انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلَا في غَيْرِهِ…

الإسلام > حديث > رياض الصالحين > حديث 1172

الحديث رقم 1172 من كتاب «كتاب الفضائل» في رياض الصالحين، تحت باب: باب فضل قيام الليل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: - صلى الله عليه وسلم - يزيد - في رمضان ولا…

انَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلَا في غَيْرِهِ - عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أرْبَعًا فَلَا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعًا فَلَا ⦗٣٣٣⦘ تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثًا. فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَة، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي (١)». متفقٌ عَلَيْهِ. (٢)

سند حديث: ١١٧٢ - وعنها، قالت: مَا كَ

١١٧٢ - وعنها، قالت: مَا كَ

شرح مبسّط لحديث: - صلى الله عليه وسلم - يزيد - في رمضان ولا…

معلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل، سواء كان في رمضان أو في غيره؛ فلما كان كذلك سأل أبو سلمة عن قيام رمضان، هل صلاته صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان كصلاته في غير رمضان، من حيث عدد الركعات أو أن الأمر مختلف؟
فأجابته رضي الله عنها بأنه لا فرق بين صلاته في رمضان ولا في غيره، فإنه كان يصلي على مدَار العام إحدى عَشرة ركعة لا يزيد عليها.
ثم بَيَّنت له كيفيتها بقولها : "يصلِّي أربعا" المراد أنه يصلِّي ركعتين، ثم يسلِّم، ثم يصلِّي ركعتين، ثم يسلِّم؛ لأن عائشة رضي الله عنها قد بَيَّنت وفصلت الإجمال في هذا الحديث في حديثها الآخر عند مسلم، حيث قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي فيما بَيْن أن يَفرغ من صلاة العِشاء إلى الفجر، إحدى عَشَرة ركعة، يُسلِّم بَيْن كل ركعتين، ويوتر بواحدة). مع قوله صلى الله عليه وسلم : (صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى) متفق عليه.
"فلا تَسَل عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنّ" أي: لا تسأل عن كيفيتهن، فإنهن في غاية الحُسن والكمال في جودة القراءة وطول القيام والرُّكوع والسُّجود.
وكذلك الأربع الأخيرة ركعتين ركعتين، فلا تَسأل عن حُسنها وكمالها في جودة القراءة وطول القيام والرُّكوع والسُّجود.
"ثم يصلَّي ثلاثا" ظاهر هذا: أنه يَسردهن سَرْدَا من غير فَصل، ثم يسلِّم في الرَّكعة الأخيرة، لكن رواية عائشة الأخرى بَيَّنت أنه يسلِّم من ركعتين، ثم يوتر بواحدة، ونصه :" يُسلِّم بَيْن كل ركعتين، ويوتر بواحدة "، فدل ذلك على أنه يَفْصِل بين الثلاث بالتَّسليم.
"قالت عائشة: فقلت يا رسول الله: أتَنَام قبل أن تُوتر؟" أي: كيف تَنام قبل أن تصلِّي الوِتر.
"فقال: يا عائشة إن عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنام قلْبِي" والمعنى: أن قَلبه صلى الله عليه وسلم لا يَغيب كما تَغيب عيناه، بل يُدرك ويَشعر بكل شَيء ومن ذلك: مُراعاة الوقت وضَبْطه، ولهذا كانت رؤية الأنبياء وحْي.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
  • إجابة السَّائل بأكثر مما سأل؛ وجه ذلك: أنه سألها عن صلاته في رمضان، فأجابته عن صلاته في رمضان وفي غيره، وعن صفتها.
  • أن السُّنة في صلاة الليل إطالتها .
  • جواز الاستراحة بين ركعات صلاة القيام؛ لقولها: "أربعا ثم أربعا " وثم تفيد التَّرتيب مع التَّراخي.
  • أن وضوء النبي -صلى الله عليه وسلم- لا ينتقض بالنوم وهذا من خصائصه.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: - صلى الله عليه وسلم - يزيد - في رمضان ولا…

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب فضل قيام الليل]

قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقال تعالى {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، ثم ذكر قول الله تبارك وتعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وسبق الكلام على هذه الآية، ثم ذكر قول الله تبارك وتعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} هذا في سياق قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} فوصفهم الله عز وجل بهذه الأوصاف الجليلة: إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدا، أي خروا سجدا فيما يتطلب السجود فلا يستكبرون عن وضع جباههم وأنوفهم على الأرض بل يتذللون لله إذا أمر بالسجود سجدوا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: {خروا سجدا} أي: أن المراد بذلك كمال التذلل لله بالعبادة، سواء كان سجدة أو غيرها، {وسبحوا بحمد ربهم}

أي: سبحوا الله سبحانه وتعالى، وتسبيح الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، هذا هو التسبيح، سبحت الله يعني نزهته وبرأته من كل نقص وعيب، لأنه جل وعلا كامل الصفات، إذ ينتفى عنه جميع النقائص.

وقوله: {بحمد ربهم} الباء للمصاحبة، أي سبحوا الله تسبيحا مقرونا بالحمد مصاحبا به.

والحمد هو: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.

هذا معنى الحمد، حمدت الله يعني: اعتقدت أن له أوصافا كاملة، وذكرت بلساني ذلك، فإن كرر المدح صار ثناء، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي {وهم لا يستكبرون} يعني: لا يستكبرون عن عبادة الله، إذا أمرهم الله امتثلوا الأمر بذل وخضوع، وشعور بالعبودية، وشعور بكمال الألوهية والربوبية لله عز وجل.

{تتجافى} أي: تتباعد جنوبهم، عن المضاجع، أي: عن المراقد فهم يحيون الليل بالصلاة وذكر الله عز وجل، وإذا أتموا صلاتهم ختموا ذلك بالاستغفار، كما قال تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} & قال بعض السلف: هذا يدل على كمال معرفتهم بأنفسهم، يقومون

الليل، ثم يستغفرون في آخر الليل خوفا من أن يكونوا قصروا مع الله عز وجل.

{يدعون ربهم خوفا وطمعا} يدعون الله دعاء المسألة، ودعاء العبادة.

دعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، يا ربنا أغننا، يا ربنا يسر أمورنا، يا ربنا اشرح صدورنا هذا دعاء المسألة.

أما دعاء العبادة أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحجوا البيت، ويبروا الوالدين، ويصلوا الأرحام إلى غير ذلك من العبادات، وكانت العبادة دعاء لأنك لو سألت العبد: لأي شيء تعبد الله؟ لقال: لنيل رضوان الله عز وجل فهو داع بلسان الحال وقد يصحبه دعاء بلسان المقال، فالصلاة مثلا فيها دعاء، يدعو الإنسان فيها بدعاء ركن في الصلاة، إذا لم تدع في الصلاة بهذا الدعاء بطلت صلاتك، في أي موضع؟ ! في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم} هذا دعاء ركن في العبادة لو تركته ما صحت صلاتك، فالصلاة دعاء بلسان الحال ودعاء بلسان المقال، ولهذا قال: {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه.

{خوفا وطمعا} خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، لأنهم إن فعلوا المحرم عوقبوا، وإن تركوا المحرم وقاموا بالواجب أثيبوا، فهم خائفون طامعون، وقيل: خوفا من ذنوبهم وطمعا في فضل الله، فالإنسان إذا نظر إلى نفسه وإلى ذنوبه خاف، لأنها ذنوب أثقل من الجبال، وأكثر من الرمال نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه وإن نظر إلى سعة رحمة الله وسعة عفوه، وأن العفو أحب إليه من

العقوبة، وأنه يفرح بتوبة عبده المؤمن، أشد من أي فرح في الدنيا كلها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: لله أشد فرحا اللام هذه للابتداء، وهي للتوكيد، لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان معه راحلته عليها طعامه وشرابه فأضلت ضاعت منه في أرض فلاة ما حوله أحد، فضاعت، طلبها فلم يجدها، فيئس من الحياة، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقا بالشجرة خطام يعني: زمام فقام وأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك هو يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك , فالله جل وعلا أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل براحلته.

إذا نحن نطمع في فضل الله، ذنوبنا كثيرة عظيمة، لكن فضل الله أوسع، ورحمته أوسع، إذا كانت الصلوات الخمس تكفر ما بينها إذا لم ترتكب الكبائر فهذا فضل عظيم، فعلى كل حال، هم يدعون الله خوفا وطمعا، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه، خوفا من ذنوبهم، وطمعا في فضله، كل الأوجه صحيحة.

{ومما رزقناهم ينفقون} من: للتبعيض يعني: ينفقون بعض ما رزقناهم، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بكل ماله، ولهذا لما قال أبو لبابة يا رسول الله إني أتصدق بكل مالي.

قال: يكفيك

الثلث، تصدق بالثلث حتى إن العلماء قالوا: إذا نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، لأن هذا هو المذكور فعلى هذا تكون (من) للتبعيض، يعني: ينفقون شيئا مما رزقناهم.

وقيل: إن (من) للبيان، لبيان الجنس، فينفقون حسب الحال، قد ينفقون قليلا أو كثيرا، الثلث، أو النصف، أو الكل، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فتصدق أبو بكر بكل ماله، وتصدق عمر بشطر ماله بالنصف قال: الآن أسبق أبا بكر، لأن الصحابة يتسابقون، ليس حسدا ولكن تسابق في الخيرات فلما جاء بنصف ماله وإذا أبو بكر قد تصدق بكل ماله، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.

قال لعمر: ما تركت؟ ‍‍‍! قال: تركت النصف، ثم قال عمر: والله لا أسابقه على شيء أبدا بعد اليوم.

لأن أبا بكر رضي الله عنه له سوابق، فضائل لا يلحقه لا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا من دونهم.

المهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله.

فما هو الجزاء وما هي الثمرة؟ ! {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} اللهم اجعلنا منهم يا رب.

لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وذلك في جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنون أن قول الله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} أتظنون أن النخل والرمان والفاكهة كالذي في الدنيا؟ لا والله، ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء، اسم الرمان لكن لا يمكن أن يخطر على بالك، اسم النخل لكن لا يخطر على بالك، اسم الفاكهة لكن ما تخطر على بالك: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الأبرار الكرام البررة إنه على كل شيء قدير.

قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون}

١١٦٠ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، وذكر آيات ثلاثا، تكلمنا عن اثنتين منها، فهذه هي الثالثة، وهي قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون هذه من

أوصاف المتقين الذين أعد الله لهم الجنات والعيون، من أوصافهم أنهم كانوا لا يهجعون من الليل إلا قليلا، وذلك أنهم يشتغلون بالقيام والتهجد وقراءة القرآن وغير ذلك.

قال الله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} فكانوا يقومون من الليل، ثم إذا فرغوا من القيام رأوا أنهم مقصرون، فجعلوا يستغفرون الله عز وجل، وبالأسحار يستغفرون.

وقال تعالى في سورة آل عمران: {والمستغفرين بالأسحار} أي في آخر الليل.

ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل ويطيل القيام حتى تتفطر قدماه، لأن الدم ينزل فيها، فتتفطر، فقيل: كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأعمال من شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، فدل ذلك على أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم، وليس الإنسان إذا قال: أشكر الله.

هذا شكر باللسان، ولكن لا يكفي، لابد من الشكر بالجوارح والقيام بطاعة الله عز وجل، وفي هذا دليل على تحمل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعبادة ومحبته لها، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا لمحبة شديدة، ولهذا قال: جعلت قرة عيني في الصلاة فالصلاة أحب الأعمال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد قام معه من الليل من أصحابه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قام معه ذات ليلة فأطال

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القيام قال عبد الله: حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

وهو شاب، أقل سنا من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك عجز أن يكون كالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولكن لو قال قائل: هل الأفضل في قراءة الليل أن أطيل القيام، أو أن أطيل السجود والركوع؟ قلنا: انظر ما هو أصلح لقلبك، قد يكون الإنسان في حال السجود أخشع وأحضر قلبا، وقد يكون في حال القيام يقرأ القرآن ويتدبر القرآن، ويحصل له لطائف من كتاب الله عز وجل ما لا يحصل له في حال السجود، ولكن الأفضل أن يجعل صلاته متناسبة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا قصر القيام قصر الركوع والسجود، حتى تكون متناسبة كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

١١٦٤ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه

متفق عليه.

١١٦٧ - وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل قيام الليل عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس أفشوا السلام.

اعلم أن خطاب الشرع إذا صدر بالنداء، دل ذلك على أهمية هذا الخطاب، لأن النداء يوجب تنبه المخاطب، فإنه فرق بين أن تقول الكلام مرسلا وبين أن تنادي من تخاطب، فالثاني يكون أبلغ في التنبيه والانتباه.

يقول: يا أيها الناس أفشوا السلام يعني: أظهروا وأعلنوا وأكثروا من السلام، والسلام يخاطب به المسلم والسلم عليه، فإن المسلم ينبغي له أن يسلم كل من لاقاه ممن يستحق أن يسلم عليه، سواء عرفه، أو لم يعرفه.

والذي يستحق أن يسلم عليه هو المسلم الذي لا يحل هجره، أمام الكافر فلا تبدأه بالسلام سواء كان كافرا لا ينتسب للإسلام، أو كان كافرا

ينتسب للإسلام لكنه على بدعة مكفرة، فهذا لا تسلم عليه، لأنه لا يستحق، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام.

وينبغي للمسلم أن يرفع صوته حتى يسمع، وألا يسلم بأنفه، لأن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يكون عنده كبرياء أو عنده جفاء، فإذا لاقاك سلم عليك بأنفه، لا تكاد تسمعه، هذا خلاف إفشاء السلام.

فإفشاء السلام أن ترفع صوتك وتجهر به: السلام عليك.

قال العلماء: إلا إذا سلم على قوم أيقاظ بينهم نيام، فلا ينبغي أن يرفع صوته رفعا يستيقظ به النيام، لأن هذا يؤذي النائمين.

ثم إن الصيغة المستحبة أن تقول السلام عليك إن كان المسلم عليه واحدا، وإن كانوا جماعة رجال تقول: السلام عليكم، وإن كانوا جماعة نساء تقول السلام عليكن، حسب المخاطب، ثم إنك إذا قلت: السلام عليك أو عليكم أو عليكن، فإنك تشعر أنك تدعو لهم بالسلامة، السلام عليكم ليست مجرد تحية، دعاء بالسلامة، كأن الله يسلم من كل الآفات من آفات الذنوب وآفات القلوب وآفات الأجسام وآفات الأعراض من كل آفة، ولهذا لو قلت: أهلا ومرحبا، بدل السلام، ما أجزأك، لأن أهلا ومرحبا ما فيها دعاء، فيها صحيح: تحية، تهنئة، ولكنها ليست فيها دعاء.

فالسلام المشروع أن تقول: السلام عليكم.

أما المسلم عليه فالواجب عليه أن يرد كما سلم عليه، هذا أمر واجب لقول الله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها فإذا قال السلام عليكم.

فقلت: أهلا ومرحبا أبا فلان، حياك الله سررنا بمجيئك..

تفضل..

كل هذه الكلمات لا تجزئ عن كلمة واحدة ما هي؟ عليك السلام.

لابد أن تقول عليك السلام، فإن لم تفعل فأنت آثم عليك وزر، لأنك تركت واجبا، فحيوا بأحسن منها أو ردوها.

كذلك أيضا إذا سلم عليك بصوت مرتفع بين واضح، لا ترد عليه السلام بأنفك، هذا لا يجوز لأنك لم ترد بمثلها ولا بأحسن منها، فقوله تعالى: {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} يشمل الصيغة، وصفة الأداء.

كذلك قال عليه الصلاة والسلام: أطعموا الطعام لمن يطعم الطعام؟ لمن يحتاج إليه، إطعامك أهلك من الزوجات والأولاد بنين أو بنات ومن في بيتك أفضل ما يكون، أفضل من أن تتصدق على مسكين، لأن إطعامك أهلك قيام بواجب، والقيام بالواجب أفضل من القيام

بالتطوع لقول الله تعالى في الحديث القدسي: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه فإطعام الطعام لأهلك أفضل من إطعام المسكين، لأن الأول واجب وهذا تطوع، فمن أطعم الطعام أهله ولم يقصر بشيء وقام بالواجب فقد أطعم الطعام، وما فضل فتصدق به فهو خير.

وصلوا بالليل والناس نيام اللهم اجعلنا من هؤلاء ربما كان أحسن وألذ النوم ما كان من بعد منتصف الليل إلى الفجر، فإذا قام الإنسان في هذا الوقت لله عز وجل يتهجد، يتقرب إليه بكلامه وبدعاء خاشع بين يديه، والناس نائمون فهذا من أفضل الأعمال.

(صلوا بالليل والناس نيام) وهذا محل الشاهد من هذا الحديث، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة بالليل من أسباب دخول الجنة، والثواب قال: تدخلوا الجنة بسلام تسلم عليك الملائكة {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} يهنئونهم بما صبروا وبهذا الثواب العظيم.

و (تدخلوا الجنة بسلام) ظاهره أنه بلا عقاب ولا عذاب لأن من عذب لم يسلم.

فهذه الأمور الثلاثة في هذا الحديث من أسباب دخول الجنة بسلام،

نسأل الله تعالى أن يعينني وإياكم عليها، وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة بسلام، إنه على كل شيء قدير.

١١٦٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.

رواه مسلم.

١١٦٨ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة.

متفق عليه.

١١٦٩ - وعنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة.

متفق عليه.

١١٧٠ - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته.

رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل صلاة الليل.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم صيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، وهو واجب بالإجماع، وشهر المحرم أفضل الشهور التي يتطوع بها بالصوم، وعلى هذا فيكون صوم شهر المحرم من الصيام المستحب، لأنه أفضل الصيام بعد الفريضة.

وأما الشاهد من هذا الحديث وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل هذا هو الشاهد، صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، ما عدا الرواتب التابعة للمكتوبات فإنها أفضل من النفل المطلق في الليل، فمثلا راتبة الظهر أربع ركعات بسلامين قبلها وركعتان بعدها، أفضل من ست في الليل، لأنه راتبة مؤكدة، تابعة للفريضة، وأما النفل المطلق ففي الليل أفضل من النهار، ولهذا قال: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.

أما حديث ابن عمر الأول والثاني، ففيه دليل على أن صلاة الليل تكون مثنى مثنى، لا يمكن أن تصلي أربعا، بل لابد من اثنين ويسلم، اثنين ويسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله: فإن قام إلى الثالثة ناسيا فهو كما لو قام إلى ثالثة في الفجر.

يعني: فيجب عليه أن يرجع فإن لم يفعل بطلت صلاته يعني لو كنت تصلي بالليل على ركعتين ركعتين، فقمت إلى الثالثة ناسيا، وجب عليك أن ترجع حتى لو بدأت في قراءة الفاتحة، يجب أن ترجع فإن لم تفعل بطلت صلاتك، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى يعني على ثنتين ثنتين، إلا أنه استثنى من ذلك الوتر، إذا أوتر بثلاث

أو خمس أو سبع أو تسع، فإذا أوتر بثلاث فإن شاء سلم من الركعتين الأوليين وأتى بالثالثة وحدها، وإن شاء جمع الثلاث جميعا بسلام واحد.

وإن أوتر بخمس سردها كلها بسلام واحد وتشهد واحد، وإن أوتر بسبع كذلك، كلها بسلام واحد، وإن أوتر بتسع كذلك، إلا أنه في الثامنة يجلس ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالتاسعة ويسلم وإن أوتر بإحدى عشرة سلم من كل ركعتين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث ابن عمر الأول والثاني دليل أن الوتر لا يكون بعد طلوع الفجر، إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر، فإن غلبه النوم ولم يوتر قبل طلوع الفجر صلى من النهار، لكن يصلي شفعا، فإن كان من عادته أن يوتر بثلاث صلى أربعا، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس صلى ستا..

..

وهلم جرا.

فهذه الأحاديث في فضل صلاة الليل وفي كيفية صلاة الليل، وأنها مثنى مثنى.

أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أحيانا يديم العمل الصالح، حتى لا تراه إلا على هذا العمل، كان لا تراه قائما إلى رأيته، ولا تراه نائما إلا رأيته، وكذلك في الصوم، لا تراه صائما إلا رأيته، ولا تراه مفطرا إلا رأيته.

يعني أنه عليه الصلاة والسلام يتبع ما هو أصلح وأنفع، أحيانا يديم الصوم، أحيانا يديم الفطر، أحيانا يديم النوم، لأنه عليه الصلاة والسلام يتبع ما

هو الأفضل والأرضى لله وما هو الأريح لبدنه، لأن الإنسان له حق على نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لنفسك عليك حقا والله الموفق

١١٧١ - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة تعني في الليل يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة رواه البخاري..

١١٧٢ - وعنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا.

فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي متفق عليه.

١١٧٣ - وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل، ويقوم آخره فيصلي.

متفق عليه.

١١٧٤ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء.

قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

متفق عليه.

١١٧٥ - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل.

منها: حديث عائشة الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وقد بين ذلك في أحاديث أخرى، أنه يسلم من ركعتين ثم

ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعة، يعني: يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من اثنتين، ويوتر بواحدة، ثم كان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين قبل الغداة، يعني إذا أذن الفجر صلى ركعتين، وكان يخفف هاتين الركعتين حتى تقول عائشة أقرأ بأم القرآن؟ لشدة تخفيفه لهما، ثم يضطجع على جنبه الأيمن حتى يأتيه المؤذن يؤذنه بالصلاة صلى الله عليه وسلم ففي هذا دليل على أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة، ودليل على أنه ينبغي أن يصلي الإنسان الراتبة في بيته أفضل من المسجد، لاسيما الإمام، وفيه أيضا أن الإمام لا يخرج من بيته إلا للإقامة، يبقى في بيته حتى يأتي وقت الإقامة، فيخرج إلى المسجد ويصلي، هذا هو الأفضل أفضل من أن يتقدم الإمام ويصلي بالمسجد أما غير الإمام فينتظر الإمام، والإمام ينتظره غيره، فلذلك كان الأفضل في حقه أن يتأخر إلى قرب إقامة الصلاة، إن لم يكن لهذا سبب أو في تقدمه مصلحة مثل أن يكون تقدمه يشجع المصلين فيتقدمون، ولو تأخر لكسلوا، فهذا أيضا للمصلحة.

وفي حديثها الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، لأنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا هذه أربع وأربع وثلاث: إحدى عشرة، هذا هو السنة وهو الأفضل ألا يزيد في صلاة الليل على إحدى عشرة

ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.

وقولها رضي الله عنها: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.

قد ظن بعض الناس أنها أربع مجموعة بسلام واحد، وهذا خطأ لأنه قد جاء مفصلا مبينا أنها أربع ركعات، يسلم من كل ركعتين وأربع ركعات يسلم من كل ركعتين وثلاث ركعات، فيكون قولها: أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي..

..

يكون فيه دليل على أنه إذا صلى الأربع بسلام استراح قليلا لقلوها: ثم يصلي وثم للترتيب في المهلة ثم يصلي الأربع على ركعتين ثم يسلم.

وأنا أشير في هذه المسألة أنه ينبغي للإنسان ألا يتعجل في فهم النصوص، بل يجمع شواردها حتى يضم بعضها إلى بعض ليتبين له الأمر، فبعض الإخوان الذين بدءوا يتعلمون ولاسيما علم الحديث، صاروا يصلون بالناس أربع ركعات جميعا، وهذا غلط، غلط على السنة، وفهم خاطئ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى لا يمكن أن يصلي أربعا، ممكن أن يصلي خمسا جميعا، وسبعا جميعا، وتسعا جميعا.

أما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بابه مفتوح، بيته بيت للأمة، للصحابة، يأتي الواحد منهم يحب أن يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقول له لا تصل معي، صل في بيتك، لا بل يفتح له صدره، ويدخل البيت ويصلي معه.

وكان ابن

مسعود رضي الله عنه من الذين يخدمون الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب السواك، ينظف سواك الرسول، وصاحب الوساد وساده وصاحب النعل.

فكان يدخل على الرسول ويصلي معه، فدخل فصلى معه ذات ليلة فلما دخل في الصلاة أطال النبي صلى الله عليه وسلم القيام، يقول: حتى هممت بأمر سوء، قيل: بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، وهو شاب، والرسول صلى الله عليه وسلم أسن منه، ومع ذلك كان يقف ويطيل حتى يعجز الشباب عن قيامه عليه الصلاة والسلام.

وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه يصلي صلى الله عليه وسلم شكرا لله عز وجل، كما قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا.

والمرة الثانية صلى معه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فبدأ بسورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ولكنه مضى، فقلت: يركع بها، ولكنه أتمها ثم بدأ بسورة النساء، فأتمها، ثم بدأ بسورة آل عمران فأتمها، يرتل عليه الصلاة والسلام، يرتل القرآن، وهذه السور الثلاث تمثل خمسة أجزاء وربع.

بالترتيل كم تستغرق من وقت؟ ! والنبي صلى الله عليه وسلم واقف لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا آية تسبيح إلا سبح، ولا آية وعيد إلا تعوذ فيجمع بين القراءة والذكر والدعاء صلى الله عليه وسلم، مع هذا الطول العظيم، ثم ركع، فكيف كان ركوعه؟ ! كان ركوعه نحوا من قيامه، أطال الركوع ثم رفع قائلا: سمع الله لمن حمده،

وكان قيامه نحوا من ركوعه، ثم سجد، فكان سجوده نحوا من قيامه، وهكذا صلاته كانت متناسبة، وإذا أطال في القراءة أطال في الركوع والسجود، يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، ويقول أيضا إضافة إلى ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

ويقول أيضا: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.

فالصلاة روضة من رياض العبادات، فيها من كل زوج بهيج، قرآن وذكر ودعاء وتسبيح وتكبير وتعوذ، ولهذا كانت هي أفضل العبادات البدنية، أفضل من الصيام، وأفضل من الزكاة، وأفضل من الحج، وأفضل من كل العبادات، إلا التوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله , لأن هذا هو مفتاح الإسلام.

فالحاصل أن هذه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فاحرص أخي المسلم، أسأل الله أن يعينني وإياك على اتباعه ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ملته ويحشرنا في زمرته، ويدخلنا معه جنات النعيم.

١١٧٦ - وعن جابر رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت رواه مسلم.

المارد بالقنوت: القيام..

١١٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما متفق عليه..

١١٧٨ - وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث ساقها الإمام النووي في باب فضل صلاة الليل، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت والمراد بطول القنوت أي طول الخشوع لله عز وجل والقيام والركوع والسجود.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله أيهما أفضل: طول القراءة مع تخفيف الركوع والسجود، أو الأفضل تقصير القراءة والركوع والسجود؟ بمعنى هل الأفضل أن تقصر الركعات مع كثرة العدد، أو أن تطيل

الركعات مع قلة العدد، والصواب أن الأفضل في ذلك أن تكون الصلاة متناسبة، وقد سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل ركوعه نحوا من قيامه، وسجوده نحوا من قيامه، أي قريبا منه، وذكر رحمه الله من ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود أما صلاته، يعني النافلة، صلاة الليل، فإنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، فيقسم الليل ثلاثة أقسام، النصف الأول للنوم، ثم الثلث للقيام، ثم السدس للنوم، لأن هذا فيه راحة البدن، فإن الإنسان إذا نام نصف الليل أخذ حظا كبيرا من النوم، فإذا قام الثلث ثم نام السدس فإن التعب الذي حصل له في القيام يذهب بالنوم الذي في آخر الليل، ولكن مع هذا، إذا قام الإنسان في أي ساعة من الليل فإنه يرجى له أن ينال الثواب، هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو الأحب إلى الله والأفضل، لكن يكفي أن تقوم الثلث الأخير أو الثلث الأوسط أو النصف الأول، حسب ما تيسر لك؟ قالت عائشة رضي الله عنها: من كل الليل أوتر النبي صلى الله عليه وسلم من أول الليل ووسطه وآخره.

فالأمر في هذا ولله الحمد واسع.

ثم ذكر الحديث الثالث: إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله تعالى بخير إلا أعطاه إياه.

وهذه الساعة غير معلومة بعينها، يعني: الله أعلم.

لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا بهذا من أجل أن نجتهد، وأن نتحرى قدر الله عز وجل،

وهذه الساعة كساعة يوم الجمعة مبهمة، وإن كانت ساعة يوم الجمعة أرجى ما يكون إذا حضر الإمام يعني الخطيب إلى أن تقضى الصلاة.

والله الموفق

١١٨١ - وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

رواه مسلم..

١١٨٢ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل رواه مسلم.

١١٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء , رواه أبو داود.

بإسناد صحيح.

١١٨٤ - وعنه وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا، كتبا في الذاكرين والذاكرات رواه أبو داود بإسناد صحيح.

١١٨٥ - وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه.

متفق عليه.

١١٨٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه بقية الأحاديث التي نقلها النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في: باب فضل صلاة الليل، وتدل على أمور، الأمر الأول أن الإنسان إذا فاته قيام الليل فإنه يقضيه من النهار، ولكنه لا يوتر، لأن الوتر تختم به صلاة الليل وقد انتهت كما دل على

ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلبه وجع أو غيره، يعني كالنوم فلم يصل في الليل، صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة، لأنه عليه الصلاة والسلام، كان يواظب في أكثر أحيانه على إحدى عشرة ركعة، فكان يقضي ما هو الأكمل والأكثر، يقضي ثنتي عشرة ركعة، وعلى هذا فإذا كان من عادة الإنسان أنه يوتر بثلاث، ولم يقم، فإنه يقضي بالنهار أربعا، ولا يقضي ثلاثا، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس يقضي ستا وهلم جرا، ولكن متي يقضي؟ يقضيه فيما بين طلوع الشمس وارتفاعها إلى زوال الشمس، كما يدل على ذلك حديث عمر رضي الله عنه فيمن فاته ورده أو حزبه في الليل، أو شيء منه، أنه يقضيه في النهار بالضحى، فيقضي ذلك في الضحى، فإن نسي ولم يتذكر إلا بعد الظهر قضاه بعد الظهر، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.

ومما دلت عليه هذه الأحاديث أن الإنسان إذا غلبه النوم وجاءه النعاس وهو يصلي فلا يصلي، وذلك لأنه ربما يذهب يستغفر لنفسه فيسب نفسه لأنه ينعس، وأيضا ربما يستعجم القرآن على لسانه، فيتكلم بالكلمة من القرآن على غير وجهها فيحرف القرآن، فأنت إذا كان من عادتك أن تصلي بالليل وجاءك النوم، فلا تجهد نفسك، نم حتى يزول عنك النعاس

ثم استأنف القيام، فإن طلع الفجر فاقض الوتر في الضحى ولكن شفعا.

ومما تدل عليه هذه الأحاديث أنه ينبغي للإنسان إذا كان له أهل وقام من الليل أن يوقظ أهله، لكن حسن نشاط الأهل، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا لم يبق إلا الوتر أيقظ عائشة فأوترت، يعني ليس من اللازم أن توقظ أهلك معك، قد يكون أهلك ليسوا مثلك في النشاط البدني أو في النشاط النفسي، فلا توقظهم معك، ليس بلازم إلا إذا رأيت أنهم يرغبون، ولكن لا تنسهم من آخر الليل، يقومون ولو للوتر، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم الليل ويصوم النهار ويعبد ربه حق عبادته.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٢١٢ - باب فضل قيام الليل

أي التهجد فيه.

(قال الله تعالى) : ( {ومن الليل} ) أي بعضه ( {فتهجد به} ) أترك الهجود والتهجد ترك الهجود للصلاة كالتأثم والتحرج ( {نافلة لك} ) فإنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجمع نوافله زيادة في رفع درجته أو معناه: فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة. وعن كثير من السلف أن التهجد كان واجباً عليه، ونصبها بالعلية أو بتقدير فرضها فريضة، أو حال من مضير به ( {عسى أن يبعثك ربك مقاماً} ) أي في مقام أو تقديره فيقيمك مقاماً ( {محموداً} ) وهو مقام الشفاعة لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون. وفي الآية إيماء إلى أن ارتقاء المقامات المحمودة من نتائج قيام الليل فإن للوارث مشرباً من بحار مورثه.

(وقال تعالى) : ( {تتجافى} ) ترتفع وتتنحى ( {جنوبهم عن المضاجع} ) أي الفرش ومواضع النوم ( {يدعون ربهم} ) داعين ( {خوفاً} ) من عقابه ( {وطمعاً} ) في ثوابه ( {ومما رزقناهم ينفقون} ) في مصارف الخير، والمراد التهجد وقيام الليل، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل عليه وهو المناسب لسياق المصنف، وقال آخرون: هو صلاة العشاء والصبح في جماعة. وقال آخرون هو صلاة الأوابين بين العشاءين، وعن بعض: هو انتظار صلاة العتمة.

(وقال تعالى) في مدح المحسنين ( {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ) ينامون، وما زائدة، ويهجعون خبر كان، وقليلاً إما ظرف: أي زماناً قليلاً، ومن الليل إما صفة أو متعلق بيهجعون وإما مفعول مطلق: أي هجوعاً قليلاً، ولو جعلت ما مصدرية فما يهجعون فاعل قليلاً، ومن الليل بيان أو حال من المصدر. وأما جعلها نافية: أي الهجوع في قليل من الليل منتف بمعنى أن عادتهم إحياء

جميع أجزاء الليل فلا نوم لهم أصلاً، وأن عادتهم التهجد في جميع الليالي فلا يمكن أن يناموا جميع ليل واحد، فجائز عند من يجوز عمل ما بعد ما النافية فيما قبلها إذا كان ظرفاً، ذكره الصفوي في «جامع البيان» .

١١١٦٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يقوم من الليل) أي بعضه ولم يستوف ليلة بالقيام تخفيفاً على أمته (حتى تتفطر) بفتح الفاء والمهملة: أي تتشقق وفي نسخة تنفطر بالنون الساكنة فالفاء (قدماه) وهذا غاية لما دل عليه ما قبله: أي دأب في الطاعة إلى تفطر قدميه من طول القيام واعتماده عليها (فقلت له لم تصنع هذا) سؤال عن حكمة الدأب والتشمير في الطاعة (يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أتت به طبق الآية المكنى بها عن رفعة شأنه وعلو مكانه، لا أن هناك ذنباً فيغفر لوجوب العصمة له كسائر الأنبياء (قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) أي أأترك صلاتي لأجل مغفرته فلا أكون عبداً شكوراً؟ فالفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة كما جرى عليه «الكشاف» ، ظن السائل أن سبب تحمل مشاق الطاعة خوف الذنب، أو رجاء العفو فبين أن له سبباً آخر هو أعلى وأكمل وهو الشكر على التأهل لها مع المغفرة وإجزال النعمة والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن أدام بذل الجهد في ذلك كان شكوراً وقليل ما هم، ولم يوف أحد بعلي هذا المنصب إلا الأنبياء وأعلاهم فيه نبينا، وإنما ألزموا أنفسهم الجهد في العبادة لكمال علمهم بعظيم نعمة ربهم من غير سابقة استحقاق (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب المجاهدة.

(وعن المغيرة) ابن شعبة (نحوه) ولفظه «إن كان رسول الله ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً (متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بنحوه، ورواه الترمذي في «الشمائل» بلفظ «صلى رسول الله حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من

ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟» والحديث تقدم في باب المجاهدة.

٣١١٦١ - (وعن علي رضي الله عنه: أن النبي طرقه وفاطمة) بالنصب عطف على الضمير المنصوب (ليلة) الإتيان به على تجريد الطروق عن جزء معناه الآتي وإرادة مطلق الإتيان، ونحو قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} (الإسراء: ١) بناء على أن الإسراء السير ليلاً وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإتيان (فقال ألا تصليان) ألا أداة عرض، واقتصر عليه المصنف لأنّه مقصود الترجمة لما فيه من طلب القيام حينئذ من عليّ وفاطمة، ووصوله إليهما إيقاظاً لهما من نومهما، أو تنبيهاً على عظم الصلاة حينئذ وفضلها. قال ابن جرير: لولا ما علم النبي من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكنا، لكنه اختار لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون، وسكت عما أجاب به على رضي الله عنه وما قاله النبيّ لعدم تعلقه بغرض الترجمة (متفق عليه. طرقه: أتاه ليلاً) .

٤١١٦٢ - (وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) القرشي العدوي أبي عمر أو أبي عبد الله المدني أحد فقهاء المدينة السبعة، كان ثبتاً عابداً فاضلاً، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار التابعين مات آخر سنة ست ومائة على الصحيح كذا في التقريب للحافظ وفي قوله (رضي الله عنهم) تغليب لأبيه وجده الصحابيين عليه. (عن أبيه أن النبيّ) هو مرسل صحابي لأنه يرويه عن أخته حفصة عن النبيّ أنه (قال) لما عرضت عليه حفصة ما رآه ابن عمر من المنام المذكور في «الصحيحين» (نعم الرجل عبد الله) قال

القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو محمود لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك وذلك لصلاحه، وفيه جواز الثناء على من أمن عليه الإعجاب (لو كان يصلي من الليل) قال البرماوي: لو للتمني لا شرطية، قال المهلب: إنما فسرها بقيام الليل لأنه لم ير شيئاً منه يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار وعلم مبيته في المسجد فعبر ذلك بأنه منبه على قيام الليل. وفي الحديث إيماء إلى أن قيام الليل ينجي من النار، وفيه تمني الخير (قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك) أي التمني الصادر من رسول الله (لا ينام الليل) أي بعضه (إلا قليلاً) أي إلا بعضا قليلاً أو إلا نوماً قليلاً. ففيه إيماء لاستغراق قلبه بالتوجه للخدمة وإن نامت عينه فلا يستغرق قلبه فيه (متفق عليه) والحديث أخرجه أحمد.

٥١١٦٣ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله) مخاطباً له (يا عبد الله لا تكن مثل فلان) أي لا تماثله وتشابهه فيما بينه بقوله (كان يقوم الليل) هو كناية عن التهجد فيه/ وفي البخاري «من الليل» بزيادة من (فترك قيام الليل) ففيه ذم قطع ما يعتاده الإنسان من عمل البر ولذا أمر الإنسان ألا يفعل من البر إلا ما يطيق إدامته، والحديث تقدم في باب المحافظة على الأعمال (متفق عليه) .

٦١١٦٤ - (وعن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه قال ذكر) بالبناء للمجهول (عند

النبي رجل) حذف الذاكر وأبهم المذكور ستراً على كل، ففيه أن من الأدب الستر في مثل ذلك (نام ليله) بالإضافة إلى الضمير (حتى أصبح) أي لم يقم فيه للتهجد (فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) بالتثنية (أو) شك من الراوي هل قاله بالتثنية (أو قال) أي النبي في (أذنه) بالإفراد. واختلف في معناه فقال قوم: هو على ظاهره وحقيقته لأن الشيطان ممن يبول، ولا يلزم من بوله رؤية البول ولونه فيها إذ اللفظ محتمل لكون في أذنيه ظرفاً للبول وكونه ظرفاً للشيطان، وأصل الطهارة محقق فلا يجب التطهر ما لم يتحقق التنجيس. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في العهود المحمدية: ولقد رأيت عياناً إنساناً من أهل الزاوية نام حتى الفجر، فقام والبول يسيل من أذنه، قال: وكان يكذب بذلك، فينبغي الإيمان به وبما شاكله، وقيل إنه كناية أو استعارة عن كمال استهانة الشيطان به وتمكنه تمكن قاضي الحاجة من محل قضائها، وقيل معناه أفسده يقال بال في كذا: أي أفسده، وقيل استخف به واحتقره، يقال لمن استخف بإنسان وخدعه بال في أذنه، وأصل ذلك في دابة تفعل ذلك بالأسد إذلالاً له، وقيل معناه: ظهر عليه وسخر منه (متفق عليه) وفيه أن إهمال حق الله تعالى إنما ينشأ عن تمكن عدو الله في ذلك الإنسان حتى يحول بينه وبين القيام بحق الله سبحانه.

٧١١٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: يعقد الشيطان) أي إبليس أو أحد أولاده (على قافية رأس أحدكم) قيل العقد كناية عن تثقيله بالنوم وتثبيطه، وقيل مجاز عن تثبيطه عن قيام الليل قال في النهاية: المراد منه تثقيله في النوم وإطالته كأنه شد عليه شداداً وعقد عقداً، وقيل على ظاهره فعند ابن ماجه يعقد في حبل وهو من باب عقد السواحر النفاثات في العقد وذلك بأن يأخذن خيطاً فيعقدن عليه عقدة منه ويتكلمن عليه بالسحر فيتأثر المسحور بمرض أو تحريك فلب أو نحوه. وقال المصنف: هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام، فهو قول يقوله فيؤثر في تثبيط النائم كتأثير

السحر، ويحتمل أن يكون فعلاً يفعله كفعل النفاثات في العقد، وقيل هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوسه ويحدثه بأن عليك ليلاً طويلاً فيتأخر عن القيام (إذا هو نام) أي تلبس به أو إذا أراده (ثلاث عقد) قال البيضاوي: الثلاث إما للتأكيد وإما لحل كل منها بواحد من الذكر والوضوء والصلاة، قال: وتخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومجال تصرفها وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته (يضرب على كل عقدة) أي عندها كما في رواية (عيك ليل طويل) مبتدأ وخبر مقدم، أو فاعل لفعل محذوف: أي بقي عليك ليل، قال المصنف: هو في معظم نسخ بلادنا: أي من مسلم، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين «عليك ليلاً طويلاً» بالنصب على الإغراء، ورواه بعضهم «عليك ليل طويل» بالرفع: أي بقي عليك ليل طويل اهـ. قال البرماوي: هو أولى وأمكن في المعنى من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره فيقول له (فارقد) فإذا كان إغراء كان أمراً بملازمة طول الرقاد فلا يبقى لهذا الأمر كبير فائدة، والجملة مقول قول محذوف: أي قائلاً هذا الكلام، قال ابن بطال: هو تفسير لمعنى العقد كأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ اهـ. والظاهر أنه يقول ذلك عند نومه ليحمله على الاستغراق في النوم وعدم القلق فيه

فيفوته القيام (فإن استيقظ فذكر الله تعالى) بأي ذكر من الأذكار (انحلت عقدة) بالتنوين (فإن توضأ انحلت عقدة) أي ثانية، وفي رواية لمسلم «فإن توضأ انحلت عقدتان» قال المصنف: معناه تمام عقدتين: أي انحلت عقدة ثانية وتم بها عقدتان وهو بمعنى قوله تعالى: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} () إلى قوله

{في أربعة أيام} (فصلت: ٩، ١٠) أي في تمام أربعة أيام، ومعناه في يومين آخرين تمت الجملة بهما أربعة أيام، ومثله في الحديث الصحيح «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فقيراطان» هذا لفظ إحدى روايات مسلم، ورواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة بمعناه، والمراد فله قيراط بالأول أي يحصل له بالصلاة قيراط، وبالاتباع قيراط: أي تتم به الجملة قيراطان، ومثله حديث مسلم «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله» اهـ. ملخصاً (فإن صلى) أي ولو ركعة أو أقل ما يعتاد وهو ركعتان كل محتمل (انحلت عقدة) روى بالإفراد كما قبله وبالجمع، قال البرماوي: ويؤيده رواية البخاري في بدء الخلق «عقده كلها» (فأصبح نشيطاً) لسروره بما وفقه الله (طيب النفس) لما بارك الله له في نفسه من

هذا التصرف الحسن (وإلا) أي وإن لم يأت بما ذكر من الأمور الثلاثة (أصبح خبيث النفس) أي بتركه ما كان اعتاده أو نواه من فعل الخير، ولا يعارض هذا الحديث «لا يقل أحدكم خبثت نفسي» لأن النهي لمن يقول ذلك عن نفسه، وهنا إنما أخبر عن غيره بأنه كذلك (كسلان) أي لبقاء أثر تثبيط الشيطان ولشؤم تفريطه وظفر الشيطان به بتفويته الحظ الأوفر من قيام الليل فلا يكاد تخف عليه صلاة ونحوها من القرب، وهو غير منصرف للوصف وزيادة الألف والنون ومؤنثه كسلى، وبما تقرر علم أنه يصبح كذلك ما لم يصل وإن أتى بما قبلها (متفق عليه) وهذا لفظ البخاري، ورواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه

وابن حبان في «صحيحه» كذا في الجامع الكبير (قافية الرأس) بالرفع مبتدأ وبالجر على الحكاية (آخره) وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية الشعر، وقال الزركشي: قافية أي القفا بالقصر وهو مؤخر العنق.

٨١١٦٦ - (وعن عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الإسرائيلي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في كتاب السلام (أن النبيّ قال: أيها الناس) حذف حرف النداء اختصاراً وإيماء إلى شدة التوجه لما بعده (أفشوا السلام) بقطع الهمزة: أي أشيعوه وأذيعوه بينكم (وأطعموا الطعام وصلوا بالليل) أي التهجد بأن يكون بعد نوم أو ائتوا بها فيه مطلقاً (والناس نيام) لأن هجر المصلي فراشه وآداب نفسه في طاعة ربه وحرمان نفسه لذيذ المنام شديد، فلذا جوزي من محض الفضل بقوله (تدخلوا الجنة بسلام) أي مسلمين من العذاب قبل دخولها، ففيه بشارة لفاعل مجموع ذلك بالدخول لها ابتداء والله أعلم (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) ورواه أحمد وعبد الله بن حميد والدارمي وابن أبي شيبة وابن ماجه وابن سعد

وسعيد بن منصور والحاكم في «المستدرك» والطبراني وابن زنجويه/ كلهم عن عبد الله بن سلام بزيادة «وصلوا أرحامكم» قبل قوله «وصلوا بالليل» كذا في «الجامع الكبير» .

٩١١٦٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أفضل الصيام) أي النفل المطلق منه (بعد رمضان شهر الله المحرم) أي صومه كما يدل عليه قرينة المقام وإضافته إلى الله تعالى للتشريف وتخصيصه بلفظ المحرم، مع أن كلا من الأشهر الحرم يوصف به لما قيل إنه اسم إسلامي وإن تحريمه كذلك فلم تغير حرمته بما كان يفعله أهل النسىء (وأفضل الصلاة) من النفل المطلق (بعد الفريضة صلاة الليل) لأنه وقت السكون والخشوع والخضوع مع ما فيه من البعد عن الرياء (رواه مسلم) ورواه الأربعة والدارمي أيضاً بلفظ «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» ولا يخالفه حديث الترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس مرفوعاً «أفضل الصوم بعد رمضان شعبان» لتعظيم رمضان لأن سبب الفضل مختلف، فالمحرم لكونه فاضلاً في ذاته، وشعبان لتعظيم غيره والله أعلم.

١٠١١٦٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: صلاة الليل مثنى مثنى) أي ركعتان ركعتان، وهما معدولان عن اثنين اثنين، فلذا مع الوصف منع الصرف كما تقدم في باب تخفيف ركعتي الفجر (فإذا خفت) وفي رواية «فإذا خشي أحدكم» (الصبح) أي خشيت طلوعه بأن بدأ الصبح الكاذب أو نحوه مما يكون قبل الفجر الصادق (فأوتر بواحدة) فيؤخذ منه فضل فضل ركعات الوتر ركعتين ركعتين فركعة الوتر وهو الأصح من مذهبنا لأنه أكثر عملاً، وفي رواية زيادة «توتر له ما صلى» وفي أخرى «فإن الله وتريحب الوتر» (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة.

١١١١٦٩ - (وعنه قال: كان النبي يصلي من الليل) أي يتهجد، والتهجد يحصل بالوتر وغيره من كل نفل مفعول بعد نوم (مثنى مثنى ويوتر بركعة) والحديث تقدم بجملته في باب تخفيف ركعتي الفجر (متفق عليه) .

١٢١١٧٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله يفطر من الشهر) أي بعضه ويديم الفطر (حتى نظن) لطول فطره (أن لا يصوم منه) استصحاباً لفطره (ويصوم) أي بعض الشهر ويتابع الصوم (حتى نظن أن لا يفطر) منه شيئاً من الأيام أو من الفطر، وفي الإتيان به هنا دون الجملة السابقة إيماء إلى أن متابعة الصوم إذا صام أطول من متابعة الفطر إذا أفطر (وكان) أي الشأن (لا تشاء) أي لا زمن تحب (أن تراه) تبصره (من الليل مصلياً) أي فيه (إلا رأيته) أي إلا زمان رؤيتك إياه كذلك ففي الكلام مضاف مقدر (ولا نائماً إلا رأيته) وقال القسطلاني: لا بمعنى ليس أو لم: أي لست تشاء أو لم تكن تشاء، أو تقديره: لا زمن تشاء، فعلى هذا يكون التركيب من باب الاستثناء على البدل، والتقدير على الإثبات: إن تشأ رؤيته متهجداً رأيته متهجداً، وإن تشأ رؤيته نائماً رأيته نائماً، فكان أمره قصداً لا إسراف ولا تقتير، وقال بعضهم: الحصر فيه إضافي باعتبار تعاور هاتين الحالتين عليه مع غلبة التهجد على النوم تارة وعكسه أخرى والحكم للغالب فبالنظر لذلك صح الحصر فيها. ما كان يعين بعض الليل للنوم وبعضه للصلاة كأصحاب الأوراد وكذا الصوم، بل كان يخالف بين أوقاتهما ليكونا مشقين على النفس لا عادتين لها، فإنه إذا صام مدة صار عادة له واطمأنت له النفس، فإذا أفطر كان شاقاً عليها وكذا عكسه/ قال الحافظ ابن حجر: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام، ولا يعارضه قول أنس: «كان إذا سمع الصارخ قام» لأنه محمول على ما وراء صلاة القيام، ولا يعارضه قول أنس: «كان إذا سمع

الصارخ قام» لأنه محمول على ما وراء صلاة، الليل، وحديث الباب محمول على صلاته، ولا قول عائشة «كان إذا صلى صلاة داوم عليها» وقولها «كان عمله ديمة» لأنّ المراد به ما اتخذه راتباً لا مطلق النفل اهـ ملخصاً، وهذه الطريقة المشار إليها بحديث أنس أعلى طبقات العبادة وأسناها، وهناك طرائق أخر: فمنهم من

شدد على نفسه بالمرة فمنعها حقها وحظها، ومنهم من أعطاها كليهما، وخير الأمور أوسطها: إعطاؤها حقها وحظها واستعمالها معه في خدمة ربها (رواه البخاري) والترمذي في «الشمائل» .

١٣١١٧١ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يصلي) أي للتهجد والوتر (إحدى عشرة ركعة) وقول الراوي (تعني) بالفوقية: أي عائشة تريد بتلك الركعات النفل الذي كان يتهجد به (في الليل) وفيه أنه قد يتهجد بالوتر (يسجد السجدة من ذلك) أي القدر المذكور (قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) ظرف ليقرأ، وجملة يسجد مستأنفة لبيان كيفية قيامه بها ولاستحباب إطالتها، أو حالية من ضمير يصلي (ويركع ركعتين) عدل إليه عن قول يصلي ركعتين تفنناً في التعبير، وفيه مجاز مرسل أطلق الجزء وأريد به الكل (قبل صلاة الفجر) بعد طلوع الفجر هما سنتاه القبليتان (ثم يضطجع على شقه) بكسر الشين المعجمة: أي جانبه (الأيمن) تشريعاً للأمة ليذكروا بها ضجعة القبر، فتحملهم على الخشوع الذي هو لب الصلاة ويستمر مضطجعاً عليه (حتى يأتيه المنادي) هو بلال (للصلاة) وذلك بعد اجتماع المصلين (رواه البخاري) .

١٤١١٧٢ - (وعنها قالت: ما كان رسول الله يزيد) أي في الوتر (في رمضان ولا في غيره

على إحدى عشرة ركعة) فهي أكثره، ورواية أنه صلاه ثلاث عشرة محمولة على أن الراوي عد الركعتين اللتين كان يأتي بهما قبله لإزالة ما يبقي من كسل النوم معه ثم أتت على طريق الاستئناف البياني مفصلة لذلك بقولها (يصلي أربعاً) أي من الركعات (فلا تسأل عن حسنهن) لكما اشتمالهن على الآداب المطلوبة فيها وطولهن وكان ذلك أول الدخول لتوفر النشاط، كما قال الفقهاء باستحباب السورة في الأولين لذلك دون الأخيرتين مع ورود السنة بها فيهما أيضاً (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل) بالجزم (عن حسنهن وطولهن) أي أن ظهور هذين الوصفين فيهن يغني عن السؤال، وأتت بذلك لئلا يتوهم أنهم دون الأربع قبلهن كما هو العادة من غيره من الناس (ثم يصلي ثلاثاً) أي كذلك وسكتت عنه لما ذكر من استواء أحواله في حسن الصلاة وإكمالها (فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر) استفهام لبيان حكمة النوم قبله مع أن النوم ربما يغلب على النائم فيؤدي النوم قبله إلى فواته (فقال) مرشداً للفرق بينه وبين باقي الأمة (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) قال المصنف: هذا من خصائص الأنبياء، ولذا لا ينتقض وضوؤهم بالنوم، وأما نومه في قصة الوادي حتى طلعت الشمس وفات وقت الصلاة فلأن طلوع الفجر والشمس متعلق بالعين وهي نائمة لا بالقلب، وأماأمر الحدث فمتعلق بالقلب، وقيل إنه كان لا ينام قلبه تارة وينام أخرى، وصادف قصة الوادي نومه، قال المصنف: والصواب الأول اهـ. (متفق عليه) .

١٥١١٧٣ - (وعنها: أن النبي كان ينام أول الليل) أداء لكل من العين والنفس حقها منه وذلك أن الجسد يصيبه الكلال من مزاولة الأعمال (ويقوم آخره) أي في أواخره/ وتقدم في حديث أنس «أنه كان يقوم إذا صرخ الصارخ» يعني الديك وهو يقوم وقت انتصاف الليل،

وقوله (فيصلي) تنبيه على المقصود من قيامه حينئذ، وفيه تنبيه على أن أفضل القيام لمن صلى به حينئذ وبها ترتفع العقد كما تقدم. بخلاف مجرد القيام وإن اقترن به نحو ذكر فلا يحلها كلها (متفق عليه) ورواه ابن ماجه بلفظ «كان ينام أول الليل ويحيى آخره» .

١٦١١٧٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي ليلة) أي مقتدياً به في تهجده، ففيه جواز الجماعة في النفل المطلق (فلم يزل) بفتح الزاي (قائماً) أي ما برح على قيامه (حتى هممت) أي قصدت، والهم بمعنى القصد ويعدى بالباء (بأمر سوء) بالفتح نقيض المسرة مصدر وشاعت الإضافة إليه كرجل سوء ولا يقال بالضم وكما في الصحاح، وفي نسخة «بأمر سوء» على الوصف دون الإضافة. قال القسطلاني: الرواية بالإضافة كما أفهمه كلام الحافظ في «فتح الباري» (قيل وما هممت) به (قال هممت أن أجلس) وفي رواية الترمذي في «الشمائل» «أن أقعد» (وأدعه) أي بأن ينوي قطع القدوة ويتم صلاته منفرداً لا أنه يقطع صلاته كما ظنه القسطلاني وغيره، لأن ذلك لا يليق بجلالة ابن مسعود، وترك الاقتداء به والحرمان من مداومة جماعته أمر سوء، وفي الحديث تطويل الإمام لكن محله عند الشافعية عند انحصار الجمع إذا رضوا ولم يطرأ غيرهم ولم يتعلق بعينهم حق (متفق عليه) .

١٧١١٧٥ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي) أي مؤتماً به في تهجده (ذات ليلة فافتتح البقرة) أي بعد الفاتحة لا أنه افتتح بها من غير قراءة الفاتحة فإنه كان يقرؤها، وصح عنه «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وإنما يذكره الراوي اعتماداً على فهم السامع (فقلت: يركع عند المائة) بكسر الميم وفتح الهمزة وبينهما في الرسم ألف، وبعض الجهال يقوله بفتح الميم والتحتية بينهما ألف، قال الراعي: وهذا جهل كأنه قائله ما قرأ القرآن، وإنما كتبت الألف على خلاف قاعدة الخط دفعاً للالتباس بمنه الجار (ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة) أي فيركع عند تمامها (فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها) هذا ترتيب مصحف ابن مسعود، فلا يقال إن ترك ترتيب السور وقراءة الأخيرة ثم ما قبلها خلاف الأولى، ولعل الترتيب كان حينئذ كذلك، ثم أمر النبي بتقديم آل عمران، وقال المصنف: فيه دليل لمن قال إن ترتيب السور اجتهاد لا توقيف فيه، وبه قال مالك والجمهور والباقلاني وقال إنه أصح القولين مع احتمالهما. قال المصنف: ومن قال إنه توقيفي حدده كما استقر في المصحف العثماني، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير فيتناول قراءته النساء فآل عمران، على أنه كان قبل التوقيف في الترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ. قال المصنف: ولا خلاف في أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو خارج الصلاة، وأباحه آخرون وحملوا التنكيس المنهي عنه على من قرأ من آخر السورة إلى أولها، ولا خلاف أن ترتيب الآيات توقيفي اهـ. ملخصاً، وقد نقله هو عن القاضي عياض، وقوله (يقرأ مترسلاً) جملة مستأنفة أو

حالية لبيان كيفية قراءته، والترسل ترتيل الحروف وأداؤها حقها (إذ مر بآية فيها تسبيح) كقوله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلاً} (الأحزاب: ٤٢) (سبح) أي

قال سبحان الله (وإذا مر بسؤال) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} (النساء: ٣٢) وقوله: {فليستجيبوا لي} (البقرة: ١٨٦) (سأل وإذا مر بتعوذ) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى عن أم مريم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (آل عمران: ٣٦) أو طلبه كقوله تعالى:

{فإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} (الأعراف: ٢٠٠) (تعوذ) أي سأل الله العوذ من الشيطان وخالف في تعبيره بما في الشرطية الأولى وبما في الأخيرتين تفننا في التعبير. ويؤخذ من الحديث استحباب جميع ما ذكر للقارىء (ثم ركع فجعل) أي عقب تمام ركوعه وهو من أفعال الشروع أي أخذ (يقول) فيه (سبحان ربي العظيم) أي يكرره لقوله (فكان ركوعه نحواً) أي قريباً (من قيامه) أي كان زمن ركوعه قريباً من زمن قيامه، ففيه تطويل الركوع (ثم قال) أي مع رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده) أي تقبله منه (ربنا لك الحمد) قاله حال انتصابه (ثم قام) في الاعتدال من الركوع قياماً (طويلاً قريباً مما ركع) قال المصنف: فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال عن الركوع وأصحابنا يمنعونه ويبطلون به الصلاة (ثم سجد فقال: سبحان ربّي الأعلى) صح «أنه لما نزل: {فسبح بسم ربك العظيم} (الواقعة: ٧٤) ، قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى: ١٤) قال: اجعلوها في سجودكم» وحكمته أنه ورد «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً» فخصه بالأعلى: أي عن الجهات والمسافات لئلا يتوهم بالأقربية ذلك، وقيل لما كان الأعلى أفعل تفضيل وهو أبلغ من العظيم والسجود

أبلغ في التواضع فجعل الأبغ للأبلغ (فكان سجوده قريباً من قيامه. رواه مسلم) وتقدم في باب المجاهدة.

١٨١١٧٦ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سئل) بالبناء للمجهول ولم أقف على السائل (رسول الله: أي الصلاة) أي أعمالها (أفضل؟ قال: طول القنوت. رواه مسلم المراد بالقنوت القيام) قال المصنف: فيه دليل لمن فضل تطويل القيام على تطويل السجود وتكثير الركوع، وهو مذهب الشافعي وجماعة لحديث جابر هذا، ولأن ذكر القيام القراءة وذكر السجود التسبيح والقرآن أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود. وفي المسألة مذاهب أخر، قيل تطويل القيام في الليل أفضل وتكثر الركوع والسجود نهاراً أفضل، وعليه إسحاق بن راهويه، وقيل تطويل السجود وتكثير الركوع أفضل مطلقاً، وقيل إنهما سواء.

١٩١١٧٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال) مخاطباً (له) لما أمره بترك مداومة الصوم والقيام وأن يصوم ويفطر ويقوم وينام (أحب الصلاة) أي التهجد (إلى الله) أي أرضاها إليه وأكثرها ثواباً عنده (صلاة داود) عليه السلام (وأحب الصيام إلى الله) أي النفل المطلق منه (صيام داود) عليه السلام، ثم بين ذلك على طريق الاستئناف البياني أو العطف البياني بناء على مجيئه في الجمل بقوله (كان ينام نصف الليل) إعطاء للعين والجسد حقهما منه (ويقوم ثلثه) بضمتين ويخفف الثاني فيسكن: أي

يحييه بالقيام بالتهجد (وينام سدسه) إراحة للجسد مما أصابه من مرادفة الصلاة. وفيه طلب إخفاء عمل البر وستره عن الغير ليكون أقرب للإخلاص، فإن من قام ونام ما ذكر كان لم يقم لذهاب كلال ذلك السهر بالنوم، ففيه إخفاء التهجد بخلاف المستمر على السهر إلى الفجر فإنه يبدو عليه الأثر ففيه تعرّض لظهور عمله الليلي (ويصوم يوماً ويفطر يوماً) اختلف هل الصوم كما ذكر أفضل من صوم الدهر بشرطه لكل أحد أو ذلك خاص بابن عمرو؟ والجمهور على الأول وذلك لما فيه من المشقة على النفس ومن إعطاء النفس حقها، إذ يحصل لها من القوى يوم الفطر ما يجبر ما قام بها من ضعف يوم الصوم (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٢٠١١٧٨ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول) مؤكداً بمؤكدات إسمية الجملة وتصديرها بأن وتقديم خبرها والإتيان باللام، وكأن الداعي إليه استبعاد كون الليل محل التجليات لكونه جعل سكناً، ومع ذلك الاستبعاد بأن فيض الله على حسب مشيئته فيجعله فيما شاء من ليل أو نهار (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم) التقييد به لكونه جريا على الغالب من قيام الرجل حينئذ لا مفهوم له فمن وافقها من النساء المسلمات كذلك (يسأل الله خيراً) مفعول مطلق: أي سؤال خير وأضافه إليه لكونه أثره وحاصلاً عنه أو مفعول به، وفيه إيماء إلى كمال كرم الله سبحانه وتعالى من عدم الوعد بإجابة السائل شراً حينئذ من أمر الدنيا والآخرة كالعافية فيهما وحصول التوفيق في الدنيا والجنة في العقبى (إلا أعطاه إياه) ففيه حث على الدعاء في الليل وحض عليه، وأبهم الساعة في جميعه طلباً لعمارته بالتوجه للمولى وعدم الغفلة فيه بالنوم وإراحة الجسم عنه فإن التوجه بالقلب

وهو لا ينافي النوم بالعين والجوارح، ويمكن أن تكون الساعة المطلقة في هذا الخبر محمولة على ما جاء من التقييد في رواية بأنها بعد مضي الثلث من الليل، وفي أخرى أنها في الثلث الأخير، ولا منافاة بينها إما بجعل الجميع على أنها في الثلث الأخير لصدق جميع الروايات عليه، وإما بأنها تنتقل فتارة تكون قبل النصف الأخير، وأخرى في النصف الأخير قبل الثلث الأخير، وأخرى في الثلث الأخير، أو على أنه أخبر أوّلاً أنها في الثلث الأخير فأخبر به، ثم أخبر بأنها نم نصف الليل فأخبر به، ثم أخبر بأنها من الثلث الأول فأخبر به، وفيه على كل وجه إيماء إلى اتساع زمنها، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويؤيد ذلك أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي، وأشار: أي النبي بيده يقللها، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل، والله أعلم (وذلك) أي المذكور من إعطاء السائل ما سأل (كل ليلة) بالنصب ظرف والخبر

متعلقة أي كائن فيها، وفيه شرف الليل على النهار لأن التجليات الإلهية لا تختص بليلة دون ليلة بخلاف النهار فهي فيه مختصة بيوم الجمعة (رواه مسلم) ورواه أحمد. قال المصنف: في هذا الحديث إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء في سائر ساعات الليل رجاء مصادفتها اهـ.

٢١١١٧٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: إذا قام أحدكم من الليل) أي لأجل قيامه أو فيه (فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين) لإذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم فتشد الأعصاب وتقوى الأعضاء من فتورها فتتوجه بكمال نشاط لصلاة الليل (رواه مسلم) ورواه أحمد.

٢٢١١٨٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا قام من الليل) للتهجد

(افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) لإذهاب أثر النوم وليدخل الصلاة بكمال النشاط/ والفتور أثر النوم طبع البشر فلا نقص فيه كسائر العوارض والأمراض (رواه مسلم) .

٢٣١١٨١ - (وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا فاتته الصلاة من الليل) المفعولة تهجداً (من) تعليلية (وجع أو غيره) كاشتغاله بأهم منه (صلى من النهار) أي فيه (ثنتي عشرة ركعة) يحتمل أنه يأتي بها قضاء لما فاته من نافلة الليل، فيؤخذ منه ندب قضاء النفل المؤقت، ويحتمل أنه لحوز ثوابه عوضاً عما فات من صلاة الليل لا قضاء عنه وعليه جرى ابن حجر في «شرح المشكاة» (رواه مسلم) .

٢٤١١٨٢ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من نام من حزبه) بكسر المهملة وسكون الزاي. قال في «النهاية» : هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب النوبة في ورود الماء اهـ. (أو عن شيء منه) أي ولو يسيراً (فقرأه فيما) أي في وقت (بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) الظرف في محل الصفة لما، ويجوز كونها موصولة صفة لمحذوف: أي في الوقت الذي بين الوقت المذكور (كتب) بالبناء للمجهول (له كأنما قرأه من الليل) فيه استحباب تدارك النفل المؤقت، وأن ما ترك لعذر وقضى كتب بمحض الفضل كثواب المؤدي، وأتى بالكاف إيماء إلى نقص ثواب القضاء ولو لعذر عن ثواب الأداء (رواه مسلم) والحديث سبق في باب المحافظة على الأعمال.

٢٥١١٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: رحم الله) جملة خبرية لفظاً دعائية معنى عدل عنها إلى الخبرية تفاؤلاً بالإجابة كأنها حصلت وأخبر عنها بما يخبر به عن الحاصل.d وفيه مزيد حث على الإتيان بما يذكر بالدعاء لفاعله (رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته) للصلاة، فيه تعاون على البر والتقوى وإيثار اتباع الأمر الإلهي على الهوى النفساني (فإن أبت) أي امتنعت من القيام (نضح) أي رش (في وجهها الماء) ليذهب عنها النوم الغالب لها (رحم الله امرأة قامت من الليل) تتهجد (فصلت وأيقظت زوجها) للصلاة (فإن أبى) أي امتنع من أن يقوم (نضحت في وجهه الماء. رواه أبو داود بإسناد صححي) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في «المستدرك» كذا في «الجامع الصغير» ، ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله قال «ما من رجل يستيقظ من الليل فيوقظ امرأته، فإن غلبها النوم نضح في وجهها الماء، فيقومان في بيتهما فيذكران الله عزّ وجل ساعة من الليل إلا غفر لهما» وهذا الحديث مطلق يشمل ذكر الله تعالى في الصلاة وخارجها كما في الآية، والنضح بالنون والضاد المعجمة وإهمال الحاء وإعجامها، قال في «فتح الباري» : قال الأصمعي: النضح بالمعجمة أكثر منه بالمهملة، وسوّى بينهما أبو زيد، وقال ابن كيسان: بالمعجمة لما ثخن، وبالمهملة لما رق: أي من الطيب ونحوه.

٢٦١١٨٤ - (وعنه وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله: إذا أيقظ الرجل أهله) هو أعم من امرأته، وفيه فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض (من) جوف (الليل فصلياً) أي كلاهما جميعاً، فعند النسائي «فصلياً جميعاً» ففيه اقتداء

المرأة بزوجها في النافلة، وفيه مشروعية الجماعة فيها، وقال ابن رسلان: قد يقال لا دلالة في جميعا على الجماعة لصدقه على فعلهما النافلة جماعة ومنفردين (أو) شك من الراوي (صلى) أي كل منهما (ركعتين جميعاً) هكذا وقع/ ووجه الكلام فصلياً جميعاً أو صلى كل منهما منفرداً ركعتين (كتب) بالإفراد وكذا هو بخط ابن رسلان في شرحه لسنن أبي داود، وفي نسخة من «الرياض» كتباً بألف التثنية (في) جملة (الذاكرين والذاكرات) أي المذكورين في قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} (الأحزاب: ٣٥) وذكر الجلالة وكثيراً ليس في الراوية، وهذا من تفسير الكتاب بالسنة (رواه أبو داود بإسناد صحيح) قال ابن رسلان: ورواه ابن حبان في «صحيحه والحاكم» ، وهذا الحديث من جملة الحديث قبله من حيث المعنى، ولعل الإتيان به على احتمال أن الرواية أو صلى بإفراد الفعل أفاد ظاهرها ترتب ثواب الرجل لإيقاظ امرأته على إيقاظها وصلاته سواء أصلت هي أم لا، والله أعلم.

٢٧١١٨٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: إذا نعس أحدكم) قال في «المصباح» : حقيقة النعاس الوسن من غير نوم، يقال نعس ينعس من باب قتل والاسم منه النعاس، وقال الفقهاء: علامة النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهم معناه (في الصلاة) التي تقوم بها بالليل (فليرقد) ندباً (حتى يذهب عنه النوم) وذلك أن لب الصلاة الخشوع والخضوع والحضور مع الله عزّ وجل، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللب وسلامته من الكسل، وعلل الأمر بالرقاد بقوله (فإن أحدكم إذا صلى) أي دخل في الصلاة (وهو ناعس) حال من فاعل صلى (لعله يذهب يستغفر) جملة لعل واسمها وخبرها في محل الخبر لإن، قال القاضي عياض: أي يدعو (فيسبّ نفسه) بسبب غلبة النعاس وتلجلج اللسان عند إرادة النطق (متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

لِرَبِّي شُكْراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: مشروعية سجود الشكر.

وفيه: استحباب رفع اليدين في الدعاء.

وفيه: تكرير السجود بتكرر المقتضي له.

وفيه: بشارة بأن جميع المؤمنين لا يخلدون في النار.

[٢١٢- باب فضل قيام الليل]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء (٧٩) ] .

التهجُّد: الصلاة في الليل وقراءة القرآن بعد النوم.

وقوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} ، أي: واجب عليك دون الأمة، قاله، ابن عباس.

والمقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة يحمده به الأولون والآخرون.

وقال تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} [السجدة (١٦) ] الآية.

أي: يقومون لصلاة الليل وهم المتهجِّدون، وفي حديث معاذ عن ... النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] الآية.

وروى البغوي وغيره: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلَّى العشاء في جماعة، كان كمن قام نصف ليلة، ومن صلَّى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .

وقال تَعَالَى: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات (١٧) ] .

أي: كان هجوعهم قليلاً من الليل.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يَا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قومًا فقال: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، ونحن والله قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.

[١١٦٠] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ قَالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ! . متفقٌ عَلَيْهِِ.

وَعَن المُغِيرَةِ بن شُعبة نَحْوهُ متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا السؤال من عائشة عن حكمة التشمر والدأب في الطاعة، وهو مغفور له، فبين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه فعل ذلك شكرًا لله عز وجل.

[١١٦١] وعن علي - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلاً، فَقَالَ: «أَلا تُصَلِّيَانِ؟» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

«طَرَقَهُ» : أتَاهُ لَيْلاً.

وفي هذا الحديث: فضل صلاة الليل، لإيقاظه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي وفاطمة من نومهما للصلاة، واختياره لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون.

[١١٦٢] وعن سالم بن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - عن أبيِهِ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ» . قَالَ سالِم: فَكَانَ عَبدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَنامُ مِنَ اللَّيلِ إِلا قَلِيلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: له قصة، وهي أن ابن عمر قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقصونها على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول فيها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السَّنَّ وبيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء.

فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيَّ خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحدٍ منهما مقمعة من حديد يقبلا بي إلى جهنم وأنا بينهما، أدعوا الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد. فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات يمين، فقصصتها على حفصة فقصّتها حفصة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن عبد الله رجل صالح» . فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة. وفي رواية: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» .

[١١٦٣] وعن عبد الله بن عَمرو بن العاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَبدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: كراهة قطع ما يعتاده الإنسان من أعمال البر لغير عذر.

[١١٦٤] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنَيْهِ» - أَوْ قَالَ: «في أُذُنِهِ» -. متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن إهمال حق الله إنما ينشأ عن تمكن الشيطان من الإنسان، حتى يحول بينه وبين الأعمال الصالحة. قيل: كان رجل يكذب بهذا الحديث فنام حتى االفجر فقام والبول يسيل من أذنه.

[١١٦٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ، انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلا أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

«قافية الرَّأس» : آخِرُهُ.

في هذا الحديث: الحثُّ على قيام الليل، وعسف النفس حتى تذل وتخرج من وثاق الشيطان.

[١١٦٦] وعن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ: أفْشُوا السَّلامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: بشارة لمن فعل ذلك بدخول الجنة ابتداء بغير حساب ولا عذاب.

[١١٦٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

في صلاة الليل فوائد كثيرة، وخصائص في غيرها.

منها: أنه وقت السكون، والخشوع، والخضوع، مع ما فيه من البعد عن الرياء.

ومنها: نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدينا.

ومنها: تواطؤ القلب واللسان على القراءة كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل (٦) ] .

[١١٦٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «مثنى مثنى» ، أي: ركعتان، ركعتان، أي: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة، ويجوز الوصل كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.

[١١٦٩] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

[١١٧٠] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يُفْطِرَ مِنْهُ

شَيْئاً، وَكَانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيلِ مُصَلِّياً إِلا رَأيْتَهُ، وَلا نَائِماً إِلا رَأيْتَهُ. رواه البخاري.

قال الحافظ: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام.

[١١٧١] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً - تَعْنِي في اللَّيلِ - يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُنَادِي للصَلَاةِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل صلاة الليل في قيامها وركوعها وسجودها.

[١١٧٢] وعنها قالت: مَا كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ - عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثاً. فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقال: «يَا عَائِشَة، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديم التهجُّد في رمضان وفي غيره، ولكنه إذا أراد الزيادة أطال الصلاة.

وفيه: أنه لا ينبغي النوم قبل الوتر، إلا لمن وثق بالقيام.

[١١٧٣] وعنها أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ أوّلَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أن غالب أحواله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نوم أول الليل وقيام آخره.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل (١: ٤) ] .

[١١٧٤] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْر سوءٍ! قيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجِلْسَ وَأدَعَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل القيام في صلاة الليل.

[١١٧٥] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلِّي بِهَا في رَكْعَةٍ فَمَضَى، فقلتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً: إِذَا مَرَّ بآيةٍ فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ قَامَ طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: مشروعية التطويل في جميع أركان صلاة الليل،

قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر (٩) ] .

[١١٧٦] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُّ الصَّلَاةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ القُنُوتِ» . رواه مسلم.

المراد بـ «القنوتِ» : القِيام.

في هذا الحديث: دليل على فضل تطويل القيام في صلاة الليل؛ لأنه محل قراءة القرآن، ولأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطول القيام في الليل، أكثر من تطويل السجود.

[١١٧٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

كان عبد الله بن عمرو من المتعبِّدين، فأخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم ... » الحديث.

قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو، أنَّ الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه، ليستبقى بعض القوة في غيره.

قال الحافظ: وفيها: النهي عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض.

قال المهلب: كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤاله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل.

وفيه: من المصلحة، استقبال صلاة الصبح وإذكار النهار بنشاط.

[١١٧٨] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ الله تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلا أعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . رواه مسلم.

فيه: الحثُّ على ادعاء في الليل، رجاء مصادفة ساعة الإِجابة وأحرى ما تكون في النصف الأخير.

[١١٧٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» . رواه مسلم.

قيل: الحكمة في هذه الركعتين إذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم.

[١١٨٠] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رواه مسلم.

ثبتت هذه السنة بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبفعله.

[١١٨١] وعنها رضي الله عنها قالت: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِن اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشرَةَ ركْعَةً. رواه مسلم.

فيه: استحباب قضاء الفوائت من النوافل المؤقتة، وكانت صلاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل إحدى عشرة ركعة.

[١١٨٢] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فيما بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وصلاة الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

فيه: استحباب تدارك ما فات من النفل المؤقت.

[١١٨٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإنْ أبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإن أبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحثُّ على التعاون على الطاعة، وقد قال الله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه (١٣٢) ] .

[١١٨٤] وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً، كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض.

وفي: مشروعية الجماعة فيها.

[١١٨٥] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا

📚 شرح رياض الصالحين - الإمام زين الدين العراقي

[باب فضل قيام الليل]

قال الله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} وقال تعالى {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} قال المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، ثم ذكر قول الله تبارك وتعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} وسبق الكلام على هذه الآية، ثم ذكر قول الله تبارك وتعالى {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} هذا في سياق قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} فوصفهم الله عز وجل بهذه الأوصاف الجليلة: إذا ذكروا بآيات الله خروا سجدا، أي خروا سجدا فيما يتطلب السجود فلا يستكبرون عن وضع جباههم وأنوفهم على الأرض بل يتذللون لله إذا أمر بالسجود سجدوا، ويحتمل أن يكون معنى قوله: {خروا سجدا} أي: أن المراد بذلك كمال التذلل لله بالعبادة، سواء كان سجدة أو غيرها، {وسبحوا بحمد ربهم}

أي: سبحوا الله سبحانه وتعالى، وتسبيح الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، هذا هو التسبيح، سبحت الله يعني نزهته وبرأته من كل نقص وعيب، لأنه جل وعلا كامل الصفات، إذ ينتفى عنه جميع النقائص.

وقوله: {بحمد ربهم} الباء للمصاحبة، أي سبحوا الله تسبيحا مقرونا بالحمد مصاحبا به.

والحمد هو: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.

هذا معنى الحمد، حمدت الله يعني: اعتقدت أن له أوصافا كاملة، وذكرت بلساني ذلك، فإن كرر المدح صار ثناء، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي {وهم لا يستكبرون} يعني: لا يستكبرون عن عبادة الله، إذا أمرهم الله امتثلوا الأمر بذل وخضوع، وشعور بالعبودية، وشعور بكمال الألوهية والربوبية لله عز وجل.

{تتجافى} أي: تتباعد جنوبهم، عن المضاجع، أي: عن المراقد فهم يحيون الليل بالصلاة وذكر الله عز وجل، وإذا أتموا صلاتهم ختموا ذلك بالاستغفار، كما قال تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} & قال بعض السلف: هذا يدل على كمال معرفتهم بأنفسهم، يقومون

الليل، ثم يستغفرون في آخر الليل خوفا من أن يكونوا قصروا مع الله عز وجل.

{يدعون ربهم خوفا وطمعا} يدعون الله دعاء المسألة، ودعاء العبادة.

دعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر لنا، يا ربنا أغننا، يا ربنا يسر أمورنا، يا ربنا اشرح صدورنا هذا دعاء المسألة.

أما دعاء العبادة أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويصوموا رمضان ويحجوا البيت، ويبروا الوالدين، ويصلوا الأرحام إلى غير ذلك من العبادات، وكانت العبادة دعاء لأنك لو سألت العبد: لأي شيء تعبد الله؟ لقال: لنيل رضوان الله عز وجل فهو داع بلسان الحال وقد يصحبه دعاء بلسان المقال، فالصلاة مثلا فيها دعاء، يدعو الإنسان فيها بدعاء ركن في الصلاة، إذا لم تدع في الصلاة بهذا الدعاء بطلت صلاتك، في أي موضع؟ ! في الفاتحة {اهدنا الصراط المستقيم} هذا دعاء ركن في العبادة لو تركته ما صحت صلاتك، فالصلاة دعاء بلسان الحال ودعاء بلسان المقال، ولهذا قال: {يدعون ربهم} أي: يعبدونه ويسألونه.

{خوفا وطمعا} خوفا من عقابه وطمعا في ثوابه، لأنهم إن فعلوا المحرم عوقبوا، وإن تركوا المحرم وقاموا بالواجب أثيبوا، فهم خائفون طامعون، وقيل: خوفا من ذنوبهم وطمعا في فضل الله، فالإنسان إذا نظر إلى نفسه وإلى ذنوبه خاف، لأنها ذنوب أثقل من الجبال، وأكثر من الرمال نسأل الله تعالى أن يعاملنا بعفوه وإن نظر إلى سعة رحمة الله وسعة عفوه، وأن العفو أحب إليه من

العقوبة، وأنه يفرح بتوبة عبده المؤمن، أشد من أي فرح في الدنيا كلها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: لله أشد فرحا اللام هذه للابتداء، وهي للتوكيد، لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان معه راحلته عليها طعامه وشرابه فأضلت ضاعت منه في أرض فلاة ما حوله أحد، فضاعت، طلبها فلم يجدها، فيئس من الحياة، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقا بالشجرة خطام يعني: زمام فقام وأخذه وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك هو يريد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك لكن من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك , فالله جل وعلا أشد فرحا بتوبة عبده من هذا الرجل براحلته.

إذا نحن نطمع في فضل الله، ذنوبنا كثيرة عظيمة، لكن فضل الله أوسع، ورحمته أوسع، إذا كانت الصلوات الخمس تكفر ما بينها إذا لم ترتكب الكبائر فهذا فضل عظيم، فعلى كل حال، هم يدعون الله خوفا وطمعا، خوفا من عذابه، وطمعا في ثوابه، خوفا من ذنوبهم، وطمعا في فضله، كل الأوجه صحيحة.

{ومما رزقناهم ينفقون} من: للتبعيض يعني: ينفقون بعض ما رزقناهم، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يتصدق بكل ماله، ولهذا لما قال أبو لبابة يا رسول الله إني أتصدق بكل مالي.

قال: يكفيك

الثلث، تصدق بالثلث حتى إن العلماء قالوا: إذا نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، لأن هذا هو المذكور فعلى هذا تكون (من) للتبعيض، يعني: ينفقون شيئا مما رزقناهم.

وقيل: إن (من) للبيان، لبيان الجنس، فينفقون حسب الحال، قد ينفقون قليلا أو كثيرا، الثلث، أو النصف، أو الكل، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه عندما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فتصدق أبو بكر بكل ماله، وتصدق عمر بشطر ماله بالنصف قال: الآن أسبق أبا بكر، لأن الصحابة يتسابقون، ليس حسدا ولكن تسابق في الخيرات فلما جاء بنصف ماله وإذا أبو بكر قد تصدق بكل ماله، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.

قال لعمر: ما تركت؟ ‍‍‍! قال: تركت النصف، ثم قال عمر: والله لا أسابقه على شيء أبدا بعد اليوم.

لأن أبا بكر رضي الله عنه له سوابق، فضائل لا يلحقه لا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا من دونهم.

المهم أنهم ينفقون مما رزقهم الله.

فما هو الجزاء وما هي الثمرة؟ ! {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} اللهم اجعلنا منهم يا رب.

لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، وذلك في جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أتظنون أن قول الله تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} أتظنون أن النخل والرمان والفاكهة كالذي في الدنيا؟ لا والله، ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء، اسم الرمان لكن لا يمكن أن يخطر على بالك، اسم النخل لكن لا يخطر على بالك، اسم الفاكهة لكن ما تخطر على بالك: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء الأبرار الكرام البررة إنه على كل شيء قدير.

قال تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون}

١١٦٠ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا

[الشَّرْحُ]

قال المؤلف في كتابه رياض الصالحين باب فضل قيام الليل، وذكر آيات ثلاثا، تكلمنا عن اثنتين منها، فهذه هي الثالثة، وهي قوله تعالى: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون هذه من

أوصاف المتقين الذين أعد الله لهم الجنات والعيون، من أوصافهم أنهم كانوا لا يهجعون من الليل إلا قليلا، وذلك أنهم يشتغلون بالقيام والتهجد وقراءة القرآن وغير ذلك.

قال الله تعالى: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} فكانوا يقومون من الليل، ثم إذا فرغوا من القيام رأوا أنهم مقصرون، فجعلوا يستغفرون الله عز وجل، وبالأسحار يستغفرون.

وقال تعالى في سورة آل عمران: {والمستغفرين بالأسحار} أي في آخر الليل.

ثم ذكر الأحاديث في ذلك، ومنها حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل ويطيل القيام حتى تتفطر قدماه، لأن الدم ينزل فيها، فتتفطر، فقيل: كيف تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأعمال من شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، فدل ذلك على أن الشكر هو القيام بطاعة المنعم، وليس الإنسان إذا قال: أشكر الله.

هذا شكر باللسان، ولكن لا يكفي، لابد من الشكر بالجوارح والقيام بطاعة الله عز وجل، وفي هذا دليل على تحمل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعبادة ومحبته لها، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل ذلك إلا لمحبة شديدة، ولهذا قال: جعلت قرة عيني في الصلاة فالصلاة أحب الأعمال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد قام معه من الليل من أصحابه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قام معه ذات ليلة فأطال

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القيام قال عبد الله: حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

وهو شاب، أقل سنا من الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك عجز أن يكون كالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولكن لو قال قائل: هل الأفضل في قراءة الليل أن أطيل القيام، أو أن أطيل السجود والركوع؟ قلنا: انظر ما هو أصلح لقلبك، قد يكون الإنسان في حال السجود أخشع وأحضر قلبا، وقد يكون في حال القيام يقرأ القرآن ويتدبر القرآن، ويحصل له لطائف من كتاب الله عز وجل ما لا يحصل له في حال السجود، ولكن الأفضل أن يجعل صلاته متناسبة إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا قصر القيام قصر الركوع والسجود، حتى تكون متناسبة كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.

١١٦٤ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليلة حتى أصبح، قال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه، أو قال: في أذنه

متفق عليه.

١١٦٧ - وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

[الشَّرْحُ]

نقل المؤلف النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في باب فضل قيام الليل عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس أفشوا السلام.

اعلم أن خطاب الشرع إذا صدر بالنداء، دل ذلك على أهمية هذا الخطاب، لأن النداء يوجب تنبه المخاطب، فإنه فرق بين أن تقول الكلام مرسلا وبين أن تنادي من تخاطب، فالثاني يكون أبلغ في التنبيه والانتباه.

يقول: يا أيها الناس أفشوا السلام يعني: أظهروا وأعلنوا وأكثروا من السلام، والسلام يخاطب به المسلم والسلم عليه، فإن المسلم ينبغي له أن يسلم كل من لاقاه ممن يستحق أن يسلم عليه، سواء عرفه، أو لم يعرفه.

والذي يستحق أن يسلم عليه هو المسلم الذي لا يحل هجره، أمام الكافر فلا تبدأه بالسلام سواء كان كافرا لا ينتسب للإسلام، أو كان كافرا

ينتسب للإسلام لكنه على بدعة مكفرة، فهذا لا تسلم عليه، لأنه لا يستحق، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام.

وينبغي للمسلم أن يرفع صوته حتى يسمع، وألا يسلم بأنفه، لأن بعض الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يكون عنده كبرياء أو عنده جفاء، فإذا لاقاك سلم عليك بأنفه، لا تكاد تسمعه، هذا خلاف إفشاء السلام.

فإفشاء السلام أن ترفع صوتك وتجهر به: السلام عليك.

قال العلماء: إلا إذا سلم على قوم أيقاظ بينهم نيام، فلا ينبغي أن يرفع صوته رفعا يستيقظ به النيام، لأن هذا يؤذي النائمين.

ثم إن الصيغة المستحبة أن تقول السلام عليك إن كان المسلم عليه واحدا، وإن كانوا جماعة رجال تقول: السلام عليكم، وإن كانوا جماعة نساء تقول السلام عليكن، حسب المخاطب، ثم إنك إذا قلت: السلام عليك أو عليكم أو عليكن، فإنك تشعر أنك تدعو لهم بالسلامة، السلام عليكم ليست مجرد تحية، دعاء بالسلامة، كأن الله يسلم من كل الآفات من آفات الذنوب وآفات القلوب وآفات الأجسام وآفات الأعراض من كل آفة، ولهذا لو قلت: أهلا ومرحبا، بدل السلام، ما أجزأك، لأن أهلا ومرحبا ما فيها دعاء، فيها صحيح: تحية، تهنئة، ولكنها ليست فيها دعاء.

فالسلام المشروع أن تقول: السلام عليكم.

أما المسلم عليه فالواجب عليه أن يرد كما سلم عليه، هذا أمر واجب لقول الله تعالى: وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها فإذا قال السلام عليكم.

فقلت: أهلا ومرحبا أبا فلان، حياك الله سررنا بمجيئك..

تفضل..

كل هذه الكلمات لا تجزئ عن كلمة واحدة ما هي؟ عليك السلام.

لابد أن تقول عليك السلام، فإن لم تفعل فأنت آثم عليك وزر، لأنك تركت واجبا، فحيوا بأحسن منها أو ردوها.

كذلك أيضا إذا سلم عليك بصوت مرتفع بين واضح، لا ترد عليه السلام بأنفك، هذا لا يجوز لأنك لم ترد بمثلها ولا بأحسن منها، فقوله تعالى: {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} يشمل الصيغة، وصفة الأداء.

كذلك قال عليه الصلاة والسلام: أطعموا الطعام لمن يطعم الطعام؟ لمن يحتاج إليه، إطعامك أهلك من الزوجات والأولاد بنين أو بنات ومن في بيتك أفضل ما يكون، أفضل من أن تتصدق على مسكين، لأن إطعامك أهلك قيام بواجب، والقيام بالواجب أفضل من القيام

بالتطوع لقول الله تعالى في الحديث القدسي: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه فإطعام الطعام لأهلك أفضل من إطعام المسكين، لأن الأول واجب وهذا تطوع، فمن أطعم الطعام أهله ولم يقصر بشيء وقام بالواجب فقد أطعم الطعام، وما فضل فتصدق به فهو خير.

وصلوا بالليل والناس نيام اللهم اجعلنا من هؤلاء ربما كان أحسن وألذ النوم ما كان من بعد منتصف الليل إلى الفجر، فإذا قام الإنسان في هذا الوقت لله عز وجل يتهجد، يتقرب إليه بكلامه وبدعاء خاشع بين يديه، والناس نائمون فهذا من أفضل الأعمال.

(صلوا بالليل والناس نيام) وهذا محل الشاهد من هذا الحديث، أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الصلاة بالليل من أسباب دخول الجنة، والثواب قال: تدخلوا الجنة بسلام تسلم عليك الملائكة {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم} يهنئونهم بما صبروا وبهذا الثواب العظيم.

و (تدخلوا الجنة بسلام) ظاهره أنه بلا عقاب ولا عذاب لأن من عذب لم يسلم.

فهذه الأمور الثلاثة في هذا الحديث من أسباب دخول الجنة بسلام،

نسأل الله تعالى أن يعينني وإياكم عليها، وأن يجعلنا ممن يدخلون الجنة بسلام، إنه على كل شيء قدير.

١١٦٧ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.

رواه مسلم.

١١٦٨ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة.

متفق عليه.

١١٦٩ - وعنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة.

متفق عليه.

١١٧٠ - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته، ولا نائما إلا رأيته.

رواه البخاري.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان فضل صلاة الليل.

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم صيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، وهو واجب بالإجماع، وشهر المحرم أفضل الشهور التي يتطوع بها بالصوم، وعلى هذا فيكون صوم شهر المحرم من الصيام المستحب، لأنه أفضل الصيام بعد الفريضة.

وأما الشاهد من هذا الحديث وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل هذا هو الشاهد، صلاة الليل أفضل من صلاة النهار، ما عدا الرواتب التابعة للمكتوبات فإنها أفضل من النفل المطلق في الليل، فمثلا راتبة الظهر أربع ركعات بسلامين قبلها وركعتان بعدها، أفضل من ست في الليل، لأنه راتبة مؤكدة، تابعة للفريضة، وأما النفل المطلق ففي الليل أفضل من النهار، ولهذا قال: أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل.

أما حديث ابن عمر الأول والثاني، ففيه دليل على أن صلاة الليل تكون مثنى مثنى، لا يمكن أن تصلي أربعا، بل لابد من اثنين ويسلم، اثنين ويسلم، قال الإمام أحمد رحمه الله: فإن قام إلى الثالثة ناسيا فهو كما لو قام إلى ثالثة في الفجر.

يعني: فيجب عليه أن يرجع فإن لم يفعل بطلت صلاته يعني لو كنت تصلي بالليل على ركعتين ركعتين، فقمت إلى الثالثة ناسيا، وجب عليك أن ترجع حتى لو بدأت في قراءة الفاتحة، يجب أن ترجع فإن لم تفعل بطلت صلاتك، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صلاة الليل مثنى مثنى يعني على ثنتين ثنتين، إلا أنه استثنى من ذلك الوتر، إذا أوتر بثلاث

أو خمس أو سبع أو تسع، فإذا أوتر بثلاث فإن شاء سلم من الركعتين الأوليين وأتى بالثالثة وحدها، وإن شاء جمع الثلاث جميعا بسلام واحد.

وإن أوتر بخمس سردها كلها بسلام واحد وتشهد واحد، وإن أوتر بسبع كذلك، كلها بسلام واحد، وإن أوتر بتسع كذلك، إلا أنه في الثامنة يجلس ويتشهد ولا يسلم ثم يأتي بالتاسعة ويسلم وإن أوتر بإحدى عشرة سلم من كل ركعتين كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث ابن عمر الأول والثاني دليل أن الوتر لا يكون بعد طلوع الفجر، إذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر، فإن غلبه النوم ولم يوتر قبل طلوع الفجر صلى من النهار، لكن يصلي شفعا، فإن كان من عادته أن يوتر بثلاث صلى أربعا، وإن كان من عادته أن يوتر بخمس صلى ستا..

..

وهلم جرا.

فهذه الأحاديث في فضل صلاة الليل وفي كيفية صلاة الليل، وأنها مثنى مثنى.

أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ففيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أحيانا يديم العمل الصالح، حتى لا تراه إلا على هذا العمل، كان لا تراه قائما إلى رأيته، ولا تراه نائما إلا رأيته، وكذلك في الصوم، لا تراه صائما إلا رأيته، ولا تراه مفطرا إلا رأيته.

يعني أنه عليه الصلاة والسلام يتبع ما هو أصلح وأنفع، أحيانا يديم الصوم، أحيانا يديم الفطر، أحيانا يديم النوم، لأنه عليه الصلاة والسلام يتبع ما

هو الأفضل والأرضى لله وما هو الأريح لبدنه، لأن الإنسان له حق على نفسه كما قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن لنفسك عليك حقا والله الموفق

١١٧١ - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة تعني في الليل يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المنادي للصلاة رواه البخاري..

١١٧٢ - وعنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا.

فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي متفق عليه.

١١٧٣ - وعنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام أول الليل، ويقوم آخره فيصلي.

متفق عليه.

١١٧٤ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء.

قيل: ما هممت؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه.

متفق عليه.

١١٧٥ - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم قام طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث في بيان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل.

منها: حديث عائشة الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة وقد بين ذلك في أحاديث أخرى، أنه يسلم من ركعتين ثم

ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعة، يعني: يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من اثنتين، ويوتر بواحدة، ثم كان صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين قبل الغداة، يعني إذا أذن الفجر صلى ركعتين، وكان يخفف هاتين الركعتين حتى تقول عائشة أقرأ بأم القرآن؟ لشدة تخفيفه لهما، ثم يضطجع على جنبه الأيمن حتى يأتيه المؤذن يؤذنه بالصلاة صلى الله عليه وسلم ففي هذا دليل على أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة يوتر بواحدة، ودليل على أنه ينبغي أن يصلي الإنسان الراتبة في بيته أفضل من المسجد، لاسيما الإمام، وفيه أيضا أن الإمام لا يخرج من بيته إلا للإقامة، يبقى في بيته حتى يأتي وقت الإقامة، فيخرج إلى المسجد ويصلي، هذا هو الأفضل أفضل من أن يتقدم الإمام ويصلي بالمسجد أما غير الإمام فينتظر الإمام، والإمام ينتظره غيره، فلذلك كان الأفضل في حقه أن يتأخر إلى قرب إقامة الصلاة، إن لم يكن لهذا سبب أو في تقدمه مصلحة مثل أن يكون تقدمه يشجع المصلين فيتقدمون، ولو تأخر لكسلوا، فهذا أيضا للمصلحة.

وفي حديثها الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، لأنها سئلت كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قالت: كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا هذه أربع وأربع وثلاث: إحدى عشرة، هذا هو السنة وهو الأفضل ألا يزيد في صلاة الليل على إحدى عشرة

ركعة أو ثلاث عشرة ركعة.

وقولها رضي الله عنها: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.

قد ظن بعض الناس أنها أربع مجموعة بسلام واحد، وهذا خطأ لأنه قد جاء مفصلا مبينا أنها أربع ركعات، يسلم من كل ركعتين وأربع ركعات يسلم من كل ركعتين وثلاث ركعات، فيكون قولها: أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي..

..

يكون فيه دليل على أنه إذا صلى الأربع بسلام استراح قليلا لقلوها: ثم يصلي وثم للترتيب في المهلة ثم يصلي الأربع على ركعتين ثم يسلم.

وأنا أشير في هذه المسألة أنه ينبغي للإنسان ألا يتعجل في فهم النصوص، بل يجمع شواردها حتى يضم بعضها إلى بعض ليتبين له الأمر، فبعض الإخوان الذين بدءوا يتعلمون ولاسيما علم الحديث، صاروا يصلون بالناس أربع ركعات جميعا، وهذا غلط، غلط على السنة، وفهم خاطئ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى لا يمكن أن يصلي أربعا، ممكن أن يصلي خمسا جميعا، وسبعا جميعا، وتسعا جميعا.

أما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بابه مفتوح، بيته بيت للأمة، للصحابة، يأتي الواحد منهم يحب أن يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، لا يقول له لا تصل معي، صل في بيتك، لا بل يفتح له صدره، ويدخل البيت ويصلي معه.

وكان ابن

مسعود رضي الله عنه من الذين يخدمون الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب السواك، ينظف سواك الرسول، وصاحب الوساد وساده وصاحب النعل.

فكان يدخل على الرسول ويصلي معه، فدخل فصلى معه ذات ليلة فلما دخل في الصلاة أطال النبي صلى الله عليه وسلم القيام، يقول: حتى هممت بأمر سوء، قيل: بماذا هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، وهو شاب، والرسول صلى الله عليه وسلم أسن منه، ومع ذلك كان يقف ويطيل حتى يعجز الشباب عن قيامه عليه الصلاة والسلام.

وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكنه يصلي صلى الله عليه وسلم شكرا لله عز وجل، كما قال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا.

والمرة الثانية صلى معه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فبدأ بسورة البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ولكنه مضى، فقلت: يركع بها، ولكنه أتمها ثم بدأ بسورة النساء، فأتمها، ثم بدأ بسورة آل عمران فأتمها، يرتل عليه الصلاة والسلام، يرتل القرآن، وهذه السور الثلاث تمثل خمسة أجزاء وربع.

بالترتيل كم تستغرق من وقت؟ ! والنبي صلى الله عليه وسلم واقف لا يمر بآية رحمة إلا سأل، ولا آية تسبيح إلا سبح، ولا آية وعيد إلا تعوذ فيجمع بين القراءة والذكر والدعاء صلى الله عليه وسلم، مع هذا الطول العظيم، ثم ركع، فكيف كان ركوعه؟ ! كان ركوعه نحوا من قيامه، أطال الركوع ثم رفع قائلا: سمع الله لمن حمده،

وكان قيامه نحوا من ركوعه، ثم سجد، فكان سجوده نحوا من قيامه، وهكذا صلاته كانت متناسبة، وإذا أطال في القراءة أطال في الركوع والسجود، يقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، ويقول في السجود: سبحان ربي الأعلى، ويقول أيضا إضافة إلى ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي.

ويقول أيضا: سبوح قدوس رب الملائكة والروح.

فالصلاة روضة من رياض العبادات، فيها من كل زوج بهيج، قرآن وذكر ودعاء وتسبيح وتكبير وتعوذ، ولهذا كانت هي أفضل العبادات البدنية، أفضل من الصيام، وأفضل من الزكاة، وأفضل من الحج، وأفضل من كل العبادات، إلا التوحيد، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله , لأن هذا هو مفتاح الإسلام.

فالحاصل أن هذه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فاحرص أخي المسلم، أسأل الله أن يعينني وإياك على اتباعه ظاهرا وباطنا، وأن يتوفانا على ملته ويحشرنا في زمرته، ويدخلنا معه جنات النعيم.

١١٧٦ - وعن جابر رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت رواه مسلم.

المارد بالقنوت: القيام..

١١٧٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يوما ويفطر يوما متفق عليه..

١١٧٨ - وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن في الليل لساعة، لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله تعالى خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه الأحاديث ساقها الإمام النووي في باب فضل صلاة الليل، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت والمراد بطول القنوت أي طول الخشوع لله عز وجل والقيام والركوع والسجود.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله أيهما أفضل: طول القراءة مع تخفيف الركوع والسجود، أو الأفضل تقصير القراءة والركوع والسجود؟ بمعنى هل الأفضل أن تقصر الركعات مع كثرة العدد، أو أن تطيل

الركعات مع قلة العدد، والصواب أن الأفضل في ذلك أن تكون الصلاة متناسبة، وقد سبق معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل ركوعه نحوا من قيامه، وسجوده نحوا من قيامه، أي قريبا منه، وذكر رحمه الله من ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود أما صلاته، يعني النافلة، صلاة الليل، فإنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، فيقسم الليل ثلاثة أقسام، النصف الأول للنوم، ثم الثلث للقيام، ثم السدس للنوم، لأن هذا فيه راحة البدن، فإن الإنسان إذا نام نصف الليل أخذ حظا كبيرا من النوم، فإذا قام الثلث ثم نام السدس فإن التعب الذي حصل له في القيام يذهب بالنوم الذي في آخر الليل، ولكن مع هذا، إذا قام الإنسان في أي ساعة من الليل فإنه يرجى له أن ينال الثواب، هذا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم هو الأحب إلى الله والأفضل، لكن يكفي أن تقوم الثلث الأخير أو الثلث الأوسط أو النصف الأول، حسب ما تيسر لك؟ قالت عائشة رضي الله عنها: من كل الليل أوتر النبي صلى الله عليه وسلم من أول الليل ووسطه وآخره.

فالأمر في هذا ولله الحمد واسع.

ثم ذكر الحديث الثالث: إن في الليل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يدعو الله تعالى بخير إلا أعطاه إياه.

وهذه الساعة غير معلومة بعينها، يعني: الله أعلم.

لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا بهذا من أجل أن نجتهد، وأن نتحرى قدر الله عز وجل،

وهذه الساعة كساعة يوم الجمعة مبهمة، وإن كانت ساعة يوم الجمعة أرجى ما يكون إذا حضر الإمام يعني الخطيب إلى أن تقضى الصلاة.

والله الموفق

١١٨١ - وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة.

رواه مسلم..

١١٨٢ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل رواه مسلم.

١١٨٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء , رواه أبو داود.

بإسناد صحيح.

١١٨٤ - وعنه وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا، كتبا في الذاكرين والذاكرات رواه أبو داود بإسناد صحيح.

١١٨٥ - وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه.

متفق عليه.

١١٨٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع.

رواه مسلم.

[الشَّرْحُ]

هذه بقية الأحاديث التي نقلها النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين في: باب فضل صلاة الليل، وتدل على أمور، الأمر الأول أن الإنسان إذا فاته قيام الليل فإنه يقضيه من النهار، ولكنه لا يوتر، لأن الوتر تختم به صلاة الليل وقد انتهت كما دل على

ذلك حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا غلبه وجع أو غيره، يعني كالنوم فلم يصل في الليل، صلى في النهار ثنتي عشرة ركعة، لأنه عليه الصلاة والسلام، كان يواظب في أكثر أحيانه على إحدى عشرة ركعة، فكان يقضي ما هو الأكمل والأكثر، يقضي ثنتي عشرة ركعة، وعلى هذا فإذا كان من عادة الإنسان أنه يوتر بثلاث، ولم يقم، فإنه يقضي بالنهار أربعا، ولا يقضي ثلاثا، وإذا كان من عادته أن يوتر بخمس يقضي ستا وهلم جرا، ولكن متي يقضي؟ يقضيه فيما بين طلوع الشمس وارتفاعها إلى زوال الشمس، كما يدل على ذلك حديث عمر رضي الله عنه فيمن فاته ورده أو حزبه في الليل، أو شيء منه، أنه يقضيه في النهار بالضحى، فيقضي ذلك في الضحى، فإن نسي ولم يتذكر إلا بعد الظهر قضاه بعد الظهر، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.

ومما دلت عليه هذه الأحاديث أن الإنسان إذا غلبه النوم وجاءه النعاس وهو يصلي فلا يصلي، وذلك لأنه ربما يذهب يستغفر لنفسه فيسب نفسه لأنه ينعس، وأيضا ربما يستعجم القرآن على لسانه، فيتكلم بالكلمة من القرآن على غير وجهها فيحرف القرآن، فأنت إذا كان من عادتك أن تصلي بالليل وجاءك النوم، فلا تجهد نفسك، نم حتى يزول عنك النعاس

ثم استأنف القيام، فإن طلع الفجر فاقض الوتر في الضحى ولكن شفعا.

ومما تدل عليه هذه الأحاديث أنه ينبغي للإنسان إذا كان له أهل وقام من الليل أن يوقظ أهله، لكن حسن نشاط الأهل، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل فإذا لم يبق إلا الوتر أيقظ عائشة فأوترت، يعني ليس من اللازم أن توقظ أهلك معك، قد يكون أهلك ليسوا مثلك في النشاط البدني أو في النشاط النفسي، فلا توقظهم معك، ليس بلازم إلا إذا رأيت أنهم يرغبون، ولكن لا تنسهم من آخر الليل، يقومون ولو للوتر، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يقوم الليل ويصوم النهار ويعبد ربه حق عبادته.

📚 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين - الإمام محمد بن علاء الدين الشبراملسي

٢١٢ - باب فضل قيام الليل

أي التهجد فيه.

(قال الله تعالى) : ( {ومن الليل} ) أي بعضه ( {فتهجد به} ) أترك الهجود والتهجد ترك الهجود للصلاة كالتأثم والتحرج ( {نافلة لك} ) فإنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فجمع نوافله زيادة في رفع درجته أو معناه: فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة. وعن كثير من السلف أن التهجد كان واجباً عليه، ونصبها بالعلية أو بتقدير فرضها فريضة، أو حال من مضير به ( {عسى أن يبعثك ربك مقاماً} ) أي في مقام أو تقديره فيقيمك مقاماً ( {محموداً} ) وهو مقام الشفاعة لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون. وفي الآية إيماء إلى أن ارتقاء المقامات المحمودة من نتائج قيام الليل فإن للوارث مشرباً من بحار مورثه.

(وقال تعالى) : ( {تتجافى} ) ترتفع وتتنحى ( {جنوبهم عن المضاجع} ) أي الفرش ومواضع النوم ( {يدعون ربهم} ) داعين ( {خوفاً} ) من عقابه ( {وطمعاً} ) في ثوابه ( {ومما رزقناهم ينفقون} ) في مصارف الخير، والمراد التهجد وقيام الليل، وفي الأحاديث الصحيحة ما يدل عليه وهو المناسب لسياق المصنف، وقال آخرون: هو صلاة العشاء والصبح في جماعة. وقال آخرون هو صلاة الأوابين بين العشاءين، وعن بعض: هو انتظار صلاة العتمة.

(وقال تعالى) في مدح المحسنين ( {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} ) ينامون، وما زائدة، ويهجعون خبر كان، وقليلاً إما ظرف: أي زماناً قليلاً، ومن الليل إما صفة أو متعلق بيهجعون وإما مفعول مطلق: أي هجوعاً قليلاً، ولو جعلت ما مصدرية فما يهجعون فاعل قليلاً، ومن الليل بيان أو حال من المصدر. وأما جعلها نافية: أي الهجوع في قليل من الليل منتف بمعنى أن عادتهم إحياء

جميع أجزاء الليل فلا نوم لهم أصلاً، وأن عادتهم التهجد في جميع الليالي فلا يمكن أن يناموا جميع ليل واحد، فجائز عند من يجوز عمل ما بعد ما النافية فيما قبلها إذا كان ظرفاً، ذكره الصفوي في «جامع البيان» .

١١١٦٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي يقوم من الليل) أي بعضه ولم يستوف ليلة بالقيام تخفيفاً على أمته (حتى تتفطر) بفتح الفاء والمهملة: أي تتشقق وفي نسخة تنفطر بالنون الساكنة فالفاء (قدماه) وهذا غاية لما دل عليه ما قبله: أي دأب في الطاعة إلى تفطر قدميه من طول القيام واعتماده عليها (فقلت له لم تصنع هذا) سؤال عن حكمة الدأب والتشمير في الطاعة (يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) أتت به طبق الآية المكنى بها عن رفعة شأنه وعلو مكانه، لا أن هناك ذنباً فيغفر لوجوب العصمة له كسائر الأنبياء (قال: أفلا أكون عبداً شكوراً) أي أأترك صلاتي لأجل مغفرته فلا أكون عبداً شكوراً؟ فالفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة كما جرى عليه «الكشاف» ، ظن السائل أن سبب تحمل مشاق الطاعة خوف الذنب، أو رجاء العفو فبين أن له سبباً آخر هو أعلى وأكمل وهو الشكر على التأهل لها مع المغفرة وإجزال النعمة والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن أدام بذل الجهد في ذلك كان شكوراً وقليل ما هم، ولم يوف أحد بعلي هذا المنصب إلا الأنبياء وأعلاهم فيه نبينا، وإنما ألزموا أنفسهم الجهد في العبادة لكمال علمهم بعظيم نعمة ربهم من غير سابقة استحقاق (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب المجاهدة.

(وعن المغيرة) ابن شعبة (نحوه) ولفظه «إن كان رسول الله ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً (متفق عليه) رواه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بنحوه، ورواه الترمذي في «الشمائل» بلفظ «صلى رسول الله حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من

ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟» والحديث تقدم في باب المجاهدة.

٣١١٦١ - (وعن علي رضي الله عنه: أن النبي طرقه وفاطمة) بالنصب عطف على الضمير المنصوب (ليلة) الإتيان به على تجريد الطروق عن جزء معناه الآتي وإرادة مطلق الإتيان، ونحو قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً} (الإسراء: ١) بناء على أن الإسراء السير ليلاً وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإتيان (فقال ألا تصليان) ألا أداة عرض، واقتصر عليه المصنف لأنّه مقصود الترجمة لما فيه من طلب القيام حينئذ من عليّ وفاطمة، ووصوله إليهما إيقاظاً لهما من نومهما، أو تنبيهاً على عظم الصلاة حينئذ وفضلها. قال ابن جرير: لولا ما علم النبي من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكنا، لكنه اختار لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون، وسكت عما أجاب به على رضي الله عنه وما قاله النبيّ لعدم تعلقه بغرض الترجمة (متفق عليه. طرقه: أتاه ليلاً) .

٤١١٦٢ - (وعن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب) القرشي العدوي أبي عمر أو أبي عبد الله المدني أحد فقهاء المدينة السبعة، كان ثبتاً عابداً فاضلاً، وكان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار التابعين مات آخر سنة ست ومائة على الصحيح كذا في التقريب للحافظ وفي قوله (رضي الله عنهم) تغليب لأبيه وجده الصحابيين عليه. (عن أبيه أن النبيّ) هو مرسل صحابي لأنه يرويه عن أخته حفصة عن النبيّ أنه (قال) لما عرضت عليه حفصة ما رآه ابن عمر من المنام المذكور في «الصحيحين» (نعم الرجل عبد الله) قال

القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله ما هو محمود لأنه عرض على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك وذلك لصلاحه، وفيه جواز الثناء على من أمن عليه الإعجاب (لو كان يصلي من الليل) قال البرماوي: لو للتمني لا شرطية، قال المهلب: إنما فسرها بقيام الليل لأنه لم ير شيئاً منه يغفل عنه من الفرائض فيذكر بالنار وعلم مبيته في المسجد فعبر ذلك بأنه منبه على قيام الليل. وفي الحديث إيماء إلى أن قيام الليل ينجي من النار، وفيه تمني الخير (قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك) أي التمني الصادر من رسول الله (لا ينام الليل) أي بعضه (إلا قليلاً) أي إلا بعضا قليلاً أو إلا نوماً قليلاً. ففيه إيماء لاستغراق قلبه بالتوجه للخدمة وإن نامت عينه فلا يستغرق قلبه فيه (متفق عليه) والحديث أخرجه أحمد.

٥١١٦٣ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله) مخاطباً له (يا عبد الله لا تكن مثل فلان) أي لا تماثله وتشابهه فيما بينه بقوله (كان يقوم الليل) هو كناية عن التهجد فيه/ وفي البخاري «من الليل» بزيادة من (فترك قيام الليل) ففيه ذم قطع ما يعتاده الإنسان من عمل البر ولذا أمر الإنسان ألا يفعل من البر إلا ما يطيق إدامته، والحديث تقدم في باب المحافظة على الأعمال (متفق عليه) .

٦١١٦٤ - (وعن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه قال ذكر) بالبناء للمجهول (عند

النبي رجل) حذف الذاكر وأبهم المذكور ستراً على كل، ففيه أن من الأدب الستر في مثل ذلك (نام ليله) بالإضافة إلى الضمير (حتى أصبح) أي لم يقم فيه للتهجد (فقال: ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) بالتثنية (أو) شك من الراوي هل قاله بالتثنية (أو قال) أي النبي في (أذنه) بالإفراد. واختلف في معناه فقال قوم: هو على ظاهره وحقيقته لأن الشيطان ممن يبول، ولا يلزم من بوله رؤية البول ولونه فيها إذ اللفظ محتمل لكون في أذنيه ظرفاً للبول وكونه ظرفاً للشيطان، وأصل الطهارة محقق فلا يجب التطهر ما لم يتحقق التنجيس. قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي في العهود المحمدية: ولقد رأيت عياناً إنساناً من أهل الزاوية نام حتى الفجر، فقام والبول يسيل من أذنه، قال: وكان يكذب بذلك، فينبغي الإيمان به وبما شاكله، وقيل إنه كناية أو استعارة عن كمال استهانة الشيطان به وتمكنه تمكن قاضي الحاجة من محل قضائها، وقيل معناه أفسده يقال بال في كذا: أي أفسده، وقيل استخف به واحتقره، يقال لمن استخف بإنسان وخدعه بال في أذنه، وأصل ذلك في دابة تفعل ذلك بالأسد إذلالاً له، وقيل معناه: ظهر عليه وسخر منه (متفق عليه) وفيه أن إهمال حق الله تعالى إنما ينشأ عن تمكن عدو الله في ذلك الإنسان حتى يحول بينه وبين القيام بحق الله سبحانه.

٧١١٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: يعقد الشيطان) أي إبليس أو أحد أولاده (على قافية رأس أحدكم) قيل العقد كناية عن تثقيله بالنوم وتثبيطه، وقيل مجاز عن تثبيطه عن قيام الليل قال في النهاية: المراد منه تثقيله في النوم وإطالته كأنه شد عليه شداداً وعقد عقداً، وقيل على ظاهره فعند ابن ماجه يعقد في حبل وهو من باب عقد السواحر النفاثات في العقد وذلك بأن يأخذن خيطاً فيعقدن عليه عقدة منه ويتكلمن عليه بالسحر فيتأثر المسحور بمرض أو تحريك فلب أو نحوه. وقال المصنف: هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام، فهو قول يقوله فيؤثر في تثبيط النائم كتأثير

السحر، ويحتمل أن يكون فعلاً يفعله كفعل النفاثات في العقد، وقيل هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوسه ويحدثه بأن عليك ليلاً طويلاً فيتأخر عن القيام (إذا هو نام) أي تلبس به أو إذا أراده (ثلاث عقد) قال البيضاوي: الثلاث إما للتأكيد وإما لحل كل منها بواحد من الذكر والوضوء والصلاة، قال: وتخصيص القفا لأنه محل الواهمة ومجال تصرفها وهي أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته (يضرب على كل عقدة) أي عندها كما في رواية (عيك ليل طويل) مبتدأ وخبر مقدم، أو فاعل لفعل محذوف: أي بقي عليك ليل، قال المصنف: هو في معظم نسخ بلادنا: أي من مسلم، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين «عليك ليلاً طويلاً» بالنصب على الإغراء، ورواه بعضهم «عليك ليل طويل» بالرفع: أي بقي عليك ليل طويل اهـ. قال البرماوي: هو أولى وأمكن في المعنى من حيث إنه يخبره عن طول الليل ثم يأمره فيقول له (فارقد) فإذا كان إغراء كان أمراً بملازمة طول الرقاد فلا يبقى لهذا الأمر كبير فائدة، والجملة مقول قول محذوف: أي قائلاً هذا الكلام، قال ابن بطال: هو تفسير لمعنى العقد كأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ اهـ. والظاهر أنه يقول ذلك عند نومه ليحمله على الاستغراق في النوم وعدم القلق فيه

فيفوته القيام (فإن استيقظ فذكر الله تعالى) بأي ذكر من الأذكار (انحلت عقدة) بالتنوين (فإن توضأ انحلت عقدة) أي ثانية، وفي رواية لمسلم «فإن توضأ انحلت عقدتان» قال المصنف: معناه تمام عقدتين: أي انحلت عقدة ثانية وتم بها عقدتان وهو بمعنى قوله تعالى: {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} () إلى قوله

{في أربعة أيام} (فصلت: ٩، ١٠) أي في تمام أربعة أيام، ومعناه في يومين آخرين تمت الجملة بهما أربعة أيام، ومثله في الحديث الصحيح «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فقيراطان» هذا لفظ إحدى روايات مسلم، ورواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة بمعناه، والمراد فله قيراط بالأول أي يحصل له بالصلاة قيراط، وبالاتباع قيراط: أي تتم به الجملة قيراطان، ومثله حديث مسلم «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله» اهـ. ملخصاً (فإن صلى) أي ولو ركعة أو أقل ما يعتاد وهو ركعتان كل محتمل (انحلت عقدة) روى بالإفراد كما قبله وبالجمع، قال البرماوي: ويؤيده رواية البخاري في بدء الخلق «عقده كلها» (فأصبح نشيطاً) لسروره بما وفقه الله (طيب النفس) لما بارك الله له في نفسه من

هذا التصرف الحسن (وإلا) أي وإن لم يأت بما ذكر من الأمور الثلاثة (أصبح خبيث النفس) أي بتركه ما كان اعتاده أو نواه من فعل الخير، ولا يعارض هذا الحديث «لا يقل أحدكم خبثت نفسي» لأن النهي لمن يقول ذلك عن نفسه، وهنا إنما أخبر عن غيره بأنه كذلك (كسلان) أي لبقاء أثر تثبيط الشيطان ولشؤم تفريطه وظفر الشيطان به بتفويته الحظ الأوفر من قيام الليل فلا يكاد تخف عليه صلاة ونحوها من القرب، وهو غير منصرف للوصف وزيادة الألف والنون ومؤنثه كسلى، وبما تقرر علم أنه يصبح كذلك ما لم يصل وإن أتى بما قبلها (متفق عليه) وهذا لفظ البخاري، ورواه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه

وابن حبان في «صحيحه» كذا في الجامع الكبير (قافية الرأس) بالرفع مبتدأ وبالجر على الحكاية (آخره) وقافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية الشعر، وقال الزركشي: قافية أي القفا بالقصر وهو مؤخر العنق.

٨١١٦٦ - (وعن عبد الله بن سلام) بتخفيف اللام الإسرائيلي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في كتاب السلام (أن النبيّ قال: أيها الناس) حذف حرف النداء اختصاراً وإيماء إلى شدة التوجه لما بعده (أفشوا السلام) بقطع الهمزة: أي أشيعوه وأذيعوه بينكم (وأطعموا الطعام وصلوا بالليل) أي التهجد بأن يكون بعد نوم أو ائتوا بها فيه مطلقاً (والناس نيام) لأن هجر المصلي فراشه وآداب نفسه في طاعة ربه وحرمان نفسه لذيذ المنام شديد، فلذا جوزي من محض الفضل بقوله (تدخلوا الجنة بسلام) أي مسلمين من العذاب قبل دخولها، ففيه بشارة لفاعل مجموع ذلك بالدخول لها ابتداء والله أعلم (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) ورواه أحمد وعبد الله بن حميد والدارمي وابن أبي شيبة وابن ماجه وابن سعد

وسعيد بن منصور والحاكم في «المستدرك» والطبراني وابن زنجويه/ كلهم عن عبد الله بن سلام بزيادة «وصلوا أرحامكم» قبل قوله «وصلوا بالليل» كذا في «الجامع الكبير» .

٩١١٦٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: أفضل الصيام) أي النفل المطلق منه (بعد رمضان شهر الله المحرم) أي صومه كما يدل عليه قرينة المقام وإضافته إلى الله تعالى للتشريف وتخصيصه بلفظ المحرم، مع أن كلا من الأشهر الحرم يوصف به لما قيل إنه اسم إسلامي وإن تحريمه كذلك فلم تغير حرمته بما كان يفعله أهل النسىء (وأفضل الصلاة) من النفل المطلق (بعد الفريضة صلاة الليل) لأنه وقت السكون والخشوع والخضوع مع ما فيه من البعد عن الرياء (رواه مسلم) ورواه الأربعة والدارمي أيضاً بلفظ «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» ولا يخالفه حديث الترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس مرفوعاً «أفضل الصوم بعد رمضان شعبان» لتعظيم رمضان لأن سبب الفضل مختلف، فالمحرم لكونه فاضلاً في ذاته، وشعبان لتعظيم غيره والله أعلم.

١٠١١٦٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: صلاة الليل مثنى مثنى) أي ركعتان ركعتان، وهما معدولان عن اثنين اثنين، فلذا مع الوصف منع الصرف كما تقدم في باب تخفيف ركعتي الفجر (فإذا خفت) وفي رواية «فإذا خشي أحدكم» (الصبح) أي خشيت طلوعه بأن بدأ الصبح الكاذب أو نحوه مما يكون قبل الفجر الصادق (فأوتر بواحدة) فيؤخذ منه فضل فضل ركعات الوتر ركعتين ركعتين فركعة الوتر وهو الأصح من مذهبنا لأنه أكثر عملاً، وفي رواية زيادة «توتر له ما صلى» وفي أخرى «فإن الله وتريحب الوتر» (متفق عليه) ورواه مالك وأحمد وأصحاب السنن الأربعة.

١١١١٦٩ - (وعنه قال: كان النبي يصلي من الليل) أي يتهجد، والتهجد يحصل بالوتر وغيره من كل نفل مفعول بعد نوم (مثنى مثنى ويوتر بركعة) والحديث تقدم بجملته في باب تخفيف ركعتي الفجر (متفق عليه) .

١٢١١٧٠ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله يفطر من الشهر) أي بعضه ويديم الفطر (حتى نظن) لطول فطره (أن لا يصوم منه) استصحاباً لفطره (ويصوم) أي بعض الشهر ويتابع الصوم (حتى نظن أن لا يفطر) منه شيئاً من الأيام أو من الفطر، وفي الإتيان به هنا دون الجملة السابقة إيماء إلى أن متابعة الصوم إذا صام أطول من متابعة الفطر إذا أفطر (وكان) أي الشأن (لا تشاء) أي لا زمن تحب (أن تراه) تبصره (من الليل مصلياً) أي فيه (إلا رأيته) أي إلا زمان رؤيتك إياه كذلك ففي الكلام مضاف مقدر (ولا نائماً إلا رأيته) وقال القسطلاني: لا بمعنى ليس أو لم: أي لست تشاء أو لم تكن تشاء، أو تقديره: لا زمن تشاء، فعلى هذا يكون التركيب من باب الاستثناء على البدل، والتقدير على الإثبات: إن تشأ رؤيته متهجداً رأيته متهجداً، وإن تشأ رؤيته نائماً رأيته نائماً، فكان أمره قصداً لا إسراف ولا تقتير، وقال بعضهم: الحصر فيه إضافي باعتبار تعاور هاتين الحالتين عليه مع غلبة التهجد على النوم تارة وعكسه أخرى والحكم للغالب فبالنظر لذلك صح الحصر فيها. ما كان يعين بعض الليل للنوم وبعضه للصلاة كأصحاب الأوراد وكذا الصوم، بل كان يخالف بين أوقاتهما ليكونا مشقين على النفس لا عادتين لها، فإنه إذا صام مدة صار عادة له واطمأنت له النفس، فإذا أفطر كان شاقاً عليها وكذا عكسه/ قال الحافظ ابن حجر: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام، ولا يعارضه قول أنس: «كان إذا سمع الصارخ قام» لأنه محمول على ما وراء صلاة القيام، ولا يعارضه قول أنس: «كان إذا سمع

الصارخ قام» لأنه محمول على ما وراء صلاة، الليل، وحديث الباب محمول على صلاته، ولا قول عائشة «كان إذا صلى صلاة داوم عليها» وقولها «كان عمله ديمة» لأنّ المراد به ما اتخذه راتباً لا مطلق النفل اهـ ملخصاً، وهذه الطريقة المشار إليها بحديث أنس أعلى طبقات العبادة وأسناها، وهناك طرائق أخر: فمنهم من

شدد على نفسه بالمرة فمنعها حقها وحظها، ومنهم من أعطاها كليهما، وخير الأمور أوسطها: إعطاؤها حقها وحظها واستعمالها معه في خدمة ربها (رواه البخاري) والترمذي في «الشمائل» .

١٣١١٧١ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله كان يصلي) أي للتهجد والوتر (إحدى عشرة ركعة) وقول الراوي (تعني) بالفوقية: أي عائشة تريد بتلك الركعات النفل الذي كان يتهجد به (في الليل) وفيه أنه قد يتهجد بالوتر (يسجد السجدة من ذلك) أي القدر المذكور (قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه) ظرف ليقرأ، وجملة يسجد مستأنفة لبيان كيفية قيامه بها ولاستحباب إطالتها، أو حالية من ضمير يصلي (ويركع ركعتين) عدل إليه عن قول يصلي ركعتين تفنناً في التعبير، وفيه مجاز مرسل أطلق الجزء وأريد به الكل (قبل صلاة الفجر) بعد طلوع الفجر هما سنتاه القبليتان (ثم يضطجع على شقه) بكسر الشين المعجمة: أي جانبه (الأيمن) تشريعاً للأمة ليذكروا بها ضجعة القبر، فتحملهم على الخشوع الذي هو لب الصلاة ويستمر مضطجعاً عليه (حتى يأتيه المنادي) هو بلال (للصلاة) وذلك بعد اجتماع المصلين (رواه البخاري) .

١٤١١٧٢ - (وعنها قالت: ما كان رسول الله يزيد) أي في الوتر (في رمضان ولا في غيره

على إحدى عشرة ركعة) فهي أكثره، ورواية أنه صلاه ثلاث عشرة محمولة على أن الراوي عد الركعتين اللتين كان يأتي بهما قبله لإزالة ما يبقي من كسل النوم معه ثم أتت على طريق الاستئناف البياني مفصلة لذلك بقولها (يصلي أربعاً) أي من الركعات (فلا تسأل عن حسنهن) لكما اشتمالهن على الآداب المطلوبة فيها وطولهن وكان ذلك أول الدخول لتوفر النشاط، كما قال الفقهاء باستحباب السورة في الأولين لذلك دون الأخيرتين مع ورود السنة بها فيهما أيضاً (ثم يصلي أربعاً فلا تسأل) بالجزم (عن حسنهن وطولهن) أي أن ظهور هذين الوصفين فيهن يغني عن السؤال، وأتت بذلك لئلا يتوهم أنهم دون الأربع قبلهن كما هو العادة من غيره من الناس (ثم يصلي ثلاثاً) أي كذلك وسكتت عنه لما ذكر من استواء أحواله في حسن الصلاة وإكمالها (فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر) استفهام لبيان حكمة النوم قبله مع أن النوم ربما يغلب على النائم فيؤدي النوم قبله إلى فواته (فقال) مرشداً للفرق بينه وبين باقي الأمة (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) قال المصنف: هذا من خصائص الأنبياء، ولذا لا ينتقض وضوؤهم بالنوم، وأما نومه في قصة الوادي حتى طلعت الشمس وفات وقت الصلاة فلأن طلوع الفجر والشمس متعلق بالعين وهي نائمة لا بالقلب، وأماأمر الحدث فمتعلق بالقلب، وقيل إنه كان لا ينام قلبه تارة وينام أخرى، وصادف قصة الوادي نومه، قال المصنف: والصواب الأول اهـ. (متفق عليه) .

١٥١١٧٣ - (وعنها: أن النبي كان ينام أول الليل) أداء لكل من العين والنفس حقها منه وذلك أن الجسد يصيبه الكلال من مزاولة الأعمال (ويقوم آخره) أي في أواخره/ وتقدم في حديث أنس «أنه كان يقوم إذا صرخ الصارخ» يعني الديك وهو يقوم وقت انتصاف الليل،

وقوله (فيصلي) تنبيه على المقصود من قيامه حينئذ، وفيه تنبيه على أن أفضل القيام لمن صلى به حينئذ وبها ترتفع العقد كما تقدم. بخلاف مجرد القيام وإن اقترن به نحو ذكر فلا يحلها كلها (متفق عليه) ورواه ابن ماجه بلفظ «كان ينام أول الليل ويحيى آخره» .

١٦١١٧٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صليت مع النبي ليلة) أي مقتدياً به في تهجده، ففيه جواز الجماعة في النفل المطلق (فلم يزل) بفتح الزاي (قائماً) أي ما برح على قيامه (حتى هممت) أي قصدت، والهم بمعنى القصد ويعدى بالباء (بأمر سوء) بالفتح نقيض المسرة مصدر وشاعت الإضافة إليه كرجل سوء ولا يقال بالضم وكما في الصحاح، وفي نسخة «بأمر سوء» على الوصف دون الإضافة. قال القسطلاني: الرواية بالإضافة كما أفهمه كلام الحافظ في «فتح الباري» (قيل وما هممت) به (قال هممت أن أجلس) وفي رواية الترمذي في «الشمائل» «أن أقعد» (وأدعه) أي بأن ينوي قطع القدوة ويتم صلاته منفرداً لا أنه يقطع صلاته كما ظنه القسطلاني وغيره، لأن ذلك لا يليق بجلالة ابن مسعود، وترك الاقتداء به والحرمان من مداومة جماعته أمر سوء، وفي الحديث تطويل الإمام لكن محله عند الشافعية عند انحصار الجمع إذا رضوا ولم يطرأ غيرهم ولم يتعلق بعينهم حق (متفق عليه) .

١٧١١٧٥ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي) أي مؤتماً به في تهجده (ذات ليلة فافتتح البقرة) أي بعد الفاتحة لا أنه افتتح بها من غير قراءة الفاتحة فإنه كان يقرؤها، وصح عنه «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وإنما يذكره الراوي اعتماداً على فهم السامع (فقلت: يركع عند المائة) بكسر الميم وفتح الهمزة وبينهما في الرسم ألف، وبعض الجهال يقوله بفتح الميم والتحتية بينهما ألف، قال الراعي: وهذا جهل كأنه قائله ما قرأ القرآن، وإنما كتبت الألف على خلاف قاعدة الخط دفعاً للالتباس بمنه الجار (ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة) أي فيركع عند تمامها (فمضى فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها) هذا ترتيب مصحف ابن مسعود، فلا يقال إن ترك ترتيب السور وقراءة الأخيرة ثم ما قبلها خلاف الأولى، ولعل الترتيب كان حينئذ كذلك، ثم أمر النبي بتقديم آل عمران، وقال المصنف: فيه دليل لمن قال إن ترتيب السور اجتهاد لا توقيف فيه، وبه قال مالك والجمهور والباقلاني وقال إنه أصح القولين مع احتمالهما. قال المصنف: ومن قال إنه توقيفي حدده كما استقر في المصحف العثماني، وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير فيتناول قراءته النساء فآل عمران، على أنه كان قبل التوقيف في الترتيب وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبيّ. قال المصنف: ولا خلاف في أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو خارج الصلاة، وأباحه آخرون وحملوا التنكيس المنهي عنه على من قرأ من آخر السورة إلى أولها، ولا خلاف أن ترتيب الآيات توقيفي اهـ. ملخصاً، وقد نقله هو عن القاضي عياض، وقوله (يقرأ مترسلاً) جملة مستأنفة أو

حالية لبيان كيفية قراءته، والترسل ترتيل الحروف وأداؤها حقها (إذ مر بآية فيها تسبيح) كقوله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلاً} (الأحزاب: ٤٢) (سبح) أي

قال سبحان الله (وإذا مر بسؤال) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى: {واسألوا الله من فضله} (النساء: ٣٢) وقوله: {فليستجيبوا لي} (البقرة: ١٨٦) (سأل وإذا مر بتعوذ) أي بآية فيها ذلك كقوله تعالى عن أم مريم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (آل عمران: ٣٦) أو طلبه كقوله تعالى:

{فإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله} (الأعراف: ٢٠٠) (تعوذ) أي سأل الله العوذ من الشيطان وخالف في تعبيره بما في الشرطية الأولى وبما في الأخيرتين تفننا في التعبير. ويؤخذ من الحديث استحباب جميع ما ذكر للقارىء (ثم ركع فجعل) أي عقب تمام ركوعه وهو من أفعال الشروع أي أخذ (يقول) فيه (سبحان ربي العظيم) أي يكرره لقوله (فكان ركوعه نحواً) أي قريباً (من قيامه) أي كان زمن ركوعه قريباً من زمن قيامه، ففيه تطويل الركوع (ثم قال) أي مع رفع رأسه من الركوع (سمع الله لمن حمده) أي تقبله منه (ربنا لك الحمد) قاله حال انتصابه (ثم قام) في الاعتدال من الركوع قياماً (طويلاً قريباً مما ركع) قال المصنف: فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال عن الركوع وأصحابنا يمنعونه ويبطلون به الصلاة (ثم سجد فقال: سبحان ربّي الأعلى) صح «أنه لما نزل: {فسبح بسم ربك العظيم} (الواقعة: ٧٤) ، قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: {سبح اسم ربك الأعلى} (الأعلى: ١٤) قال: اجعلوها في سجودكم» وحكمته أنه ورد «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً» فخصه بالأعلى: أي عن الجهات والمسافات لئلا يتوهم بالأقربية ذلك، وقيل لما كان الأعلى أفعل تفضيل وهو أبلغ من العظيم والسجود

أبلغ في التواضع فجعل الأبغ للأبلغ (فكان سجوده قريباً من قيامه. رواه مسلم) وتقدم في باب المجاهدة.

١٨١١٧٦ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سئل) بالبناء للمجهول ولم أقف على السائل (رسول الله: أي الصلاة) أي أعمالها (أفضل؟ قال: طول القنوت. رواه مسلم المراد بالقنوت القيام) قال المصنف: فيه دليل لمن فضل تطويل القيام على تطويل السجود وتكثير الركوع، وهو مذهب الشافعي وجماعة لحديث جابر هذا، ولأن ذكر القيام القراءة وذكر السجود التسبيح والقرآن أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود. وفي المسألة مذاهب أخر، قيل تطويل القيام في الليل أفضل وتكثر الركوع والسجود نهاراً أفضل، وعليه إسحاق بن راهويه، وقيل تطويل السجود وتكثير الركوع أفضل مطلقاً، وقيل إنهما سواء.

١٩١١٧٧ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله قال) مخاطباً (له) لما أمره بترك مداومة الصوم والقيام وأن يصوم ويفطر ويقوم وينام (أحب الصلاة) أي التهجد (إلى الله) أي أرضاها إليه وأكثرها ثواباً عنده (صلاة داود) عليه السلام (وأحب الصيام إلى الله) أي النفل المطلق منه (صيام داود) عليه السلام، ثم بين ذلك على طريق الاستئناف البياني أو العطف البياني بناء على مجيئه في الجمل بقوله (كان ينام نصف الليل) إعطاء للعين والجسد حقهما منه (ويقوم ثلثه) بضمتين ويخفف الثاني فيسكن: أي

يحييه بالقيام بالتهجد (وينام سدسه) إراحة للجسد مما أصابه من مرادفة الصلاة. وفيه طلب إخفاء عمل البر وستره عن الغير ليكون أقرب للإخلاص، فإن من قام ونام ما ذكر كان لم يقم لذهاب كلال ذلك السهر بالنوم، ففيه إخفاء التهجد بخلاف المستمر على السهر إلى الفجر فإنه يبدو عليه الأثر ففيه تعرّض لظهور عمله الليلي (ويصوم يوماً ويفطر يوماً) اختلف هل الصوم كما ذكر أفضل من صوم الدهر بشرطه لكل أحد أو ذلك خاص بابن عمرو؟ والجمهور على الأول وذلك لما فيه من المشقة على النفس ومن إعطاء النفس حقها، إذ يحصل لها من القوى يوم الفطر ما يجبر ما قام بها من ضعف يوم الصوم (متفق عليه) ورواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.

٢٠١١٧٨ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول) مؤكداً بمؤكدات إسمية الجملة وتصديرها بأن وتقديم خبرها والإتيان باللام، وكأن الداعي إليه استبعاد كون الليل محل التجليات لكونه جعل سكناً، ومع ذلك الاستبعاد بأن فيض الله على حسب مشيئته فيجعله فيما شاء من ليل أو نهار (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم) التقييد به لكونه جريا على الغالب من قيام الرجل حينئذ لا مفهوم له فمن وافقها من النساء المسلمات كذلك (يسأل الله خيراً) مفعول مطلق: أي سؤال خير وأضافه إليه لكونه أثره وحاصلاً عنه أو مفعول به، وفيه إيماء إلى كمال كرم الله سبحانه وتعالى من عدم الوعد بإجابة السائل شراً حينئذ من أمر الدنيا والآخرة كالعافية فيهما وحصول التوفيق في الدنيا والجنة في العقبى (إلا أعطاه إياه) ففيه حث على الدعاء في الليل وحض عليه، وأبهم الساعة في جميعه طلباً لعمارته بالتوجه للمولى وعدم الغفلة فيه بالنوم وإراحة الجسم عنه فإن التوجه بالقلب

وهو لا ينافي النوم بالعين والجوارح، ويمكن أن تكون الساعة المطلقة في هذا الخبر محمولة على ما جاء من التقييد في رواية بأنها بعد مضي الثلث من الليل، وفي أخرى أنها في الثلث الأخير، ولا منافاة بينها إما بجعل الجميع على أنها في الثلث الأخير لصدق جميع الروايات عليه، وإما بأنها تنتقل فتارة تكون قبل النصف الأخير، وأخرى في النصف الأخير قبل الثلث الأخير، وأخرى في الثلث الأخير، أو على أنه أخبر أوّلاً أنها في الثلث الأخير فأخبر به، ثم أخبر بأنها نم نصف الليل فأخبر به، ثم أخبر بأنها من الثلث الأول فأخبر به، وفيه على كل وجه إيماء إلى اتساع زمنها، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويؤيد ذلك أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي، وأشار: أي النبي بيده يقللها، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل، والله أعلم (وذلك) أي المذكور من إعطاء السائل ما سأل (كل ليلة) بالنصب ظرف والخبر

متعلقة أي كائن فيها، وفيه شرف الليل على النهار لأن التجليات الإلهية لا تختص بليلة دون ليلة بخلاف النهار فهي فيه مختصة بيوم الجمعة (رواه مسلم) ورواه أحمد. قال المصنف: في هذا الحديث إثبات ساعة الإجابة في كل ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء في سائر ساعات الليل رجاء مصادفتها اهـ.

٢١١١٧٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: إذا قام أحدكم من الليل) أي لأجل قيامه أو فيه (فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين) لإذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم فتشد الأعصاب وتقوى الأعضاء من فتورها فتتوجه بكمال نشاط لصلاة الليل (رواه مسلم) ورواه أحمد.

٢٢١١٨٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا قام من الليل) للتهجد

(افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) لإذهاب أثر النوم وليدخل الصلاة بكمال النشاط/ والفتور أثر النوم طبع البشر فلا نقص فيه كسائر العوارض والأمراض (رواه مسلم) .

٢٣١١٨١ - (وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله إذا فاتته الصلاة من الليل) المفعولة تهجداً (من) تعليلية (وجع أو غيره) كاشتغاله بأهم منه (صلى من النهار) أي فيه (ثنتي عشرة ركعة) يحتمل أنه يأتي بها قضاء لما فاته من نافلة الليل، فيؤخذ منه ندب قضاء النفل المؤقت، ويحتمل أنه لحوز ثوابه عوضاً عما فات من صلاة الليل لا قضاء عنه وعليه جرى ابن حجر في «شرح المشكاة» (رواه مسلم) .

٢٤١١٨٢ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله: من نام من حزبه) بكسر المهملة وسكون الزاي. قال في «النهاية» : هو ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالورد، والحزب النوبة في ورود الماء اهـ. (أو عن شيء منه) أي ولو يسيراً (فقرأه فيما) أي في وقت (بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) الظرف في محل الصفة لما، ويجوز كونها موصولة صفة لمحذوف: أي في الوقت الذي بين الوقت المذكور (كتب) بالبناء للمجهول (له كأنما قرأه من الليل) فيه استحباب تدارك النفل المؤقت، وأن ما ترك لعذر وقضى كتب بمحض الفضل كثواب المؤدي، وأتى بالكاف إيماء إلى نقص ثواب القضاء ولو لعذر عن ثواب الأداء (رواه مسلم) والحديث سبق في باب المحافظة على الأعمال.

٢٥١١٨٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: رحم الله) جملة خبرية لفظاً دعائية معنى عدل عنها إلى الخبرية تفاؤلاً بالإجابة كأنها حصلت وأخبر عنها بما يخبر به عن الحاصل.d وفيه مزيد حث على الإتيان بما يذكر بالدعاء لفاعله (رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته) للصلاة، فيه تعاون على البر والتقوى وإيثار اتباع الأمر الإلهي على الهوى النفساني (فإن أبت) أي امتنعت من القيام (نضح) أي رش (في وجهها الماء) ليذهب عنها النوم الغالب لها (رحم الله امرأة قامت من الليل) تتهجد (فصلت وأيقظت زوجها) للصلاة (فإن أبى) أي امتنع من أن يقوم (نضحت في وجهه الماء. رواه أبو داود بإسناد صححي) ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم في «المستدرك» كذا في «الجامع الصغير» ، ورواه الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري عن رسول الله قال «ما من رجل يستيقظ من الليل فيوقظ امرأته، فإن غلبها النوم نضح في وجهها الماء، فيقومان في بيتهما فيذكران الله عزّ وجل ساعة من الليل إلا غفر لهما» وهذا الحديث مطلق يشمل ذكر الله تعالى في الصلاة وخارجها كما في الآية، والنضح بالنون والضاد المعجمة وإهمال الحاء وإعجامها، قال في «فتح الباري» : قال الأصمعي: النضح بالمعجمة أكثر منه بالمهملة، وسوّى بينهما أبو زيد، وقال ابن كيسان: بالمعجمة لما ثخن، وبالمهملة لما رق: أي من الطيب ونحوه.

٢٦١١٨٤ - (وعنه وعن أبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله: إذا أيقظ الرجل أهله) هو أعم من امرأته، وفيه فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض (من) جوف (الليل فصلياً) أي كلاهما جميعاً، فعند النسائي «فصلياً جميعاً» ففيه اقتداء

المرأة بزوجها في النافلة، وفيه مشروعية الجماعة فيها، وقال ابن رسلان: قد يقال لا دلالة في جميعا على الجماعة لصدقه على فعلهما النافلة جماعة ومنفردين (أو) شك من الراوي (صلى) أي كل منهما (ركعتين جميعاً) هكذا وقع/ ووجه الكلام فصلياً جميعاً أو صلى كل منهما منفرداً ركعتين (كتب) بالإفراد وكذا هو بخط ابن رسلان في شرحه لسنن أبي داود، وفي نسخة من «الرياض» كتباً بألف التثنية (في) جملة (الذاكرين والذاكرات) أي المذكورين في قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} (الأحزاب: ٣٥) وذكر الجلالة وكثيراً ليس في الراوية، وهذا من تفسير الكتاب بالسنة (رواه أبو داود بإسناد صحيح) قال ابن رسلان: ورواه ابن حبان في «صحيحه والحاكم» ، وهذا الحديث من جملة الحديث قبله من حيث المعنى، ولعل الإتيان به على احتمال أن الرواية أو صلى بإفراد الفعل أفاد ظاهرها ترتب ثواب الرجل لإيقاظ امرأته على إيقاظها وصلاته سواء أصلت هي أم لا، والله أعلم.

٢٧١١٨٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: إذا نعس أحدكم) قال في «المصباح» : حقيقة النعاس الوسن من غير نوم، يقال نعس ينعس من باب قتل والاسم منه النعاس، وقال الفقهاء: علامة النعاس سماع كلام الحاضرين وإن لم يفهم معناه (في الصلاة) التي تقوم بها بالليل (فليرقد) ندباً (حتى يذهب عنه النوم) وذلك أن لب الصلاة الخشوع والخضوع والحضور مع الله عزّ وجل، وإنما يكون ذلك مع النشاط وصحة اللب وسلامته من الكسل، وعلل الأمر بالرقاد بقوله (فإن أحدكم إذا صلى) أي دخل في الصلاة (وهو ناعس) حال من فاعل صلى (لعله يذهب يستغفر) جملة لعل واسمها وخبرها في محل الخبر لإن، قال القاضي عياض: أي يدعو (فيسبّ نفسه) بسبب غلبة النعاس وتلجلج اللسان عند إرادة النطق (متفق عليه) ورواه مالك وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

📚 تطريز رياض الصالحين - الإمام عبد الرؤوف الأزهري

لِرَبِّي شُكْراً، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأسِي، فَسَألْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأعْطَانِي الثُّلثَ الآخَرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً لِرَبِّي» . رواه أَبُو داود.

في هذا الحديث: مشروعية سجود الشكر.

وفيه: استحباب رفع اليدين في الدعاء.

وفيه: تكرير السجود بتكرر المقتضي له.

وفيه: بشارة بأن جميع المؤمنين لا يخلدون في النار.

[٢١٢- باب فضل قيام الليل]

قَالَ الله تَعَالَى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء (٧٩) ] .

التهجُّد: الصلاة في الليل وقراءة القرآن بعد النوم.

وقوله تعالى: {نَافِلَةً لَّكَ} ، أي: واجب عليك دون الأمة، قاله، ابن عباس.

والمقام المحمود: مقام الشفاعة يوم القيامة يحمده به الأولون والآخرون.

وقال تَعَالَى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ} [السجدة (١٦) ] الآية.

أي: يقومون لصلاة الليل وهم المتهجِّدون، وفي حديث معاذ عن ... النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة (١٦، ١٧) ] الآية.

وروى البغوي وغيره: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: من صلَّى العشاء في جماعة، كان كمن قام نصف ليلة، ومن صلَّى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .

وقال تَعَالَى: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات (١٧) ] .

أي: كان هجوعهم قليلاً من الليل.

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يَا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قومًا فقال: {كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} ، ونحن والله قليلاً من الليل ما نقوم، فقال له أبي رضي الله عنه: طوبى لمن رقد إذا نعس واتقى الله إذا استيقظ.

[١١٦٠] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ؟ قَالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْداً شَكُوراً» ! . متفقٌ عَلَيْهِِ.

وَعَن المُغِيرَةِ بن شُعبة نَحْوهُ متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا السؤال من عائشة عن حكمة التشمر والدأب في الطاعة، وهو مغفور له، فبين - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه فعل ذلك شكرًا لله عز وجل.

[١١٦١] وعن علي - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ لَيْلاً، فَقَالَ: «أَلا تُصَلِّيَانِ؟» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

«طَرَقَهُ» : أتَاهُ لَيْلاً.

وفي هذا الحديث: فضل صلاة الليل، لإيقاظه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعلي وفاطمة من نومهما للصلاة، واختياره لهما تلك الفضيلة على الدعة والسكون.

[١١٦٢] وعن سالم بن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهم - عن أبيِهِ: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ» . قَالَ سالِم: فَكَانَ عَبدُ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَنامُ مِنَ اللَّيلِ إِلا قَلِيلاً. متفقٌ عَلَيْهِ.

هذا الحديث: له قصة، وهي أن ابن عمر قال: إن رجالاً من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانوا يرون الرؤيا على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقصونها على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقول فيها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما شاء الله، وأنا غلام حديث السَّنَّ وبيتي المسجد قبل أن أنكح، فقلت في نفسي: لو كان فيك خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء.

فلما اضطجعت ليلة قلت: اللهم إن كنت تعلم فيَّ خيرًا فأرني رؤيا، فبينما أنا كذلك إذ جاءني ملكان في يد كل واحدٍ منهما مقمعة من حديد يقبلا بي إلى جهنم وأنا بينهما، أدعوا الله: اللَّهُمَّ أعوذ بك من جهنم، ثم أُراني لقيني ملك في يده مقمعة من حديد. فقال: لن تراع، نعم الرجل أنت لو تكثر الصلاة، فانطلقوا بي حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا هي مطوية كطي البئر، له قرون كقرن البئر، بين كل قرنين ملك بيده مقمعة من حديد، وأرى فيها رجالاً معلقين بالسلاسل رؤوسهم أسفلهم، عرفت فيها رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات يمين، فقصصتها على حفصة فقصّتها حفصة على رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن عبد الله رجل صالح» . فقال نافع: لم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة. وفي رواية: قال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» .

[١١٦٣] وعن عبد الله بن عَمرو بن العاصِ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا عَبدَ اللهِ، لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

فيه: كراهة قطع ما يعتاده الإنسان من أعمال البر لغير عذر.

[١١٦٤] وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيطَانُ في أُذُنَيْهِ» - أَوْ قَالَ: «في أُذُنِهِ» -. متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أن إهمال حق الله إنما ينشأ عن تمكن الشيطان من الإنسان، حتى يحول بينه وبين الأعمال الصالحة. قيل: كان رجل يكذب بهذا الحديث فنام حتى االفجر فقام والبول يسيل من أذنه.

[١١٦٥] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُمْ، إِذَا هُوَ نَامَ، ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ، فَإن اسْتَيقَظَ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإنْ تَوَضّأ، انْحَلّتْ عُقدَةٌ، فَإنْ صَلَّى، انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، فَأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإلا أصْبحَ خَبيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

«قافية الرَّأس» : آخِرُهُ.

في هذا الحديث: الحثُّ على قيام الليل، وعسف النفس حتى تذل وتخرج من وثاق الشيطان.

[١١٦٦] وعن عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أيُّهَا النَّاسُ: أفْشُوا السَّلامَ، وَأطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» . رواه الترمذي، وقال: (حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ) .

في هذا الحديث: بشارة لمن فعل ذلك بدخول الجنة ابتداء بغير حساب ولا عذاب.

[١١٦٧] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ: صَلَاةُ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

في صلاة الليل فوائد كثيرة، وخصائص في غيرها.

منها: أنه وقت السكون، والخشوع، والخضوع، مع ما فيه من البعد عن الرياء.

ومنها: نزول الرب سبحانه وتعالى إلى السماء الدينا.

ومنها: تواطؤ القلب واللسان على القراءة كما قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً} [المزمل (٦) ] .

[١١٦٨] وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

قوله: «مثنى مثنى» ، أي: ركعتان، ركعتان، أي: يسلم من كل ركعتين، ويوتر بركعة واحدة، ويجوز الوصل كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة.

[١١٦٩] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ. متفقٌ عَلَيْهِ.

[١١٧٠] وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كَانَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لا يُفْطِرَ مِنْهُ

شَيْئاً، وَكَانَ لا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيلِ مُصَلِّياً إِلا رَأيْتَهُ، وَلا نَائِماً إِلا رَأيْتَهُ. رواه البخاري.

قال الحافظ: لم يكن لتهجده وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام.

[١١٧١] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً - تَعْنِي في اللَّيلِ - يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيْمَنِ حَتَّى يَأتِيَهُ المُنَادِي للصَلَاةِ. رواه البخاري.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل صلاة الليل في قيامها وركوعها وسجودها.

[١١٧٢] وعنها قالت: مَا كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَزيدُ - في رَمَضَانَ وَلا في غَيْرِهِ - عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً: يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أرْبَعاً فَلا تَسْألْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاثاً. فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أتَنَامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ فَقال: «يَا عَائِشَة، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلا يَنَامُ قَلْبِي» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

في هذا الحديث: أنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يديم التهجُّد في رمضان وفي غيره، ولكنه إذا أراد الزيادة أطال الصلاة.

وفيه: أنه لا ينبغي النوم قبل الوتر، إلا لمن وثق بالقيام.

[١١٧٣] وعنها أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنَامُ أوّلَ اللَّيلِ، وَيَقُومُ آخِرَهُ فَيُصَلِّي. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: أن غالب أحواله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نوم أول الليل وقيام آخره.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} [المزمل (١: ٤) ] .

[١١٧٤] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً، فَلَمْ يَزَلْ قائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْر سوءٍ! قيلَ: مَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أنْ أجِلْسَ وَأدَعَهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.

في هذا الحديث: مشروعية تطويل القيام في صلاة الليل.

[١١٧٥] وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المئَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلِّي بِهَا في رَكْعَةٍ فَمَضَى، فقلتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقرَأُ مُتَرَسِّلاً: إِذَا مَرَّ بآيةٍ فِيهَا تَسبيحٌ سَبَّحَ، وَإذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» ثُمَّ قَامَ طَويلاً قَريباً مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» فَكَانَ سجُودُهُ قَريباً مِنْ قِيَامِهِ. رواه مسلم.

في هذا الحديث: مشروعية التطويل في جميع أركان صلاة الليل،

قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر (٩) ] .

[١١٧٦] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيُّ الصَّلَاةِ أفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ القُنُوتِ» . رواه مسلم.

المراد بـ «القنوتِ» : القِيام.

في هذا الحديث: دليل على فضل تطويل القيام في صلاة الليل؛ لأنه محل قراءة القرآن، ولأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يطول القيام في الليل، أكثر من تطويل السجود.

[١١٧٧] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أحَبُّ الصَّلاةِ إِلَى اللهِ صَلاةُ دَاوُدَ، وَأحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَيَصُومُ يَوماً وَيُفْطِرُ يَوْماً» . متفقٌ عَلَيْهِِ.

كان عبد الله بن عمرو من المتعبِّدين، فأخبر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقول: والله لأصومنَّ النهار، ولأقومنَّ الليل ما عشت، فقال له النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، ونم وقم ... » الحديث.

قال الخطابي: محصل قصة عبد الله بن عمرو، أنَّ الله لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصَّر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه، ليستبقى بعض القوة في غيره.

قال الحافظ: وفيها: النهي عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض.

قال المهلب: كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأعطيه سؤاله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل.

وفيه: من المصلحة، استقبال صلاة الصبح وإذكار النهار بنشاط.

[١١٧٨] وعن جابر - رضي الله عنه - قال: سَمِعْتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً، لا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ الله تَعَالَى خَيْراً مِنْ أمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلا أعْطَاهُ إيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» . رواه مسلم.

فيه: الحثُّ على ادعاء في الليل، رجاء مصادفة ساعة الإِجابة وأحرى ما تكون في النصف الأخير.

[١١٧٩] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا قَامَ أحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بركْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» . رواه مسلم.

قيل: الحكمة في هذه الركعتين إذهاب ما قد يبقى في الجسد من كسل النوم.

[١١٨٠] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كَانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رواه مسلم.

ثبتت هذه السنة بقول النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبفعله.

[١١٨١] وعنها رضي الله عنها قالت: كَانَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مِن اللَّيْلِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشرَةَ ركْعَةً. رواه مسلم.

فيه: استحباب قضاء الفوائت من النوافل المؤقتة، وكانت صلاته - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالليل إحدى عشرة ركعة.

[١١٨٢] وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ، أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فيما بَيْنَ صَلَاةِ الفَجْرِ وصلاة الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأنَّمَا قَرَأهُ مِنَ اللَّيْلِ» . رواه مسلم.

فيه: استحباب تدارك ما فات من النفل المؤقت.

[١١٨٣] وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإنْ أبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإن أبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: الحثُّ على التعاون على الطاعة، وقد قال الله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه (١٣٢) ] .

[١١٨٤] وعنه وعن أَبي سعيدٍ رضي الله عنهما قالا: قَالَ رسولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا - أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَمِيعاً، كُتِبَا في الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ» . رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.

في هذا الحديث: فضيلة أمر الرجل أهله بصلاة النوافل والتطوعات كما في الفرض.

وفي: مشروعية الجماعة فيها.

[١١٨٥] وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ في الصَّلَاةِ، فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإنَّ أحَدَكُمْ إِذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 11 جمادى الأولى
أحدب متزايد اليوم 11.7 / 29.5
الإضاءة 90%
البدر بعد 3 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56