْ فَعَل ذَلَك فالنّارَ النّارَ".

* * *

• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "لا تَعلَّموا لثلاث: لتُمَارُوا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصْرِفوا به وجُوهَ الناس إليكم، وابتغوا بقولكم

وفعلكم ما عند الله. فإنه يبقى، ويذهب ما سواه".

[الوعيد على العمل لغير الله عمومًا]:

• وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا.

كما خرج الإمام أحمد من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "بَشِّرْ هذهِ الأُمَّةَ بالسَّناءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّين والتَّمكين في الأرض؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُم عَمَلَ الآخرة للِدّنْيَا لَئم يكُنْ لَهُ فيِ الآخِرِة نصيب" .

* * *

أقسام العمل لغير الله]]

• واعلم أن العمل لغير الله أقسام:

رياء محض]]

• فتارة يكون رياء محضا؛ بحيث لا يراد به سوى مراآة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم؛ كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} .

وقال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} .

كذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحْضِ في قوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} .

وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام.

وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي

يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز.

وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقتَ من الله والعقوبة.

* * *

عمل لله مع رياء]]

• وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء.

• فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا.

وفي صحيح مسلمِ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَقُولُ الله تَبَارَك وَتَعالَى: "أَنَا أغنىَ الشُّرَكَاءِ عَنِ الشُّرْكِ مَنْ عَملَ عملًا أشْرك فيه مَعِى غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشَريكَهُ" .

* * *

• وخرجه ابن ماجه ولفظه: "فأنا منه بريءٌ وهو للذي أشرك" .

* * *

وخرج الإمام أحمد عن شدَّاد بن أَوْسٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَلَّى يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، ومَنْ تَصَدَّق يُرائي فَقَدْ أشْرَكَ؛ فَإِنّ الله عزَّ وَجَلَّ يقوُلُ: أنا خَيْرُ قَسِيمٍ لمنَ أشْرَكَ بي شيئًا؛ فإنَّ حَشْدَهُ عَمَلَه قَليلَهُ وكثيرَه لِشَريكه الذي أشْركَ بهِ، وَأنا عنْهُ غَنِيٌّ" .

• وخرّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد بن أبي فضالة

وكان من الصحابة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ والآخِرينَ لِيوم لا رَيْبَ فِيه نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أشْرَكَ في عَمَل عَمِلَهُ لله عز وجل فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْد غَيْر الله عَزَّ وَجَلَّ؛ فإنَّ الله أغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشَّركِ" .

* * *

وخرَّج البزَّار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبىِ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الله عزّ وَجلَّ يُقول: أنا خَيْرُ شَريكٍ، فَمَنْ أشْرَكَ مَعِي شَريكًا فهو لشريكي. يَا أيُّها النَّاسُ! أخلصوا أعْمالكُمْ لله عَزَّ وَجلَّ فَإِنَّ الله [تبارك وتعالى] لا يقْبَلُ مِنَ الأَعْمَالِ إلا مَا أُخْلِصَ لَهُ، وَلا تَقُولُوا هَذَا لله والرَّحم، فإنَّها للرَّحم وَلَيس لله منِها شَيءٌ، وَلا تَقُولوا هَذا لله ولِوُجوهِكُمْ؛ فإنَّها لوِجُوهِكُمْ، ولَيْسَ لله فيها شَيْءٌ ".

* * *

وخرج النّسَائىِ بإسنادٍ جَيِّد عَنْ أبي أُمامةَ الَباهِليِّ رضِىَ الله عَنْه أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَال: يَا رَسُول الله! أرأيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرِّ والذِّكْرَ؟ [ماله]؟ فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا شَيء لَهْ" فأعَادَها عَلَيْه ثَلاثَ مَرّاتِ يقُولُ لَهُ رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا شَيْء لَهُ" ثمّ قَالَ:"إِنّ الله لا يَقْبل مِنَ الْعَملِ إلا ما كَان لَه خَالِصًا وابْتُغِيَ بهِ وَجْهُهُ" .

* * *

وَخَرَّجَ الحاكِمُ مِنْ حَدِيث ابن عَباس رَضِيَ الله عَنْهُما قَالَ: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّى أقف الموْقِفَ أريدُ به وَجْهَ الله، وأريدُ أنْ يُرَى مَوْطِني؟ فَلَمْ يرُدَّ عَلَيْه رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا حتَى نَزلت: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .

وممَّن رُوي عنه هذا المعنى -وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا- طائفةٌ من السلف منهم: عُبَادةُ بنُ الصامت، وأبو الدّرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب وغيرهم.

* * *

• وفي مراسيل القاسم بن مُخَيْمَرةَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يقبل الله عَمَلا فيه مثقالُ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ من رياء".

ولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف، عن بعض المتأخرين.

* * *

العمل يخالطه غير الرياء]]

فإن خالط نيَّةَ الجهاد مَثَلا نيةٌ غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة؛ أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية.

* * *

• وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ الْغُزَاةَ إذَا غَنِمُوا غَنِيَمةً تَعَجَّلُوا تلثي أَجْرِهِمْ، فَإن لَمْ يَغْنَموُا شَيْئًا تَمّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ" .

التوفيق بين هذا وبين ما مضى]]

• وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه

لا أجر له.

وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.

• وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكَاري أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غَزاتهم، ولا يكونوا مثلَ مَنْ جاهد بنفسه وماله ولا يخلط به غَيْرَهُ.

• وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: "إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس [أن يأخذ] كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه".

* * *

• وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا أجمع أَحَدُكم على الغزو فعوَّضَهُ الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن منع درهمًا مكث فلا خير في ذلك".

* * *

• وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسًا.

* * *

• وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره.

• وقد روي عن مجاهد [أنه قال] في حج الجمَّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء.

وهو محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.

* * *

العمل لله ثم تطرأ عليه نية الرياء]]

وأما إن كات أصل العمل لله ثم طرأت عليه نيَّةُ الرياء: فإن كان خاطرا ودَفَعهُ فلا

يضرُّه بغير خلاف؛ فإن استرسل معه فهل يَحْبَطُ عَمَلُه أم لا يضره ذلك ويُجَازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف؛ قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، ورجَّحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازَى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره.

• ويُستْدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء الخراساني:

أَنَّ رجُلًا قَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّ بنى سَلمةَ كُلَّهُمْ يُقَاتِلُ؛ فَمِنْهم مَنْ يُقَاتِل للدنْيا، وَمِنْهُمْ مَن يُقَاتلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتلُ ابْتَغَاءَ وَجْه الله؛ فأيُّهُمْ الشَّهِيدُ؟ قَال: "كُلّهُمْ إِذا كَانَ أصْلُ أمْرِهِ: أَنْ تَكُونَ كَلَمةُ الله هِيَ الْعُلْيَا".

* * *

فيم يختلف العلماء في هذا؟]]

• وذكر ابن جرير: أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج.

فأما مالا ارتباط فيه كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم؛ فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية.

* * *

وكذلك روى عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحَدِّث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات.

* * *

• ولا يَرِدُ على هذا: الجهادُ، كما في مرسل عطاء الخُرَساني؛ فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج.

* * *

[العمل لله ثم يُلقِي الله له الثناء الحسن]:

فأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناءَ الحسنَ في قلوب المؤمنين بذلك ففرح

بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك - لم يضرَّه ذلك.

[دليل ذلك]:

• وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: "تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى المُؤْمِنِ" خرجه مسلم.

وخرجه ابن ماجه وعنده: "الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لله فُيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْه" .

وبهذا المعنى فسره الإِمام أحمد وإِسحاقُ بن رَاهَوَيهِ وابن جرير الطبري وغيرهم.

وكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل فَيُسِرُّه؛ فإذا اطُّلعَ عليه أعْجَبهُ؟ فقال: "لَهُ أجْرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأجْرْ الْعَلانِيَةِ ".

ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية.

* * *

[وجملة القول]:

• وبالجملة فما أحسن قولَ سهل بن عبد الله التُّسْتَرِى ليس على النفس شيء أشقَّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب!؟

• وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص. وكم أجتهدُ في إسْقَاطِ الرِّياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخرَ!؟

• وقال ابن عيينة: كان من دعاء مُطرِّف بن عبد الله:

"اللهم إني أَسْتغفِرُكَ مما تُبْتُ إليك منه ثم عُدْتُ فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوفِ لك به، وأستغفرك مما زعمتُ أني أردتُ به وَجْهَكَ فخالطَ قلبي منه

ما قد عَلِمْتَ"

* * *

[فصل: [في بعض الأحكام الفقهية للنية]]

وأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء وهو تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات بعضها من بعض فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارةً حِمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركًا للشهوات لله عز وجل؛ فيُحتَاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه.

• وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرضٌ ومنها نَفْلٌ.

والفرضُ يتنوع أنواعًا؛ فإن الصلوات المفروضاتِ خَمسُ صلوات كلَّ يوم وليلة والصوم الواجب تارةً يكون صيامَ رمضان. وتارةً صيامَ كفارة أو عن نَذْرٍ.

ولا يتميز هذا كله؛ إلا بالنية.

* * *

• وكذلك الصدقة تكون نفلا، وتكون فرضًا.

والفرض منه زكاة، ومنه كفارة.

ولا يتميز ذلك إلا بالنية.

فيدخل ذلك في عموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَإنَمّا لِكُلِّ امْرِيٍ ما نَوَى" .

• وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء؛ فإن منهم من لا يوجب تعيينَ النية للصلاة المفروضة بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن لم يستحضر تسميتَه في الحال، وهو رواية عن الإمام أحمد.

* * *

من فاتته صلاة من يوم وليلة]]

• وينبني على هذا القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عَيْنَهَا: أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة.

* * *

النية في صيام رمضان]]

• وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينه بل يجزئ بنيّة الصيام مطلقًا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر.

وهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد.

وربما حُكى عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية؛ لتعيُّنه بنفسه، فهو كرد الودائع.

* * *

النية في الزكاة]]

وحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك.

وتأوّل بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج.

وكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته.

* * *

النية في الحج]]

وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- : أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالحَجِّ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ:

"أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِك"؟ قَالَ: لا، قَالَ: "هَذِهِ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنِ الرَّجُلِ".

• وقد تُكُلِّمَ في صحة هذا الحديث.

ولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره.

وأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذا لو حج عن نَذْرِهِ أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنه يَنْقَلِبُ عنها.

* * *

وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-أنه أمَر أَصْحَابَهُ فيِ حجَّةِ الودَاع بَعْدَ مَا دَخلُوا مَعَه وَطَافُوا وَسَعَوْا أنْ يَفسَخُوا حَجَّهُمْ وَيَجْعَلُوها عُمْرَةً، وَكَان مِنْهُم القَارِنُ والمفْرِدُ وإنَّمَا كَانَ طَوافُهُمْ عِنْدَ قُدُومهمْ طَوَافَ القُدُوم، وَلَيْسَ بِفَرْض، وَقَدْ أمرَهْم أن يَجْعَلُوهُ طَوَافَ عُمْرةٍ وَهُو فَرْضٌ .

• وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فَسْخ الحج، وعَمِل به، وهو مُشكلٌ على أصله؛ فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعى وأبي حنيفة.

• وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة؛ فينقلب الطواف فيه؛ تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام؛ تبعا لانقلاب إحرامه من أصله ووقوعه عِن فرضه. بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع فإن هذا لا يُجْزئه؛ لأنه لم يَنْو به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه والله أعلم.

* * *

[مما يدخل في هذا]:

ومما يدخل في هذا الباب أن رجلا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد وضع صدقته عند رجل فجاء ابن صاحب الصدقة فأخذها ممن هي عنده فعلم لذلك أبوه فخاصمه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال ما إياك أردتُ؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِلْمتَصدِّقِ: "لَكَ مَا نويْتَ" وَقَالَ لِلآخِذِ: "لَكَ مَا أخَدْتَ".

خرَّجه البخاري .

* * *

• وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه؛ فإن الرجل إنما يُمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن يكون محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانتا المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر.

ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا -وكان غنيًّا في نفس الأمر أجزأته- على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته.

* * *

النية في الطهارة]]

• وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة

للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة، وستر العورة؟.

فمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة.

ومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة.

فإذا كانت عبادة في نفسها لم تَصِحَّ بدون نية.

وهذا قول جمهور العلماء.

ويدل على صحة ذلك: تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "بِأَنَّ الوضوءَ يُكَفِّرُ الذنوبَ والخطايا، وأن مَنْ توضأ كما أمِرَ كان كفارةً لذنوبه" .

* * *

الوضوء عبادة مستقلة]]

• وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادةٌ مستقلة بنفسها؛ حيث رُتِّبَ عليه تكفيرُ الذنوب.

والوضوء الخالى عن النية لا يكفر شيئًا من الذنوب بالاتفاق؛ فلا يكون مأمورًا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة -كإزالة النجاسة، وستر العورة- ما ورد في الوضوء من الثواب.

* * *

الجمع بين نية الوضوء وقصد آخر]]

• ولو شَرِكَ بين نية الوضوء وبين قصد التبرد وإزالة النجاسة أو الوسخ؛ أجزأه في المنصوص عن الشافعي.

وهو قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه.

ولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليمَ الوضوء لم يَضُرَّه ذلك.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقصد أحيانًا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما قال:

"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" .

* * *

النية والأيمان]]

• ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم مسائل الأيْمَانِ؛ فَلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على اللسان من غير قصد بالقلب إليه؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام، قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} .

وكذلك يُرجَعُ في الأَيْمانِ إلى نية الحالف، وما قَصدَ بيمينه؛ فإن حلف بطلاق أو عتاق ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهِرَ لفظه فإنه يُديَّن فيما بينه وبين الله عز وجل.

وهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟

فيه قولان للعلماء مشهوران.

وهما روايتان عن أحمد.

• وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه رُفِعَ إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهني قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة!؟ فقالت: لا أرْضى حتى تقول أنت خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: رضي الله عنه "خذ بيدها فهي امرأتك".

خرجه أبو عبيد، وقال: "أراد الناقة تكون معقولة ثم تُطْلَق من عقالها، وَيُخَلَّى عنها؛ فهي خليَّة من العقال، وهي طالق؛ لأنها قد طَلَقَتْ منه؛ فأراد الرجل ذلك؛ فأسقط عنه عمر الطلاق لنيّته.

قال: وهذا أصل لكل من تكلَّم بشيء يشبه لفظَ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله عز وجل -في الحكم- على تأويل مذهب عمر رضي الله عنه".

* * *

• ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسي قال: خَطَبْتُ امرأةً فقالوا: لا نزوّجك حتى تُطَلِّق امرأتك؛ فقلت: إني قد طلقتها ثلاثًا؛ فزوَّجُوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي؟ فقالوا: أليس قد طَلَّقتَها ثلاثًا؟. فقلت: كان عندي فلانة فَطَلَّقْتُها، وفلانة فطلَّقْتُهَا، فأما هذه فلم أطلّقها؟ فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدًا فقلت: سل أميرَ المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله .

فقال: نيته.

خرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق.

وحكى إجماع العلماء على مثل ذلك.

• وقال إسحق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السُّمَيطْ: أتعرفه؟ قال: نعم! السدوسي إنما جعل نيته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته.

* * *

• قال إسحق فإن كان الحالف ظالمًا ونوى خلاف ما حَلَّفه عليه غريمُهُ لم تنفعه نيته.

* * *

[اليمين على نية المستحلِفِ]:

• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَمِينُك عَلَى ما يُصدِّقكَ عَلَيه صَاحِبُكَ".

وفي رواية له: "الْيَمِينُ عَلىَ نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ" .

وهذا محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك.

* * *

واقعة تطبيقية]]

• وقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعنا وائل بن حُجْر فأخذه عَدُوٌّ له، فتحرَّج الناس أن يحلفوا؛ فحلفت أنا أنه أخي؛ فخُلِّى سبيله فأتينا النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت أنا أنه أخي فقال: "صدَقْتَ؛ الْمسلِمُ أخُو المسْلِمِ" .

النية في الطلاق والعتاق]]

• وكذلك تدخل النية في الطلاق والعتاق فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة

للطلاق أو العتاق فلا بد له من النية.

وهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء.

وهل يقع بذلك الطلاقُ في الباطن كما لو نراه؟ أم يُلَزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضًا.

* * *

الطلاق بالكناية الظاهرة]]

ولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كأَلبتَّة ونحوها فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟

فيه قولان مشهوران.

وظاهر مذهب أحمد: أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دُون الثلاث وقع به ما نواه، وحُكِى عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضًا.

* * *

ماذا لو طلق امرأة يظنها امرأته؟]]

ولو رأى امرأة فظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طُلِّقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته.

نص على ذلك أحمد، وحُكي عنه رواية أخرى: أنها لا تُطَلُّق وهو قول الشافعي.

* * *

وماذا لو كان بالعكس؟]]

ولو كان بالعكس بأن رأى امرأة ظنها أجنبية فطَّلقها فبانت امرأتَه فهل تُطَلَّق؟

[فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره: أنها تطلق] .

* * *

[وماذا لو حَلف على إحدى امرأتيه؟]:

ولو كان له امرأتان فنهى إحداهما عن الخروج ثم رأى امرأةً قد خرجت فظنها المنهية فقال لها: فلانة: خرجْتِ؟ أنتِ طالِق؟! فقد اختلف العلماء فيها فقال الحسن: تُطلَّقُ المنهية؛ لأنها هي التي نواها.

وقال إبراهيم: تُطَلَّقان.

وقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما.

ومذهب أحمد: أنه تطلق المنهية رواية واحدة؛ لأنه نوى طلاقها.

وهل تُطَلَّقُ المواجَهَةُ؟ على روايتين عنه فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق هل تُطَلَّقُ في الحكم فقط؟ أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين لهم.

* * *

النية في العقود]]

• وقد استُدلِ بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الأَعْمَال بِالنِّيات وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى" على أن العقود التي يُقْصَدُ بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم: غير صحيحة كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها؛ كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما؛ فإن هذا العقد إنما نُوِيَ به الربا لا البيع، وإنما لكل امرئ ما نوى.

• ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدًّا وفيما ذكرنا كفاية.

* * *

وقد تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابًا من الفقه والله أعلم .

النية والتلفظ بها في العبادات]]

والنية: هي قصد القلب، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات.

• وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة.

وغلَّطه المحققون منهم.

واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها.

فمنهم من استحبه ومنهم من كرهه.

* * *

• ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاصٌّ عن السلف ولا عن الأئمة؛ إلا في الحج وحده؛ فإن مجاهدا قال: "إذا أراد الحجَّ يسمِّي ما يُهِلُّ به".

وروي عنه أنه قال: "يسميه في التلبية". وهذا ليس مما نحن فيه؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يذكر نسكه في تلبيته فيقول: "لبيك عمرة وحجة ". وإنما كلامنا في أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" كما استحب ذلك كثير من الفقهاء.

وكلام مجاهد ليس صريحًا في ذلك.

* * *

• وقال أكثر السلف منهم عطاء وطاووس والقاسم بن محمد والنَّخَعِي: "تُجْزيه النية عند الإهلال".

• وصح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول: "اللهم إني أريد الحج والعمرة" فقال له: "أتُعْلِمُ النَّاسَ!؟ أوَليس الله يعلم ما في نفسك؟! ".

* * *

• ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به، حكاه صاحب كتاب "تهذيب المدونة" من أصحابه.

وقال أبو داود: قلت لأحمد: أتقول قبل التَّكبِير (يعنى في الصلاة) شيئًا؟ قال: لا.

• وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية والله سبحانه وتعالى أعلم.

* * *

* *

*

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما…

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ كل الأعمال معتبرة بالنية، وهذا الحكم عام في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات، فمن قصد بعمله منفعةً لم يَنَلْ إلا تلك المنفعة ولا ثواب له، ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى نال من عمله المثوبة والأجر ولو كان عملًا عاديًّا، كالأكل والشرب.

ثم ضرب صلى الله عليه وسلم مثلًا لبيان تأثير النية في الأعمال مع تساويهما في الصورة الظاهرة، فبَيَّن أنَّ من قصد بهجرته وترك وطنه ابتغاء مرضات ربه، فهجرته هجرة شرعية مقبولة يثاب عليها لصدق نيته، ومن قصد بهجرته منفعةً دنيوية، من مال، أو جاه، أو تجارة، أو زوجة، فلا ينال من هجرته إلا تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما ابتُغي به وجهه.
  • الأعمال التي يُتَقَرَّبُ بها إلى الله عز وجل إذا فعلها المكلف على سبيل العادة ليس له ثواب عليها، حتى يقصِدَ بها التقرب إلى الله.
  • النية يفرق بها بين العبادات بعضها عن بعض وأيضًا العبادات عن العادات.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 14 جمادى الأولى
بدر اليوم 15.5 / 29.5
الإضاءة 99%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56