"إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ…

الإسلام > حديث > الأربعون النووية > حديث 20

الحديث رقم 20 من كتاب «الحديث العشرون» في الأربعون النووية، تحت باب: الحديث العشرون.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى…

عَنْ أَبي مَسعُود: عُقْبَة بْنِ عَمْرٍ والأَنصَاريِّ الْبَدريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْت".رَوَاهُ البُخاريُّ .

شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله

من «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم».

اضغط لعرض شرح ابن رجب كاملًا

على أَن النُّبُوَّات المتقدمة جاءَت بهذا الكلام، وأنَّه اشتُهِر بين الناس حتى وصل إلى أول هذ الأَمة.

وفي بعض الروايات قال: "لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِلا هذا".

خرجها عبيد بن زَنْجَوَيْه، وغيرُهُ.

* * *

[معنى إِذا لم تستح فاصنع ما شئت]:

* وقوله: "إِذا لم تستحي فاصنع ما شئت" في معناه قولان :

أحدهما: أَنه ليس بمعنى الأَمر أن يصنع ما شاءَ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه. وأَهل هذه المقالة لهم طريقان:

* أحدهما: أَنه أمر بمعنى التهديد والوعيد.

والمعنى إذا لم يكن لك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وقوله تعالى: {فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:

"من باع الخمر فلْيُشَقِّصِ الخنازير" .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يعني ليقطعها إِما لبيعها أَو لأَكلها" .

وأَمثلته متعددة. وهذا اختيار جماعة منهم أَبو العباس: ثعلب .

* * *

* والطريق الثاني: أنه أَمر، ومعناه الخبر. والمعنى: أَن من لم يستحي صنع ما شاءَ، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياءُ، فمن لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاءَ ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياءٌ على حد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار" .

فإِن لفظه لفظ الأَمر ومعناه الخبر، وأَن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار.

وهذا اختيار أبي عبيد: القاسم بن سلام رحمه الله، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم.

وروى أَبو داود عن الإِمام أَحمد ما يدل على مثل هذا القول.

من نزع منه الحياء فهو شيطان مريد]]

* وروى ابن لهيعة، عن أبي قِبيلٍ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِذا أَبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء، لم تلقه إلا بغيضًا مُبَغَّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأَمانة نزع منه الرحمة، وإِذا نزع منه الرحمه نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإِذا نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام لم تلْقَه إِلا شيطانًا مَريدًا".

* خرجه حميد بن زنجويه، وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أَيضًا .

من أقوال السلف في هذا]]

* وعن سلمان الفارسي قال:

* إِن الله إِذا أراد بعبدٍ هَلاكًا نزع منه الحياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إِلا مَقيتًا مُمقَّتًا، فإِذا كان مقيتًا ممقتا نزع منه الأمانة، فلم تلقه؛ إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونا نزع منه الرحمة، تلقه؛ إلا فظًّا غليظًا، فإذا كان فظًّا غليظًا نزع رِبْقَةَ الإيمان

من عنقه، فإذا نزع رِبْقَةَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينا ملعَّنا.

* وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

"الحياءُ والإيمان في قَرَن، فإِذا نزع الحياءُ تبعه الآخر".

خرجه كلَّه حميد بن زنجويه في كتاب الأَدب.

* * *

* وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحياءَ من الإيمان كما في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما:

"أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل وهو يعاتب أَخاه بالحياء يقول: إنك لَتستحي؟! حتى كأَنه يقول: قد أَضرّ بك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعه؛ فإن الحياءَ من الإيمان" ولفظه للبخاري .

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال:

"الحياء شعبة من الإِيمان" .

* وفي الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحياء لا يأْتي إِلا بخير". وفي رواية لمسلم قال: "الحياءُ خير كله، أو قال: الحياءُ كله خير ".

* وخرج الإِمام أَحمد والنسائي من حديث الأشج العَصَري قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إِن فيك لخصلتين يحبهما الله" قلت: ما هما؟ قال: "الحلم والحياء"، قلت: أَقديما كان أَو حديثا؟ قال: "بل قديما". قلت: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله .

* وقال إِسماعيل بن أَبي خالد: دخل عيينة بن حصن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده رجل فاستسقى فأُتي بماءِ فشرب فستره النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟ قال: "الحياءُ [والإيمان]، أوتوهما وَمُنِعْتُمُوهُما" .

* * *

الحياء نوعان]]

* واعلم أَن الحياءَ نوعان:

النوع الأول]]

* أحدهما: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو من أَجلِّ الأَخلاق التي يمنحها الله العبد، ويجبله عليها، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحياءُ لا يأْتي إِلا بخير" فإِنه يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءَة الأَخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأَخلاق ومعاليها؛ فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.

* وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:

"من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي! ".

* * *

* وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أَهل الشام -:

"تركتُ الذنوبَ حياءً أَربعين سنة، ثم أَدركني الورَع".

* * *

* وعن بعضهم قال: "رأَيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءَة، فاستحالت ديانة".

* * *

النوع الثاني]]

* النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأَعين، وما تخفي الصدور، فهذا من أَعلى خصال الإيمان، بل هو من أَعلى درجات الإحسان وقد تقدم أَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالح عشيرتك".

* وفي حديث ابن مسعود: "الاستحياءُ من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء".

* خرجه الإمام أحمد ، والترمذي مرفوعًا.

وقد يتولَّد الحياءُ من الله من مطالعة نعمِه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلب العبد الحياءَ المكتسَب والغريزي لم يبق ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأَخلاقِ الدنيئة؛ فصار كأَنه لا إيمان له.

* * *

* وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الحياءُ حياءان: طرف من الإِيمان، والآخر عجز.

ولعله من كلام الحسن.

* وكذلك قال بشر بن كعب العدوي لعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف. فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعارض فيه ؟!.

والأمر كما قاله عمران رضي الله عنه؛ فإِن الحياءَ الممدوح في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما يريد به الخلق الذي يحثُّ على فعل الجميل، وترك القبيح.

فأَما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أَو حقوق عباده - فليس هو من الحياء؛ فإنما هو ضعف وخور، وعجز ومهانة. والله أَعلم.

* * *

القول الثاني في معنى فاصنع ما شئت]]

* والقول الثاني في معنى قوله: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" أَنه أمر بفعل ما يشاءُ على ظاهر لفظه . وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحيا من فعله، لا من الله ولا من الناس لكونه من أَفعال الطاعات، أَو من جميل الأَخلاق والآداب المستحْسَنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت.

* * *

* وهذا قول جماعة من الأَئمة منهم: أَبو إسحاق المروزي الشافعي.

* وحكي مثله عن الإمام أَحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أَبي داود المختصرة عنه، والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخَلَّال في كتاب الأدب.

* * *

* ومن هذا قول بعض السلف، وقد سئل عن المروءة فقال: أَن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.

* وسيأتي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" في موضعه من هذا الكتاب. إن شاءَ الله تعالى.

* وروى عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل من مُزَينة قال: قيل: يا رسول الله! ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: الخلق الحسن. قال: فما شر ما أُوتي الرجل المسلم؟ قال: "إذا كرهت أَن يرى عليك شيء في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت".

* وفي صحيح ابن حبان عن أُسامة بن شريك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

"ما كره [الله]، منك شيئًا فلا تفعله إِذا خلوت" .

* وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال:

"أن تعمل في السر عمل العلانية" .

* وخرجه أيضًا من حديث أَبي عامر السّكوني قال: قلت: يا رسول الله! فذكرهُ .

* وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدَّث بإِسناده عن حرملة بن عبد الله، قال:

أَتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأَزداد من العلمِ فقمت بين يديه فقلت: يا رسول الله! ما تأمُرني أَن أَعمل به؟ قال: "ائْتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكَرَ، وانظر الذي سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أَن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه".

قال: "فنظرت فإِذا هما أَمرأن لم يتركا شيئًا: إتيان المعروف، واجتناب المنكر". * وخرجه ابن سعد في طبقاته بمعناه .

* وحكى أَبو عبيد في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير ، قال: معناه

أَن يريد الرجل أَن يعمل الخير فيدعه حياءً من الناس كأنه يخاف الرياءَ. يقول فلا يمنعك الحياءُ من المضي لما أَردت، كما جاءَ في الحديث: إذا جاءَك الشيطان وأَنت تصلى فقال: إِنك ترائي فزدها طولًا. ثم قال أَبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سيافه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس.

قلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إِذا استحييت مما لا يُستحيا منه فافعل ما شئت. ولا يخفى بُعد هذا من لفظ الحديث ومعناه. والله أَعلم

رواة الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 14 جمادى الأولى
بدر اليوم 15.5 / 29.5
الإضاءة 99%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56