الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1067
الحديث رقم 1067 من كتاب «كتاب الفضائل» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل صلاة الجماعة.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
ومعنى «حَيَّهَلًا (٢)»: تعال.
١٠٦٧ - وعن عبدِ الله - وقيل: عَمْرو بن قَيسٍ - المعروف بابن أُمّ مكتوم المؤذن - رضي الله عنه - أنَّه قَالَ: يا رَسُول اللهِ، إنَّ المَدينَةَ كَثيرةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فَ
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب فضل صلاة الجماعة]
١٠٦٤ - عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة متفق عليه
١٠٦٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث تقول اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة متفق عليه وهذا لفظ البخاري
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل صلاة الجماعة يريد بذلك رحمه الله بيان فضل الصلاة مع الجماعة وقد اتفق العلماء على أن صلاة الجماعة من أفضل العبادات وأجل الطاعات لكن اختلفوا هل هي سنة أو واجب أو شرط لصحة الصلاة على أقوال ثلاثة ١ - أنها سنة إن قام بها الإنسان أثيب على ذلك وإن تركها فلا
إثم عليه ٢ - أنها واجبة يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة فإن لم يفعل فهو إثم وصلاته صحيحة ٣ - أن الجماعة شرط لصحة الصلاة وأنه إذا لم يصل مع الجماعة فصلاته باطلة ولا تقبل منه وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورواية عن الإمام أحمد أن الإنسان إذا صلى وحده بدون عذر شرعي فإن صلاته لا تقبل كالذي يصلي بغير وضوء وعللوا ذلك بأن صلاة الجماعة واجبة والقاعدة أن من ترك واجبا في الصلاة بطلت صلاته لكن القول الراجح أنها واجبة يأثم الإنسان بتركها ولكنه إذا صلى وحده قبلت صلاته فليست شرطا لصحة الصلاة ويدل على هذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ووجه الدلالة أنه لو كانت صلاة المنفرد لا ثواب فيها ما صحت المفاضلة ولكن يأثم الإنسان الذي لا يصلي مع الجماعة وأما حديث أبي هريرة فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المرء في بيت وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفا ولا منافاة بين الحديثين بل يؤخذ بالزائد لأن فضل الله واسع ثم بين ذلك وذلك أنه إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء يعني أتمه ثم خرج من بيته إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة الخطوة الواحدة فيها فائدتان
١ - أنه يرفع له بها درجة ٢ - أنه يحط عنه بها خطيئة فإذا دخل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصل عليه مادام في مصلاه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وهذا أجر عظيم وفضل كبير لا ينبغي للرجل المؤمن العاقل أن يفرط فيه لو أنه قيل لك إن سلعتك إذا بعتها في بلدك بعتها بمائة وإذا بعتها في بلد آخر بالسفر إليه بعتها بمائة وعشرة لسافرت من أجل عشرة بالمائة ولم يشق عليك السفر والكثير من الناس والعياذ بالله حرموا الخير تجدهم قريبين من المسجد يتركون هذا الفضل العظيم وهذا المكسب العظيم الواحد بسبع وعشرين يعني أضعاف ومع ذلك لا يأتي إلى المسجد نسأل الله العافية وربح الدنيا مع قلته يسعى إليه ويهتم به مع أنه زائل فإن كل ما في الدنيا من نعيم فإما زائل عنك وإما زائل أنت عنه ولابد فما من نعيم دائم ولا إقامة دائمة ونعيم الآخرة باق ومع ذلك نجد بعض الناس يفرط فيه ولا يهتم به وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته
١٠٦٦ - وعنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلي المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له
فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال له هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب رواه مسلم
١٠٦٧ - وعن عبد الله وقيل عمرو بن قيس المعروف بابن أم مكتوم المؤذن رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح فحيهلا رواه أبو داود بإسناد حسن ومعنى حيهلا تعال
١٠٦٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث الثلاثة في بيان وجوب صلاة الجماعة وأن تكون في المسجد فمنها حديث أبي هريرة الأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم وهو الصادق البار بدون قسم أنه هم أن يأمر بالصلاة فتقام ثم يأمر رجلا فيصلي بالناس ثم ينطلق بحزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة
فيحرق عليهم بيوتهم بالنار وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهم هذا الهم إلا لترك أمر واجب ولا يخبر الناس بذلك إلا ليحذرهم من تركه ومخالفته وإلا لم يكن هناك فائدة وكونه صلى الله عليه وسلم هم أن يعاقبهم هذه العقوبة دليل على تأكد الجماعة وأنها أمر مهم وقد روي بسند ضعيف أنه قال لولا ما فيها من النساء والذرية لكن هذا ضعيف ولكن يكفي أن يكون هم بذلك وأخبر الأمة به ثم من الذي تجب عليه الجماعة هو الذي يستطيع أن يصل إليها وهو يسمع النداء ولهذا استفتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل قال يا رسول الله إنني رجل أعمى وليس لي قائد يقودني إلى المسجد يريد أن يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم فرخص له فلما أدبر ناداه قال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة على الأعمى وأن العمى ليس عذرا في ترك الجماعة ودل ذلك أيضا على أنها تجب في المسجد وأنه ليس المقصود الجماعة فقط بل الجماعة وأن تكون في المسجد ودل ذلك أيضا على أن العبرة بسماع النداء ولكن المراد سماع النداء المعتاد وليس بالميكروفون
ودل ذلك أيضا على أنه لا يصح افتداء من كان خارج المسجد بمن في المسجد ولو أمكنه أن يقتدي به يعني مثلا لو كان الإنسان عند بيت بجوار المسجد وهو يسمع تكبيرات الإمام فقال لابنه مثلا نصلي مع الإمام جماعة في بيتنا فإن ذلك لا يصح لأنه لابد من حضور المكان الذي تقام فيه الجماعة إلا أنه إذا امتلأ المسجد وصلى الناس في الأسواق فإن الذين خارج المسجد يكونون تبعا لمن في المسجد في اتصال الصفوف وإلا فبدون اتصال الصفوف فإن من كان خارج المسجد لا تصح صلاته مع أهل المسجد لابد من الحضور حتى لو كان يسمع كل التكبيرات فإذا قال قائل إذا كان مريضا ولا يستطيع الحضور لكن يسمع النداء بواسطة الميكروفون يتابع الإمام قلنا لا يصلي مع الإمام هو معذور في ترك الجماعة وإذا كان من عادته أنه يصلي مع الجماعة فإنه يكتب له ما كان يعمل لما كان صحيحا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من مرض وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما والله أعلم
١٠٦٩ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال من سره أن يلقي الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم
سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم وفي رواية له قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه
[الشَّرْحُ]
ساق المؤلف رحمه الله في باب فضل الجماعة هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا الأثر الذي كأنما يخرج من مشكاة النبوة كأنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في سلاسته وحسنه ونظمه يقول رضي الله عنه من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن وكلنا يسره أن يلقى الله تعالى مسلما مؤمنا به جل وعلا فمن أراد ذلك فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن أي في المكان الذي نادى به عليهن أي المسجد وذلك لوجوب صلاة الجماعة في المسجد فلا يجوز لأحد يقدر على أن يصلي في المسجد إلا وجب عليه إذا كان من أهل
وجوب الجماعة كالرجال ثم ذكر رضي الله عنه أن الله سبحانه وتعالى شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم سنن الهدى يعني طرق الهدى فكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو هدى ونور شرعه الله له وإنهن يعني الصلوات الخمس من سنن الهدى وصدق رضي الله عنه بل الصلوات الخمس أعظم سنن الهدى بعد الشهادتين لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ثم قال لو أنكم صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم يعني لو أن كل واحد صلى في بيته كما صلى هذا المتخلف لتركنا السنة ولتعطلت المساجد ولانقطع الناس بعضهم عن بعض ولما تعارفوا ولا تآلفوا ولا حصل هذا المظهر العظيم في الدين الإسلامي ولكن من رحمة الله وحكمته أن شرع للعباد أن يصلوا جماعة كل يوم خمس مرات تلقى أخاك تسلم عليه ويسلم عليك وتقتدي معه على إمام واحد فهي نعمة عظيمة من أعظم روابط الأخوة في المودة والمحبة ثم قال ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق والمنافقون كثيرون لاسيما إذا اعتز الإسلام وقوي ما استطاع الإنسان أن يعلن كفره ولهذا لم يبرز النفاق ولم يكثر في عهده صلى الله عليه وسلم إلا حين انتصر المسلمون في غزوة بدر لما انتصر المسلمون في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة بدأ النفاق يظهر خاف الكفار على أنفسهم فصاروا يعلنون الإسلام حتى إنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
يقولون نشهد إنك لرسول الله فيقول الله عز وجل {والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} يعني ما قالوا صدقا بل قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم & قول ما يتخلف عنها إلا منافق لماذا يتخلف المنافق لأن المنافق لا يرجو ثوابا ولا يؤمن بالحساب فلا يحضرها ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم أثقل الصلوات على المنافقين العشاء والفجر لأن صلاة العشاء لا يرى فيها الذي يتخلف ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يوجد كهرباء ولا أنوار فيتخلف الإنسان ولا يدري عنه ثم إن صلاة العشاء والفجر تأتي في وقت الراحة والنوم فهي ثقيلة على المنافقين لا يأتون إليها ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ثم ذكر رضي الله عنه أن الرجل من المسلمين يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فهو رجل مريض لا يستطيع أن يمشى وحده يهادونه يمشون به وريدا وريدا حتى يقام في النصف فيصلي مع الجماعة رضي الله عنهم وبهذه الأعمال وغيرها ملكوا مشارق الأرض ومغاربها ولما تخلفت الأمة الإسلامية واختلفت قلوبها صارت إلى ما ترون الآن أمة ذليلة على أنهم يبلغون مليارا من البشر ومع ذلك هم في أذل ما يكون من الأمم
لأنهم متفرقون بل بعضهم متعادون بل بعضهم يرى أن الآخر أشد عليه من اليهود والنصارى والعياذ بالله لأنهم متنازعون متفرقون لكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتخلف أحد عن الجماعة حتى ولو كان مريضا يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فلو أننا عدنا إلى ما كان الصحابة عليه لصرنا أمه عزيزة مرموقة كل يخافها وكل يصانعها وكل يتودد إليها نسأل الله أن يعيد لنا مجدنا لديننا ويعيد لنا كرامتنا إنه على كل شيء قدير
١٠٧٠ - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذنب من الغنم القاصية رواه أبو داود بإسناد حسن
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجماعة فيما نقله عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ثلاثة في قرية ولا بدو يعني ولا بادية لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان يعني معنى ذلك أنه إذا كان ثلاثة في قرية أو في بادية لا تقام فيهم الجماعة ولا
الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فدل ذلك على أنه لا يجوز ترك الجماعة ولكن هذا الحديث يفيد أنه لا يجوز إذا كانوا ثلاثة فأكثر لكن هناك أحاديث أخرى تدل على أن الجماعة تجب إذا كانا اثنين فأكثر أما في الجمعة فلا تجب إلا إذا كانوا ثلاثة فأكثر في غير البرية أما البادية والمسافرون في البر فليس عليهم جمعة لكن القرى والأمصار فيها جمعة وأدنى ما يكون ثلاثة فإن قيل كيف يمكن أن تكون قرية أو مدينة ليس فيها إلا ثلاثة فالجواب يمكن هذا بأن تكون هذه المدينة مسافرين جاءوا للدراسة مثلا كما يوجد الآن في المجتمعات في بعض البلاد الخارجية يكون من فيها من المواطنين ثلاثة فقط والباقون كلهم مسافرون جاءوا للدراسة فهؤلاء تلزمهم الجمعة لأن فيها ثلاثة مواطنين وأما البادية فلا تجب عليهم الجمعة لأن الجمعة لا تكون إلا في القرى والأمصار ولهذا لم تكن البادية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم حول المدينة يقيمون الجمعة وفي قوله وعليكم بالجماعة إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم دليل على أنه لا ينبغي للمسلمين الافتراق والاختلاف وأنه واجب عليهم الاجتماع وأن الشرود عن الجماعة سبب في الهلاك لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بالقاصية من الغنم البعيدة يأكلها الذئب فتهلك فهكذا الذي يشذ عن الجماعة حتى لو برأي ينفرد به ويظن أن النصوص معه وتدل عليه فإن الواجب إذا رأى الإنسان في رأي أن النصوص وتدل على خلاف ما يراه الجمهور فالواجب عليه أن يعيد النظر مرة بعد أخرى إذ لا يمكن أن يكون
الجمهور توهموا وأنت الذي أصبت ولهذا لما قال حذيفة لابن مسعود رضي الله عنه إن قوما يعتكفون في البصرة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد الحرام والنبوي والأقصى قال لعلهم ذكروا ونسيت وحفظوا فوهم ابن مسعود حذيفة وذلك لأن المسلمين يكادون كالمجمعين على أن الاعتكاف يصح في كل مسجد وأنه لو فرض صحة حديث حذيفة لكان معناه لا اعتكاف تاما إلا في هذه المساجد الثلاثة وإلا فلا يمكن أن يخاطب الله بالقرآن الكريم الأمة الإسلامية يقول ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ثم نقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد لا يحضرها ولا واحد بالمائة من المسلمين هذا خلاف البلاغة وخلاف الفصاحة لكن بعض الناس يحب الإغراب في الشيء يحب أن يذكر ومن أمثال العامة خالف تذكر هو إن شذ وخالف ما عليه الجماعة اشتهر ولهذا تجد بعض الناس يفتي بأقوال شاذة ما لها دليل مخالف للدليل ورأي الجمهور ثم يشتهر بهذا وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الشاذ عن الجماعة بالقاصية من الغنم يأكلها الذئب والله الموفق
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة
واختلف فيها هل هي فرض أو سنة؟ وعلى الأول هل هي فرض عين أو كفاية؟ خلاف بين الأئمة. والصحيح في مذهب الشافعي أنها في غير الجمعة فرض كفاية على الأحرار الذكور المقيمين غير أولي العذر، أما في الجمعة ففرض عين لأنها شرط لصحتها في الركعة الأولى، وأقلها في غير الجمعة إمام ومأموم.
١١٠٦٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: صلاة الجماعة) الإضافة فيه بمعنى في والظرفية مجازية أو بمعنى اللام (أفضل) أي أكثر ثوابا (من صلاة الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، قال في «المصباح» : هو الواحد وجمعه فذوذ (بسبع وعشرين درجة) لا ينافي هذا ما يأتي في الحديث بعده من أنها تضعف على غيرها خمساً وعشرين، إما لأن العدد القليل لا ينفي الكثير أو أنه أعلم بالقليل أولاً فأعلم به ثم أعلم بالكثير فأخبر به، أو أن ذلك يختلف بحسب كمال الصلاة ومحافظة هيئتها وخشوعها وكثرة جماعتها وشرف البقعة ونحو ذلك. وقال الحافظ في «الفتح» : ظهر لي في الجمع بين الحديثين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإمام ما سمي المأموم مأموماً وبالعكس، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بفضلها على الفضل الزائد، والخبر الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصل والفضل اهـ. قلت هذا أحسن من قول البرماوي بعد حكاية ما ذكر في أوجه الجمع بين الحديثين ما لفظه، وحيئذ يظهر وجه مناسبة السبع والعشرين أن فرائض اليوم والليلة سبع عشر ركعة، والرواتب المؤكدة للدوام عليها عشر، فضعف أجر الجماعة بهذا الاعتبار، وأماالوتر فلا مدخل له لأنه شرع بعد ذلك، وأحسن منه ما نقله الحافظ في الفتح عما كتبه شيخه السراج البلقيني على «العمدة» وقال: إنه لم يسبق إليه أن لفظ الحديث صلاة الجماعة معناه صلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة «صلاة الرجل في الجماعة» وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة. وأدنى الأعداد التي يتحقق
فيها ذلك ثلاث حتى يكن، وكل واحد صلى في جماعة وكل واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشر فتحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على
الفضل الزائد وهو سبع وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك اهـ (متفق عليه) ورواه الإمام مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كذا في «الجامع الصغير» .
٢١٠٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: صلاة الرجل في جماعة) الظرف إما في محل الحال أو الصفة للرجل لأنه محلى بأل الجنسية، ويجوز جعله لغواً متعلقاً بصلاة (تضعف) بتشديد العين المهملة (على صلاته في بيته وفي سوقه) أي منفرداً كما يومىء إليه مقابلته بصلاة الجماعة، ولأن الغالب في فعلها في البيت والسوق الانفراد (خمساً وعشرين ضعفاً) مفعول مطلق كقوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} (النور: ٤) قال البرماوي: السرّ في الأعداد خفيّ لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، نعم يحتمل أن يقال في مناسبة الخمس والعشرين: إن صلوات اليوم والليلة خمس فإذا ضربت في نفسها بلغت ذلك، فأريد تضعيف ثوابها على الانفراد بذلك لمناسبته في جنس الأصل، ويحتمل أن الأربعة لما كانت تؤلف منها العشرة فيقال واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهذا المجموع عشرة ومن العشرات المئات ومن المئات الألوف فكانت أصل جميع مراتب العدد، ومع ذلك زيد عليها واحد مبالغة ثم ضعفت بعدد الصلوات الخمس مبالغة أخرى اهـ. (وذلك) إن كان المشار إليه فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ اقتضى اختصاص ذلك بجماعة المسجد، وقد حكى القرطبي في «المفهم» خلاف العلماء هل الفضل المضاف للجماعة لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما يكون الفضل للجماعة التي تكون بالمسجد لما يلازمها من فضائل تختص بها من إكثار الخطا إليه وكتب الحسنة ومحو السيئة بكل خطوة المذكورة في قوله (إنه) أي الشأن أو الرجل (إذا توضأ فأحسن الوضوء) أي أسبغه مع الإتيان بالسنن والآداب (ثم خرج إلى المسجد) أي
متوجهاً إليه (لا يخرجه إلا الصلاة) جملة حالية من
فاعل خرج مقيدة لترتب الثواب الآتي على الخروج إلى المسجد بمضمونها، فإن أخرجه إليه غيرها أو هي مع غيرها فاته ما يأتي، وظاهر أن المفوت الخروج للشغل الدنيوي، أما إذا خرج للصلاة فيه وقراءة قرآن أو علم فذاك برّ ضم إلى بر (لم يخط خطوة) بفتح المعجمة (إلا رفعت) بالبناء للمجهول (له بها درجة) نائب الفاعل، والظرفان إما لغوان كل منهما متعلق بالفعل لاختلاف الجار لفظاً ومعنى، وإما مستقران حالان من درجة كانا صفتين لها فقدما وأعربا حالين، ومثل هذا الإعراب جار في قوله (وحط عنه بها خطيئة) أي من الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، ثم استظهر القرطبي أن الفضل للجماعة لذاتها قال: لأنها هي الوصف الذي علق عليه الحكم، وخالف الحافظ فقال: قوله: وذلك الخ ظاهر في أن الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور إذ التقدير وذلك لأنه، فكأنه يقول التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجودها بعضها إلا إن دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبراً أو ليس مقصوداً لذاته، وهذه الزيادة معقولة المعنى، فالأخذ بها متجه والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على مقيدها (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه) تترحم وتستغفر له (ما دام في مصلاه) أي جالساً فيه، ويحتمل أن يراد ما دام مستمراً فيه ولو مضطجعاً (ما لم يحدث) وعطف عطف بيان على قوله تصلي عليه قوله (اللهم صل عليه اللهم ارحمه) أي تقول ذلك (ولا يزال) غير النافي للتفنن مع كون المحدث عنه فيما تقدم أمراً منقضياً وفيما هنا أمراً آتياً، واسم يزال مستتر يعود إلى المصلي المفهوم من السياق، والخبر قوله (في صلاة ما انتظر الصلاة) أي مدة انتظاره إياها (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع من الصلاة من «صحيحه» ومسلم في صلاة الجماعة (وهذا لفظ البخاري) ولفظ مسلم نحوه.
٣١٠٦٦ - (وعنه قال: أتى النبيّ رجل أعمى) قال المصنف: وتبعه السيوطي في «الديباج» هو ابن أم مكتوم كما في «سنن أبي داود» وغيره، ونازعه في ذلك ابن حجر في «فتح الإله» فقال فيه لاختلاف سياق الحديثين كما يعلم من هذه وروايته الآتية بعد، قال: إلا أن تكون الواقعة متعددة (فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له) في ترك الجماعة (فيصلي) بالنصب عطفاً على ما قبله وبالرعف على الاستئناف (في بيته فرخص له) من الرخصة وهي: تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي كتغير الحكم هنا من الصعوبة وهي إلزامه الحضور إلى سهولة، وهي التخفيف عنه بسقوط ذلك لعذر وهو العمى مع قيام سبب الحكم الأصلي وهو طلب اجتماع المسلمين (فلما ولى دعاه فقال له) أي بعد أن جاءه (هل تسمع النداء) أي الأذان (بالصلاة) وعدي بالياء لتضمنه معنى الإعلام وعدي بإلى في قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} (المائدة: ٥٨) لبيان غاية النداء (قال نعم، قال فأجب) أي إن أردت كمال الفضيلة الأليق بك، ومعنى لا رخصة لك الوارد في حديث ابن أم مكتوم عند أبي داود: أي تلحقك بفضيلة من حضرها، والداعي إلى ذلك أنه رخص لعتبان حين شكا ضعف بصره أن يصلي في بيته، فأولنا حديث الباب بما ذكر جمعاً بين الأحاديث المتعين حيث أمكن. قال في «فتح الإله» : وفيه نظر بالنسبة لما ذكر عن عتبان، لأن الأصل في قصته في الصحيح أنه إنما سأل الترخيص في صلاته في منزله عند وجود مانع من حضور مسجد قومه من حيلولة السيل بينه وبينه، ولا شك أن في مثله يرخص حتى في حديث الباب اهـ. وفي الحديث تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصوله. وذلك أن الغالب على من قرب داره من المسجد أن يعرف مكابد الطريق لقصره فيقل لحاق الضرر به، ثم الترخيص يحتمل أنه كان باجتهاد أو وحي ورفعه الناسخ له كان كذلك (روه مسلم) .
٤١٠٦٧ - (وعن عبد الله) حكاه المصنف في «التهذيب» بصيغة التمريض وقال: ويقال عبد الله بن زائدة، ويقال عامر بن زائدة، وقدّم ما حكاه هنا ممرضاً له بقوله (وقيل عمر بن قيس) بن زائدة، ويقال زياد بن الأصم، والأصم جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن بغيض بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري (المعروف بابن أم مكتوم المؤذن) أي للنبي (رضي الله عنه) قال المصنف في «التهذيب» : الصحيح في اسمه عمرو كما ذكرنا أولاً، وقد ثبت في «صحيح مسلم» أن النبي سماه كذلك فقال لفاطمة بنت قيس في حديثها في طلاق زوجها: «اعتدى في بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم» ونقل عن ابن الأثير أن الأكثر على أن اسمه عمرو قاله مصعب بن الزبير، وأم مكتوم: بالمثناة بصيغة المفعول اسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة فنون ساكنة فكاف فمثلثة مفتوحتين ثم هاء: ابن عامر ابن مخزوم وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنهما، لأن أم خديجة فاطمة بنت زائدة بن الأصم. هاجر ابن أم مكتوم إلى المدينة قبل مقدم النبي وبعده مصعب بن عمير، واستخلفه النبي ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، وشهد فتح القادسية وقتل بها شهيداً وكان معه اللواء، هذا هو المشهور. وذكر ابن قتيبة في «المعارف» أنه شهد القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها، ونقل ابن الأثير هذا عن الواقدي، وهو الأعمى الذي ذكره الله تعالى في قوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} (عبس: ١، ٢) وفضله مشهور، روي له عن رسول الله على ما قال ابن الجوزي ثلاثة أحاديث، قال: وقال البرقاني له حديثان (أنه قال: يا رسول الله إن المدينة) علم بالغلبة على طيبة دار الهجرة (كثيرة الهوام) بتشديد الميم جمع هامة كذلك هي خشاش الأرض ومنها المؤذيات كالأفعى والعقرب (والسباع) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة آخر عين مهملة جمع سبع بفتح فضم أو سكون معروف، وقال في «المصباح» إسكان الباء هي اللغة الفاشية عند العامة، ولذا قال
الصغاني السبع والسبع لغتان، وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: {وما أكل السبع} (المائدة: ٣) وهو مروي عن الحسن البصري وطلحة بن سليمان وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن ابن كثير أحد القراء السبعة، وبجمع المضموم على سباع كرجل ورجال لا جمع له على هذه اللغة غير ذلك، ويجمع على لغة السكون على
أسبع كفلس وأفلس، وهذا كما خفف ضبع وجمع على أضبع، وقال ابن السكيت: الأصل الضم لكن أسكن تخفيفاً. ويقع السبع على كل ماله ناب يعدو به ويفترس كالذئب لا الثعلب، فإنه وإن كان ذا ناب إلا أنه لا يعدو به ولا يفترس، وكذا الضبع قاله الأزهري اهـ. ومراد ابن أم مكتوم مما ذكره الترخيص له في ترك حضور الجماعة كما جاء عنه مصرحاً في رواية، ففي «المشكاة» بزيادة «وأنا ضرير البصر فهل تجد لي من رخصة أن أصلي في بيتي» (فقال رسول الله: تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح) أي تسمع الأذان الذي فيه ما ذكر، وخصا بالذكر لأنهما الداعيان إلى الحضور (فحيهلا) عطف على جواب ابن أم مكتوم المقدر: أي قال نعم المصرح به في رواية «المشكاة» وزاد «ولم يرخص له» وحى هلاً بالتنوين هنا وفيه لغات تقدم بيانها (رواه أبو داود) قال في «المشكاة» بعد أن أورده بما ذكرناه عنه: ورواه النسائي (بإسناد حسن) ورواه الترمذي في الصلاة عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء عن أبيه عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم (ومعنى حيهلاً: تعال) .
٥١٠٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال) وأقسم مؤكداً للمخبر عنه بقوله (والذي نفسي بيده) أي بقدرته (لقد هممت) أي قصدت (أن آمر بحطب فيحتطب) بالبناء للمجهول: أي يجمع، وفي الصيغة إيماء إلى كلفة معاناة ذلك (ثم آمر بالصلاة فيؤذن) بالبناء للمفعول: أي يعلم (بها) أي بالإقامة المشروعة لها (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس) لاشتغاله عن الإمامة بما دل عليه قوله (ثم أخالف) صيغة المفاعلة للمبالغة أذهب (إلى) بيوت (رجال) قال البرماوي: أي أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم
يخرجوا إليها، قال الجوهري: هو يخالف إلى أمرأة فلان: أي يأتيها إذا غاب عنها. وفي «الكشاف» في قوله تعالى: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} (هود: ٨٨) تقول خالفني إلى كذا إذا قصده وأنت مولّ عنه (فأحرق) من التحريق والتفعيل لما ذكر فيما قبله (عليهم بيوتهم) هذا الحديث ظاهره مقوَ لمن قال بفريضة الجماعة عيناً. وأجاب عنه من قال إنها فرض كفاية بأنه ورد في قوم منافقين لا يشهدون الجماعة ولا يصلون العشاء فرادى والسياق يؤيده، فإنه افتتح الحديث في رواية أخرى بقوله «إن أثقل الى المنافقين صلاة العشاء والفجر» ومما يصرح به قوله في حديث ابن مسعود الآتي «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» وكيف يظن بأدنى الصحابة رضي الله عنهم أنه يؤثر أدنى غرض دنيوي على الصلاة مع رسول الله أو أن همة بتحريقهم لاستهانتهم بصلاة الجماعة لا لمجرد الترك، أو أن المراد بها الجمعة أو أناس تركوا نفس الصلاة لا الجماعة، وجواز التحريق اللام لهمه به كان قبل تحريم المثلة، وقوله «لا يعذب بالنار إلا خالقها» وتركه إما لكونه هم به اجتهاداً ثم نزل وحي بالمنع أو تغير اجتهاده (متفق عليه) .
٦١٠٦٩ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سرّه أن يلقى الله غداً) أي يوم القيامة أو في الزمن المستقبل (مسلماً) حال من فاعل يلقى (فليحافظ على هؤلاء الصلوات) أي يبالغ في حفظها مراعياً لأركانها وواجباتها وسننها وآدابها (حيث ينادى بهن) أي في المكان الذي يعلم بهن للاجتماع لصلاتهن من نحو المساجد (فإن الله شرع) أي أظهر وسن (لنبيكم) عبر به دون نحولي إيماء إلى اتباعه في المشروع لأنه الأصل ما لم يقم دليل الخصوصية (سنن) بضم ففتح جمع سنة: أي طرائق (الهدى) ضد الضلال (وإنهن)
أي الصلوات (من سنن الهدى) أي بعضها أو مبتدؤها (ولو أنكم صليتم في بيوتكم) أي المكتوبة منفردين أو جماعة على وجه لا يظهر به الشعار (كما يصلي هذا المتخلف في بيته) فيه أقصى غاية من تحقيره وتبعيده عن مواطن القرب ولم أقف على من سماه (لتركتم سنة نبيكم) أي طريقه وهديه الذي أمر به من إظهار شعار الجماعة (ولو تركتم سنة نبيكم) (لضللتم) أي لوقعتم في الضلال ضد الهدى (ولقد رأيتنا) الواو فيه عاطفة على ما يتصيد مما قبله واللام مؤذنة بالقسم قبلها ورأى بصرية، وجملة (وما يتخلف عنها) أي عن الجماعة المدلول عليها بالسياق (إلا منافق معلوم النفاق) محل الحال في من فاعل رأى أو مفعوله، وجملة (ولقد كان الرجل يؤتى به) بالبناء للمجهول والظرف نائب فاعله مستأنفة (يهادى) بالدال المهملة مبنياً للمفعول: أي يتمايل (بين الرجلين) هما المعتمد عليهما (حتى يقام في الصف) غاية المهاداة (رواه مسلم) وفيه آكد حث وأبلغ داع على المحافظة على الصلوات في الجماعات وتحمل المشاق في تحصيلها ما أمكن (وفي رواية له) أي لمسلم (قال) أي ابن مسعود (إن رسول الله علمنا سنن) بفتح أوليه وبضم ففتح (الهدى) أي طريق الصواب والكمال وحثنا على الاعتناء بتحصيل الفضائل ما أمكن (الصلاة) أي جماعة كما يدل عليه السياق، وهو بالنصب بدل من سنن، وبالرفع مبتدأ محذوف الخبر: أي منها الصلاة جماعة
(في المسجد الذي يؤذن فيه) أي الذي يحصل بإقامة الجماعة فيه شعارها، خرج به مسجد البيوت ونحوه مما لا يحصل به ذلك.d
٧١٠٧٠ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ما من) مزيدة لتأكيد استغراق النفي (ثلاثة) مقيمين (في قرية) قال في «المصباح» : القرية الضيعة. وفي كفاية
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
قال الحافظ: قوله: «لا يزال أحدكم في صلاة» ، أي: في ثواب الصلاة، لا في حكمها، لأنه يحل له الكلام وغيره مما مُنِع في الصلاة.
قوله: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» ، هو مطابق لقوله تعالى: ... {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} [الشورى (٥) ] ، قيل السرُّ فيه أنهم يَطَّلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك.
[١٠٦٣] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا في صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» . رواه البُخَارِيُّ.
في هذا الحديث: فضل انتظار الصلاة، وأن منتظر الجماعة في صلاة ولو تأخرت عن أول وقتها.
[١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة]
[١٠٦٤] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ... «صَلَاةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
[١٠٦٥] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتهِ وفي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفَاً، وَذلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، لا يُخرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا
دَرَجَةٌ، وَحُطَّتْ عَنهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلاهُ، مَا لَمْ يُحْدِث، تقولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» . متفقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ البخاري.
قوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة» .
قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين درجةً، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى.
وقد جُمِعَ بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وفضل الله واسع. وقيل السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام، والتأمين عند تأمينه.
وفي حديث أبي هريرة: إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .
ومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.
ومنها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.
[١٠٦٦] وعنه قَالَ: أَتَى النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأجِبْ» . رواه مسلم
[١٠٦٧] وعن عبدِ الله - وقيل: عَمْرو بن قَيسٍ - المعروف بابن أُمّ مكتوم المؤذن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يا رَسُول اللهِ، إنَّ المَدينَةَ كَثيرةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، فَحَيَّهلاً» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
ومعنى «حَيَّهَلاً» : تعال.
في هذا الحديث: دليلٌ على وجوب حضور الجماعة لمن سمع النداء بالصلاة، وفيه تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصولها، وذلك أن الغالب على من قربت داره من المسجد أنه يقل لحاق الضرر به.
وأما قصة عتبان التي في الصحيح، فإنما سأل الترخيص عند وجود مانع من حيلولة السيل بينه وبين مسجد قومه مع ضعف بصره.
[١٠٦٨] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.
هذا الحديث: يدل على وجوب الصلاة في الجماعة.
وفيه: تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة.
وفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة.
وفيه: الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.
وقال البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.
وقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العِشَاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها،
وذكر الحديث وزاد في آخره: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّهُ يجد عَرْقًا سمينًا أو مِرْمَاتَين حسنَتَيْنِ لشهد العشاء» .
[١٠٦٩] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَنَ الهُدَى، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسلِم.
وفي رواية لَهُ قَالَ: إنّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى؛ وإنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلَاةَ في المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.
السنة: الطريقة، وليس المراد بها هنا التي دون الواجب في الاصطلاح.
وفي الحديث: وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وأنَّ من ترك ذلك فهو ضال.
[١٠٧٠] وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيةٍ، وَلا بَدْوٍ، لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إلا قَد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
شبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استيلاء الشيطان على المنفرد عن الجماعة وتمكنه منه، باستيلاء الذئب على المنفردة عن الغنم.
📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي
[باب فضل صلاة الجماعة]
١٠٦٤ - عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة متفق عليه
١٠٦٥ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ما لم يحدث تقول اللهم صل عليه اللهم ارحمه ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة متفق عليه وهذا لفظ البخاري
[الشَّرْحُ]
قال النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل صلاة الجماعة يريد بذلك رحمه الله بيان فضل الصلاة مع الجماعة وقد اتفق العلماء على أن صلاة الجماعة من أفضل العبادات وأجل الطاعات لكن اختلفوا هل هي سنة أو واجب أو شرط لصحة الصلاة على أقوال ثلاثة ١ - أنها سنة إن قام بها الإنسان أثيب على ذلك وإن تركها فلا
إثم عليه ٢ - أنها واجبة يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة فإن لم يفعل فهو إثم وصلاته صحيحة ٣ - أن الجماعة شرط لصحة الصلاة وأنه إذا لم يصل مع الجماعة فصلاته باطلة ولا تقبل منه وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورواية عن الإمام أحمد أن الإنسان إذا صلى وحده بدون عذر شرعي فإن صلاته لا تقبل كالذي يصلي بغير وضوء وعللوا ذلك بأن صلاة الجماعة واجبة والقاعدة أن من ترك واجبا في الصلاة بطلت صلاته لكن القول الراجح أنها واجبة يأثم الإنسان بتركها ولكنه إذا صلى وحده قبلت صلاته فليست شرطا لصحة الصلاة ويدل على هذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ووجه الدلالة أنه لو كانت صلاة المنفرد لا ثواب فيها ما صحت المفاضلة ولكن يأثم الإنسان الذي لا يصلي مع الجماعة وأما حديث أبي هريرة فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المرء في بيت وفي سوقه بخمس وعشرين ضعفا ولا منافاة بين الحديثين بل يؤخذ بالزائد لأن فضل الله واسع ثم بين ذلك وذلك أنه إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء يعني أتمه ثم خرج من بيته إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحطت عنه بها خطيئة الخطوة الواحدة فيها فائدتان
١ - أنه يرفع له بها درجة ٢ - أنه يحط عنه بها خطيئة فإذا دخل المسجد وصلى لم تزل الملائكة تصل عليه مادام في مصلاه تقول اللهم اغفر له اللهم ارحمه ما لم يحدث ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة وهذا أجر عظيم وفضل كبير لا ينبغي للرجل المؤمن العاقل أن يفرط فيه لو أنه قيل لك إن سلعتك إذا بعتها في بلدك بعتها بمائة وإذا بعتها في بلد آخر بالسفر إليه بعتها بمائة وعشرة لسافرت من أجل عشرة بالمائة ولم يشق عليك السفر والكثير من الناس والعياذ بالله حرموا الخير تجدهم قريبين من المسجد يتركون هذا الفضل العظيم وهذا المكسب العظيم الواحد بسبع وعشرين يعني أضعاف ومع ذلك لا يأتي إلى المسجد نسأل الله العافية وربح الدنيا مع قلته يسعى إليه ويهتم به مع أنه زائل فإن كل ما في الدنيا من نعيم فإما زائل عنك وإما زائل أنت عنه ولابد فما من نعيم دائم ولا إقامة دائمة ونعيم الآخرة باق ومع ذلك نجد بعض الناس يفرط فيه ولا يهتم به وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته
١٠٦٦ - وعنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلي المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له
فيصلي في بيته فرخص له فلما ولى دعاه فقال له هل تسمع النداء بالصلاة قال نعم قال فأجب رواه مسلم
١٠٦٧ - وعن عبد الله وقيل عمرو بن قيس المعروف بابن أم مكتوم المؤذن رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوام والسباع فقال رسول الله تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح فحيهلا رواه أبو داود بإسناد حسن ومعنى حيهلا تعال
١٠٦٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم متفق عليه
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث الثلاثة في بيان وجوب صلاة الجماعة وأن تكون في المسجد فمنها حديث أبي هريرة الأخير أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم وهو الصادق البار بدون قسم أنه هم أن يأمر بالصلاة فتقام ثم يأمر رجلا فيصلي بالناس ثم ينطلق بحزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة
فيحرق عليهم بيوتهم بالنار وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهم هذا الهم إلا لترك أمر واجب ولا يخبر الناس بذلك إلا ليحذرهم من تركه ومخالفته وإلا لم يكن هناك فائدة وكونه صلى الله عليه وسلم هم أن يعاقبهم هذه العقوبة دليل على تأكد الجماعة وأنها أمر مهم وقد روي بسند ضعيف أنه قال لولا ما فيها من النساء والذرية لكن هذا ضعيف ولكن يكفي أن يكون هم بذلك وأخبر الأمة به ثم من الذي تجب عليه الجماعة هو الذي يستطيع أن يصل إليها وهو يسمع النداء ولهذا استفتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل قال يا رسول الله إنني رجل أعمى وليس لي قائد يقودني إلى المسجد يريد أن يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم فرخص له فلما أدبر ناداه قال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب فدل ذلك على وجوب صلاة الجماعة على الأعمى وأن العمى ليس عذرا في ترك الجماعة ودل ذلك أيضا على أنها تجب في المسجد وأنه ليس المقصود الجماعة فقط بل الجماعة وأن تكون في المسجد ودل ذلك أيضا على أن العبرة بسماع النداء ولكن المراد سماع النداء المعتاد وليس بالميكروفون
ودل ذلك أيضا على أنه لا يصح افتداء من كان خارج المسجد بمن في المسجد ولو أمكنه أن يقتدي به يعني مثلا لو كان الإنسان عند بيت بجوار المسجد وهو يسمع تكبيرات الإمام فقال لابنه مثلا نصلي مع الإمام جماعة في بيتنا فإن ذلك لا يصح لأنه لابد من حضور المكان الذي تقام فيه الجماعة إلا أنه إذا امتلأ المسجد وصلى الناس في الأسواق فإن الذين خارج المسجد يكونون تبعا لمن في المسجد في اتصال الصفوف وإلا فبدون اتصال الصفوف فإن من كان خارج المسجد لا تصح صلاته مع أهل المسجد لابد من الحضور حتى لو كان يسمع كل التكبيرات فإذا قال قائل إذا كان مريضا ولا يستطيع الحضور لكن يسمع النداء بواسطة الميكروفون يتابع الإمام قلنا لا يصلي مع الإمام هو معذور في ترك الجماعة وإذا كان من عادته أنه يصلي مع الجماعة فإنه يكتب له ما كان يعمل لما كان صحيحا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من مرض وسافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما والله أعلم
١٠٦٩ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال من سره أن يلقي الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادي بهن فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم
سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف رواه مسلم وفي رواية له قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه
[الشَّرْحُ]
ساق المؤلف رحمه الله في باب فضل الجماعة هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا الأثر الذي كأنما يخرج من مشكاة النبوة كأنه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم في سلاسته وحسنه ونظمه يقول رضي الله عنه من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن وكلنا يسره أن يلقى الله تعالى مسلما مؤمنا به جل وعلا فمن أراد ذلك فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن أي في المكان الذي نادى به عليهن أي المسجد وذلك لوجوب صلاة الجماعة في المسجد فلا يجوز لأحد يقدر على أن يصلي في المسجد إلا وجب عليه إذا كان من أهل
وجوب الجماعة كالرجال ثم ذكر رضي الله عنه أن الله سبحانه وتعالى شرع لنبيه صلى الله عليه وسلم سنن الهدى يعني طرق الهدى فكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو هدى ونور شرعه الله له وإنهن يعني الصلوات الخمس من سنن الهدى وصدق رضي الله عنه بل الصلوات الخمس أعظم سنن الهدى بعد الشهادتين لأن الصلاة أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين ثم قال لو أنكم صليتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم يعني لو أن كل واحد صلى في بيته كما صلى هذا المتخلف لتركنا السنة ولتعطلت المساجد ولانقطع الناس بعضهم عن بعض ولما تعارفوا ولا تآلفوا ولا حصل هذا المظهر العظيم في الدين الإسلامي ولكن من رحمة الله وحكمته أن شرع للعباد أن يصلوا جماعة كل يوم خمس مرات تلقى أخاك تسلم عليه ويسلم عليك وتقتدي معه على إمام واحد فهي نعمة عظيمة من أعظم روابط الأخوة في المودة والمحبة ثم قال ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق والمنافقون كثيرون لاسيما إذا اعتز الإسلام وقوي ما استطاع الإنسان أن يعلن كفره ولهذا لم يبرز النفاق ولم يكثر في عهده صلى الله عليه وسلم إلا حين انتصر المسلمون في غزوة بدر لما انتصر المسلمون في غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة بدأ النفاق يظهر خاف الكفار على أنفسهم فصاروا يعلنون الإسلام حتى إنهم يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم
يقولون نشهد إنك لرسول الله فيقول الله عز وجل {والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} يعني ما قالوا صدقا بل قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم & قول ما يتخلف عنها إلا منافق لماذا يتخلف المنافق لأن المنافق لا يرجو ثوابا ولا يؤمن بالحساب فلا يحضرها ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم أثقل الصلوات على المنافقين العشاء والفجر لأن صلاة العشاء لا يرى فيها الذي يتخلف ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يوجد كهرباء ولا أنوار فيتخلف الإنسان ولا يدري عنه ثم إن صلاة العشاء والفجر تأتي في وقت الراحة والنوم فهي ثقيلة على المنافقين لا يأتون إليها ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ثم ذكر رضي الله عنه أن الرجل من المسلمين يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فهو رجل مريض لا يستطيع أن يمشى وحده يهادونه يمشون به وريدا وريدا حتى يقام في النصف فيصلي مع الجماعة رضي الله عنهم وبهذه الأعمال وغيرها ملكوا مشارق الأرض ومغاربها ولما تخلفت الأمة الإسلامية واختلفت قلوبها صارت إلى ما ترون الآن أمة ذليلة على أنهم يبلغون مليارا من البشر ومع ذلك هم في أذل ما يكون من الأمم
لأنهم متفرقون بل بعضهم متعادون بل بعضهم يرى أن الآخر أشد عليه من اليهود والنصارى والعياذ بالله لأنهم متنازعون متفرقون لكن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتخلف أحد عن الجماعة حتى ولو كان مريضا يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف فلو أننا عدنا إلى ما كان الصحابة عليه لصرنا أمه عزيزة مرموقة كل يخافها وكل يصانعها وكل يتودد إليها نسأل الله أن يعيد لنا مجدنا لديننا ويعيد لنا كرامتنا إنه على كل شيء قدير
١٠٧٠ - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذنب من الغنم القاصية رواه أبو داود بإسناد حسن
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل الجماعة فيما نقله عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من ثلاثة في قرية ولا بدو يعني ولا بادية لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان يعني معنى ذلك أنه إذا كان ثلاثة في قرية أو في بادية لا تقام فيهم الجماعة ولا
الجمعة إلا استحوذ عليهم الشيطان فدل ذلك على أنه لا يجوز ترك الجماعة ولكن هذا الحديث يفيد أنه لا يجوز إذا كانوا ثلاثة فأكثر لكن هناك أحاديث أخرى تدل على أن الجماعة تجب إذا كانا اثنين فأكثر أما في الجمعة فلا تجب إلا إذا كانوا ثلاثة فأكثر في غير البرية أما البادية والمسافرون في البر فليس عليهم جمعة لكن القرى والأمصار فيها جمعة وأدنى ما يكون ثلاثة فإن قيل كيف يمكن أن تكون قرية أو مدينة ليس فيها إلا ثلاثة فالجواب يمكن هذا بأن تكون هذه المدينة مسافرين جاءوا للدراسة مثلا كما يوجد الآن في المجتمعات في بعض البلاد الخارجية يكون من فيها من المواطنين ثلاثة فقط والباقون كلهم مسافرون جاءوا للدراسة فهؤلاء تلزمهم الجمعة لأن فيها ثلاثة مواطنين وأما البادية فلا تجب عليهم الجمعة لأن الجمعة لا تكون إلا في القرى والأمصار ولهذا لم تكن البادية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهم حول المدينة يقيمون الجمعة وفي قوله وعليكم بالجماعة إنما يأكل الذئب القاصية من الغنم دليل على أنه لا ينبغي للمسلمين الافتراق والاختلاف وأنه واجب عليهم الاجتماع وأن الشرود عن الجماعة سبب في الهلاك لأن النبي صلى الله عليه وسلم شبه ذلك بالقاصية من الغنم البعيدة يأكلها الذئب فتهلك فهكذا الذي يشذ عن الجماعة حتى لو برأي ينفرد به ويظن أن النصوص معه وتدل عليه فإن الواجب إذا رأى الإنسان في رأي أن النصوص وتدل على خلاف ما يراه الجمهور فالواجب عليه أن يعيد النظر مرة بعد أخرى إذ لا يمكن أن يكون
الجمهور توهموا وأنت الذي أصبت ولهذا لما قال حذيفة لابن مسعود رضي الله عنه إن قوما يعتكفون في البصرة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد الحرام والنبوي والأقصى قال لعلهم ذكروا ونسيت وحفظوا فوهم ابن مسعود حذيفة وذلك لأن المسلمين يكادون كالمجمعين على أن الاعتكاف يصح في كل مسجد وأنه لو فرض صحة حديث حذيفة لكان معناه لا اعتكاف تاما إلا في هذه المساجد الثلاثة وإلا فلا يمكن أن يخاطب الله بالقرآن الكريم الأمة الإسلامية يقول ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ثم نقول لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد لا يحضرها ولا واحد بالمائة من المسلمين هذا خلاف البلاغة وخلاف الفصاحة لكن بعض الناس يحب الإغراب في الشيء يحب أن يذكر ومن أمثال العامة خالف تذكر هو إن شذ وخالف ما عليه الجماعة اشتهر ولهذا تجد بعض الناس يفتي بأقوال شاذة ما لها دليل مخالف للدليل ورأي الجمهور ثم يشتهر بهذا وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم الشاذ عن الجماعة بالقاصية من الغنم يأكلها الذئب والله الموفق
📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي
١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة
واختلف فيها هل هي فرض أو سنة؟ وعلى الأول هل هي فرض عين أو كفاية؟ خلاف بين الأئمة. والصحيح في مذهب الشافعي أنها في غير الجمعة فرض كفاية على الأحرار الذكور المقيمين غير أولي العذر، أما في الجمعة ففرض عين لأنها شرط لصحتها في الركعة الأولى، وأقلها في غير الجمعة إمام ومأموم.
١١٠٦٤ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: صلاة الجماعة) الإضافة فيه بمعنى في والظرفية مجازية أو بمعنى اللام (أفضل) أي أكثر ثوابا (من صلاة الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة، قال في «المصباح» : هو الواحد وجمعه فذوذ (بسبع وعشرين درجة) لا ينافي هذا ما يأتي في الحديث بعده من أنها تضعف على غيرها خمساً وعشرين، إما لأن العدد القليل لا ينفي الكثير أو أنه أعلم بالقليل أولاً فأعلم به ثم أعلم بالكثير فأخبر به، أو أن ذلك يختلف بحسب كمال الصلاة ومحافظة هيئتها وخشوعها وكثرة جماعتها وشرف البقعة ونحو ذلك. وقال الحافظ في «الفتح» : ظهر لي في الجمع بين الحديثين أن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإمام ما سمي المأموم مأموماً وبالعكس، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بفضلها على الفضل الزائد، والخبر الوارد بلفظ سبعة وعشرين على الأصل والفضل اهـ. قلت هذا أحسن من قول البرماوي بعد حكاية ما ذكر في أوجه الجمع بين الحديثين ما لفظه، وحيئذ يظهر وجه مناسبة السبع والعشرين أن فرائض اليوم والليلة سبع عشر ركعة، والرواتب المؤكدة للدوام عليها عشر، فضعف أجر الجماعة بهذا الاعتبار، وأماالوتر فلا مدخل له لأنه شرع بعد ذلك، وأحسن منه ما نقله الحافظ في الفتح عما كتبه شيخه السراج البلقيني على «العمدة» وقال: إنه لم يسبق إليه أن لفظ الحديث صلاة الجماعة معناه صلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة «صلاة الرجل في الجماعة» وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة. وأدنى الأعداد التي يتحقق
فيها ذلك ثلاث حتى يكن، وكل واحد صلى في جماعة وكل واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشر فتحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على
الفضل الزائد وهو سبع وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك اهـ (متفق عليه) ورواه الإمام مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كذا في «الجامع الصغير» .
٢١٠٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: صلاة الرجل في جماعة) الظرف إما في محل الحال أو الصفة للرجل لأنه محلى بأل الجنسية، ويجوز جعله لغواً متعلقاً بصلاة (تضعف) بتشديد العين المهملة (على صلاته في بيته وفي سوقه) أي منفرداً كما يومىء إليه مقابلته بصلاة الجماعة، ولأن الغالب في فعلها في البيت والسوق الانفراد (خمساً وعشرين ضعفاً) مفعول مطلق كقوله تعالى: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} (النور: ٤) قال البرماوي: السرّ في الأعداد خفيّ لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى، نعم يحتمل أن يقال في مناسبة الخمس والعشرين: إن صلوات اليوم والليلة خمس فإذا ضربت في نفسها بلغت ذلك، فأريد تضعيف ثوابها على الانفراد بذلك لمناسبته في جنس الأصل، ويحتمل أن الأربعة لما كانت تؤلف منها العشرة فيقال واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهذا المجموع عشرة ومن العشرات المئات ومن المئات الألوف فكانت أصل جميع مراتب العدد، ومع ذلك زيد عليها واحد مبالغة ثم ضعفت بعدد الصلوات الخمس مبالغة أخرى اهـ. (وذلك) إن كان المشار إليه فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ اقتضى اختصاص ذلك بجماعة المسجد، وقد حكى القرطبي في «المفهم» خلاف العلماء هل الفضل المضاف للجماعة لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما يكون الفضل للجماعة التي تكون بالمسجد لما يلازمها من فضائل تختص بها من إكثار الخطا إليه وكتب الحسنة ومحو السيئة بكل خطوة المذكورة في قوله (إنه) أي الشأن أو الرجل (إذا توضأ فأحسن الوضوء) أي أسبغه مع الإتيان بالسنن والآداب (ثم خرج إلى المسجد) أي
متوجهاً إليه (لا يخرجه إلا الصلاة) جملة حالية من
فاعل خرج مقيدة لترتب الثواب الآتي على الخروج إلى المسجد بمضمونها، فإن أخرجه إليه غيرها أو هي مع غيرها فاته ما يأتي، وظاهر أن المفوت الخروج للشغل الدنيوي، أما إذا خرج للصلاة فيه وقراءة قرآن أو علم فذاك برّ ضم إلى بر (لم يخط خطوة) بفتح المعجمة (إلا رفعت) بالبناء للمجهول (له بها درجة) نائب الفاعل، والظرفان إما لغوان كل منهما متعلق بالفعل لاختلاف الجار لفظاً ومعنى، وإما مستقران حالان من درجة كانا صفتين لها فقدما وأعربا حالين، ومثل هذا الإعراب جار في قوله (وحط عنه بها خطيئة) أي من الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى، ثم استظهر القرطبي أن الفضل للجماعة لذاتها قال: لأنها هي الوصف الذي علق عليه الحكم، وخالف الحافظ فقال: قوله: وذلك الخ ظاهر في أن الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور إذ التقدير وذلك لأنه، فكأنه يقول التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجودها بعضها إلا إن دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبراً أو ليس مقصوداً لذاته، وهذه الزيادة معقولة المعنى، فالأخذ بها متجه والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على مقيدها (فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه) تترحم وتستغفر له (ما دام في مصلاه) أي جالساً فيه، ويحتمل أن يراد ما دام مستمراً فيه ولو مضطجعاً (ما لم يحدث) وعطف عطف بيان على قوله تصلي عليه قوله (اللهم صل عليه اللهم ارحمه) أي تقول ذلك (ولا يزال) غير النافي للتفنن مع كون المحدث عنه فيما تقدم أمراً منقضياً وفيما هنا أمراً آتياً، واسم يزال مستتر يعود إلى المصلي المفهوم من السياق، والخبر قوله (في صلاة ما انتظر الصلاة) أي مدة انتظاره إياها (متفق عليه) أخرجه البخاري في مواضع من الصلاة من «صحيحه» ومسلم في صلاة الجماعة (وهذا لفظ البخاري) ولفظ مسلم نحوه.
٣١٠٦٦ - (وعنه قال: أتى النبيّ رجل أعمى) قال المصنف: وتبعه السيوطي في «الديباج» هو ابن أم مكتوم كما في «سنن أبي داود» وغيره، ونازعه في ذلك ابن حجر في «فتح الإله» فقال فيه لاختلاف سياق الحديثين كما يعلم من هذه وروايته الآتية بعد، قال: إلا أن تكون الواقعة متعددة (فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله أن يرخص له) في ترك الجماعة (فيصلي) بالنصب عطفاً على ما قبله وبالرعف على الاستئناف (في بيته فرخص له) من الرخصة وهي: تغير الحكم من صعوبة إلى سهولة لعذر مع قيام سبب الحكم الأصلي كتغير الحكم هنا من الصعوبة وهي إلزامه الحضور إلى سهولة، وهي التخفيف عنه بسقوط ذلك لعذر وهو العمى مع قيام سبب الحكم الأصلي وهو طلب اجتماع المسلمين (فلما ولى دعاه فقال له) أي بعد أن جاءه (هل تسمع النداء) أي الأذان (بالصلاة) وعدي بالياء لتضمنه معنى الإعلام وعدي بإلى في قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة} (المائدة: ٥٨) لبيان غاية النداء (قال نعم، قال فأجب) أي إن أردت كمال الفضيلة الأليق بك، ومعنى لا رخصة لك الوارد في حديث ابن أم مكتوم عند أبي داود: أي تلحقك بفضيلة من حضرها، والداعي إلى ذلك أنه رخص لعتبان حين شكا ضعف بصره أن يصلي في بيته، فأولنا حديث الباب بما ذكر جمعاً بين الأحاديث المتعين حيث أمكن. قال في «فتح الإله» : وفيه نظر بالنسبة لما ذكر عن عتبان، لأن الأصل في قصته في الصحيح أنه إنما سأل الترخيص في صلاته في منزله عند وجود مانع من حضور مسجد قومه من حيلولة السيل بينه وبينه، ولا شك أن في مثله يرخص حتى في حديث الباب اهـ. وفي الحديث تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصوله. وذلك أن الغالب على من قرب داره من المسجد أن يعرف مكابد الطريق لقصره فيقل لحاق الضرر به، ثم الترخيص يحتمل أنه كان باجتهاد أو وحي ورفعه الناسخ له كان كذلك (روه مسلم) .
٤١٠٦٧ - (وعن عبد الله) حكاه المصنف في «التهذيب» بصيغة التمريض وقال: ويقال عبد الله بن زائدة، ويقال عامر بن زائدة، وقدّم ما حكاه هنا ممرضاً له بقوله (وقيل عمر بن قيس) بن زائدة، ويقال زياد بن الأصم، والأصم جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن عبد بن بغيض بن عامر بن لؤي بن غالب القرشي العامري (المعروف بابن أم مكتوم المؤذن) أي للنبي (رضي الله عنه) قال المصنف في «التهذيب» : الصحيح في اسمه عمرو كما ذكرنا أولاً، وقد ثبت في «صحيح مسلم» أن النبي سماه كذلك فقال لفاطمة بنت قيس في حديثها في طلاق زوجها: «اعتدى في بيت ابن عمك عمرو بن أم مكتوم» ونقل عن ابن الأثير أن الأكثر على أن اسمه عمرو قاله مصعب بن الزبير، وأم مكتوم: بالمثناة بصيغة المفعول اسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بمهملة فنون ساكنة فكاف فمثلثة مفتوحتين ثم هاء: ابن عامر ابن مخزوم وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين رضي الله عنهما، لأن أم خديجة فاطمة بنت زائدة بن الأصم. هاجر ابن أم مكتوم إلى المدينة قبل مقدم النبي وبعده مصعب بن عمير، واستخلفه النبي ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، وشهد فتح القادسية وقتل بها شهيداً وكان معه اللواء، هذا هو المشهور. وذكر ابن قتيبة في «المعارف» أنه شهد القادسية ثم رجع إلى المدينة فمات بها، ونقل ابن الأثير هذا عن الواقدي، وهو الأعمى الذي ذكره الله تعالى في قوله: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} (عبس: ١، ٢) وفضله مشهور، روي له عن رسول الله على ما قال ابن الجوزي ثلاثة أحاديث، قال: وقال البرقاني له حديثان (أنه قال: يا رسول الله إن المدينة) علم بالغلبة على طيبة دار الهجرة (كثيرة الهوام) بتشديد الميم جمع هامة كذلك هي خشاش الأرض ومنها المؤذيات كالأفعى والعقرب (والسباع) بكسر المهملة وتخفيف الموحدة آخر عين مهملة جمع سبع بفتح فضم أو سكون معروف، وقال في «المصباح» إسكان الباء هي اللغة الفاشية عند العامة، ولذا قال
الصغاني السبع والسبع لغتان، وقرىء بالإسكان في قوله تعالى: {وما أكل السبع} (المائدة: ٣) وهو مروي عن الحسن البصري وطلحة بن سليمان وأبي حيوة، ورواه بعضهم عن ابن كثير أحد القراء السبعة، وبجمع المضموم على سباع كرجل ورجال لا جمع له على هذه اللغة غير ذلك، ويجمع على لغة السكون على
أسبع كفلس وأفلس، وهذا كما خفف ضبع وجمع على أضبع، وقال ابن السكيت: الأصل الضم لكن أسكن تخفيفاً. ويقع السبع على كل ماله ناب يعدو به ويفترس كالذئب لا الثعلب، فإنه وإن كان ذا ناب إلا أنه لا يعدو به ولا يفترس، وكذا الضبع قاله الأزهري اهـ. ومراد ابن أم مكتوم مما ذكره الترخيص له في ترك حضور الجماعة كما جاء عنه مصرحاً في رواية، ففي «المشكاة» بزيادة «وأنا ضرير البصر فهل تجد لي من رخصة أن أصلي في بيتي» (فقال رسول الله: تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح) أي تسمع الأذان الذي فيه ما ذكر، وخصا بالذكر لأنهما الداعيان إلى الحضور (فحيهلا) عطف على جواب ابن أم مكتوم المقدر: أي قال نعم المصرح به في رواية «المشكاة» وزاد «ولم يرخص له» وحى هلاً بالتنوين هنا وفيه لغات تقدم بيانها (رواه أبو داود) قال في «المشكاة» بعد أن أورده بما ذكرناه عنه: ورواه النسائي (بإسناد حسن) ورواه الترمذي في الصلاة عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء عن أبيه عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم (ومعنى حيهلاً: تعال) .
٥١٠٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال) وأقسم مؤكداً للمخبر عنه بقوله (والذي نفسي بيده) أي بقدرته (لقد هممت) أي قصدت (أن آمر بحطب فيحتطب) بالبناء للمجهول: أي يجمع، وفي الصيغة إيماء إلى كلفة معاناة ذلك (ثم آمر بالصلاة فيؤذن) بالبناء للمفعول: أي يعلم (بها) أي بالإقامة المشروعة لها (ثم آمر رجلاً فيؤم الناس) لاشتغاله عن الإمامة بما دل عليه قوله (ثم أخالف) صيغة المفاعلة للمبالغة أذهب (إلى) بيوت (رجال) قال البرماوي: أي أخالف المشتغلين بالصلاة قاصداً إلى بيوت الذين لم
يخرجوا إليها، قال الجوهري: هو يخالف إلى أمرأة فلان: أي يأتيها إذا غاب عنها. وفي «الكشاف» في قوله تعالى: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} (هود: ٨٨) تقول خالفني إلى كذا إذا قصده وأنت مولّ عنه (فأحرق) من التحريق والتفعيل لما ذكر فيما قبله (عليهم بيوتهم) هذا الحديث ظاهره مقوَ لمن قال بفريضة الجماعة عيناً. وأجاب عنه من قال إنها فرض كفاية بأنه ورد في قوم منافقين لا يشهدون الجماعة ولا يصلون العشاء فرادى والسياق يؤيده، فإنه افتتح الحديث في رواية أخرى بقوله «إن أثقل الى المنافقين صلاة العشاء والفجر» ومما يصرح به قوله في حديث ابن مسعود الآتي «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» وكيف يظن بأدنى الصحابة رضي الله عنهم أنه يؤثر أدنى غرض دنيوي على الصلاة مع رسول الله أو أن همة بتحريقهم لاستهانتهم بصلاة الجماعة لا لمجرد الترك، أو أن المراد بها الجمعة أو أناس تركوا نفس الصلاة لا الجماعة، وجواز التحريق اللام لهمه به كان قبل تحريم المثلة، وقوله «لا يعذب بالنار إلا خالقها» وتركه إما لكونه هم به اجتهاداً ثم نزل وحي بالمنع أو تغير اجتهاده (متفق عليه) .
٦١٠٦٩ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سرّه أن يلقى الله غداً) أي يوم القيامة أو في الزمن المستقبل (مسلماً) حال من فاعل يلقى (فليحافظ على هؤلاء الصلوات) أي يبالغ في حفظها مراعياً لأركانها وواجباتها وسننها وآدابها (حيث ينادى بهن) أي في المكان الذي يعلم بهن للاجتماع لصلاتهن من نحو المساجد (فإن الله شرع) أي أظهر وسن (لنبيكم) عبر به دون نحولي إيماء إلى اتباعه في المشروع لأنه الأصل ما لم يقم دليل الخصوصية (سنن) بضم ففتح جمع سنة: أي طرائق (الهدى) ضد الضلال (وإنهن)
أي الصلوات (من سنن الهدى) أي بعضها أو مبتدؤها (ولو أنكم صليتم في بيوتكم) أي المكتوبة منفردين أو جماعة على وجه لا يظهر به الشعار (كما يصلي هذا المتخلف في بيته) فيه أقصى غاية من تحقيره وتبعيده عن مواطن القرب ولم أقف على من سماه (لتركتم سنة نبيكم) أي طريقه وهديه الذي أمر به من إظهار شعار الجماعة (ولو تركتم سنة نبيكم) (لضللتم) أي لوقعتم في الضلال ضد الهدى (ولقد رأيتنا) الواو فيه عاطفة على ما يتصيد مما قبله واللام مؤذنة بالقسم قبلها ورأى بصرية، وجملة (وما يتخلف عنها) أي عن الجماعة المدلول عليها بالسياق (إلا منافق معلوم النفاق) محل الحال في من فاعل رأى أو مفعوله، وجملة (ولقد كان الرجل يؤتى به) بالبناء للمجهول والظرف نائب فاعله مستأنفة (يهادى) بالدال المهملة مبنياً للمفعول: أي يتمايل (بين الرجلين) هما المعتمد عليهما (حتى يقام في الصف) غاية المهاداة (رواه مسلم) وفيه آكد حث وأبلغ داع على المحافظة على الصلوات في الجماعات وتحمل المشاق في تحصيلها ما أمكن (وفي رواية له) أي لمسلم (قال) أي ابن مسعود (إن رسول الله علمنا سنن) بفتح أوليه وبضم ففتح (الهدى) أي طريق الصواب والكمال وحثنا على الاعتناء بتحصيل الفضائل ما أمكن (الصلاة) أي جماعة كما يدل عليه السياق، وهو بالنصب بدل من سنن، وبالرفع مبتدأ محذوف الخبر: أي منها الصلاة جماعة
(في المسجد الذي يؤذن فيه) أي الذي يحصل بإقامة الجماعة فيه شعارها، خرج به مسجد البيوت ونحوه مما لا يحصل به ذلك.d
٧١٠٧٠ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: ما من) مزيدة لتأكيد استغراق النفي (ثلاثة) مقيمين (في قرية) قال في «المصباح» : القرية الضيعة. وفي كفاية
📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري
قال الحافظ: قوله: «لا يزال أحدكم في صلاة» ، أي: في ثواب الصلاة، لا في حكمها، لأنه يحل له الكلام وغيره مما مُنِع في الصلاة.
قوله: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه» ، هو مطابق لقوله تعالى: ... {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} [الشورى (٥) ] ، قيل السرُّ فيه أنهم يَطَّلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة، فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك.
[١٠٦٣] وعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَ لَيْلَةً صَلَاةَ العِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى، فَقَالَ: «صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا، وَلَمْ تَزَالُوا في صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا» . رواه البُخَارِيُّ.
في هذا الحديث: فضل انتظار الصلاة، وأن منتظر الجماعة في صلاة ولو تأخرت عن أول وقتها.
[١٩١ - باب فضل صلاة الجماعة]
[١٠٦٤] عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: ... «صَلَاةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.
[١٠٦٥] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلاةُ الرَّجُلِ في جَمَاعةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاتِهِ فِي بَيْتهِ وفي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفَاً، وَذلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَسْجِدِ، لا يُخرِجُهُ إلا الصَّلاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا
دَرَجَةٌ، وَحُطَّتْ عَنهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ في مُصَلاهُ، مَا لَمْ يُحْدِث، تقولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلا يَزَالُ في صَلاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» . متفقٌ عَلَيهِ، وهذا لفظ البخاري.
قوله: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفَذِّ بسبع وعشرين درجة» .
قال الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسًا وعشرين درجةً، إلا ابن عمر فإنه قال: سبعًا وعشرين. انتهى.
وقد جُمِعَ بينهما بأن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وفضل الله واسع. وقيل السبع مختصة بالجهرية، والخمس بالسرية، لأن في الجهرية الإنصات عند قراءة الإمام، والتأمين عند تأمينه.
وفي حديث أبي هريرة: إشارة إلى بعض الأسباب المقتضية للدرجات، وهو قوله: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة» .
ومنها: الاجتماع والتعاون على الطاعة، والألفة بين الجيران، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به.
ومنها: صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، وغير ذلك، والله أعلم.
[١٠٦٦] وعنه قَالَ: أَتَى النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأجِبْ» . رواه مسلم
[١٠٦٧] وعن عبدِ الله - وقيل: عَمْرو بن قَيسٍ - المعروف بابن أُمّ مكتوم المؤذن - رضي الله عنه - أنَّه قال: يا رَسُول اللهِ، إنَّ المَدينَةَ كَثيرةُ الهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ. فَقَالَ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، فَحَيَّهلاً» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
ومعنى «حَيَّهَلاً» : تعال.
في هذا الحديث: دليلٌ على وجوب حضور الجماعة لمن سمع النداء بالصلاة، وفيه تأكيد طلب الجماعة واحتمال خفيف التعب في حصولها، وذلك أن الغالب على من قربت داره من المسجد أنه يقل لحاق الضرر به.
وأما قصة عتبان التي في الصحيح، فإنما سأل الترخيص عند وجود مانع من حيلولة السيل بينه وبين مسجد قومه مع ضعف بصره.
[١٠٦٨] وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ» . متفقٌ عَلَيهِ.
هذا الحديث: يدل على وجوب الصلاة في الجماعة.
وفيه: تقديم التهديد على العقوبة، وسر ذلك أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة.
وفيه: جواز أخذ أهل الجرائم على غرة.
وفيه: الرخصة للإمام في ترك الجماعة لمثل ذلك.
وقال البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة.
وقال الحسن: إن منعته أمُّه عن العِشَاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها،
وذكر الحديث وزاد في آخره: «والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّهُ يجد عَرْقًا سمينًا أو مِرْمَاتَين حسنَتَيْنِ لشهد العشاء» .
[١٠٦٩] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى غداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَنَ الهُدَى، وَإنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى، وَلَوْ أنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ في بُيُوتِكم كَمَا يُصَلِّي هذا المُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيِّكُم لَضَلَلْتُمْ، وَلَقَدْ رَأيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤتَى بهِ، يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسلِم.
وفي رواية لَهُ قَالَ: إنّ رَسُول اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَنَا سُنَنَ الهُدَى؛ وإنَّ مِنْ سُنَنِ الهُدَى الصَّلَاةَ في المَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.
السنة: الطريقة، وليس المراد بها هنا التي دون الواجب في الاصطلاح.
وفي الحديث: وجوب صلاة الجماعة في المسجد، وأنَّ من ترك ذلك فهو ضال.
[١٠٧٠] وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيةٍ، وَلا بَدْوٍ، لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إلا قَد اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِم الشَّيْطَانُ. فَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَة» . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ بإسناد حسن.
شبه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استيلاء الشيطان على المنفرد عن الجماعة وتمكنه منه، باستيلاء الذئب على المنفردة عن الغنم.
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56