«خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٤٤

الحديث رقم ١٠٤٤ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الصدقة في الكسوف.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٠٤٤ في صحيح البخاري

«خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا».

بَابُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُِ جَامِعَةًٌ فِي الْكُسُوفِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٠٤٤

١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٠٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

خُزَيْمَةَ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَادْعُوا وَتَصَدَّقُوا.

قَوْلُهُ: (وَلَا لِحَيَاتِهِ) اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَيَاةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْحَيَاةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفَقْدِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِلْإِيجَادِ، فَعَمَّمَ الشَّارِعُ النَّفْيَ لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْمُسْنَدِيُّ، وَهَاشِمٌ هُوَ أَبُو النَّضْرِ، وَشَيْبَانُ هُوَ النَّحْوِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي ابْنَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ جُمْهُورُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ، وَقِيلَ فِي رَابِعَ عَشَرَةَ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى قَوْلِ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذْ ذَاكَ بِمَكَّةَ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَهِدَ وَفَاتَهُ وَكَانَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ، نَعَمْ قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ فَإِنْ ثَبَتَ يَصِحُّ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ مِنْهَا فِي آخِرِ الشَّهْرِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ فَرَضَ الشَّافِعِيُّ وُقُوعَ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ مَعًا. وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْهَيْئَةِ، وَانْتَدَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِدَفْعِ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ فَأَصَابُوا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ) أَيْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بَعْدَ أَبْوَابٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا.

(تَنْبِيهٌ): ابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ أَبْوَابَ الْكُسُوفِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِصِفَةِ إِشَارَةٍ مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُعْطِي أَصْلَ الِامْتِثَالِ، وَإِنْ كَانَ إِيقَاعُهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَخْصُوصَةِ عِنْدَهُ أَفْضَلَ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كالْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ صَلَاتَهَا رَكْعَتَيْنِ كَالنَّافِلَةِ لَا يُجْزِئُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ

١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا ينخسفان لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا.

[الحديث ١٠٤٤ - أطرافه في: ٦٦٣١. ٥٢٢١. ٤٦٢٤. ٣٢٠٣. ١٢١٢. ١٠٦٦. ١٠٦٥. ١٠٦٤. ١٠٥٨. ١٠٥٦. ١٠٥٠. ١٠٤٧. ١٠٤٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ عَنْهَا، أَوْرَدَهُ بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، ثُمَّ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ وَوَرَدَ الْأَمْرُ - فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْكُسُوفِ - بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ قُدِّمَ مِنْهَا الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَوَقَعَ الْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ دُونَ غَيْرِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يُتَرْجَمَ بِهَا، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَالِيَةٌ لِلصَّلَاةِ

فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تِلْوَ تَرْجَمَةِ الصَّلَاةِ فِي الْكُسُوفِ.

قَوْلُهُ: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّى) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ فَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْوُضُوءِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي السِّيَاقِ حَذْفًا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ فَخَسَفَتْ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ بَيْنَ الْحَجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ جَازَ أَنْ يَكُونَ حُذِفَ أَيْضًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَفِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ نَحْوًا مِنْ آلِ عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَزَادَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْكُسُوفِ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الِاعْتِدَالِ فِي أَوَّلِ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ قِيَامَ قِرَاءَةٍ لَا قِيَامَ اعْتِدَالٍ بِدَلِيلِ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِزِيَادَةِ الرُّكُوعِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ خَالَفَ فِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ جَاءَتْ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا، بَلْ كُلُّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِعْلُهُ فِيهَا كَانَ مَشْرُوعًا لِأَنَّهَا أَصْلٌ بِرَأْسِهِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَدَّ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ قَاسَهَا عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ حَتَّى مَنَعَ مِنْ زِيَادَةِ الرُّكُوعِ فِيهَا. وَقَدْ أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِهِ جَرَى عَلَى الْقِيَاسِ فِي صَلَاةِ النَّوَافِلِ، لَكِنِ اعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ يَضْمَحِلُّ، وَبِأَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَشْبَهُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُجْمَعُ فِيهِ مِنْ مُطْلَقِ النَّوَافِلِ، فَامْتَازَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِتَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّكْبِيرَاتِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ بِزِيَادَةِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، فَكَذَلِكَ اخْتُصَّتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ بِزِيَادَةِ الرُّكُوعِ، فَالْأَخْذُ بِهِ جَامِعٌ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ بَيَانَ مَا قَالَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الذِّكْرُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ، وَلَا تَطْوِيلِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ طُولِ السُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ فِي الْأُولَى) وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ الْآتِيَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ انْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَلِلنَّسَائِيِّ ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَخَطَبَ النَّاسَ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ لِلْكُسُوفِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا رَوَى حَدِيثَ هِشَامٍ هَذَا وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِانْجِلَاءَ لَا يُسْقِطُ الْخُطْبَةَ، بِخِلَافِ مَا لَوِ انْجَلَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ، فَلَوِ انْجَلَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ دَلِيلِهِ، وَعَنْ أَصْبَغَ: يُتِمُّهَا عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ الْمُعْتَادَةِ.

قَوْلُهُ: (فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.

قَوْلُهُ: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَادْعُوا اللَّهَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ) فِيهِ الْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ وَعَلَى أَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، أَوْ أَغْيَرَ مَخْفُوضٌ صِفَةٌ لِأَحَدٍ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفُ تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ.

قَوْلُهُ: (أَغْيَرَ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْغَيْرَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ

يَحْصُلُ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، وَأَصْلُهَا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالْأَهْلَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (١) لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ تَغَيُّرٍ وَنَقْصٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ، فَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرَةِ صَوْنَ الْحَرِيمِ وَمَنْعَهُمْ وَزَجْرَ مَنْ يَقْصِدُ إِلَيْهِمْ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَنَعَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَزَجَرَ فَاعِلَهُ وَتَوَعَّدَهُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ فَوْرِكَ: الْمَعْنَى مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ زَجْرًا عَنِ الْفَوَاحِشِ مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ: غَيْرَةُ اللَّهِ مَا يَغِيرُ مِنْ حَالِ الْعَاصِي بِانْتِقَامِهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَهْلُ التَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ، إِمَّا سَاكِتٌ، وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرَةِ شِدَّةُ الْمَنْعِ وَالْحِمَايَةِ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ اتِّصَالِ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَخْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِاسْتِدْفَاعِ الْبَلَاءِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ نَاسَبَ رَدْعَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ مِنْ أَسْبَابِ جَلْبِ الْبَلَاءِ، وَخَصَّ مِنْهَا الزِّنَا لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ أَقْبَحِ الْمَعَاصِي وَأَشَدِّهَا تَأْثِيرًا فِي إِثَارَةِ النُّفُوسِ وَغَلَبَةِ الْغَضَبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَخْوِيفَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ رَبِّ الْغَيْرَةِ وَخَالِقِهَا . وَقَوْلُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فِيهِ مَعْنَى الْإِشْفَاقِ كَمَا يُخَاطِبُ الْوَالِدُ وَلَدَهُ إِذَا أَشْفَقَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَا بُنَيَّ كَذَا قِيلَ، وَكَانَ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ يَا أُمَّتِي لَكِنْ لِعُدُولِهِ عَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الْمُظْهَرِ حِكْمَةٌ، وَكَأَنَّهَا بِسَبَبِ كَوْنِ الْمَقَامِ مَقَامَ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ لِمَا فِي الْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِالتَّكْرِيمِ، وَمِثْلُهُ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، الْحَدِيثَ. وَصَدَّرَ كَلَامُهُ بِالْيَمِينِ لِإِرَادَةِ التَّأْكِيدِ لِلْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْتَابُ فِي صِدْقِهِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْعِيدِ وَالْأُمَّةِ بِالذِّكْرِ رِعَايَةٌ لِحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لِتَنَزُّهِهِ عَنِ الزَّوْجَةِ وَالْأَهْلِ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمُ الْغَيْرَةُ غَالِبًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَاعِظَ يَنْبَغِي لَهُ حَالَ وَعْظِهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِكَلَامٍ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُبَالِغَ فِي التَّوَاضُعِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاعِ مَنْ يَسْمَعُهُ.

قَوْلُهُ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أَيْ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِجْرَامِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَوْ دَامَ عِلْمُكُمْ كَمَا دَامَ عِلْمِي؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ مُتَوَاصِلٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ عَلِمْتُمْ مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحِلْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) قِيلَ مَعْنَى الْقِلَّةِ هُنَا الْعَدَمُ، وَالتَّقْدِيرُ لَتَرَكْتُمُ الضَّحِكَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْكُمُ إلَّا نَادِرًا لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ وَاسْتِيلَاءِ الْحُزْنِ. وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ. وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِلَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ دُونَ غَيْرِهِمْ؟ وَالْقِصَّةُ كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِهِ حَيْثُ امْتَلَأَتِ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَوُفُودِ الْعَرَبِ وَقَدْ بَالَغَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالتَّشْنِيعِ بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْ حِكَايَتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ التَّخْوِيفِ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي التَّرْخِيصِ لِمَا فِي ذِكْرِ الرُّخَصِ مِنْ مُلَاءَمَةِ النُّفُوسِ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهْوَةِ، وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ يُقَابِلُ الْعِلَّةَ بِمَا يُضَادُّهَا لَا بِمَا يَزِيدُهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ هَيْئَةً تَخُصُّهَا مِنَ التَّطْوِيلِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ زِيَادَةِ رُكُوعٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.

وَقَدْ وَافَقَ عَائِشَةَ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ أُمِّ

سُفْيَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَفِي رِوَايَاتِهِمْ زِيَادَةٌ رَوَاهَا الْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ فَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى مِنْ إِلْغَائِهَا، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا، وَقَدْ وَرَدَتِ الزِّيَادَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَآخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ، وَعِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا عَنْ عِلَّةٍ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْهُدَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الزِّيَادَةَ عَلَى الرُّكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ يُمْكِنُ رَدُّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَجْمَعُهَا أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَإِذَا اتَّحَدَتْ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَأَنَّ الْكُسُوفَ وَقَعَ مِرَارًا، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ جَائِزًا، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا إِسْحَاقُ لَكِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ.

وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَبْدَى بَعْضُهُمْ أَنَّ حِكْمَةَ الزِّيَادَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالنَّقْصِ كَانَ بِحَسَبِ سُرْعَةِ الِانْجِلَاءِ وَبُطْئِهِ، فَحِينَ وَقَعَ الِانْجِلَاءُ فِي أَوَّلِ رُكُوعٍ اقْتَصَرَ عَلَى مِثْلِ النَّافِلَةِ، وَحِينَ أَبْطَأَ زَادَ رُكُوعًا، وَحِينَ زَادَ فِي الْإِبْطَاءِ زَادَ ثَالِثًا، وَهَكَذَا إِلَى غَايَةِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِبْطَاءَ الِانْجِلَاءِ وَعَدَمَهُ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مَنْوِيٌّ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ تَبَعٌ لَهَا فَمَهْمَا اتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي الْأُولَى بِسَبَبِ بُطْءِ الِانْجِلَاءِ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِيُسَاوِيَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْبَغُ كَمَا تَقَدَّمَ: إِذَا وَقَعَ الِانْجِلَاءُ فِي أَثْنَائِهَا يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْعَادَةِ. وَعَلَى هَذَا فَيَدْخُلُ الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى نِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَيَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ بِحَسَبِ الْكُسُوفِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ زِيَادَةِ الرُّكُوعِ بِحَمْلِهِ عَلَى رَفْعِ الرَّأْسِ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ هَلِ انْجَلَتْ أَمْ لَا؟ فَإِذَا لَمْ يَرَهَا انْجَلَتْ رَجَعَ إِلَى رُكُوعِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا فَظَنَّ بَعْضَ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ رُكُوعًا زَائِدًا.

وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ أَطَالَ الْقِيَامَ بَيْنَ الرُّكُوعَيْنِ وَلَوْ كَانَ الرَّفْعُ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ فَقَطْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَطْوِيلٍ، وَلَا سِيَّمَا الْأَخْبَارُ الصَّرِيحَةُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الِاعْتِدَالَ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ لَكَانَ فِيهِ إِخْرَاجٌ لِفِعْلِ الرَّسُولِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ أَوْ لَزِمَ مِنْهُ إِثْبَاتُ هَيْئَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَا عَهْدَ بِهَا وَهُوَ مَا فَرَّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْكُسُوفِ، وَالزَّجْرُ عَنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ، وَالْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ الْبُكَاءِ، وَالتَّحَقُّقُ بِمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالِاعْتِبَارِ بِآيَاتِ اللَّهِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ تَأْثِيرًا فِي الْأَرْضِ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ عَنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَكَيْفَ بِمَا دُونَهُمَا. وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ، وَتَعْدِيلُ الصُّفُوفِ، وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَبَيَانُ مَا يُخْشَى اعْتِقَادُهُ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، وَاهْتِمَامُ الصَّحَابَةِ بِنَقْلِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. وَمِنْ حِكْمَةِ وُقُوعِ الْكُسُوفِ تَبْيِينُ أُنْمُوذَجِ مَا سَيَقَعُ فِي الْقِيَامَةِ، وَصُورَةُ عِقَابِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ لِوُقُوعِ الْكُسُوفِ بِالْكَوْكَبِ ثُمَّ كَشْفُ ذَلِكَ عَنْهُ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى خَوْفٍ وَرَجَاءٍ.

وَفِي الْكُسُوفِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْبِيحِ رَأْيِ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ أَوِ الْقَمَرَ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ عَلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ، لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُنَاسِبُ الْإِعْرَاضَ عَنْ عِبَادَتِهِمَا لِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) بفتح الكاف والسِّين والفاء (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ) بسكون النُّون بعد المثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ) شيئًا من ذلك، فحذف (١) المفعول (فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ) تعالى، وإنَّما ابتدأ المؤلِّف بالأحاديث المطلقة في الصَّلاة بغير تقييدٍ بصفة إشارةً منه إلى أنَّ ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصِّفة المخصوصة عنده أفضل، والله أعلم.

ورواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ وخراسانيٍّ وبغداديٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٩٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

(٢) (بابُ الصَّدَقَةِ فِي) حالة (٢) (الكُسُوفِ).

١٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء وتاليَيها (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه () يوم مات ابنه إبراهيم (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ بِالنَّاسِ) صلاة الخسوف (فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ) لطول القراءة فيه، وفي

رواية ابن شهابٍ الآتية قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٠٤٦]: «فاقترأ (١) قراءةً طويلةً» (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح، وقدَّروه (٢) بمئة آيةٍ من البقرة (ثُمَّ قَامَ) من الرُّكوع (فَأَطَالَ القِيَامَ -وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ-) الَّذي ركع منه (ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح أيضًا (-وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ-) وقدَّروه بثمانين آيةً (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) كالرُّكوع (ثُمَّ فَعَلَ) (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «في الرَّكعة الأخرى» (٣) (مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) من إطالة الرُّكوع، لكنَّهم قدَّروه في الثالث (٤) بسبعين آيةً بتقديم السِّين على الموحَّدة، وفي الرَّابع (٥) بخمسين تقريبًا في كلِّها لثبوت التَّطويل من الشَّارع بلا تقدير، لكن قال الفاكهانيُّ: إنَّ في بعض الرِّوايات تقدير القيام الأوَّل: بنحو سورة البقرة، والثَّاني: بنحو سورة آل عمران، والثَّالث: بنحو سورة النِّساء، والرَّابع: بنحو سورة المائدة، واستُشكِل تقدير الثَّالث: بالنِّساء، مع كون المختار أن يكون القيام الثَّالث أقصر من القيام الثَّاني، والنِّساء أطول من آل عمران، ولكنَّ الحديث الَّذي ذكره غير معروفٍ، إنَّما هو من قول الفقهاء، نعم قالوا: يطوِّل القيام الأوَّل نحوًا من سورة البقرة لحديث ابن عبَّاسٍ الآتي في «باب صلاة الكسوف جماعة» [خ¦١٠٥٢] وأنَّ الثَّاني دونه، وأنَّ القيام الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية نحو القيام الأوَّل، وكذا الباقي، نعم في «الدَّارقُطنيِّ» من حديث عائشة: أنَّه قرأ في الأوَّل (٦) بالعنكبوت والرُّوم، وفي الثَّاني بـ «يس» (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة (٧) (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ بعد ألف الوصل، أي: صَفَت، وعاد نورها، ولأبي ذَرٍّ: «تجلَّت» بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ النَّاسَ) خطبتين كالجمعة

(فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد النَّسائيُّ، من حديث سَمُرة: «وشهد أنَّه عبد الله ورسوله» (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ) بنونٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة التَّحتيَّة وبالخاء مع كسر السِّين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «لا يخسفان» بإسقاط النُّون (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) وإنَّما يخوِّف الله بكسوفهما عباده (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) الكسوف في أحدهما (فَادْعُوا اللهَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فاذكروا الله» بدل رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فادعوا الله» (وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا) كما مرَّ (وَتَصَدَّقُوا) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) : (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) برفع «أَغْيَرُ» صفةً لـ «أحدٍ» باعتبار المحلِّ، والخبر محذوفٌ منصوبٌ، أي: موجودًا على أنَّ: «ما» حجازيَّةٌ، أو يكون: «أحد» مبتدأ، و «أَغْيَرُ» خبره (٢) على أنَّ «ما» تميميَّةٌ، ويجوز نصب: «أَغْيَرَ» على أنَّها خبر «ما» الحجازيَّة، و «مِنْ» زائدةٌ للتَّأكيد، وأن يكون مجرورًا بالفتحة على الصِّفة للمجرور باعتبار اللَّفظ، والخبر المحذوف مرفوعٌ على «أنَّ» «ما» تميميَّةٌ، وقوله: «أن يزنيَ» متعلِّق بـ «أغير»، وحَذْف «مِنْ» قبل (٣) «أَنْ»، قياسٌ مستمرٌّ، واستُشكِل نسبةُ الغَيرة إلى الله تعالى؛ لكونها ليست من الصِّفات اللَّائقة به تعالى؛ إذ هي هيجان الغضب بسبب هتك مَن يذبُّ عنه، والله تعالى منزَّهٌ عن كلِّ تغييرٍ (٤)، وأُجيبَ بتأويله بلازم الغيرة وهو المنع، وزيادةُ الغيرة معناها (٥) زيادة

المنع، والزِّيادة هنا حقيقةٌ لأنَّ صفاتِ الأفعال حادثةٌ عندنا، تقبل التَّفاوت، أو يُؤَوَّل بإرادة الانتقام ليكون من صفات الذَّات، أو التَّفضيل هنا مجازيٌّ لأنَّ القديم لا يتفاوت إلَّا أن يُراد باعتبار المتعلَّق (١)، وتأوَّله ابن فُوْرَكٍ: على الزَّجر والتَّحريم، وابن دقيق العيد: على شدَّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة، ومجاز الملازمة يحتمل كلًّا من التَّأويلَين؛ لأنَّ ذلك إمَّا من إطلاق اللَّازم على الملزوم، أو الملزوم على اللَّازم، وعلى كلِّ حالٍ فاستُعمال هذا اللَّفظ جاريًا على ما أُلِفَ من كلام العرب، قال الطِّيبيُّ: ووجه اتِّصال هذا المعنى بما تقدَّم من قوله: «فاذكروا الله … » إلى آخره، هو أنَّه لمَّا خوَّف أمَّته من الكسوفين، وحرَّضَهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتَّكبير والدُّعاء والصَّلاة والصَّدقة؛ أراد أن يَرْدَعهم عن المعاصي الَّتي هي من أسباب حدوث البلاء، وخصَّ منها الزِّنا لأنَّه أعظمها، والنَّفس إليه أميل، وخصَّ (٢) العبد والأمة بالذِّكر رعايةً لحسن الأدب، ثمَّ كرَّر النَّدبة (٣) فقال: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من عظمة الله، وعظيم انتقامه من أهل الجرائم، وشدَّة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) لتفكُّركم فيما

علمتموه (١)، والقلَّة هنا بمعنى: العدم كما في قوله: قليل التَّشكِّي، أي: عديمه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] أي: غير منقطعٍ، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ لصلاة الكسوف هيئةً، تخصُّها من التَّطويل الزَّائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ، وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عبَّاسٍ وعبدُ الله بن عمر (٢)، ومثلُه عن أسماء بنت أبي بكرٍ كما مرَّ في «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٨] وعن جابرٍ عند مسلمٍ، وعن عليٍّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النَّسائيِّ، وعن ابن عمر عند البزَّار، وعن أمِّ سفيان عند الطَّبرانيِّ، وفي رواياتهم زيادةٌ رواها الحفَّاظ الثِّقات، فالأخذ بها أَولى من إلغائها، وقد وردت الزِّيادة في ذلك من طرقٍ أخرى، فعند مسلمٍ من وجه آخرَ عن عائشة، وآخر عن جابرٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ ثلاثَ ركوعاتٍ» وعنده (٣) من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ أربعَ ركوعاتٍ»، ولأبي داود من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ، والبزَّار من حديث عليٍّ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ خمسَ ركوعاتٍ». ولا يخلو إسنادٌ منها (٤) عن (٥) علَّةٍ، ونقل ابن القيِّم عن الشَّافعيِّ وأحمد والبخاريِّ أنَّهم كانوا يعدُّون الزِّيادة على الرُّكوعين في كلِّ ركعةٍ غَلَطًا من بعض الرُّواة، فإنَّ أكثر طرق الحديث يمكن ردُّ بعضها إلى بعضٍ، ويجمعها أنَّ ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتَّحدت القصَّة تعيَّن الأخذ بالرَّاجح، قاله في «فتح الباري».

(٣) (بابُ النِّدَاءِ بِـ: الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ فِي الكُسُوفِ) بنصب «الصَّلاة (٦) جامعة (٧)» على الحكاية فيهما، أي: بهذا اللَّفظ، وحروف الجرِّ لا يظهر عملها في باب الحكاية، ومعمولها محذوفٌ،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

خُزَيْمَةَ، وَالْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَادْعُوا وَتَصَدَّقُوا.

قَوْلُهُ: (وَلَا لِحَيَاتِهِ) اسْتُشْكِلَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ السِّيَاقَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْحَيَاةَ. وَالْجَوَابُ أَنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْحَيَاةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْفَقْدِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِلْإِيجَادِ، فَعَمَّمَ الشَّارِعُ النَّفْيَ لِدَفْعِ هَذَا التَّوَهُّمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْمُسْنَدِيُّ، وَهَاشِمٌ هُوَ أَبُو النَّضْرِ، وَشَيْبَانُ هُوَ النَّحْوِيُّ.

قَوْلُهُ: (يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ) يَعْنِي ابْنَ النَّبِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرَ جُمْهُورُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ مَاتَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ، وَقِيلَ فِي رَابِعَ عَشَرَةَ، وَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا عَلَى قَوْلِ ذِي الْحِجَّةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذْ ذَاكَ بِمَكَّةَ فِي الْحَجِّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَهِدَ وَفَاتَهُ وَكَانَتْ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ، نَعَمْ قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ فَإِنْ ثَبَتَ يَصِحُّ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعَ مِنْهَا فِي آخِرِ الشَّهْرِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الْهَيْئَةِ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَدْ فَرَضَ الشَّافِعِيُّ وُقُوعَ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ مَعًا. وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْهَيْئَةِ، وَانْتَدَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لِدَفْعِ قَوْلِ الْمُعْتَرِضِ فَأَصَابُوا.

قَوْلُهُ: (فَإِذَا رَأَيْتُمْ) أَيْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بَعْدَ أَبْوَابٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا.

(تَنْبِيهٌ): ابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ أَبْوَابَ الْكُسُوفِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِصِفَةِ إِشَارَةٍ مِنْهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُعْطِي أَصْلَ الِامْتِثَالِ، وَإِنْ كَانَ إِيقَاعُهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَخْصُوصَةِ عِنْدَهُ أَفْضَلَ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَوَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كالْبَنْدَنِيجِيِّ أَنَّ صَلَاتَهَا رَكْعَتَيْنِ كَالنَّافِلَةِ لَا يُجْزِئُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢ - بَاب الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ

١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ بِالنَّاسِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا ينخسفان لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا.

[الحديث ١٠٤٤ - أطرافه في: ٦٦٣١. ٥٢٢١. ٤٦٢٤. ٣٢٠٣. ١٢١٢. ١٠٦٦. ١٠٦٥. ١٠٦٤. ١٠٥٨. ١٠٥٦. ١٠٥٠. ١٠٤٧. ١٠٤٦]

قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ عَنْهَا، أَوْرَدَهُ بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، ثُمَّ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَعِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ وَوَرَدَ الْأَمْرُ - فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي الْكُسُوفِ - بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ قُدِّمَ مِنْهَا الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَوَقَعَ الْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ دُونَ غَيْرِهَا فَنَاسَبَ أَنْ يُتَرْجَمَ بِهَا، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَالِيَةٌ لِلصَّلَاةِ

فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تِلْوَ تَرْجَمَةِ الصَّلَاةِ فِي الْكُسُوفِ.

قَوْلُهُ: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ فَصَلَّى) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ فَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْوُضُوءِ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي السِّيَاقِ حَذْفًا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ فَخَسَفَتْ فَرَجَعَ ضُحًى فَمَرَّ بَيْنَ الْحَجَرِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي وَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ جَازَ أَنْ يَكُونَ حُذِفَ أَيْضًا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَلَا يَكُونُ نَصًّا فِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى وُضُوءٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَطَالَ الْقِيَامَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَفِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ طَوِيلَةٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَنَحْوُهُ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عُرْوَةَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ نَحْوًا مِنْ آلِ عِمْرَانَ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَزَادَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ فِي أَوَاخِرِ الْكُسُوفِ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ الْمَشْرُوعِ فِي الِاعْتِدَالِ فِي أَوَّلِ الْقِيَامِ الثَّانِي مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ قِيَامَ قِرَاءَةٍ لَا قِيَامَ اعْتِدَالٍ بِدَلِيلِ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ قَالَ بِزِيَادَةِ الرُّكُوعِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ خَالَفَ فِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ جَاءَتْ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا، بَلْ كُلُّ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِعْلُهُ فِيهَا كَانَ مَشْرُوعًا لِأَنَّهَا أَصْلٌ بِرَأْسِهِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَدَّ الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ قَاسَهَا عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ حَتَّى مَنَعَ مِنْ زِيَادَةِ الرُّكُوعِ فِيهَا. وَقَدْ أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِهِ جَرَى عَلَى الْقِيَاسِ فِي صَلَاةِ النَّوَافِلِ، لَكِنِ اعْتُرِضَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ يَضْمَحِلُّ، وَبِأَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَشْبَهُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُجْمَعُ فِيهِ مِنْ مُطْلَقِ النَّوَافِلِ، فَامْتَازَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِتَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّكْبِيرَاتِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ بِزِيَادَةِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ، فَكَذَلِكَ اخْتُصَّتْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ بِزِيَادَةِ الرُّكُوعِ، فَالْأَخْذُ بِهِ جَامِعٌ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ بَيَانَ مَا قَالَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الذِّكْرُ مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ تَطْوِيلِ الِاعْتِدَالِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ السُّجُودُ بَعْدَهُ، وَلَا تَطْوِيلِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي بَابِ طُولِ السُّجُودِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ فِي الْأُولَى) وَقَعَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ الْآتِيَةِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْصَرَفَ) أَيْ مِنَ الصَّلَاةِ (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ انْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَلِلنَّسَائِيِّ ثُمَّ تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ.

قَوْلُهُ: (فَخَطَبَ النَّاسَ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ لِلْكُسُوفِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مَالِكًا رَوَى حَدِيثَ هِشَامٍ هَذَا وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ بَابٍ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِانْجِلَاءَ لَا يُسْقِطُ الْخُطْبَةَ، بِخِلَافِ مَا لَوِ انْجَلَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْرَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ وَالْخُطْبَةَ، فَلَوِ انْجَلَتْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَا، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ دَلِيلِهِ، وَعَنْ أَصْبَغَ: يُتِمُّهَا عَلَى هَيْئَةِ النَّوَافِلِ الْمُعْتَادَةِ.

قَوْلُهُ: (فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زَادَ النَّسَائِيُّ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَشَهِدَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.

قَوْلُهُ: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَادْعُوا اللَّهَ.

قَوْلُهُ: (وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ) فِيهِ الْقَسَمُ لِتَأْكِيدِ الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ السَّامِعُ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِ.

قَوْلُهُ: (مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ وَعَلَى أَنَّ مِنْ زَائِدَةٌ، وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، أَوْ أَغْيَرَ مَخْفُوضٌ صِفَةٌ لِأَحَدٍ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفُ تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ.

قَوْلُهُ: (أَغْيَرَ) أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْغَيْرَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ تَغَيُّرٌ

يَحْصُلُ مِنَ الْحَمِيَّةِ وَالْأَنَفَةِ، وَأَصْلُهَا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالْأَهْلَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (١) لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ تَغَيُّرٍ وَنَقْصٍ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ، فَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ ثَمَرَةُ الْغَيْرَةِ صَوْنَ الْحَرِيمِ وَمَنْعَهُمْ وَزَجْرَ مَنْ يَقْصِدُ إِلَيْهِمْ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَنَعَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَزَجَرَ فَاعِلَهُ وَتَوَعَّدَهُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ فَوْرِكَ: الْمَعْنَى مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ زَجْرًا عَنِ الْفَوَاحِشِ مِنَ اللَّهِ. وَقَالَ: غَيْرَةُ اللَّهِ مَا يَغِيرُ مِنْ حَالِ الْعَاصِي بِانْتِقَامِهِ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَهْلُ التَّنْزِيهِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى قَوْلَيْنِ، إِمَّا سَاكِتٌ، وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَيْرَةِ شِدَّةُ الْمَنْعِ وَالْحِمَايَةِ، فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الْمُلَازَمَةِ.

وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَجْهُ اتِّصَالِ هَذَا الْمَعْنَى بِمَا قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ إِلَخْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِاسْتِدْفَاعِ الْبَلَاءِ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ نَاسَبَ رَدْعَهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ مِنْ أَسْبَابِ جَلْبِ الْبَلَاءِ، وَخَصَّ مِنْهَا الزِّنَا لِأَنَّهُ أَعْظَمُهَا فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ أَقْبَحِ الْمَعَاصِي وَأَشَدِّهَا تَأْثِيرًا فِي إِثَارَةِ النُّفُوسِ وَغَلَبَةِ الْغَضَبِ نَاسَبَ ذَلِكَ تَخْوِيفَهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ رَبِّ الْغَيْرَةِ وَخَالِقِهَا . وَقَوْلُهُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فِيهِ مَعْنَى الْإِشْفَاقِ كَمَا يُخَاطِبُ الْوَالِدُ وَلَدَهُ إِذَا أَشْفَقَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَا بُنَيَّ كَذَا قِيلَ، وَكَانَ قَضِيَّةَ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ يَا أُمَّتِي لَكِنْ لِعُدُولِهِ عَنِ الْمُضْمَرِ إِلَى الْمُظْهَرِ حِكْمَةٌ، وَكَأَنَّهَا بِسَبَبِ كَوْنِ الْمَقَامِ مَقَامَ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ لِمَا فِي الْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِالتَّكْرِيمِ، وَمِثْلُهُ: يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، الْحَدِيثَ. وَصَدَّرَ كَلَامُهُ بِالْيَمِينِ لِإِرَادَةِ التَّأْكِيدِ لِلْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْتَابُ فِي صِدْقِهِ، وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْعِيدِ وَالْأُمَّةِ بِالذِّكْرِ رِعَايَةٌ لِحُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لِتَنَزُّهِهِ عَنِ الزَّوْجَةِ وَالْأَهْلِ مِمَّنْ يَتَعَلَّقُ بِهِمُ الْغَيْرَةُ غَالِبًا. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَاعِظَ يَنْبَغِي لَهُ حَالَ وَعْظِهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِكَلَامٍ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُبَالِغَ فِي التَّوَاضُعِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى انْتِفَاعِ مَنْ يَسْمَعُهُ.

قَوْلُهُ: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أَيْ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَانْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِجْرَامِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَوْ دَامَ عِلْمُكُمْ كَمَا دَامَ عِلْمِي؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ مُتَوَاصِلٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ عَلِمْتُمْ مِنْ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحِلْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) قِيلَ مَعْنَى الْقِلَّةِ هُنَا الْعَدَمُ، وَالتَّقْدِيرُ لَتَرَكْتُمُ الضَّحِكَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْكُمُ إلَّا نَادِرًا لِغَلَبَةِ الْخَوْفِ وَاسْتِيلَاءِ الْحُزْنِ. وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ. وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِلَ فِيهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ الْأَنْصَارُ دُونَ غَيْرِهِمْ؟ وَالْقِصَّةُ كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ زَمَنِهِ حَيْثُ امْتَلَأَتِ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِ مَكَّةَ وَوُفُودِ الْعَرَبِ وَقَدْ بَالَغَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالتَّشْنِيعِ بِمَا يُسْتَغْنَى عَنْ حِكَايَتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ التَّخْوِيفِ فِي الْخُطْبَةِ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي التَّرْخِيصِ لِمَا فِي ذِكْرِ الرُّخَصِ مِنْ مُلَاءَمَةِ النُّفُوسِ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّهْوَةِ، وَالطَّبِيبُ الْحَاذِقُ يُقَابِلُ الْعِلَّةَ بِمَا يُضَادُّهَا لَا بِمَا يَزِيدُهَا. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ هَيْئَةً تَخُصُّهَا مِنَ التَّطْوِيلِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْقِيَامِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ زِيَادَةِ رُكُوعٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.

وَقَدْ وَافَقَ عَائِشَةَ عَلَى رِوَايَةِ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَمِثْلُهُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَعَنْ أُمِّ

سُفْيَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَفِي رِوَايَاتِهِمْ زِيَادَةٌ رَوَاهَا الْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ فَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى مِنْ إِلْغَائِهَا، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْفُتْيَا، وَقَدْ وَرَدَتِ الزِّيَادَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ، وَآخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَ رُكُوعَاتٍ، وَعِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَرْبَعَ رُكُوعَاتٍ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ خَمْسَ رُكُوعَاتٍ، وَلَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا عَنْ عِلَّةٍ، وَقَدْ أَوْضَحَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْهُدَى عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَالْبُخَارِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَ الزِّيَادَةَ عَلَى الرُّكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ يُمْكِنُ رَدُّ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيَجْمَعُهَا أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَإِذَا اتَّحَدَتْ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِالرَّاجِحِ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَأَنَّ الْكُسُوفَ وَقَعَ مِرَارًا، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ جَائِزًا، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا إِسْحَاقُ لَكِنْ لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ.

وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ الْعَمَلُ بِجَمِيعِ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الْمُبَاحِ، وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَأَبْدَى بَعْضُهُمْ أَنَّ حِكْمَةَ الزِّيَادَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالنَّقْصِ كَانَ بِحَسَبِ سُرْعَةِ الِانْجِلَاءِ وَبُطْئِهِ، فَحِينَ وَقَعَ الِانْجِلَاءُ فِي أَوَّلِ رُكُوعٍ اقْتَصَرَ عَلَى مِثْلِ النَّافِلَةِ، وَحِينَ أَبْطَأَ زَادَ رُكُوعًا، وَحِينَ زَادَ فِي الْإِبْطَاءِ زَادَ ثَالِثًا، وَهَكَذَا إِلَى غَايَةِ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِبْطَاءَ الِانْجِلَاءِ وَعَدَمَهُ لَا يُعْلَمُ فِي أَوَّلِ الْحَالِ وَلَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ سَوَاءٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ مَنْوِيٌّ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ. وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِمَادُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ تَبَعٌ لَهَا فَمَهْمَا اتَّفَقَ وُقُوعُهُ فِي الْأُولَى بِسَبَبِ بُطْءِ الِانْجِلَاءِ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِيُسَاوِيَ بَيْنَهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَصْبَغُ كَمَا تَقَدَّمَ: إِذَا وَقَعَ الِانْجِلَاءُ فِي أَثْنَائِهَا يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَالْعَادَةِ. وَعَلَى هَذَا فَيَدْخُلُ الْمُصَلِّي فِيهَا عَلَى نِيَّةِ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ، وَيَزِيدُ فِي الرُّكُوعِ بِحَسَبِ الْكُسُوفِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ زِيَادَةِ الرُّكُوعِ بِحَمْلِهِ عَلَى رَفْعِ الرَّأْسِ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ هَلِ انْجَلَتْ أَمْ لَا؟ فَإِذَا لَمْ يَرَهَا انْجَلَتْ رَجَعَ إِلَى رُكُوعِهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا فَظَنَّ بَعْضَ مَنْ رَآهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ رُكُوعًا زَائِدًا.

وَتُعُقِّبَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ أَطَالَ الْقِيَامَ بَيْنَ الرُّكُوعَيْنِ وَلَوْ كَانَ الرَّفْعُ لِرُؤْيَةِ الشَّمْسِ فَقَطْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَطْوِيلٍ، وَلَا سِيَّمَا الْأَخْبَارُ الصَّرِيحَةُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ الِاعْتِدَالَ ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَكُلُّ ذَلِكَ يَرُدُّ هَذَا الْحَمْلَ، وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ لَكَانَ فِيهِ إِخْرَاجٌ لِفِعْلِ الرَّسُولِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ أَوْ لَزِمَ مِنْهُ إِثْبَاتُ هَيْئَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَا عَهْدَ بِهَا وَهُوَ مَا فَرَّ مِنْهُ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ الْمُبَادَرَةُ بِالصَّلَاةِ وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ عِنْدَ الْكُسُوفِ، وَالزَّجْرُ عَنْ كَثْرَةِ الضَّحِكِ، وَالْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ الْبُكَاءِ، وَالتَّحَقُّقُ بِمَا سَيَصِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْءُ مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالِاعْتِبَارِ بِآيَاتِ اللَّهِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ تَأْثِيرًا فِي الْأَرْضِ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ عَنِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَكَيْفَ بِمَا دُونَهُمَا. وَفِيهِ تَقْدِيمُ الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ، وَتَعْدِيلُ الصُّفُوفِ، وَالتَّكْبِيرُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَبَيَانُ مَا يُخْشَى اعْتِقَادُهُ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ، وَاهْتِمَامُ الصَّحَابَةِ بِنَقْلِ أَفْعَالِ النَّبِيِّ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. وَمِنْ حِكْمَةِ وُقُوعِ الْكُسُوفِ تَبْيِينُ أُنْمُوذَجِ مَا سَيَقَعُ فِي الْقِيَامَةِ، وَصُورَةُ عِقَابِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الْخَوْفِ مَعَ الرَّجَاءِ لِوُقُوعِ الْكُسُوفِ بِالْكَوْكَبِ ثُمَّ كَشْفُ ذَلِكَ عَنْهُ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى خَوْفٍ وَرَجَاءٍ.

وَفِي الْكُسُوفِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْبِيحِ رَأْيِ مَنْ يَعْبُدُ الشَّمْسَ أَوِ الْقَمَرَ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمُ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ عَلَى صَلَاةِ الْكُسُوفِ، لِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُنَاسِبُ الْإِعْرَاضَ عَنْ عِبَادَتِهِمَا لِمَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) بفتح الكاف والسِّين والفاء (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ) بسكون النُّون بعد المثنَّاة التَّحتيَّة المفتوحة وكسر السِّين (لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ) شيئًا من ذلك، فحذف (١) المفعول (فَصَلُّوا، وَادْعُوا اللهَ) تعالى، وإنَّما ابتدأ المؤلِّف بالأحاديث المطلقة في الصَّلاة بغير تقييدٍ بصفة إشارةً منه إلى أنَّ ذلك يعطي أصل الامتثال، وإن كان إيقاعها على الصِّفة المخصوصة عنده أفضل، والله أعلم.

ورواة هذا الحديث ما بين بخاريٍّ وخراسانيٍّ وبغداديٍّ وبصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده، وأخرجه أيضًا في «الأدب» [خ¦٦١٩٩]، ومسلمٌ في «الصَّلاة».

(٢) (بابُ الصَّدَقَةِ فِي) حالة (٢) (الكُسُوفِ).

١٠٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بن قعنبٍ القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الخاء وتاليَيها (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ) أي: زمنه () يوم مات ابنه إبراهيم (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ بِالنَّاسِ) صلاة الخسوف (فَقَامَ فَأَطَالَ القِيَامَ) لطول القراءة فيه، وفي

رواية ابن شهابٍ الآتية قريبًا -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٠٤٦]: «فاقترأ (١) قراءةً طويلةً» (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح، وقدَّروه (٢) بمئة آيةٍ من البقرة (ثُمَّ قَامَ) من الرُّكوع (فَأَطَالَ القِيَامَ -وَهْوَ دُونَ القِيَامِ الأَوَّلِ-) الَّذي ركع منه (ثُمَّ رَكَعَ) ثانيًا (فَأَطَالَ الرُّكُوعَ) بالتَّسبيح أيضًا (-وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ-) وقدَّروه بثمانين آيةً (ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ) كالرُّكوع (ثُمَّ فَعَلَ) (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: «في الرَّكعة الأخرى» (٣) (مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى) من إطالة الرُّكوع، لكنَّهم قدَّروه في الثالث (٤) بسبعين آيةً بتقديم السِّين على الموحَّدة، وفي الرَّابع (٥) بخمسين تقريبًا في كلِّها لثبوت التَّطويل من الشَّارع بلا تقدير، لكن قال الفاكهانيُّ: إنَّ في بعض الرِّوايات تقدير القيام الأوَّل: بنحو سورة البقرة، والثَّاني: بنحو سورة آل عمران، والثَّالث: بنحو سورة النِّساء، والرَّابع: بنحو سورة المائدة، واستُشكِل تقدير الثَّالث: بالنِّساء، مع كون المختار أن يكون القيام الثَّالث أقصر من القيام الثَّاني، والنِّساء أطول من آل عمران، ولكنَّ الحديث الَّذي ذكره غير معروفٍ، إنَّما هو من قول الفقهاء، نعم قالوا: يطوِّل القيام الأوَّل نحوًا من سورة البقرة لحديث ابن عبَّاسٍ الآتي في «باب صلاة الكسوف جماعة» [خ¦١٠٥٢] وأنَّ الثَّاني دونه، وأنَّ القيام الأوَّل من الرَّكعة الثَّانية نحو القيام الأوَّل، وكذا الباقي، نعم في «الدَّارقُطنيِّ» من حديث عائشة: أنَّه قرأ في الأوَّل (٦) بالعنكبوت والرُّوم، وفي الثَّاني بـ «يس» (ثُمَّ انْصَرَفَ) من الصَّلاة (٧) (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) بنونٍ بعد ألف الوصل، أي: صَفَت، وعاد نورها، ولأبي ذَرٍّ: «تجلَّت» بالمثنَّاة الفوقيَّة وتشديد اللَّام (فَخَطَبَ النَّاسَ) خطبتين كالجمعة

(فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) زاد النَّسائيُّ، من حديث سَمُرة: «وشهد أنَّه عبد الله ورسوله» (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْخَسِفَانِ) بنونٍ ساكنةٍ بعد المثنَّاة التَّحتيَّة وبالخاء مع كسر السِّين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت (١) وابن عساكر: «لا يخسفان» بإسقاط النُّون (لِمَوْتِ أَحَدٍ) من النَّاس (وَلَا لِحَيَاتِهِ) وإنَّما يخوِّف الله بكسوفهما عباده (فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ) الكسوف في أحدهما (فَادْعُوا اللهَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «فاذكروا الله» بدل رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فادعوا الله» (وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا) كما مرَّ (وَتَصَدَّقُوا) وهذا موضع التَّرجمة (ثُمَّ قَالَ) : (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) برفع «أَغْيَرُ» صفةً لـ «أحدٍ» باعتبار المحلِّ، والخبر محذوفٌ منصوبٌ، أي: موجودًا على أنَّ: «ما» حجازيَّةٌ، أو يكون: «أحد» مبتدأ، و «أَغْيَرُ» خبره (٢) على أنَّ «ما» تميميَّةٌ، ويجوز نصب: «أَغْيَرَ» على أنَّها خبر «ما» الحجازيَّة، و «مِنْ» زائدةٌ للتَّأكيد، وأن يكون مجرورًا بالفتحة على الصِّفة للمجرور باعتبار اللَّفظ، والخبر المحذوف مرفوعٌ على «أنَّ» «ما» تميميَّةٌ، وقوله: «أن يزنيَ» متعلِّق بـ «أغير»، وحَذْف «مِنْ» قبل (٣) «أَنْ»، قياسٌ مستمرٌّ، واستُشكِل نسبةُ الغَيرة إلى الله تعالى؛ لكونها ليست من الصِّفات اللَّائقة به تعالى؛ إذ هي هيجان الغضب بسبب هتك مَن يذبُّ عنه، والله تعالى منزَّهٌ عن كلِّ تغييرٍ (٤)، وأُجيبَ بتأويله بلازم الغيرة وهو المنع، وزيادةُ الغيرة معناها (٥) زيادة

المنع، والزِّيادة هنا حقيقةٌ لأنَّ صفاتِ الأفعال حادثةٌ عندنا، تقبل التَّفاوت، أو يُؤَوَّل بإرادة الانتقام ليكون من صفات الذَّات، أو التَّفضيل هنا مجازيٌّ لأنَّ القديم لا يتفاوت إلَّا أن يُراد باعتبار المتعلَّق (١)، وتأوَّله ابن فُوْرَكٍ: على الزَّجر والتَّحريم، وابن دقيق العيد: على شدَّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة، ومجاز الملازمة يحتمل كلًّا من التَّأويلَين؛ لأنَّ ذلك إمَّا من إطلاق اللَّازم على الملزوم، أو الملزوم على اللَّازم، وعلى كلِّ حالٍ فاستُعمال هذا اللَّفظ جاريًا على ما أُلِفَ من كلام العرب، قال الطِّيبيُّ: ووجه اتِّصال هذا المعنى بما تقدَّم من قوله: «فاذكروا الله … » إلى آخره، هو أنَّه لمَّا خوَّف أمَّته من الكسوفين، وحرَّضَهم على الفزع والالتجاء إلى الله تعالى بالتَّكبير والدُّعاء والصَّلاة والصَّدقة؛ أراد أن يَرْدَعهم عن المعاصي الَّتي هي من أسباب حدوث البلاء، وخصَّ منها الزِّنا لأنَّه أعظمها، والنَّفس إليه أميل، وخصَّ (٢) العبد والأمة بالذِّكر رعايةً لحسن الأدب، ثمَّ كرَّر النَّدبة (٣) فقال: (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) من عظمة الله، وعظيم انتقامه من أهل الجرائم، وشدَّة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا) لتفكُّركم فيما

علمتموه (١)، والقلَّة هنا بمعنى: العدم كما في قوله: قليل التَّشكِّي، أي: عديمه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] أي: غير منقطعٍ، واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ لصلاة الكسوف هيئةً، تخصُّها من التَّطويل الزَّائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوعٍ في كلِّ ركعةٍ، وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عبَّاسٍ وعبدُ الله بن عمر (٢)، ومثلُه عن أسماء بنت أبي بكرٍ كما مرَّ في «صفة الصَّلاة» [خ¦٧٤٨] وعن جابرٍ عند مسلمٍ، وعن عليٍّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النَّسائيِّ، وعن ابن عمر عند البزَّار، وعن أمِّ سفيان عند الطَّبرانيِّ، وفي رواياتهم زيادةٌ رواها الحفَّاظ الثِّقات، فالأخذ بها أَولى من إلغائها، وقد وردت الزِّيادة في ذلك من طرقٍ أخرى، فعند مسلمٍ من وجه آخرَ عن عائشة، وآخر عن جابرٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ ثلاثَ ركوعاتٍ» وعنده (٣) من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ أربعَ ركوعاتٍ»، ولأبي داود من حديث أُبَيِّ بن كعبٍ، والبزَّار من حديث عليٍّ: «أنَّ في كلِّ ركعةٍ خمسَ ركوعاتٍ». ولا يخلو إسنادٌ منها (٤) عن (٥) علَّةٍ، ونقل ابن القيِّم عن الشَّافعيِّ وأحمد والبخاريِّ أنَّهم كانوا يعدُّون الزِّيادة على الرُّكوعين في كلِّ ركعةٍ غَلَطًا من بعض الرُّواة، فإنَّ أكثر طرق الحديث يمكن ردُّ بعضها إلى بعضٍ، ويجمعها أنَّ ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتَّحدت القصَّة تعيَّن الأخذ بالرَّاجح، قاله في «فتح الباري».

(٣) (بابُ النِّدَاءِ بِـ: الصَّلَاةَُ جَامِعَةًٌ فِي الكُسُوفِ) بنصب «الصَّلاة (٦) جامعة (٧)» على الحكاية فيهما، أي: بهذا اللَّفظ، وحروف الجرِّ لا يظهر عملها في باب الحكاية، ومعمولها محذوفٌ،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده