"الإسْلامُ أَنْ تَشهدَ أنْ لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسُول الله، وتُقِيمَ…

الإسلام > حديث > الأربعون النووية > حديث 2

الحديث رقم 2 من كتاب «الحديث الثاني» في الأربعون النووية، تحت باب: الحديث الثاني.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن…

عن عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه قال:بينما نحنُ عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ يوم إِذْ طَلَع علينا رجُلٌ شديدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أثرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حتَّى جَلسَ إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فَأسندَ رُكْبَتَيْه، إلى رُكْبتَيهِ، وَوَضَعَ كفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! أخبْرنِي عن الإِسْلَام؟ فَقَال رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "الإسْلامُ أَنْ تَشهدَ أنْ لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسُول الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رمضَانَ، وَتَحُجَّ الْبيتَ إن استَطَعتَ إليهِ سَبيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعجبْنَا لَهُ يَسْألُه ويُصَدِّقهُ. قَالَ: فَأخْبرنِي عَن الإِيمَانِ؟ قَالَ: "أنْ تُؤمنَ بالله، ومَلائِكتِه، وَكُتُبِه، وَرُسُلِه، واليومِ الآخر، وَتؤْمِنَ بالقدَر: خَيْرِه وَشَرِّهِ". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأخْبِرْنِي عن الإِحْسانِ؟ قَالَ: "أنْ تَعْبُد الله كأنّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ؛ فإنّه يَرَاكَ".قال: فأخْبِرني عَنِ السَّاعة؟ قَالَ: "ما المسئول عنها بِأَعْلَمَ من السَّائِل" قال: فأخبرني عن أَمَارَاتها؟ قَالَ: "أنْ تَلدَ الأمةُ رَبّتَها، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العالَةَ رِعَاءَ الشّاءِ يتَطاولُونَ في البنْيان".ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلُبثْتُ مَليًّا، ثُمَّ قَال لي: "يا عمرُ! أتدْرِي مَنِ السَائِلُ؟ " قُلْتُ: الله وَرَسُولُه أعْلَمُ، قَالَ: "فإنه جِبْرِيلُ أَتَاكم يُعلّمُكُم دِينكُم" رواه مسلم .

شرح الحافظ ابن رجب رحمه الله

من «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم».

اضغط لعرض شرح ابن رجب كاملًا

كان أولَ من قال في القدر بالبصرة معبدٌ الجهني فانطلقت أنا وحُمَيْدُ بنُ عبد الرحمن الحِمْيرى حاجَّيْنِ أو معتمِرَيْن فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّقَ لنا عبد الله بنُ عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظَننْتُ أن صَاحِبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ يقرءون القرآن، ويتقَفَّرُونَ العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدَرَ وأن الأمْرَ أُنُفٌ؟ قال: فإذا لقيتَ أولئك فأخْبرهُم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرَآءُ مني، والذي يحلف به عبدُ الله ابنُ عُمَرَ لو أن لأحدهم مِثلَ أُحدٍ ذَهَبًا فأنفقه، ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ.

ثم قال: حَدَّثَنِي أبي: عُمرُ بن الخطَّاب رَضي الله عَنْه قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- .. فَذَكَرَ الحَديِثَ بِطُولِه.

ثُمَ خَرَّجَهُ مِنْ طُرقٍ أُخْرَى بَعْضُهَا يَرْجعُ إلى عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَة، وَبَعْضُهَا يَرْجع إلى يَحيَى بنِ يَعْمَرَ. وذَكَر أنَّ في بَعْضِ ألفَاظِها زيادةً ونقْصَانًا .

* * *

• وقد خرّجَهُ ابنُ حبَّان في صَحِيحِه من طَريقِ سُلَيمان التّيمي عنْ يَحْيَىَ بن يَعْمَر .

* * *

• وقَدْ خَرِّجَهُ مُسْلِم من هذا الطَّريقِ إلا أنَّه لَمْ يَذْكُر لَفْظَهُ وفيه زِيَاداتٌ منها في الإسْلَامِ، قَالَ: "وتَحُجَّ ، وتعْتَمِرَ،، وتَغْتَسِلَ من الجَنَابَةِ، وأنْ تُتِمَّ الوضوءَ"، وقال

فإذا فعلتُ ذَلك فَأنَا مسْلم؟ [قال: "نعم". وقال فيِ الإيمان. "وتؤمِن بِالجنة والنَّار والميزَانِ" وقالَ فيه فإذا فَعَلتُ ذلك فَأنا مؤْمِنٌ؟ قال: "نعم"] وقالَ في آخِرِه: "هذَا جْبريلُ أتاكُم ليُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينكمِ؛ خُذُوا عنه والذي نَفْسي بيدِه مَا شُبّه عليّ منذُ أَتَانِي قبلَ مرَّتي هذه، وما عَرفْتُه حتَّى ولَّى! ".

* * *

[رواية الصحيحين]:

• وخرجاه في الصحيحين من حَديثِ أبي هُرَيرَة رضي الله عنه قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يوْما بارزًا للناس فأتَاهُ رجُلٌ فَقَال: ما الإيمانُ؟ قالَ: "الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكته وكتابه وبِلقَائِه ورُسُلِه وتُؤمِنَ بالبعث الآخِر".

قالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإسْلامَ؟ قال: "الإسلامُ أن تعبدَ الله لا تُشْركَ به شيئًا وتُقِيمَ الصلاةَ المكْتوبةَ، وتُؤَدِّيَ الزّكَاةَ المفْروضَة، وتَصُومَ رَمَضَانَ".

قَالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أن تَعْبدَ الله كأنّكَ تَراهُ فإن لم تَكُن تراهُ فإنَّه يَراكَ ".

قَالَ: يَا رسولَ الله! متى الساعةُ؟ قَالَ: "ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السّائِل، ولكن سأحدثُكَ عن أشراطها: إذا ولَدَت الأَمَةُ رَبَّها فذاك من أشراطِهَا، وِإذَا رأيتَ الحُفَاةَ العُراةَ رُءُوس النّاسِ فذاك من أشْراطِهَا، وإذا تَطَاولَ رِعاءُ البَهْمِ في البُنْيانِ؛ فذاك من أَشراطِها: في خَمْسٍ لا يَعْلَمهُنَّ إلا الله" ثم تلا رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:

{إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .

قال: ثُمَّ أدْبر الرجلُ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ردُّوا عَلىَّ الرَّجُلَ" فأخذوا ليردّوهُ فلم يَرْوا شيئًا؛ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هذا جبِريلُ جاءَ ليعلَّمَ الناسَ دينَهم".

• وخرَّجه مُسلم بسياقٍ أتمَّ من هَذَا، وفيه -في خِصَالِ الإيمانِ-: "وتؤْمِنَ بالقَدر

كلِّه" وقَالَ في الإحسَانِ: "أن تَخْشىَ الله كأنّكَ تَراهُ" .

• وخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومن حديث شهر بن حوشب أيضًا . عن ابن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وَفي حدِيثهِ قال: ونَسْمَعُ رَجْعَ النَبِي -صلى الله عليه وسلم- ولا نَرىَ الَّذِي يُكَلّمهُ ولا نَسْمَعُ كَلَامَهُ.

وهذا يَرُدُّه حَديث عُمَر الذي خَرَّجَه مُسْلِمٌ وهَو أصَحُّ.

* * *

وقد رُوي الحَدِيثُ عَنِ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- من حَديثِ أنس بْن مَالك، وجَرير بْن عَبِد الله البَجَلي، وغيرهما.

* * *

وهو حَديثٌ عظيم جدًّا يَشْتَمِلُ علَى شَرْح الدِّين كُلّه؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخره: "هَذَا جِبْريلُ أتَاكُم يُعلِّمكُم دِينكُم". بعدَ أن شَرَح دَرَجةَ الإسْلام، ودَرَجَةَ الإيمان، ودَرَجَةَ الإحْسَانِ، فَجَعَلَ ذَلكَ كُلَّه دينًا.

[المقارنة بين الروايات]:

واختلَفت الروايةُ في تَقْديمِ الإسْلامِ عَلَى الإيمَانِ وعَكسِه.

• فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ الذي خَرَّجَهُ مسلم: أَنَّهُ بَدأ بالسؤالِ عَنِ الإسلام.

• وَفي التِّرمذي وغَيرهِ أنَّهُ بَدأ بالسؤال عَنِ الإيمان كما في حَديثِ أبي هرَيرةَ رَضي الله عنْه، وَجَاءَ في بَعْضِ روَاياتِ حدَيث عمرَ أَنَّهُ سألَهُ عن الإحْسانِ بَينَ الإسْلامِ والإيمانِ.

* * *

معنى الإسلام]]

فَأَمَّا الإِسْلامُ فَقَد فَسَّره النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأعْمالِ الجَوَارح الظَاهرةِ من القَولِ والعَمَلِ، وأوَّلُ ذَلك شَهادةُ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ مَحمَّدًا رسُولُ الله، وهو عَمَل اللّسَانِ، ثُم إقامُ الصَّلاةِ وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وصَومُ رمضَانَ، وحَجُّ البَيتِ من اسْتَطاعَ إلَيهِ سَبِيلًا.

وهي مُنقسمةٌ إلى عَمَلٍ بِدَنيٍّ كالصلاةِ والصومِ، وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة.

وفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك: الاعتِمَارَ والغسلَ من الجنابة وإتمامَ الوضوء .

وفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام.

وإنما ذكر ههنا أصول أعمال الإسلام التي يبني الإسلام عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمرَ رَضِيَ الله عنهمَا: "بُني الإسْلامُ على خمسٍ" في موضعِه إن شاءَ الله تعَالَى.

• وقوله في بعض الروايات: فإذَا فَعلْتُ فَأنَا مُسلم؟ قَالَ: "نَعَم" - يدل على أن مَنْ أكمَلَ الإتيان بمباني الإِسلام الخمس صار مسلمًا حقًّا، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام.

وفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء.

وكذلك في ترك بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

* * *

أدلة شمول الإسلام للأعمال الظاهرة]]

• ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" .

• وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرَ رَضي الله عنهُما أن رجلا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الإسْلامِ خير؟ قال: "أنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وتقْرأ السّلامَ عَلَى مَنْ عَرفْتَ ومَن لَمْ تَعرف" .

* * *

• وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن لِلإسلامِ ضَوْءًا ومنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، مِنْ ذلك: أنْ تَعْبُدَ الله وَلا تُشْرِكَ به شَيْئًا، وتُقيِمَ الصَلاة، وتؤتِيَ الزكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، والأَمْرُ بالمعُروفِ والنَّهْيُ عَن المنكَرِ وتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَم إذا لَقيتَهُم، وتَسْلِيُمكَ عَلَى أَهْل بيْتك إذا دَخَلْتَ عَليْهم؛ فَمَن انتقَصَ مِنهُنَّ شيئًا فَهُوَ سَهْمٌ من الإسْلامِ يدعه وَمَنْ تَركَهُنَّ فَقَدْ نَبذَ الإسْلامَ وَراءَ ظَهْرِه .

• وخَرّجَه ابن مَرْدَوَيهِ من حَديثِ أبي الدردَاءِ رَضي الله عنه عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: "للإسْلام ضَيَاءٌ وعَلامَاتٌ كَمنَار الطَّريق؛ فَرأْسُها وجِمَاعُها شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ مَحَمَدًا عبده ورسوله، وإقامُ الصَلاةِ، وَإيتَاءُ الزكَاةَ، وإتَمَامُ الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنةِ نبيهِ، وطاعةُ ولاة الأمر، وتسليمكُم عَلى أنفُسِكم، وتسليمكُم على أهليكم إذَا دَخَلتْم بيوتَكم، وتَسْلِيمكُم عَلَى بني آدَمَ إذَا لقِيتُمُوهُم".

وفي إسناده ضعف ولعله موقوف.

• وصح من حَديثِ أبي إِسْحَاقِ، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيفةَ رَضي الله عنه قَالَ: "الإِسْلامُ ثَمَانية أَسْهُم: الإِسْلامُ سَهْمٌ، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكَاةُ سَهْمٌ، والجِهادُ سَهْمٌ، وصَومُ رمضان سَهْمٌ، و (لعل السَّهَم الثَامِنَ الحَجُّ) والأمرُ بالمعرُوفِ سَهمٌ، والنَّهْي عن المنْكرِ سَهْمٌ، وخاب مَنْ لا سَهمَ له".

وخرجه البزار مرفوعًا. والموقوف أصح .

* * *

معنى أن الإسلام سهم]]

• ورواه بعضهم عن أبي إسحق، عن الحارثِ، عن عليّ بن أبي طالب رَضيَ الله عنْهُ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

خَرَّجَه أبُو يَعْلَى الَموْصِلى وغيره.

والموقُوف عَلَى حُذَيفةَ أصح، قَالَهُ الدَّارَقُطْنيُّ وغيره.

وقوله: "الإسلام سهم" يعني الشهَادتَين؛ لأنَّهمُا عَلَمُ الإسلامِ وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا.

وكذلك تَرك المحرمات داخلٌ في مسمَّى الإسلام أيضًا.

* * *

كمَا رُوِي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَال: "مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكهُ مَا لا يَعْنِيه".

وسيأتي في موضعه إن شاءَ الله تعالى .

وَيَدُل على ذلك أيضًا ما خرَّجه الإمَامُ أحمد والتِّرمذِي والنَّسَائي من حَديثِ (النَّواس بن سَمعَان) رَضِي الله عنه عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "ضَرَبَ الله مَثَلًا صِراطًا مَسْتَقِيمًا وعلى جنبتي الصِّراطِ سُورَانِ فيهما أبْوابٌ مُفتَّحَةٌ، وعَلَىَ الأبْواب ستُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى بَابِ الصراط داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها الناس! ادْخُلُوا الصِّراطَ جَميعًا ولا تعُوجُوا ودَاع يَدْعُو من جوفِ الصراطِ فإذا أراد [أحدٌ] أن يَفَتَحَ شَيئًا من تلك الأبواب قالَ: ويْحَكَ! لا تَفْتَحْه فإنّكَ إنْ تفتَحْهُ تَلِجْهُ - والصراطُ: الإسْلَامُ، والسُّورَانِ: حُدُود الله عز وجَل، والأبواب المفتحة: مَحَارمُ الله وذلك الدَّاعي علَى رَأسِ الصراطِ: كتابُ الله، والدَّاعي مِنْ فَوْقٍ وَاعِظُ الله في قَلْبِ كُلِّ مُسْلمِ".

زاد الترمذي: [قوله تعالى] {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .

* * *

الإسلام هو الصراط المستقيم]]

ففي هذا المثل الذي ضربه النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه، وَنَهى عن مجاوزة حدوده، وأن من ارتكب شيئًا من المحرمات فقد تعدى حدوده.

معنى الإيمان في القرآن والسنة]]

وأما الإيمان فقد فسره النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال: أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَملائِكَتِه وكُتُبِه وَرُسُلِهِ والْبعثِ بَعْدَ الموْتِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدرِ: خَيْرِهِ وشْرِّه".

* * *

وقد ذكر الله في كتابه: الإيمانَ بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} وَقال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} .

* * *

وقال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} .

* * *

لازم الإيمان بالرسل]]

والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة، والأنبياء، والكتاب، والبعث، والقدر، وغير ذلك [من تفاصيل ما أخبروا وغير ذلك] من صفات الله، وصفات اليوم الآخر كالميزان والصراط والجنة والنار.

وقد أدخل في الإيمان : الإيمان بالقدر: خيره وشره.

ولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر رضي الله عنهما هذا الحديث محتجًّا به على من أنكر القدر، وزعم أن الأمر أُنُفٌ يعني أنه مُسْتَأنَفٌ لم يسبق به سابق قدر من الله عز وجل، وقد غلَّظ [عبد الله] بن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر.

* * *

درجتا الإيمان بالقدر]]

والإيمان بالقدر على درجتين:

• إحداهما: الإِيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهما الثوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.

* * *

• والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال عباده كلَّها من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم.

فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة ويُنكرها القدرية.

والدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية، ونفاها غُلاتُهم، كمعبد الجهني الذي سُئِلَ ابنُ عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره.

* * *

وقد قال كثير من أئمة السلف: ناظِروا القدرية بالعلم، فإن أقرُّوا به خُصِمُوا، وإن جَحَدُوه فقد كفروا - يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ؛ فقد كذَّب بالقرآن، فيكفر بذلك.

وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خُصِمُوا؛ لأن ما أقروا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه.

وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء.

* * *

من أنكر العلم]]

وأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من

أئمة الإسلام.

* * *

بين الإيمان والإسلام]]

فإن قيل: فقد فرّق النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان؛ والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كُلَّهَا داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان.

• وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن أدركهم.

• وأنكر السلف على مَنْ أخرج الأعمالَ عن الإيمان إنكارًا شديدًا.

وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا مُحْدَثًا: سعيدُ بنُ جُبَيْر، وميمون بن مِهْرَان، وقتادة، وأيوب السَّخْتِيَاني، والنَّخَعِي، والزهري، ويحيى بنُ أبي كثير، وغيرُهم.

• وقال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناسَ على غيره.

• وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل.

• وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان: فرائض وشرائعُ، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.

ذكره البخاري في صحيحه .

• قيل الأمر على ما ذكره .

دخول الأعمال في الإيمان]]

وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} .

• وفي الصحيحين : عن ابن عباس، رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال لوفد عبد القيس: "آمُركُمْ بأرْبعٍ: الإيمانِ بِالله وَحْدَهُ . وَهَلْ تَدْرُون مَا الإِيمانُ بِالله؟ شَهَادَةُ أن لا إِلَه إِلا الله، وَإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وأنَّ تُعْطُوا مِنَ المغْنَمِ الخُمُسَ".

• وفي الصحيحين : عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإيمانُ بِضْعٌ وَسْبعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، شُعْبةً، فأفْضَلُها: قَوْل: لا إله إلا الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريق، وَالحيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ".

ولفظه لمسلم.

• وفي الصحيحين : عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَزني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخمْرَ حِين يَشْرَبُهَا وَهُوَ مِؤْمِنٌ".

فلولا أن تَرْك هذه الكبائر من مُسَمَّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته.

وجه الجمع بين النصوص]]

• وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل، عليه السلام،

عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مسمى الإسلام دون مسمى الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه. فإذا قُرِن ذلك الاسمُ بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات. والاسم المقرون به دالًّا، على باقيها؛ وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها.

فهكذا اسم الإسلام والإيمان، إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر ، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي.

* * *

وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة:

• قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة: "إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله. إذا ذكر كل اسم - على حدته - مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر وإذا ذكر أحد الاسمين على حدته شمل الكل وعمهم".

* * *

• وقد ذكر هذا المعنى - أيضًا - الخطابي في كتابه: "معالم السنن" وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام القرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر: الإسلامَ بما فسر به الإيمان، كما في مسند الإمام

أحمد: عن عمرو بن عَبَسَة ، قال:

جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسُولَ الله! مَا الإسلام. قَالَ: "أنْ يُسْلِمَ قَلبُكَ [لله]، وَأنْ يَسْلَمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ".

قَالَ: فَأيُّ الإسْلامِ أفضلْ، قَالَ: "الإيمانُ". قَالَ: وَمَا الإيمان؟ قَالَ: "أنْ تؤْمِنَ بِالله وملائِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ والبَعْثِ بعْدَ الموْتِ". قَالَ: فَأيُّ الإيمان أفْضلُ؟ قَالَ: "الهِجْرةُ" قَالَ: فما الهِجْرَةُ؟ قالَ: "أنْ تَهْجُرَ السُّوءَ" قَالَ: فأيُّ الهِجرةِ أفْضَلُ قَالَ: "الجِهَادُ".

فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال.

* * *

بين الإيمان والإسلام]]

وبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان هل هما واحد أو مختلفان؛ فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة؛ فمنهم من يدّعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شَيْءٌ واحد منهم محمد بن نصر المروزي، وابنُ عبد البر.

وقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه.

وأيوب فيه ضعف .

ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره.

وقد نُقِل التفريقُ بينهما عن كثير من السلف: منهم قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة ويحيى بن معين، وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما.

• وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن.

• وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف؛ فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قُرِن بين الاسمين كان بينهما فرق.

* * *

التحقيق في الفرق بين الإيمان والإسلام]]

والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته.

والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه: الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام والإيمان والإحسان دينا.

وهذا أيضًا مما يدل على أن أخذ الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرَّق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر، فيكون - حينئذ - المراد بالإيمان جنسَ تصديق القلب، وبالإسلام جنسَ العمل.

• وفي المسند للإمام أحمد عن أنس، رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإِسْلامُ عَلانية، والإِيمانُ في الْقَلْبِ" .

وهذا لأن الأعمال تظهر علانية، والتصديق في القلب لا يظهر.

• وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه - إذا صلى على الميت: "اللَّهُمَّ! مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتهُ مِنَّا فَتَوَفّه عَلَى الإِيمانِ" .

لأن العمل بالجوارح إنما يُتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.

* * *

لماذا قيل: كل مؤمن مسلم]]

• ومن هنا قال المحققون من العلماء: "كل مؤمن مسلم" فإن من حقق الإيمان، ورسَخ في قلبه: قام بأعمال الإسلام كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلّه؛ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ" .

فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام.

ولم لا يقال: كل مسلم مؤمن؟]]

وليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تاما مع عمل جوارحه بأعمال الإسلام؛ فيكون مسلمًا وليس بمؤمن بالإيمان التام، كما قال تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} .

ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

يعنى لا ينقصكم من أجورها؛ فَدَلَّ على أن معهم من الإيمان ما تُقْبَل به أعمالُهم.

وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص لا قال له: "لَمْ تُعْطِ فلانا وهو

مؤمن؟ " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أو مسلم؟ ".

يشير إلى أنه لم يُحَقِّقْ مقام الإيمان وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر.

[متى ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ العَمَلُ]:

ولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا.

لكن اسم الإيمان يُنفى عمن ترك شيئًا من واجباته كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَزْني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ" .

بم يوصف المؤمن حينئذ]]

• وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين. وهما روايتان عن أحمد.

وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينتفى بالإتيان بما ينافيه بالكلية.

ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا.

• واختلف العلماء : هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائر كافرا كفرًا أَصْغَرَ أو منافقًا النفاق الأصغر؟ ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه؛ إلا أنه روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ما تارك الزكاة بمسلم".

ويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجًا عن الإسلام.

وكذلك روى عن عمر رضي الله عنه فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين.

والظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهما الجزية. يقول: لم

يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كِتَابيَّتِهمْ .

* * *

متى يجوز نفي وصف الإسلام؟]]

وإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عَبَسة .

[الإسلام المطلق ومتى يصير المسلم مؤمنًا؟]:

وخَرَّجَ النسائي من حديث عقبة بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فأغَارَتْ على قوم فقال رجل منهم: إني مُسْلِمٌ؟ فقتله رجل من السَّرِيَّة فَنُمِىَ الحديثُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال فيه قولا شَديدًا فقال الرجل: إنما قالها تَعَوُّذًا من القتل؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ الله أبَى عَلَيَّ مَنَ قَتَل مُؤمِنًا". ثلاث مرات .

فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يَصِرْ مَنْ قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول.

وقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة وقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وأخبر عن يوسف عليه السلام: أنه دعا بأن يموت على الإسلام .

وهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق.

* * *

من الأدلة الأخرى على هذا]]

• وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عَدِيُّ! أسْلِمْ تَسْلَمْ!؟ " قُلْتُ: ومَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: "تَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلا اللهُ، وتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله، وتُوْمِنُ بالأقْدَارِ كُلِها: خَيرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِها ومُرِّها" .

وهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام.

ثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع.

وليس المراد الإتيانَ بلفظهما دون التصديق بِهِمَا.

فعُلِمَ أن التصديق بهما داخلٌ في الإسلام.

وقد فَسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} بالتوحيد والتصديق - طائفةٌ من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير.

* * *

إيمان الصديقين]]

وماذا إذا نفي الإيمان وأثبت الإسلام؟]]

وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل؛ إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين.

وإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته.

وهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل.

وهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله: أحمد بن حنبل ، فإن إيمان الصِّدِّيقِينَ الذين يتجَلَّى الغيبُ لقلوبهم حتى يصيرَ كأنه شهادةٌ بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة، [بحيث] لو شُكِّك لدخله الشك؛ ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين!

• ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكر رضي الله عنه بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَر في صدره .

• وسئل ابن عمر رضي الله عنهما: هل كانت الصحابة رضي الله عنهم يضحكون؟ فقال: "نَعَم! وإن الإيمان في قلوبهم أمثَالُ الجبال!؟ ".

* * *

فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار فهؤلاء يصح أن يقال في حقهم لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم.

* * *

خطورة قضايا الإيمان والكفر]]

• وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة

جدًّا؛ فإن الله عز وجل علَّق بهذه الأسماء: السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار.

* * *

الخلاف فيها كان أول خلاف]]

• والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماءَ السلمين وأموالَهم، ثم حدث بعدهم خلافُ المعتزلة، وقولُهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلافُ المرجئة وقولهم إن الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإِيمان.

* * *

• وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة.

وممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد: القاسم بن سلام، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي. وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف.

وقد ذكرنا ها هنا نكتا جامعة لأصول كثيرة من هذه السائل والاختلاف فيها.

وفيه إن شاء الله كفاية.

[(فصل) [فيما يدخل في مسمى الإسلام والإيمان]]

قد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضًا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضًا أعمال الجوارح الباطنة، فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله تعالى، والنصحُ له ولعباده، وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد، وتوابع ذلك من أنواع الأذى.

* * *

ويدخل في مُسَمَّى الإيمانِ: وَجَلُ القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيّادة الإيمان بذلك، وتحقيق التوكل على الله عز وجل، وخوف الله سرًّا

وعلانية. والرضا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - رسولا، واختيارُ تلف النفوس - بأعظم أنواع الآلام - على الكفر، واستشعارُ قرب الله من العبد، ودوامُ استحضاره، وإيثارُ محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحبُّ في الله والبُغْضُ فيه، والعطاءُ له، والمنعُ له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له، وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية، والاستبشارُ بعمل الحسنات، والفرحُ بها، والْمسَاءة بعمل السيئات، والحُزْنُ عليها، وإيثارُ المؤمنين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أنفسهم وأموالهم، وكثرةُ الحياء، وحسنُ الخلق، ومحبة ما يحبه لنفسه - لإخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنين - خصوصًا الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين ومناصرتُهم، والْحزن بما يَحْزُنُهم.

أدلة ما تقدم]]

ولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك.

دخول العمل في مسمى الإسلام]]

• فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام. ففي مسند الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال قلت: يَا رَسُولَ الله! بالَّذي بَعَثَكَ بالحق ما الذي بعَثَك به؟ قَالَ: "الإِسْلامُ". قُلْتُ: ومَا الإسْلام؟ قَالَ: "أنْ تُسْلِمَ قَلْبَك لله تَعَالَى، وأنْ تُوَجِّه وجهَكَ إلى الله تعالى، وتُصَلِّيَ الصَّلاةَ المكتُوبَة، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المفْروضَةَ" .

وفي رواية [له] قلت: وَمَا آيَةُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: "أنْ تقُولَ أسْلَمْتُ وجْهِىَ لله، وتَخَلَّيْتُ ، وَتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزَّكَاةَ وكلُّ مسلم عَلَى مسلم حَرَامٌ".

وفي السنن عَنْ جُبَيرِ بن مُطْعِم عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَالَ في خُطْبته بالخَيْفِ من مِنى: "ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِم: إخْلاصُ العَمَل لله، ومنَاصَحة ولاةِ الأمور، ولزوم

جمَاعة المُسْلمينَ؛ فإن دَعوتَهُمْ تُحيِطُ مِن وَرَائِهم" .

فأخبر أن هذه الثَّلاث الخِصَال تَنْفي الغِلَّ عنَ قَلْبِ المسْلِمِ.

وفي الصَّحيحين عَنْ أبي مُوسَى عَنِ النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ سُئلَ أيُّ المسلمين أفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" .

وفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عنْه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الْمُسْلِمُ أخُو الْمسلِمِ؛ فَلا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، بِحَسْب امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحْقِرَ أخَاهُ الْمسلِمَ. كُلُّ الْمسْلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وعِرْضُهُ" .

* * *

دخول العمل في اسم الإيمان]]

• وأما مما ورد في دخوله في اسم الإيمان فمثل قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلى قوله تعالى {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} .

وقوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} .

وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .

وقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

وقوله تعالى: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .

• وفي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَنِ العَبَّاس بن عَبد المُطَّلب عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وبالإسْلامِ دينًا، وبمحمدٍ رَسولًا .

معنى الرضا بالله ربا]]

والرضا بربوبية الله يتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، والرضا بتدبيره للعبد واختياره له.

والرضا بالإسلام دينًا يتضمن اختياره على سائر الأديان، والرضا بمحمد رسولا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح كما قال سبحانه {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .

وفي الصحيحين عن أنس عَنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثَلاثٌ من كُنَّ فيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلاوَةَ الإيمَانِ: مَن كَانَ الله وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيه مِمَّا سواهُمَا، وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعود إِلَى الكفر - بَعد إذْ أنقَذَهُ الله منهُ - كَمَا يَكْرهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ" .

وفي رواية: "وَجد بهنَّ طَعْمَ الإيمان".

وفي بعض الروايات: "طَعْمَ الإيمانِ وَحَلاوَتَهُ" .

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يُؤُمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِه والناس أجْمَعِينَ".

وفي رواية: "مِنْ أَهْلَهَ ومَالِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ" .

وفي مسند الإمام أحمد عَن أبي رَزِين العُقَيْلِي، قال: قلت يَا رَسولَ الله! ما الإِيمانُ؟ قال: "أن تَشْهَدَ أنْ لا إله إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسُولُه، وأن يَكون الله وَرَسُولُهُ أحبَّ إليك مما سواهما، وَأنْ تُحْرَق في النَّارِ أحَبُّ إِليْكَ مِنْ أن تُشْرِكَ بالله، وأن تُحِبَّ غَير ذي نَسَب لا تُحبُّه إلَّا لله [عز وجل] فإذَا كنْتَ كَذلَكَ فَقَدْ دَخَل حُبُّ الإِيمانِ في قَلبكَ كما دَخَل حُبُّ المَاء للظمْآنِ في اليوم القَائِظ". قُلتُ: يا رسول الله! كَيْفَ لي بأنْ أعْلَمَ أنِّي مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: "مَا مِنْ أمتي أو هَذه الأمَّة عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَيعلمُ أنَّها حَسَنةٌ وأنَّ الله عز وجل جازيه بها خيرًا، ولا يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَيَعلم أنَّها سَيِّئَةٌ وَيسْتغْفِرُ الله منها ويَعْلم أنه لا يغْفِرُها إلا هو؛ إلا وَهو مُؤمِنٌ" .

من الإيمان أن تسرك حسناتك]]

• وفي المسند وغيره عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سَرَّتْهُ حَسنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئتُه فَهُوَ مُؤمِنٌ" .

• وفي مسند بَقِيِّ بن مَخْلِدٍ عن رجل سَمِعَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صَرِيحُ الإِيمان إِذا أسَأتَ أو ظَلَمْتَ أحدًا: عَبْدكَ أو أمَتَكَ أوْ أحَدًا من النَّاسِ صُمْتَ أو تَصَدَّقْتَ، وإذا أحَسَنْتَ اسْتَبشْرتَ".

من صور الإيمان]]

وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمُنوا بالله وَرَسُولِهِ ثم لَمْ يَرتابوا وجَاهَدوا بأَمْوَالِهم وَأَنْفُسِهِم في سَبيل

الله، والَّذي يَأْمنُه الناسُ عَلىَ أموالهم وأَنْفُسِهِم ، ثم الذَّي إِذا أشْرَفَ عَلىَ طَمَع تَرَكَهُ لله عَزّ وَجلّ" .

من تعريفات الرسول للإيمان والإسلام وأفضل التطبيقات لهما]]

• وفيه أيضًا عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: قلت: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: "طيبُ الكلامُ، وإطعامُ الطعام" فقلت: ما الإِيمانُ؟ قال: "الصبر والسماحةُ" قلت: أيُّ الإسلام أفْضلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِم المسلمون مِن لسانه ويدِهِ". قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: خُلُقٌ حَسنٌ" .

* * *

• وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة فقال: "هو الصبر عن محارم الله، والسماحة بأداء فرائض الله" .

[أكمل المؤمنين إيمانًا]:

• وفي الترمذي وغيره عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أكْمَل المؤْمِنينَ إيمانًا أحْسَنُهُم خُلقًا" .

وخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

* * *

من الإيمان التوحيد وإيتاء الزكاة والعلم بمعية الله]]

• وخرج البزار في مسنده من حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثَلاثٌ من فَعَلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ الإِيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ وأنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا الله. وَأعْطَى زكاةَ مَالهِ طيبةً بها نَفْسُه، رافدةً عليه في كلِّ عامٍ. وذكر الحديثَ . وفي آخره: فقال رجلٌ: فما تزكية المرءِ نَفْسَهُ يا رسول الله؟ قال: "أن يعَلَمَ أن الله معه حيث كان".

وخَرَّج أبو داود أولَّ الحديثِ دونَ آخِرِه.

وخرج الطَّبَرَاني مِنْ حَديثِ عُبَادةَ بن الصَّامِتِ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إن أفضل الإيمانِ أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيث كُنتَ" .

ومن الإيمان الحياء من الله عز وجل]]

• وفي الصَّحيِحَينِ عَن عَبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنهمُا؛ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحَياءُ شُعْبَةٌ مِن الإِيمانِ" .

* * *

سهولة انقياد المؤمن لأمر الله ورسوله]]

وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ من حديثِ العِرْباضِ بن سَارِيةَ رَضيَ الله عنْهُ عَن

النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِنَّمَا المؤْمنُ كالجَمَلِ الأَنِفِ حَيثُما قِيدَ انْقَادَ".

وَقَالَ الله عزَّ وجَلَّ : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .

الإيمان وترابط أفراد المجتمع]]

• وفى الصَّحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَثلُ المؤمِنينِ في تَوادّهِم وتَعَاطُفِهِمْ وتَراحُمِهمْ كمثَل الجَسدِ إذا اشْتَكَى منهُ عضوٌ تَدَاعَى له سَائرُ الجَسدِ بالحُمَّى والسَّهر".

وفي رواية لمسلم: "المؤمنُونَ كرجُلٍ وَاحِدٍ".

وفي رواية له أيضًا: "المسلمُونَ كرجُلٍ واحدٍ إذا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وإن اشْتَكَى رأسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ".

• وفي الصَّحيِحَين عَنْ أبي مُوسَى رَضي الله عَنْهُ، عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المؤمن للمؤْمنِ كَالْبُنْيَانِ يشُدُّ بَعضُهُ بَعْضًا".

وشَبَّكَ بَينَ أصَابِعِه .

* * *

وفي مُسْندِ الإمامِ أحْمد عن سهْلِ بن سَعْدٍ رَضِيَ الله عنهُ عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَال: "المؤمِنُ من أهل الإيمان بِمنزِلةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَألَمُ المُؤْمنُ لأَهلِ الإيمانِ كمَا يألم الجسدُ لما في الرأس" .

الأخوة بين المؤمنين]]

وفي سُننِ أبِي داودَ عَن أَبي هُرَيرةَ رَضِي الله عنهُ عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "المؤمنُ مرآةُ المؤمِنِ، المُؤْمِن أخُو المؤمِنِ يَكُفُّ عليه ضَيْعتَه، ويَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه" .

من الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه]]

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفْسِه" .

* * *

[نفي الإيمان عمن لا يُؤْمَنُ أذاه]:

• وفي صحيح البُخَارِي عَنْ أبِي شُرَيحٍ الكَعْبي رَضيَ الله عنه عَنِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَال: "والله لا يؤمِنُ! والله لا يؤمنُ! والله لا يؤمنُ! " قَالُوا: من ذاك؟ يا رسولَ الله! قال: "من لا يَأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ" .

نفي الإيمان عمن يشبع وجاره جائع]]

• وخَرَّجَ الحَاكِمُ من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ رَضيَ الله عَنْهُما عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَال: "لَيْسَ المؤمنُ الذي يَشْبَعُ وجَارهُ جَائعٌ" .

من شعب الإيمان أن تعطي لله وتمنع لله وتحب لله وتبغض لله]]

• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "مَنْ أعْطَى لله، وَمَنَعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله - زاد الإمام أحمد - وَأَنْكَحَ لله فقد اسْتَكملَ إيمَانَهُ" .

[وتُعْملَ لسانَك في ذكر الله وتحب للناس ما تحب لنفسك]:

• وفي رواية للإمامِ أحمد أنَّهُ سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفْضَلِ الإيمانِ فقال: "أن تُحِبُّ لله وتُبْغِضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَكَ في ذكر الله" فقالَ: وماذَا؟ يا رسول الله! قال: "وأنْ تُحِبَّ للنَّاس مَا تُحِت لِنَفْسِكَ، وتكرَهَ لَهُمْ مَا تكْرهُ لِنفسِكَ".

* * *

[وأن تقول خيرًا أو تصمت]:

• وفي روَايةٍ له: "وأن تَقُولَ خَيرًا أوْ تَصْمُتَ" .

* * *

• وفي هذا الحديث: أن كثرةَ ذِكْرِ الله منْ أفضل الإيمان.

الحب في الله سفير الولاية مع الله]]

• وخرَّج أيضًا: من حديث عَمْرو بن الجَمُوحِ: أنَّه سَمِعَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "لا يُحِقُّ العَبْدُ صَريحَ الإيمانِ حتَّى يُحبَّ لله ويُبْغِضَ للهِ، فإذا أحَبَّ لله وأبَغَضَ لله فقد استَحَقَّ الولاية من الله تَعَالَى" .

• وخرج أيضًا من حديث البَرَاءِ بن عَازِبٍ رِضي الله عنه عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إنَّ أوْثَقَ عُرَى الإِيمانِ أنْ تُحِبَّ في الله، وتُبْغِضَ في الله" .

• وقال ابنُ عَباسٍ رضِيَ الله عنهُمَا: "أحِبَّ في الله، وأَبْغِضْ في الله، وَوَالِ في الله وعَادِ في الله فإِنَّمَا تُنَالُ ولايةُ الله بِذَلكَ، ولنْ يَجدَ عبدٌ طَعْمَ الإيمان وإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وصوْمُه؛ حتَّى يَكُونَ كَذلك وقدْ صَارَتْ عَامَّةُ مؤاخاةِ الناسِ عَلى أمر الدُّنيا، وذلك لا يُجْدِى على أهْله شَيْئًا".

• خَرَّجه ابن جَرِير الطَّبَري ومحمدُ بن نصر المروزي .

[(فصل) [عن الإحسان وكيف ورد في القرآن والسنة؟]]

• وأما الإِحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع: تارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالإِسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى، أو بالعمل.

[الإحسان مقرونًا بالإيمان]:

• فالمقرون بالإِيمان كقوله تعالى:

{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} .

وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} .

وبالإسلام]]

• والمقرون بالإِسلام كقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} .

وكقوله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} .

وبالتقوى]]

• والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} .

• وقد يذكر مفردًا.

• كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} .

• وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة .

وهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإِحسان، لأن الإِحسان هو أن يَعْبُدَ المؤمن ربّهُ في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته؛ فكان جزاء ذلك: النَّظَرَ إلى وجه الله عَيَانًا في الآخرة.

وعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الكفار في الآخرة: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} .

وجعل ذلك جزاءً لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الرّانِ على قلوبهم حتى حُجِبَتْ عن معرفته، ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجِبُوا عن رؤيته في الآخرة.

* * *

تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - للإحسان]]

• فقوله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الإحسان: "أنْ تعْبُدَ الله كَأنَّك تَرَاهُ" مشيرًا إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهي استحضار قربه وأنه بن يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوفَ، والهيبةَ والتعظيم؛ كما جاء في رواية أبي هريرة رضي الله عنه: "أن تَخْشَى الله كأنَّكَ تَرَاهُ" .

ويوجب أيضًا: النُّصْحَ في العبادة، وبذلَ الجَهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.

* * *

كيف وصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحسان؟]]

وصيته لأبي ذر]]

• وقد وصّى النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعةً من أصحابه بهذه الوصية كما روى إبراهيمُ الهَجَريُّ، عن أَبي الأحْوَصِ، عن أبي ذر، رضي الله عنه قال: "أوصَانِي خَلِيلي - صلى الله عليه وسلم - أنْ أخْشَى الله كَأنِّي أرَاهُ، فإنْ لمْ أكنُ أرَاه فَإنَّهُ يَرانِي".

ولابن عمر]]

• وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أخذَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِبَعْضِ جَسَدي

فَقَالَ: اعْبُدِ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ" . خرجه النسائي.

ولزيد بن أرقم]]

ويروى من حديث زيد بن أرْقَمَ مَرفوعًا وموقوفًا: "كُنْ كَأنَّكَ تَرى الله فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ" .

* * *

ولأنس]]

• وخرج الطبراني من حديث - أنس رضي الله عنه: "أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله! حَدِّثْنِي بحدَيثٍ وَاجْعَلْهُ مُوجَزًا؟ فَقَالَ: "صَلِّ صَلاةَ مْوَدِّعٍ؛ فَإنَّكَ إِنْ كنْتَ لا تَرَاه فَإنَّه يَرَاكَ" .

ولحارثة]]

• وفي حديث حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "كَيْفَ أصْبَحتَ! يَا حَارِثَة؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤمِنًا حَقًّا! قَالَ: انظُرْ مَا تَقُولُ؛ فَإِنْ لِكُلِّ قَولٍ حَقيِقَةً؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأسْهَرْتُ لَيْلي وَأظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ ربِّي بَارِزًا! "وكأني

أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها! وَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ فِيهَا قَالَ: "أبْصرْتَ فَالْزَمْ؛ عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإِيمَانَ في قَلْبهِ" .

ولأبي أمامة]]

وروى من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصى رجلا فقال له: "اسْتَحْي مِنَ الله اسْتحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ مِنْ صَالحِي عَشِيرتك لا يفارقانك" .

ويروى من وجه آخر مرسلًا. "استحي من ربك".

ولمعاذ]]

ويروى عن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: "اسْتَحْي منَ الله كَمَا تَسْتَحييِ منْ رَجُلٍ ذِي هَيْبَةٍ مِنْ أهْلِك ".

وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كشف العورة خاليا فقال "الله أحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْه" .

من وصايا السلف في الإحسان] [وآثارهم فيه]]

ووصى أبو الدرداء رضي الله عنه رجلا فقال له: "اعبد الله كأنك تراه".

وخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه؛ ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال: "كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا".

أخرجه أبو نعيم وغيره .

* * *

تفسير الجملة الثانية في الوصية بالإحسان]]

• وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِنْ لَمْ تَكُن تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ": قيل إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يَشُقُّ ذلك عليه؛ فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله عز وجل يراه ويَطَّلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أمره.

فإذا تحقق هذا المقام سَهُل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده، ومعيته حتى كأنه يراه.

* * *

وقيل بل هو إشارة إلى أن من شقَّ عليه أن يعبد الله تعالى كأنه يراه؛ فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه؛ فليستحي من نظره إليه كما قال بعض العارفين: "اتق الله أن يكون أهونَ الناظرين إليك".

وقال بعضهم: "خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك".

مقاما الإخلاص والمشاهدة]]

وقال بعض العارفات من السلف: "من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص".

فأشارت إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما:

أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله، وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادتِه بالعمل.

والثاني: مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمان، وتَنْفُذَ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيبُ كالعيان.

وهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام.

ويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر.

وقد فسر طائفَة من العلماء المثلَ الأعلى المذكور في قوله عز وجل: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} . بهذا المعنى.

ومثله قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} .

والمراد: مَثَلُ نوره في قلب المؤمن.

كذا قاله أبي بن كعب وغيره كما السلف.

* * *

الإحسان أفضل الإيمان]]

وقد سبق حديث: "أفضلُ الإيمان: أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيثُ كنتَ" وحديث: "ما تزكيةُ المرء نَفْسَه؟ " قال: "أن يعلم أن الله معه حيث كان" .

من ثمرات الإحسان]]

• وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثَلاثَةٌ في ظِلِّ الله تَعَالى يَوْم الْقِيامَة يَوْمَ لا ظِلّ إِلا ظِلُّهُ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوجَّهَ عَلِمَ أن الله مَعَهُ. . وذكر الحديث ".

* * *

أدلة قرب الله من العبد ومعيته له وشهوده عليه]]

وقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} .

وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} .

وقوله: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

وقوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .

• وقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} .

وقوله: {وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} .

* * *

دعوة السنة إلى استحضار قرب الله عز وجل]]

• وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أحدَكُمْ إِذَا قامَ يُصَلِّي فإِنَّما يُنَاجِي رَبَّهُ أو ربَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلة".

وقوله: "إِنَّ الله قِبَل وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى".

وقوله: "إنَّ الله عز وجل يَنصُبُ وَجْهَهُ لِوجْهِ عَبْدِهِ في صَلاتِه مَا لَمْ يَلْتَفِتْ" .

• وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: "إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ ولَا غَائِبًا؛ إِنَّكُمُ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَريبًا" .

• وفي رواية: "وهو أقْرَبُ إِلَى أَحدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِه ".

وفي رواية: "هُوَ أَقْرَبُ إلى أحْدِكُمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ".

وقوله: "يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا [هو] ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ" .

وقوله: "يَقُولُ الله عزَّ وجَلَّ: أنَا مَعَ ظَنِّ عِبْدِي بِي وأنَا مَعَهُ حيث ذكرني، فإنْ ذَكَرني في نفْسِهِ ذَكَرْتُه في نَفْسي، وَإنْ ذَكَرني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَربْتُ مِنْه ذِراعًا، وَإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منْه بَاعًا، وإن أتانِي يَمْشى أتَيْتُهُ هَرْولةً" .

معنى قرب الله عز وجل]]

ومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله عز وجل وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله - فسُبحان مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

* * *

تفسير بكر المزني]]

قال بكر المزني: "من مِثْلُكَ يا ابن آدم؟ خُلِّيَ بينك وبين المحراب والماء؟! كلما شِئْتَ دَخَلْتَ على الله عز وجل؟! وليس بينك وبينه تَرْجُمَانٌ" .

متى يستأنس العبد بالله]]

ومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته استأنس بالله واستوحش من خلقه ضرورة.

من الآثار في ذلك]]

قال ثور بن يزيد: "قرأت في بعض الكتب أن عيسى عليه السلام قال: "يا معشر الحواريين: كَلِّمُوا الله عز وجلَّ كثيرًا وكلموا الناسَ قليلًا" قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟ قال: "اخْلوا بمناجاته!؟ اخْلُوا بدعائه؟! ".

خرجه أبو نعيم .

* * *

وخرج أيضًا بإسناده عن رِيَاحٍ، قال: "كان عندنا رجلٌ يُصَلِّى كلَّ يوم وليلة ألفَ ركعة حتى أُقِعدَ من رجليه فكان يصلي جالسًا كل ليلة ألف ركعة، فإذا صلَّى العصْرَ احتبَى واستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنِسَتْ بسواك؟ بل عجبْتُ للخليقة كيف استنارت قُلُوبُها بذكر سواك؟! " .

* * *

وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت: "كأنك تكره أن تُؤتَى؟ ".

قال: أجل!

فقلت: أو ما تستوحش؟

قال: كيف أستوحِشُ وهو يقول أنا جليس من ذكرني؟!

وقيل مالك بن مِغْوَل - وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟

وكان حبيب: أبو محمد يخلو في بيته ويقول: "من لم تَقَرَّ عينُه بكَ فلا قرَّتْ عينه، ومن لم يأنْس بكِ فلا أَنِسَ".

* * *

• وقال غَزْوان: "إني أصبت راحة قلبي في مجالسة مَنْ لديه حاجتي".

* * *

• وقال مسلم بن يسار: "ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله عز وجل" .

• وقال مسلم بن عابد : "لولا الجماعة ما خرجْتُ من بابي أبدًا حتى أموت".

• وقال: "ما يَجِدُ المطيعون لله لذةً في الدنيا أَحْلَى من الخَلْوة بمناجاة سَيِّدِهِمْ ولا أحْسَبُ لهم في الآخرة من عَظِيم الثّواب أكْبَرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم من النظر إليه".

ثم غُشِيَ عليه.

* * *

وعن إبراهيم بن أدهم قال: "أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنِسَ إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك، حتى لا تَرْجُوَ إِلا رَبَّك، ولا تخافَ إلا ذَنْبَك، وتَرْسَخَ محبتُه في قلبك، حتى لا تؤثِرَ عليها شيئًا؛ فإذا كنتَ كذلك لم تبالِ في بَرٍّ كُنْتَ أو في بَحْرٍ أو في سهل أو في جَبَلٍ، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيّب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف".

* * *

• وقال الفضيل: "طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه" .

وقال أبو سليمان: "لا آنسنى الله إلا به أبدا".

* * *

وقال معروف لرجل: "توكَّل على الله؛ حتى يكون جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواك".

* * *

• وقال ذو النون : "من علامات المحبين لله أن لا يأْنَسُوا بسواه ولا يستوحشوا معه. ثم قال: إذا سكن القلب حُبُّ الله تعالى أنِسَ بالله؛ لأن الله أجلُّ في صدور العارفين أن يحبوا سواه".

تعقيب]]

وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.

* * *

بيان أن علوم الفقه والأخلاق والعقيدة والتصوف لا تخرج عن هذا الحديث]]

فَمنْ تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث، وتدخل تحته، وأن جميع العلماءِ مَنْ فِرَقِ هذه

الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دلَّ عليه مجملا ومفصلا؛ فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفون إلى ذلك: الكلامَ في أحكام الأموال والأَبْضَاعِ والدماء وَكُلُّ ذلك من علم الإِسلام كما سبق التنبيه عليه.

ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ولا يتكلمون على معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله.

والذين يتكلمون في أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر.

والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإِحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضًا، كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك.

فانحصرت العلوم الشرعية التي تتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه.

ففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة

* * *

الساعة وأمارتها واستئثار الله بعلمها]]

وبقى الكلام على ذكر الساعة من الحديث.

فقول جبريل عليه السلام: أَخْبِرْني عَن السَّاعةِ؛ فَقَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَا السئول عنْها بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ".

يعني أن علم الخلق كلّهم في وقت الساعة سواء.

وهذا إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها.

ولهذا [جاء أن العالِم. إذا سُئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلمه، وأن ذا لا ينقصه شيئا بل هو من ورعه ودينه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم] .

أدلة استئثار الله بعلم الساعة]]

[١ - [من القرآن]]

• [و] في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "في خمس لا يعلمهن إِلا الله تعالى ثم تلا: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .

وقال الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

[٢ - [ومن السنة]]

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلمهُنّ إِلا الله" ثُمَّ قرأ هَذِه الآية: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}.

* * *

وخرجه الإمام أحمد، ولفظه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أُوتِيتُ مَفَاتيحَ كُلِّ شَيءٍ إلا الْخَمْسَ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية} .

• وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أُوتي نبيُّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيءٍ غيرَ خمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية} .

* * *

أمارات الساعة]]

وقوله : (فأخبرني عن أماراتها) يعني عن علاماتها التي تدل على اقترابها.

• وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "سأُحَدِّثكَ عَنْ أشْرَاطِهَا".

وهي عَلَامَاتُها أيضًا.

أمارتان]]

• وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - للساعة علامتين:

[الأولى: أن تلد الأمة ربَّتها]:

الأولى "أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "ربَّها".

وهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جَلْب الرقيق؛ حتى تكْثُرَ السراري وتَكْثُرَ أولادُهُنَّ فتكون الأمة رقيقةً لسيدها وأولاده منها بمنزلته؛ فإن ولد السيدة بمنزلة السيد فيصير ولدُ الأمة بمنزلة رَبِّهَا وَسَيِّدهَا.

* * *

استنتاجات الفقهاء من ذلك]]

وذكر "الخطابي" أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد؛ إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وأنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق عليهم، وأنها قبل موت سيدها تُبَاعُ.

قال: وفي هذا الاستدلال نظر.

قلت: قد استدل به بعضهم على عكسِ ذلك، وأن أم الولد لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد اللأمة ربَّها فكأن ولدها هو الذي عتقها، فصار عتقا منسوبًا إليه؛ لأنه سبب عتقها؛ فصار كأنه مولاها.

• وهذا كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في أم ولده مارية - لما ولدت إبراهيم عليه السلام - "أعْتَقَهَا وَلَدُهَا" .

وقد استدل بهذا الإِمام أحمد رضي الله عنه، فإِنه قال في رواية محمد بن الحكمِ عنه: "تلد الأَمَةُ رَبّتَهَا": تكثر أمهات الأولاد، يقول إذا ولدت. فقد عتقت لولدها وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ.

وقد فسر قوله: "تلد الأمةُ ربّتها" بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها. وقد وقع هذا في الإسلام.

وقيل: معناه أن الإماء يَلدْنَ الملوك.

وقال وكيع: "تلد المعجم العرب "والعرب ملوك المعجم وأرباب لهم.

الأمارة الثانية]]

والعلامة الثانية: "أَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُراةَ العَالَةَ" والمراد بالعالة: الفقراء كقوله تعالى: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} .

• وقوله: "رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاولُونَ فِي البُنْيانِ" هكذا في حديث عمر رضي الله عنه.

والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهَوْن بطول البنيان، وزخرفته، وإتقانه.

أمارات أخرى]]

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه ذكر ثلاث علامات منها: "أن يكُون الحُفَاةُ العراةُ رءوس الناس".

ومنها أن يتطاول رُعاة البَهْمِ في البنيان".

• وروى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عطاء عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ فقال فيه: "وَأَنْ تَرَى الصُّمَّ البُكْمَ العُمْيَ الحُفَاةَ رِعَاء الشَّاء يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيانِ مُلَوكَ النَّاس" قال: فَقَامَ رَجُلٌ فَانْطَلَقَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! مَنْ هَؤُلَاءِ الذَينَ نَعَتَّ؟ قال: "هُمْ العُرَيْبُ".

وكذا رَوى هذا الحديثَ بهذه اللفظة الأخيرة عليُّ بن زيد، عن يحيى بن يعمَر،

عن ابن عمر.

وأما الألفاظ الأول فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها.

* * *

وقوله: "الصّم البُكْمُ العُمْيُ" إشارة إلى جهلهم، وعدم علمهم وفهمهم.

وفي هذا المضى أحاديثُ متعدِّدة.

• فَخَرَّجَ الإمامُ أَحْمدُ والتِّرْمِذِيُّ من حديث حُذيفة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال. "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعَ بنَ لُكَعٍ" .

• وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"لا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكونَ عِنْدَ لُكَعِ بن لُكَعٍ" .

• وخرج الطبراني من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْيبَ عَلَى الدُّنْيا لُكَعُ بنُ لُكَعٍ" .

• وخرج الإِمام أحمد والطبراني من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:

"بَينَ يَدَى السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُتَّهمُ فِيهَا الأمينُ، وَيؤَتمَنُ فِيهَا المُتَّهَمُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ" قَالوا: وَما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: "السَّفِيهُ يَنْطِقُ في أَمْر العَامَّةِ".

وفي رواية: "الفَاسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ" .

وفي رواية الإمام أحمدَ: "إنّ بَينْ يَدَي الدَّجال سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّق فِيهَا الكَاذبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُخوَّنُ فِيها الأمِينُ، ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ، وذَكَرَ باقيه" .

مضمون ما ذكر]]

ومضمون ما ذُكِرَ من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمورَ تُوَسَّدُ إِلى غير أهلها، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن الساعة:

"إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانتظِر السَّاعَةَ" .

وأدلة ذلك]]

فإنه إذا صار الحفاة العراةُ رِعاءُ الشاءِ، وهم أهل الجهل والجفاء رءوسَ الناس وأصحابَ الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا؛ فإنه إذا رأس الناسَ من كان فقيرًا عائلا فصار ملكًا على الناسِ سواء كان ملكه عامًّا أو خاصًّا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال؛ فقد قال بعض السلف: "لأن تمد يدَك إلى التِّنِّين فَيَقْضِمَهَا خَيْرٌ لك من أن تَمُدَّها إِلى يد غَنيٍّ قد عالج الفقر" .

وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم.

وفي حديث آخر:

"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلةٍ مُنَافقُوها" .

وإذا صار ملوك الناس ورءوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فَصُدِّقَ الكاذب، وكُذِّبَ الصادق، واؤُتمِنَ الخائن، وخُوِّنَ الأَمين، وتَكَلَّم الجاهل، وسَكَتَ العَالِمُ، أو عُدِمَ بالكلية.

كما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

"إن مِن أشْراط السَّاعةِ أن يُرفعَ العِلْمُ، وَيَظْهرَ الجهلُ" .

وأخبر أنه "يُقْبَضُ العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جُهالا فَسئِلُوا فأفتوا بِغيْر عِلْم؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .

وقال الشعبي: "لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا والجهل علما".

وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور.

• وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إنَّ مِن أَشرَاط السَّاعَةِ أنْ يُوضَعَ الأخيَارُ، ويُرفَعَ الأشْرَارُ .

* * *

التطاول في البنيان وعلام يدل؟]]

وفي قوله: "يتطاولون في البنيان" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان.

ولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة.

• وروى أبو الزناد عن الأَعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

• "لا تقوم السَّاعة، حتى يَتَطَاوَل الناسُ في البُنْيَانِ".

خرجه البخاري .

النهي عن التطاول في البنيان وذمه]]

• وخرج أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج فرأى قُبَّةً مُشْرِفةً عالية فقال: "ما هذه؟ " قالوا: هذه لفلان: رجل من الأنصار فجاء صاحبها

فسلَّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأَعْرَضَ عنه، فعل ذلك مِرَارًا؛ فهدمها الرجل .

• وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ بنَاءٍ - وأشارَ بيده هكذا عَلَى رأسه - أَكْثَرُ مِنْ هذَا فَهَوُ وبالٌ" .

• وقال حريث بن السائب عن الحسن: "كنت أدخل بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في خلافة عثمان رضي الله عنه، فأتناول سقفَهَا بيدي".

* * *

وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب: "لا تُطيلوا بِنَاءَكم؛ فإنه شَرُّ أَيامِكُمْ".

• وقال يزيد ابن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان : "ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لِم؟ لتجعلَني مَلَكًا؟ قال: لا! ولكن نبني لك بيتًا من قصب ونسقفه بالبواري إذا قمت كاد أن يصيب رأسَك وإذا نمت كاد أن يمسَّ طرفيْك قال: كأنك كنتَ في نفسى!؟ ".

* * *

• وعن عمار بن أبي عمار قال: "إذا رَفَعَ الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين إلى أين؟ ".

خرّجهُ كُلَّه ابنُ أبي الدنيا.

• وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده: "بلغني عن ابن عائشة حدثنا ابن أبي شُميلة قال: "نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعرَ ففشا فيهم السرَق؛ فكتبوا إلى عمر؛ فأذن لهما في اليراع؛ فَبَنَوْا بالقصبِ فَفَشَا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر رضي الله عنه، فأذن لهم في المدر ونهى أن يرفع الرجل سَمْكهُ أكثر من سبعة أذرع وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد".

* * *

وفي المساجد]]

• قال ابن أبي عائشة : وكان عتبة بن غَزْوان بَنَى مسجدَ البصرة بالقصب، قال [وكان يقال] "من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لَبنٍ، ومن صلى فيه وهو من لَبِن أفضل ممن صلى فيه وهو من آجُرٍّ".

• وخَرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ في المسَاجِدِ" .

ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أراكمُ سَتُشَرِّفُون مَساجدَكم بعدي كما شَرَّفَت اليهودُ كَنَائِسَها وكما شَرَّفَت النَّصارَى بِيعَهَا" .

* * *

• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن رضي الله عنه قال: "لما بنى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - مسجدَه قال: "ابنُوهُ عريشا كعريش موسى عليه السلام".

قيل للحَسَن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رَفع يدَه بلغ العريشَ، يعنى السقف .

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن…

قال معاذٌ رضي الله عنه: كنتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم في سَفَر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أَخْبِرني بعمل يُدخلني الجنة ويباعدني عن النار،
قال: لقد سألتني عن عمل عظيم فِعْلُه على النفوس، وإنه لَهَيِِّنٌ سَهْلٌ على مَن يَسَّرَه الله عليه؛ أَدِّ فرائض الإسلام:

الأول: تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا.

الثاني: تُقيم الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، بشروطها وأركانها وواجباتها.

الثالث: تُخرِج الزكاة المفروضة، وهي عبادة مالية واجبة في كل مال بلغَ قدرًا مُحددًا في الشرع، تعطى لمستحقيها.

الرابع: تصوم رمضان، وهو الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما من المفطرات بنية التعبد، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

الخامس: تحج البيت بقَصْد مكة لإقامة المناسك، تعبُّدًا لله عز وجل.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: أَلَا أُعَرِّفُك على الطريق المُوصِلة لأبواب الخير؟ وذلك بإتْبَاع تلك الفرائض بالنوافل:

أولًا: صوم التطوع، وهو مانع من الوقوع في المعاصي وذلك بكسر الشهوة، وإضعاف القوة.

ثانيًا: صدقة التطوع تطفئ الخطيئة بعد اقترافها وتُذْهِبُها وتَمحو أثرَها.

ثالثًا: صلاة التهجد في ثلث الليل الآخر، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم} أي: تتباعد {عن المضاجع} أي: المراقد {يدعون ربهم} بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء، {خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين} أي ما تَقَرُّ به أعينُهم يوم القيامة وفي الجنة من نعيم، {جزاء بما كانوا يعملون}.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: أَلَا أُخْبِرُك بأصل الدين؟ وعموده الذي يعتمد عليه؟ وذروة سنامه؟

قال معاذ رضي الله عنه: بلى يا رسول الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: رأس الأمر: الإسلام وهو الشهادتان، وبهما يصبح مع الإنسان أصل الدين.
وعموده: الصلاة، فلا إسلام بلا صلاة، كما أنه لا يكون البيت بلا عمود، فمن صلى قوي دينه وارتفع؛ وذروة سنامه وارتفاعه بالجهاد وبذل الجَهد في قتال أعداء الدين لإعلاء كلمة الله.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بإحكام وإتقان ما مضى؟ فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسانه، وقال: امنع هذا ولا تَكَلَّمَ بما لا يَعنيك.
قال معاذ: هل يؤاخِذُنا ويحاسبنا ربُّنا ويعاقبنا بكل ما نتكلَّم به؟!

قال صلى الله عليه وسلم: فَقَدَتْك أمُّك! وليس المراد به الدعاء عليه، ولكنها من كلام العرب لِتَنبيهه إلى أَمر كان ينبغي أن ينتبه له ويعرفه، ثم قال: وهل يُلقِي الناسَ ويُسقِطُهم على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والقذف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • حرص الصحابة رضي الله عنهم على العِلْم، ولهذا يَكثُرُ منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عنه.
  • فقه الصحابة رضي الله عنهم لعلمهم أنَّ الأعمال سبب لدخول الجنة.
  • السؤال الذي صَدَر من معاذ رضي الله عنه سؤال عظيم؛ لأنه في الحقيقة هو سِرُّ الحياة والوجود، فكل موجود في هذه الدنيا من بني آدم أو من الجنّ غايته إما الجنة وإما النار، فلذلك كان هذا السؤال عظيمًا.
  • ترتُّب دخوله الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج.
  • رأس الدين وأغلى المُهمّات وأعلى الواجبات توحيد الله، بعبادته وحده لا شريك له.
  • رحمة الله بعباده أنْ فتح لهم أبواب الخير ليتزوَّدوا من أسباب الأجر ومغفرة الذنوب.
  • فضل التقرب بالنوافل بعد أداء الفرائض.
  • الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخَيْمَة، يَذهب الإسلام بذهابها، كما تسقط الخيمة بسقوط عمودها.
  • وجوب حفظ اللسان عما يضر الإنسان في دينه.
  • كَفُّ اللسان وضبطُه وحَبسُه هو أصل الخير كله.

درجة الحديث: صحيح بمجموع طرقه

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 14 جمادى الأولى
بدر اليوم 15.4 / 29.5
الإضاءة 100%
الهلال الجديد بعد 14 يوم
سبحان الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56