"دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ"

الإسلام > حديث > الأربعون النووية > حديث 11

الحديث رقم 11 من كتاب «الحديث الحادي عشر» في الأربعون النووية، تحت باب: الحديث الحادي عشر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"

عن أبي مُحمَّدٍ: الحَسنِ بْنِ عَلي بْن أَبِي طالِب رَضيَ الله عَنهُمَا سِبْط رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَرَيْحَانِتِه قَالَ:حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ".رَوَاهُ النَّسائي والترمِذِيُّ وَقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

التحقيق والتخريج

شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله

من «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم».

اضغط لعرض شرح ابن رجب كاملًا

• وأبو الحوراء السعدي قال الأكثرون: إن اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف .

• وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر.

وعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي: "فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة".

• ولفظ ابن حبان: "فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة".

• وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة، عن أنس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "دَعْ مَا يَريبُك إلى ما لا يَريبُك" .

• وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفًا على أنس .

• وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا قال الدارقطني:

وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويُروى عن مالك من قوله انتهى.

• ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف - عن أبيه عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لرجل:

"دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك" قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: "إذا أردت أمرًا فضَع يدَك على صَدْرِكَ، فإن القْلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلمَ الورِعَ يَدَعُ الصغيرةَ مَخَافَةَ الكبيرة".

• وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلًا.

وخرج الطبراني نحوه بإسناده ضعيف - عن واثلة بن الأسقع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزاد فيه:

"قيل: فمن الوَرِع؟ قال: الذي يقف عند الشبهة" .

• وقد روي هذا الكلام موقوفًا على جماعة من الصحابة منهم : عمر، وابن عمر، رضي الله عنهم، وأبو الدرداء.

• وعن ابن مسعود قال:

"ما تريد إلى ما يَريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك؟! ".

* * *

الربا والريبة]]

• وقال عمر: "دعوا الربا والريبة" يعني: ما ارتبتم فيه. وإن لم تتحققوا أنه ربا.

* * *

قلب المؤمن دليله]]

• ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال المحض

لا يحصل للمؤمن في قلبه منه ريب ، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب: القلق والاضطراب الموجب للشك.

من أقوال العلماء في ذلك]]

• وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: "إذا كان العبد ورِعا تَرَكَ ما يريبه إلى ما لا يريبه".

• وقال الفُضَيْل: "يزعم الناس أن الورع شديد؟ وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما؛ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك".

وقال حسان بن أبي سنان: "ما شَىْءٌ أهونَ من الورع: إذا رابك شيء فدعه".

وهذا إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله.

* * *

رجل يرفض انتهاز الفرص]]

• قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قِبَلك. فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفًا قال: فأتى صاحب السكر فقال: يا هذا إن غلامي كان قد كتب إليّ فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك؟ فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبتُه لك قال: فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه، فقال: يا هذا! إني لم آت هذا الأمر - من قبل وجهه؛ فأُحب أن تسترد هذا البيع قال: فما زال به حتى ردَّه عليه.

* * *

وصور أخرى]]

• وكان يونس بن عبيد إذا طَلب المتاعَ ونفَق وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: أعْلم مَن تشتري منه أن المتاع قد طُلب.

وقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليوم بأسًا.

* * *

الإسلام يأبى حبس السلع لزيادة أسعارها]]

وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة فوجدت الطعام مُبَغَّضًا فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا وعملتَ بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي فتصدق بجميع ثمن ذلك الطعام على فقراء البصرة فليتنى أسلم إذا فعلتَ ذلك.

* * *

التنزه عن ما فيه شبهة]]

• وتنزه يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين.

* * *

• وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوَّت منه إلى أن مات رحمه الله.

* * *

وكان المِسْور بن مَخْرمَة قد احتكر طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف، فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟! فآلى أن لا يربح فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال له عمر: جزاك الله خيرًا.

* * *

مما يؤخذ من ذلك]]

وفي هذا: أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارًا مَنْهِيًّا عنه.

* * *

أدلة ذلك]]

• وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه،

لدخوله في ربح ما لم يضمن.

وقد نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: فقال أحمد - في رواية عنه فيمن أجره ما استأجره بربحه: "إنه يتصدق بالريح".

وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة: "إذا خالف فيه المضارب إنه يتصدَّق به".

وقال في رواية عنه - فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدوِّ صلاحها بشرط القطع - ثم تركها حتى بدا صلاحها - إنه يتصدق [به وقال في رواية عنه] بالزيادة.

وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب، لأَن الصدقة بالشبهات مستحب .

• وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمُحْرِم فقالت: "إنما هي أيام قلائل؛ فما رابك فدعه" يعني، ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصده هو.

* * *

العمل بالرخصة أفضل]]

• وقد يُستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة،

ولكن المحققين من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن من مسائل الخلاف ما ثبت فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخصة ليس لها مُعارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء؛ فامتنع منها لذلك.

• وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

"لا ينصرف حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا " ولا سيما إن كان شكه في الصلاة؛ فإنه لا يجوز له قطعها. لصحة النهي عنه ، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك.

* * *

متى يترك العمل بالرخصة؟]]

وإن كان للرخصة معارض إما من سنة أُخرى، أو من عمل الأمة بخلافها فالأَولى تركُ العمل بها.

وكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة رضي الله عنهم، فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعينّ، فإن هذه الأُمة قدْ أجارها الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق، وما عداه فهو باطل.

وها هنا أمر ينبغي التفطُّن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع.

* * *

التنزه عن الصغيرة مع ارتكاب الكبيرة ليس من الورع]]

فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه فإنه لا يُحتَمل له ذلك، بل يُنكَر عليه؛ كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من

أهل العراق: يسألوننى عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "هما ريحانتاي من الدنيا" ؟!

• وسأل رجلٌ بشْر بن الحارث عن رجل له زوجة وأُمه تأْمره بطلاقها؟ فقال: إن كان يَبَرُّ أَمَّهُ في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أُمه فيضربها فلا يفعل.

• وسئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة يعني التي تربط بها جُرْزَةُ البقل؟ فقال أحمد: إيش هذه المسائل؟ قيل له: إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك؟! فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم. هذا يشبه ذاك.

وإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا.

* * *

هؤلاء هم أهل الورع]]

• وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع؛ فإنه أمَر مَن يشتري له سمنًا فجاء به على ورقة؛ فأمر برد الورقة إلى البائع.

• وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها.

• واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم.

• واستأْذنه رجل آخر في ذلك فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا!

وهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع.

وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويُقْدِم على الشبهات من غير توقف.

* * *

الخير طمأنينة والشر ريبة]]

• وقوله - صلى الله عليه وسلم - "فإن الخيرَ طمأنينة وإن الشر ريبة" يعني أن الخير تطمئن به القلوب عند الاشتباه، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه.

• وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيد لهذا في الكلام على حديث "النواس بن سمعان " إن شاء الله تعالى.

* * *

استفت قلبك]]

• وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} ثم قال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله. قالت: مناكبها: جبالها، فكأنما سُفِع في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم: فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك .

* * *

الصدق طمأنينة والكذب ريبة]]

• وقوله في الرواية الأخرى "إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة" يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل، كما في حديث وابصة" وإن أفتاك الناس وأفتَوْك" وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق.

وعلامة الصدق أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه.

ومن هنا كان العقلاء على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمعوا كلامه، وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل.

وقد روي أن عمرو بن العاص سمعد قبل إسلامه يدعي أُنه أنزل عليه "يا وَبْرُ يا وَبْرُ !! لك أُذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو! " فقال: "والله! إني لأعلم أَنك تكذب؟! ".

* * *

وبضدها تتميز الأشياء]]

• وقال بعض المتقدمين صوِّر ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قِسْه إلى ضده؛ فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك تصور محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ثم تتصوّر ضد محمد - صلى الله عليه وسلم - فتجده مسيلمة؛ فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:

أَلا يا ربة المخدع … قد هُيِّئ لك المضجع

يعني قوله لسجاح حين تزوج بها.

• قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينا عجيبًا يلوط بالقلب ويحسن في السمع، وترى ذا - يعنى قول مسيلمة - باردًا غثًّا فاحشا، فتعلم أن محمدًا حقٌّ أتى بوحي، وأن مسيلمةَ كَذّابٌ أَتى بباطل.

رواة الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 14 جمادى الأولى
بدر اليوم 15.4 / 29.5
الإضاءة 100%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
لا إله إلا الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56