«قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١١

الحديث رقم ١١١ من كتاب «كتاب العلم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب كتابة العلم.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب…

«قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ، وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.»

سند حديث: ١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ…

١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب…

سأل أبوجحيفة رضي الله عنه عليًّا رضي الله عنه : هل خصكم النبي صلى الله عليه وسلم بعلم أو شيء مكتوب عندكم دون غيركم من الناس، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليًّا أشياء من الوحي خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لم يطلع غيرهم عليها، وقد سأل عليًّا عن هذه المسألة غير واحد، فأجابه علي رضي الله عنه حالفًا يمينًا كانت تحلفه العرب، وهو الحلف بالله الذي خلق الإنسان وشق الحب، بأنه ليس عندهم شيء غير الفهم الذي يؤتيه الله عبده، غير كتاب كتبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيه أحكام الديات وتخليص أسرى المسلمين من الأسر، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وذلك لأن الكافر ليس كفؤاً للمسلم ليقتل به، بل هو دونه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • أنه لا يقتل مسلم بكافر، فإن الكافر غير مكافىء للمسلم.
  • مفهومه أن الكافر يقتل بالمسلم وهو إجماع العلماء؛ ويؤيده ما في الصحيح: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل يهوديًّا رضخ رأس جارية من الأنصار"، ولأن المسلم أعلى رتبة بإسلامه من الكافر.
  • وجوب فك الأسير المسلم.
  • ما امتن الله به على أهل السنة من ظهور كذب الرافضة في دعواهم أن عند أهل البيت قرآنًا سوى هذا المصحف.
  • أن الله يمن على من يشاء من عباده بنعمة الفهم.
  • جواز الإقسام بلا قسم إذا كان الأمر مهمًّا واقتضت المصلحة ذلك.
  • احتفاظ علي -رضي الله عنه- بالسنة وعنايته بها وكتابته لها.
  • حرص أبي جحيفة -رضي الله عنه- على السؤال والعلم.
  • تحمل العاقلة -وهم عصبة الرجل من الذكور الذين يرثونه- للدية.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالزُّبَيْرُ، وَمِنَ الْحِسَانِ طَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمِنَ الضَّعِيفِ الْمُتَمَاسِكِ طَرِيقُ عُثْمَانَ، وَبَقِيَّتُهَا ضَعِيفٌ وَسَاقِطٌ.

٣٩ - بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ

١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.

[الحديث ١١١ - أطرافه في: ٧٣٠٠، ٦٩١٥، ٦٩٠٣، ٦٧٥٥، ٣١٧٩، ٣١٧٢، ٣٠٤٧، ١٨٧٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ) طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ يُورِدُهَا عَلَى الِاحْتِمَالِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَتَرْكًا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ; لِأَنَّ وَكِيعًا مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ: يُقَالُ: إِنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قُلْتُ: لَوْ كَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْ مُتَّفِقِي الِاسْمِ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ أَهْمَلَ نِسْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ إِكْثَارٍ وَنَحْوِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا، وَهَكَذَا نَقُولُ هُنَا؛ لِأَنَّ وَكِيعًا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الثَّوْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ابْنُ طَرِيفٍ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) هُوَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَلِيٍّ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ .

قَوْلُهُ: (هَلْ عِنْدَكُمْ) الْخِطَابُ لِعَلِيٍّ، وَالْجَمْعُ إِمَّا لِإِرَادَتِهِ مَعَ بَقِيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ لِلتَّعْظِيمِ.

قَوْلُهُ: (كِتَابٌ) أَيْ: مَكْتُوبٌ أَخَذْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَلَهُ فِي الدِّيَاتِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ: هَلْ عَلِمْتَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ - لَا سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الْوَحْيِ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ بِهَا لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُمْ عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَحَدِيثُهُمَا فِي مُسْنَدِ النَّسَائِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَشْيَاءُ مَكْتُوبَةٌ مِنَ الْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِالرَّفْعِ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَكَانَ مَنْصُوبًا. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُنْقَطِعٌ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ الْفَهْمِ إِثْبَاتُ إِمْكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ بِلَفْظِ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ مِنَ الْكِتَابِ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُفَرَّغٌ وَالثَّانِي مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَى اللَّهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَتَحْصُلُ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تحريم الكذب عليه في كلِّ حالٍ، سواءٌ في اليقظة والنَّوم، وقد أورد المصنِّف حديث: «من كذب عليَّ» ههنا عن جماعةٍ من الصَّحابة: عليٍّ والزُّبَيْر وأنسٍ وسلمةَ وأبي هريرة، وهو حديثٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية القوَّة، وقد أَطْلَقَ القولَ بتواتره جماعةٌ، وعُورِضَ بأنَّ المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودةً في كلِّ طريقٍ بِمُفرَدِها، وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد من «إطلاق تواتره» رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كلِّ عصرٍ، وهذا كافٍ في إفادة العلم.

(٣٩) هذا (بابُ كِتَابَةِ العِلْمِ).

١١١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نِسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم

وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء المُشدَّدة آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة وتخفيف الواو وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ»: (هَلْ عِنْدَكُمْ) أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم» للتَّعظيم (كِتَابٌ) أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه (١) الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتابَ عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ، ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ، فمدفوعٌ بأنَّه لو كان من غير الجنس لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا) أي:

الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا) وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فما» وكلاهما للعطف، أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ : فيها (العَقْلُ) أي: حكمُ العَقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون (١) فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها (وَفَِكَاكُ) بفتح الفاء (٢) ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ، أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن (٣) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأنْ لا يُقتَل» بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد لأنَّ التَّقدير فيها، أي: في الصَّحيفة حكمُ العقل، وحكمُ تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ قَتَلَ مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديثَ، رواه الدَّارقُطنيُّ لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ (٤)» [خ¦١٨٦٧]، ولمسلمٍ: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لغيرِ الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ (٥) دماؤهم يسعى بذمَّتهم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والسائب بن يزِيد وخَالِد بن عرفطة وَأبي أُمَامَة وَأبي قرصافة وَأبي مُوسَى الغافقي وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثُونَ نفسا وَمِنْهَا سَبْعُونَ حَدِيثا مَا بَين ضَعِيف وساقط عَن سبعين نفسا مِنْهُم وهم أَبُو بكر بن عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وعمار بن يَاسر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَزيد بن ثَابت وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَجَابِر بن عبد الله وَأُسَامَة بن زيد بن وَقيس بن سعد بن عبَادَة وواثلة بن الاسقع وَكَعب بن قُطْبَة وَسمرَة بن جُنْدُب والبراء ابْن عَازِب وَأَبُو مُوسَى الغاففقي وَمَالك بن عبد الله بن زعب وصهيب والنواس بن سمْعَان ويعلى بن مرّة وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان والسائب بن يزِيد وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وَسليمَان بن خَالِد الْخُزَاعِيّ وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء بن عَمْرو ابْن عبسة السّلمِيّ وطارق بن أَشْيَم وَأَبُو رَافع إِبْرَاهِيم وَيُقَال اسْلَمْ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعتبَة بن غَزوَان وَمُعَاوِيَة بن حيدة ومعاذ بن جبل وَسعد بن المدحاس وَأَبُو كَبْشَة الانماري والعرس بن عميرَة والمنقع التَّمِيمِي وَابْن أبي العشراء الدَّارمِيّ ونبيط بن شريط وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَيزِيد بن أَسد وَأَبُو مَيْمُون الْكرْدِي وَرجل من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرجل آخر (١)

٣٩ - (بابُ كِتَابَةِ العلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف بَين السّلف فِي الْعَمَل وَالتّرْك مَعَ إِجْمَاعهم على الْجَوَاز، بل على اسْتِحْبَابه، بل لَا يبعد وُجُوبه فِي هَذَا الزَّمَان لقلَّة اهتمام النَّاس بِالْحِفْظِ، وَلَو لم يكْتب يخَاف عَلَيْهِ من الضّيَاع والاندراس.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق حثا على الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب فِي النَّقْل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حث على الِاحْتِرَاز. عَن ضيَاع كَلَام الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا سِيمَا من أهل هَذَا الزَّمَان، لقُصُور هممهم فِي الضَّبْط وتقصيرهم فِي النَّقْل.

١١١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنِ سَلَامٍ قالَ: أخْبَرَنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ مطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِي عنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَليٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا! إلَاّ كِتابُ اللَّهِ، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلمٌ، أوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ الأسِير ولَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بكافِرٍ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، لِأَن الصَّحِيفَة هِيَ الورقة الْمَكْتُوبَة، وَفِي (الْعباب) : الصَّحِيفَة الْكتاب، وَالَّذِي يقْرَأ هُوَ الصَّحِيفَة.

بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، أَبُو عبد الله البيكندي، وَفِي (الْكَمَال) : بتَخْفِيف اللَّام، وَقد يشدده من لَا يعرف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ بِالتَّشْدِيدِ لَا بِالتَّخْفِيفِ، وَقد تقدم. الثَّانِي: وَكِيع بن الْجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حَمْحَمَة، وَقيل: غَيره، أَصله من قَرْيَة من قرى نيسابور، الرواسِي الْكُوفِي من قيس غيلَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره. وَعَن أَحْمد وَقَالَ: إِنَّه أحفظ من ابْن مهْدي. وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: لَو شِئْت قلت: إِنَّه أرجح من سُفْيَان، ولد سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، وَمَات بفيد منصرفا من الْحَج يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. وَقَالَ ابْن معِين: مَا رَأَيْت أفضل من وَكِيع، وَكَانَ يُفْتِي بقول أبي حنيفَة، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سُفْيَان، قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الثَّوْريّ، وَأَن يُرَاد بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، لِأَن وكيعا يروي عَنْهُمَا وهما يرويان عَن مطرف، وَلَا قدح بِهَذَا الالتباس فِي الْإِسْنَاد، لِأَن أيا كَانَ مِنْهُمَا فَهُوَ: إِمَام حَافظ ضَابِط عدل مَشْهُور على شَرط البُخَارِيّ، وَلِهَذَا يروي لَهما فِي (الْجَامِع) شَيْئا كثيرا. وَقَالَ بَعضهم عَن سُفْيَان: هُوَ الثَّوْريّ، لِأَن وكيعا مَشْهُور بالرواية عَنهُ، وَلَو كَانَ ابْن عُيَيْنَة لنسبه، لِأَن الْقَاعِدَة فِي كل من روى عَن مُتَّفق الِاسْم أَنه يحمل من أهمل نسبته على من يكون لَهُ بِهِ

خُصُوصِيَّة من إكثار وَنَحْوه، ووكيع قَلِيل الرِّوَايَة عَن ابْن عُيَيْنَة بِخِلَاف الثَّوْريّ. قلت: كل مَا ذكره لَيْسَ يصلح مرجحا أَن يكون سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْريّ، بعد أَن ثَبت رِوَايَة وَكِيع عَن سفيانين كليهمَا وروايتهما عَن مطرف، على أَن أَبَا مَسْعُود الدِّمَشْقِي قَالَ فِي (الْأَطْرَاف) هَذَا هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ الغساني فِي كِتَابه (تَقْيِيد المهمل) هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء: ابْن طريف، بطاء مُهْملَة مَفْتُوحَة: أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، الْكُوفِي الْحَارِثِيّ نِسْبَة إِلَى بني الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو، وَيُقَال: الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالفاء، نِسْبَة إِلَى خارف بن عبد الله. وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عَامر الشّعبِيّ، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، واسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد، الْكُوفِي. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة. وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، يُكرمهُ وَيُحِبهُ ويثق بِهِ وَجعله على بَيت المَال بِالْكُوفَةِ، وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَنزل الْكُوفَة، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَكَانَ من صغَار الصَّحَابَة. قيل: توفّي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يبلغ الْحلم، وَالله أعلم. السَّابِع: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ وَقد دخل فِيهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَآخَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا ابْن سَلام. قَوْله: (عَن الشّعبِيّ) وَفِي رِوَايَة المُصَنّف فِي الدِّيات: (سَمِعت الشّعبِيّ) . قَوْله: (عَن أبي جُحَيْفَة) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الدِّيات: (سَمِعت أَبَا جُحَيْفَة) . وَقد صرح باسمه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر، وَفِي الدِّيات عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن مطرف بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم عَن مطرف نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقود عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عَلْقَمَة بن عَمْرو الدَّارِيّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن مطرف نَحوه.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (أَو فهم) وَهُوَ جودة الذِّهْن. قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء فهما وفهامية: عَلمته. وَفُلَان فهيم، وَقد استفهمني الشَّيْء فأفهمته وفهمته تفهيما، وتفهم الْكَلَام إِذا فهمه شَيْئا بعد شَيْء. قَوْله: (الصَّحِيفَة) قد مر تَفْسِيرهَا. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَإِنَّمَا سميت بِهِ لأَنهم كَانُوا يُعْطون فِيهَا الْإِبِل ويربطونها بِفنَاء دَار الْمَقْتُول بالعقال وَهُوَ: الْحَبل. قَوْله: (وفكاك الْأَسير) بِكَسْر الْفَاء، وَهُوَ مَا يفتك بِهِ. وفكه وافتكه بِمَعْنى أَي: خلصه، وَيجوز فتح الْفَاء أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الْفَتْح أفْصح. وَفِي (الْعباب) : فك يفك فكا وفكوكا، وَفك الرَّهْن إِذا خلصه، وفكاك الرَّهْن وفكاكه مَا يفتك بِهِ عَن الْكسَائي. وَفك الرَّقَبَة أَي: أعْتقهَا، وفككت الشَّيْء أَي خلصته،، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما. قَوْله: (الْأَسير) فعيل بِمَعْنى المأسور من أسره إِذا شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، بِكَسْر الْقَاف وبالمهملة، لأَنهم كَانُوا يشدون الْأَسير بالقد، وَيُسمى كل أخيد أَسِيرًا وَإِن لم يشد بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (هَل) للاستفهام و: (كتاب) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (عنْدكُمْ) مقدما. قَوْله: (لَا) أَي: لَا كتاب عندنَا إِلَّا كتاب الله، بِالرَّفْع، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُتَّصِل لِأَن الْمَفْهُوم من الْكتاب كتاب أَيْضا، لِأَن المفاهيم تَوَابِع المناطيق. قَوْله: (أَو فهم) بِالرَّفْع عطف على: كتاب الله. و: (أعْطِيه) بِصِيغَة الْمَجْهُول وَفتح الْيَاء أسْند إِلَى قَوْله: (رجل) . وَلكنه هُوَ الْمَفْعُول الأول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (مُسلم) صفة لرجل. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) عطف على قَوْله: (كتاب الله) وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. قَوْله: (قلت: وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟) أَي: أَي شَيْء فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟ فكلمة: مَا، استفهامية مُبْتَدأ، و: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. وَفِي بعض النّسخ: فَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة، بِالْفَاءِ، وَكِلَاهُمَا للْعَطْف. قَوْله: (الْعقل) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: فِيهَا الْعقل، والمضاف فِيهِ مَحْذُوف أَيْضا، أَي: حكم الْعقل أَي: الدِّيَة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله:

(وفكاك الْأَسير) كَلَام إضافي عطف على الْعقل. قَوْله: (وَلَا يقتل) بِضَم اللَّام وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَأَن لَا يقتل) بِزِيَادَة: أَن، الناصبة. وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: وفيهَا عدم قتل مُسلم بِكَافِر، يَعْنِي: حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر، وَأما على رِوَايَة من روى: وَلَا يقتل، بِدُونِ: أَن، فَإِنَّهُ جملَة فعلية معطوفة على جملَة إسمية، أَعنِي قَوْله: (الْعقل) لِأَن تَقْدِيره: وفيهَا الْعقل، كَمَا ذكرنَا. وَالتَّقْدِير: وفيهَا الْعقل وفيهَا حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد؟ قلت: هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: ٩٧) انْتهى. قلت: لَيْسَ هَهُنَا عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد وَإِنَّمَا هُوَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، فَإِن أَرَادَ بقوله الْمُفْرد الْعقل فَهُوَ لَيْسَ بمفرد لِأَنَّهُ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَهُوَ جملَة، وَلَا هُوَ مثل لقَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: ٩٧) ، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ الْجُمْلَة هَهُنَا مُفْرد، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (الْكَشَّاف) : التَّقْدِير: مقَام إِبْرَاهِيم وَأمن من دخله، فَقدر الْجُمْلَة فِي حكم الْمُفْرد ليَكُون عطف مُفْرد على مُفْرد. وَلم يقدر هَكَذَا، إلَاّ ليَصِح وُقُوع قَوْله {مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: ٩٧) عطف بَيَان لقَوْله: {آيَات بَيِّنَات} (آل عمرَان: ٩٧) ، لِأَن بَيَان الْجُمْلَة بِالْوَاحِدِ لَا يَصح.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ؟) الْخطاب لعليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالْجمع للتعظيم، أَو لإرادته مَعَ سَائِر أهل الْبَيْت، أَو للالتفات من خطاب الْمُفْرد إِلَى خطاب الْجمع على مَذْهَب من قَالَ من عُلَمَاء الْبَيَان: يكون مثله التفاتا، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الطَّلَاق: ١) إِذْ لَا فرق بَين أَن يكون الِانْتِقَال حَقِيقَة أَو تَقْديرا عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب أخذتموه عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِمَّا أُوحِي إِلَيْهِ. وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (هَل عنْدكُمْ شَيْء من الْوَحْي إلَاّ مَا فِي كتاب الله؟) . وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى فِي الدِّيات: (هَل عنْدكُمْ شَيْء مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآن؟) وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن جرير بن مطرف: (هَل علمت شَيْئا من الْوَحْي؟) وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَة عَن ذَلِك لِأَن الشِّيعَة كَانُوا يَزْعمُونَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خص أهل بَيته، لَا سِيمَا عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأسرار من علم الْوَحْي لم يذكرهَا لغيره، وَقد سَأَلَ عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا قيس بن عباد، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْأَشْتَر النَّخعِيّ، وحديثهما فِي (سنَن النَّسَائِيّ) . قَوْله: (قَالَ: لَا) . أَي: لَا كتاب، أَي: لَيْسَ عندنَا كتاب غير كتاب الله تَعَالَى. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (لَا، وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة) . قَوْله: (إِلَّا كتاب الله) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل كَمَا ذكرنَا لِأَنَّهُ من جنسه، إِذْ لَو كَانَ من غير جنسه لَكَانَ قَوْله: (أَو فهم) مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ عطف على الْمُسْتَثْنى، والمستثنى إِذا كَانَ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يكون مَنْصُوبًا، وَمَا عطف عَلَيْهِ كَذَلِك وَقَول بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع غير صَحِيح. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: فِيهِ دَلِيل على أَنه كَانَ عِنْده أَشْيَاء مَكْتُوبَة من الْفِقْه المستنبط من كتاب الله، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله: (أَو فهم أعْطِيه رجل) . قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، بل المُرَاد من الْفَهم مَا يفهمهُ الرجل من فحوى الْكَلَام وَيدْرك من بواطن الْمعَانِي الَّتِي هِيَ غير الظَّاهِر من نَصه: كوجوه الأقيسة والمفاهيم وَسَائِر الاستنباطات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الدِّيات بِلَفْظ: (مَا عندنَا إلَاّ مَا فِي الْقُرْآن إلَاّ فهما يعْطى رجل فِي الْكتاب) . وَالْمعْنَى: إلَاّ مَا فِي الْقُرْآن من الْأَشْيَاء المنصوصة، لَكِن إِن أعْطى الله رجلا فهما فِي كِتَابه فَهُوَ يقدر على استنباط أَشْيَاء أُخْرَى خَارِجَة عَن ظَاهر النَّص، وَمن أبين الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الْفَهم مَا ذكرنَا، وَأَنه غير شَيْء مَكْتُوب، مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: شهِدت عليا، رَضِي الله عَنهُ، على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول: (وَالله مَا عندنَا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة) ، وَقد علمت أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، وَكَانَت هَذِه معلقَة بقبضة سَيْفه إِمَّا احْتِيَاطًا أَو استحضارا وَإِمَّا لكَونه مُنْفَردا بِسَمَاع ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق الأشتر: فَأخْرج كتابا من قرَاب سَيْفه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن سَبَب اقتران الصَّحِيفَة بِالسَّيْفِ الْإِشْعَار بِأَن مصَالح الدّين لَيست بِالسَّيْفِ وَحده، بل بِالْقَتْلِ تَارَة، وبالدية تَارَة، وبالعفو أُخْرَى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: كَلَام عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَيْسَ عِنْده سوى الْقُرْآن، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم، وَإِنَّمَا وَقع التَّفَاوُت من قبل الْفَهم واستعداد الاستنباط، وَاسْتثنى مَا فِي الصَّحِيفَة احْتِيَاطًا لاحْتِمَال أَن يكون مَا فِيهَا مَا لَا يكون عِنْد غَيره فَيكون مُنْفَردا بِالْعلمِ بِهِ. قَالَ: وَقيل: كَانَ فِيهَا من الْأَحْكَام غير مَا ذكر هُنَا، وَلَعَلَّه لم يذكر جملَة مَا فِيهَا، إِذْ التَّفْصِيل لم يكن مَقْصُودا حِينَئِذٍ، أَو ذكره وَلم يحفظ الرَّاوِي. قلت: وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم، من طَرِيق يزِيد التَّيْمِيّ عَن عَليّ،

رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (مَا عندنَا شَيْء نقرؤه إلَاّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة، فَإِذا فِيهَا: الْمَدِينَة حرم) الحَدِيث. وَلمُسلم عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: (مَا خصنا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، بِشَيْء لم يعم بِهِ النَّاس كَافَّة إلَاّ مَا فِي قرَاب سَيفي هَذَا، فَأخْرج صحيفَة مَكْتُوبَة فِيهَا: لعن الله من ذبح لغير الله) الحَدِيث. وللنسائي من طَرِيق الأشتر وَغَيره عَن عَليّ: فَإِذا فِيهَا: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ، يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم) الحَدِيث. وَلأَحْمَد من طَرِيق ابْن شهَاب: (فِيهَا فَرَائض الصَّدَقَة) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث؟ قلت: الصَّحِيفَة كَانَت وَاحِدَة، وَكَانَ جَمِيع ذَلِك مَكْتُوبًا فِيهَا، وَنقل كل من الروَاة مَا حفظه. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَالْمرَاد أَحْكَامهَا ومقاديرها وأصنافها وَأَسْنَانهَا، وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَوْله: (وفكاك الْأَسير) حكمه وَالتَّرْغِيب فِي تخليصه، وَأَنه نوع من أَنْوَاع الْبر الَّذِي يَنْبَغِي أَن يهتم بِهِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ مَا يقطع بِدعَة الشِّيعَة والمدعين على عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه الْوَصِيّ، وَأَنه الْمَخْصُوص بِعلم من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يعرفهُ غَيره حَيْثُ قَالَ: مَا عِنْده إلَاّ مَا عِنْد النَّاس من كتاب الله، ثمَّ أحَال على الْفَهم الَّذِي النَّاس فِيهِ على درجاتهم، وَلم يخص نَفسه بِشَيْء غير مَا هُوَ مُمكن فِي غَيره.

الثَّانِي: فِيهِ إرشاد إِلَى أَن للْعَالم الْفَهم أَن يسْتَخْرج من الْقُرْآن بفهمه مَا لم يكن مَنْقُولًا عَن الْمُفَسّرين، لَكِن بِشَرْط مُوَافَقَته لِلْأُصُولِ الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْأَحْكَام وتقييدها.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَن الإِمَام فِيمَا يتَعَلَّق بخاصته.

الْخَامِس: احْتج بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن الْمُسلم لَا يقتل بالكافر قصاصا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن شبْرمَة. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد بن ثَابت، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِلَيْهِ ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ مَالك وَاللَّيْث بن سعد: إِن قَتله غيلَة قتل بِهِ وإلَاّ لم يقتل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة وَمُحَمّد وَزفر: يقتل الْمُسلم بالكافر، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي ليلى وَعُثْمَان البتي، وَهُوَ رِوَايَة عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنْهُم. وَقَالُوا: وَلَا يقتل بالمستأمن والمعاهد. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: احتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْحسن بن أَحْمد عَن سعيد بن مُحَمَّد الرهاوي عَن عمار بن مطر عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قتل مُسلما بمعاهد، ثمَّ قَالَ: أَنا أكْرم من وَفِي بِذِمَّتِهِ) . ثمَّ قَالَت الشَّافِعِيَّة: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَهُوَ مَتْرُوك، وَالصَّوَاب إرْسَاله، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف لَا تقوم بِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث فَكيف إِذا أرْسلهُ؟ وَقَالَ مَالك وَيحيى بن سعيد وَابْن معِين: هُوَ كَذَّاب، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى. وَقَالَ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ: ترك النَّاس حَدِيثه. وَابْن الْبَيْلَمَانِي اسْمه: عبد الرَّحْمَن، وَقد ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ أَحْمد: من حكم بحَديثه فَهُوَ عِنْدِي مخطىء، وَإِن حكم بِهِ حَاكم نقض. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الحَدِيث على ترك الْمُتَّصِل من حَدِيثه، فَكيف بالمنقطع؟ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع لَا احتجاج بِهِ، ثمَّ إِنَّه خطأ إِذْ قيل: إِن الْقَاتِل كَانَ عَمْرو بن أُميَّة وَقد عَاشَ بعد الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، سِنِين؛ ومتروك بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ روى أَن الْكَافِر كَانَ رَسُولا فَيكون مستأمنا لَا ذِمِّيا، وَأَن الْمُسْتَأْمن لَا يقتل بِهِ الْمُسلم وفَاقا، ثمَّ إِن صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخ لِأَنَّهُ روى أَنه كَانَ قبل الْفَتْح. وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم الْفَتْح فِي خطْبَة خطبهَا على درج الْبَيْت الشريف: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) . وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: لَا يتَعَيَّن علينا الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ، وَإِنَّمَا نَحن نستدل بالنصوص الْمُطلقَة فِي اسْتِيفَاء الْقصاص من غير فصل. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يكن مُفردا، وَلَو كَانَ مُفردا لاحتمل مَا قُلْتُمْ، وَلكنه كَانَ مَوْصُولا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ قيس بن عباد وَالْأَشْتَر، فَإِن فِي روايتهما: لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده، فَهَذَا هُوَ أصل الحَدِيث وَتَمَامه، وَهَذَا لَا يدل على مَا ذهبتم إِلَيْهِ، لِأَن الْمَعْنى على أصل الحَدِيث: لَا يقتل مُؤمن بِسَبَب قتل كَافِر، وَلَا يقتل

ذُو عهد فِي عَهده بِسَبَب قتل كَافِر. وَمن الْمَعْلُوم أَن ذَا الْعَهْد كَافِر، فَدلَّ هَذَا أَن الْكَافِر الَّذِي منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يقتل بِهِ مُؤمن فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ الْكَافِر الَّذِي لَا عهد لَهُ، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لأحد: أَن الْمُؤمن لَا يقتل بالكافر الْحَرْبِيّ، وَلَا الْكَافِر الَّذِي لَهُ عهد يقتل بِهِ أَيْضا، فحاصل معنى حَدِيث أبي جُحَيْفَة: لَا يقتل مُسلم وَلَا ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر.

فَإِن قَالُوا: كل وَاحِد من الْحَدِيثين كَلَام مُسْتَقل مُفِيد فَيعْمل بِهِ، فَمَا الْحَاجة إِلَى جَعلهمَا وَاحِدًا حَتَّى يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل؟ قُلْنَا: قد ذكر أَن أصل الحَدِيث وَاحِد فتقطيعه لَا يزِيل الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، وَلَئِن سلمنَا أَن أَصله لَيْسَ بِوَاحِد، وَأَن كل وَاحِد حَدِيث بِرَأْسِهِ وَلَكِن الْوَاجِب حملهما على أَنَّهُمَا وردا مَعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يثبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ، مرّة من غير ذكر ذِي الْعَهْد، وَمرَّة مَعَ ذكر ذِي الْعَهْد، وَأَيْضًا إِن أصل هَذَا كَانَ فِي خطبَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة، وَقد كَانَ رجل من خُزَاعَة قتل رجلا من هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا إِن كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي هَاتين، لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) يَعْنِي، وَالله أعلم: الْكَافِر الَّذِي قَتله فِي الْجَاهِلِيَّة. وَكَانَ ذَلِك تَفْسِير لقَوْله: (كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي) . لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي خطاب وَاحِد فِي حَدِيث وَاحِد، وَقد ذكر أهل الْمَغَازِي أَن عهد الذِّمَّة كَانَ بعد فتح مَكَّة، وَأَنه إِنَّمَا كَانَ قبل، بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين، عهود إِلَى مدد لَا على أَنهم داخلون فِي ذمَّة الْإِسْلَام وَحكمه، وَكَانَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة: (لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر) منصرفا إِلَى الْكفَّار المعاهدين، إِذْ لم يكن هُنَاكَ ذمِّي ينْصَرف الْكَلَام إِلَيْهِ، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، وَهَذَا يدل على أَن عهودهم كَانَت إِلَى مدد، وَلذَلِك قَالَ: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم} (التَّوْبَة: ٤) وَقَالَ: {فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر} (التَّوْبَة: ٢) وَكَانَ الْمُشْركُونَ حِينَئِذٍ على ضَرْبَيْنِ. أَحدهمَا: أهل الْحَرْب وَمن لَا عهد بَينه وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر: أهل الْمدَّة. وَلم يكن هُنَاكَ أهل ذمَّة، فَانْصَرف الْكَلَام إِلَى الضربين من الْمُشْركين، وَلم يدْخل فِيهِ من لم يكن على أحد هذَيْن الوصفين، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام.

وَقَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُسلم تقطع يَده إِذا سرق من مَال الذِّمِّيّ، فَكَذَا يقتل إِذا قَتله، وَإِن قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَنه يَقْتَضِي تَخْصِيص الْعَام لِأَن الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ ذُو الْعَهْد هُوَ الْحَرْبِيّ دون الْمسَاوِي لَهُ والأعلى وَهُوَ الذِّمِّيّ، فَلَا يبْقى أحد يقتل بِهِ الْمعَاهد إلَاّ الْحَرْبِيّ، فَيجب أَن يكون الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ الْمُسلم هُوَ الْحَرْبِيّ، تَسْوِيَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ.

واعترضوا بِوُجُوه. الأول: أَن الْوَاو لَيست للْعَطْف بل للاستئناف، وَمَا بعد ذَلِك جملَة مستأنفة فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار فَإِنَّهُ خلاف الأَصْل، فَلَا يقدر فِيهِ: بِكَافِر. الثَّانِي: سلمنَا أَنه من بَاب عطف الْمُفْرد، وَالتَّقْدِير: بِكَافِر، لَكِن الْمُشَاركَة بواو الْعَطف وَقعت فِي أصل النَّفْي لَا فِي جَمِيع الْوُجُوه، كَمَا إِذا قَالَ الْقَائِل: مَرَرْت بزيد مُنْطَلقًا وَعَمْرو. قَالَ الشهَاب الْقَرَافِيّ: الْمَنْقُول عَن أهل اللُّغَة والنحو أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي أَنه مر بالمعطوف مُنْطَلقًا، بل الِاشْتِرَاك فِي مُطلق الْمُرُور. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده خَاصَّة إِزَالَة لتوهم مشابهة الذِّمِّيّ، فَإِنَّهُ لَا يقتل وَلَا وَلَده الَّذِي لم يعاهد، لِأَن الذِّمَّة تَنْعَقِد لَهُ ولأولاده وهلم جرا، وَأما الْجَواب عَن الْقيَاس الْمَذْكُور: فَإِنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر) فَلَا أثر لَهُ.

وَأجِيب عَن الأول: بِأَن الأَصْل فِي الْوَاو الْعَطف، وَدَعوى الِاسْتِئْنَاف يحْتَاج إِلَى بَيَان. وَعَن الثَّانِي: بِأَن مَا ذكرْتُمْ فِي عطف الْمُفْرد، وَهَذَا عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، وَكَذَلِكَ الْمَعْطُوف فِي الْمِثَال الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ مُفْرد. وَعَن الثَّالِث: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَت الْوَاو للاستئناف، وَقد قُلْنَا: إِنَّه يحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَأَيْضًا فمعلوم أَن ذَا الْعَهْد يحظر قَتله مَا دَامَ فِي عَهده، فَلَو حملنَا قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، على أَن لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده لأخلينا اللَّفْظ عَن الْفَائِدَة، وَحكم كَلَام النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حمله على مُقْتَضَاهُ فِي الْفَائِدَة، وَلَا يجوز إلغاؤه وَلَا إِسْقَاط حكمه، وَالْقِيَاس إِنَّمَا يكون فِي مُقَابلَة النَّص إِذا كَانَ الْمَعْنى على مَا ذكرْتُمْ، وَهُوَ غير صَحِيح، وعَلى مَا ذكرنَا يكون الْقيَاس فِي مُوَافقَة النَّص فَافْهَم. وَأما قَول الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع، فَإِنَّهُ لَا يضر عندنَا، لِأَن الْمُرْسل حجَّة عندنَا. وجزمه بِأَنَّهُ خطأ غير صَحِيح لِأَن الْقَاتِل يحْتَمل أَن يكون اثْنَيْنِ قتل أَحدهمَا وعاش الآخر بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَوله: إِنَّه مَنْسُوخ وَقد كَانَ قبل الْفَتْح، غير صَحِيح، لما ذكرنَا أَن أصل الحَدِيث كَانَ فِي خطبَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فتح مَكَّة. فَافْهَم.

١١٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ الفضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدثنَا شَيْبَانُ عنْ يَحيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي ليْثٍ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فأُخْبِر بِذَلِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقالَ: (إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عنْ مكَّةَ القَتلَ) أَو الفِيلَ شَكَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمُؤْمِنِينَ، ألَا وَإنها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولَمْ تَحِلَّ لأَحدٍ بَعْدِي ألَا وإنَّها حَلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهَارٍ، ألَا وإنَّهَا ساعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْتَلَى شَوْكُها وَلَا يُعُضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقطُ ساقِطَتُها إلَاّ لِمُنْشدٍ، فَمَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمّا أَن يُعْقَلَ، وإمّا أَن يُقادَ أهْلُ القَتِيل) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهْل اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لي يَا رسولَ اللَّهِ. فقالَ: (اكْتُبُوا لأبي فُلَانٍ) فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إلَاّ الإذْخِرَ يَا رسولَ الله فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنا فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ الإذْخرِ (إلَاّ الإذْخِرَ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اكتبوا لأبي فلَان) ، وكل مَا يكْتب من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ علم.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، وَقد مر. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ الْمُؤَدب الْبَصْرِيّ الثِّقَة، مولى بني تَمِيم، سمع الْحسن وَغَيره، وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره. وَكَانَ صَاحب حُرُوف وقراآت. قَالَ أَحْمد: هُوَ ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ، وشيبان أثبت فِي يحيى بن أبي كثير من الْأَوْزَاعِيّ. قلت: حدث عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، وَعلي بن الْجَعْد، وَبَين وفاتيهما تسع وَسَبْعُونَ سنة، مَاتَ بِبَغْدَاد وَدفن بمقبره الخيزران، أَو فِي بَاب التِّين سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، فِي خلَافَة الْمهْدي روى لَهُ الْجَمَاعَة. النَّحْوِيّ: نِسْبَة إِلَى قَبيلَة، وهم ولد النَّحْو ابْن شمس بن عَمْرو بن غنم بن غَالب بن عُثْمَان بن نصر بن زهران، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْقَبِيلَة من يروي الحَدِيث سواهُ وَيزِيد بن أبي سعيد، وَأما مَا عداهما فنسبة إِلَى النَّحْو، علم الْعَرَبيَّة، كَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء النَّحْوِيّ وَغَيره، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ من اسْمه شَيبَان غَيره، وَفِي مُسلم هُوَ وشيبان بن فروخ، وَفِي أبي دَاوُد شَيبَان أَبُو حُذَيْفَة النَّسَائِيّ. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير صَالح بن المتَوَكل، وَيُقَال: اسْم أبي كثير: نشيط، وَيُقَال: دِينَار؛ ودينار مولى عَليّ اليمامي الطَّائِي مَوْلَاهُم الْعَطَّار أحد الْأَعْلَام الثِّقَات الْعباد، روى عَن أنس وَجَابِر مُرْسلا، وَعَن ابْن أبي سَلمَة، وَعنهُ هِشَام الدستوَائي وَغَيره. قَالَ أَيُّوب: مَا بَقِي على وَجه الأَرْض مثله. مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعد أَيُّوب بِسنة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: يحيى بن أبي كثير، غَيره. نعم، فِيهَا يحيى بن كثير الْعَنْبَري، وَفِي أبي دَاوُد: يحيى بن كثير الْبَاهِلِيّ، وَفِي ابْن مَاجَه: يحيى بن كثير صَاحب الْبَصْرِيّ وهما ضعيفان. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر.

بَيَان لطائف إِسْنَاده. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَنهم مَا بَين كُوفِي وبصري ويمامي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ هُنَا. وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَفِي اللّقطَة عَن يحيى بن مُوسَى عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر وَعبد الله بن سعيد عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن عبد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرج النَّسَائِيّ عَن عَبَّاس بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (خُزَاعَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي: حَيّ من الأزد سموا بذلك لِأَن الأزد لما خَرجُوا

من مَكَّة وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد تخلفت عَنْهُم خُزَاعَة وأقامت بهَا، وَمعنى خزع فلَان عَن أَصْحَابه تخلف عَنْهُم، وَبَنُو لَيْث أَيْضا قَبيلَة. وَقَالَ الرشاطي: لَيْث فِي كنَانَة: لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وَفِي عبد الْقَيْس: لَيْث بن بكر بن حداءة بن ظَالِم بن ذهل بن عجل بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. قَوْله: (فَركب رَاحِلَته) ، الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل. وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. وَفِي (الْعباب) : الرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، قَالَه القتيبي. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الرَّاحِلَة عِنْد الْعَرَب تكون الْجمل النجيب والناقة النجيبة، وَلَيْسَت النَّاقة أولى بِهَذَا الِاسْم من الْجمل، وَالْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، كَمَا يُقَال: رجل داهية وراوية. وَقيل: سميت رَاحِلَة لِأَنَّهَا ترحل، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {فِي عيشة راضية} (الحاقة: ٢١) أَي مرضية. قَوْله: (لَا يخْتَلى) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يجز وَلَا يقطع. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: خليت الخلا واختليته أَي: جززته وقطعته فاختلى، والمخلى مَا يجتز بِهِ الخلا، والمخلاة مَا يَجْعَل فِيهِ الْخَلَاء. وَقَالَ ابْن السّكيت: خليت دَابَّتي أخليها إِذا جززت لَهَا الخلا، وَالسيف يخْتَلى أَي: يقطع، والمختلون والخالون الَّذين يختلون الْخَلَاء ويقطعونه، واختلت الأَرْض أَي: كثر خَلاهَا، والخلا مَقْصُورا: الرطب من الْحَشِيش، الْوَاحِدَة خلاة، وَفِي بعض الطّرق وَلَا يعضد شَوْكهَا وَلَا يخبط شَوْكهَا وَمعنى الْجَمِيع مُتَقَارب، والشوك جمع الشَّوْكَة، وَشَجر شائك وَشَوْك وشاك. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: هَذِه شَجَرَة شاكة، أَي: كَثِيرَة الشوك. قَوْله: (وَلَا يعضد) أَي: وَلَا يقطع، وَقد اسْتَوْفَيْنَا مَعْنَاهُ فِي بَاب: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب. قَوْله: (وَلَا تلْتَقط ساقطتها) أَي: مَا سقط فِيهَا بغفلة الْمَالِك، وَأَرَادَ بهَا اللّقطَة، وَجَاء: وَلَا يحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد، وَجَاء: لَا يلتقط لقطتهَا إِلَّا من عرفهَا. والالتقاط من: لقط الشَّيْء يلقطه لقطا أَخذه من الأَرْض. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) أَي: لمعرف. قَالَ أَبُو عبيد: المنشد الْمُعَرّف. وَأما الطَّالِب فَيُقَال لَهُ: نَاشد. يُقَال: نشدت الضَّالة إِذا طلبتها، وأنشدتها إِذا عرفتها، وأصل الإنشاد رفع الصَّوْت، وَمِنْه إنشاد الشّعْر. قَوْله: (إِمَّا أَن يعقل) من الْعقل وَهُوَ: الدِّيَة. قَوْله: (وَإِمَّا أَن يُقَاد) بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ: الْقصاص، وَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: هُوَ نبت مَعْرُوف طيبَة الرّيح، واحده إذخرة.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (خُزَاعَة) لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث، مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم: إِن. و (قتلوا رجلا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَهُوَ: (رجلا) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (من بني لَيْث) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: (رجلا) . قَوْله: (عَام فتح مَكَّة) نصب على الظّرْف، وَمَكَّة، لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (بقتيل) أَي: بِسَبَب قَتِيل من خُزَاعَة. قَوْله: (قَتَلُوهُ) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (بقتيل) ، أَي قتل بَنو اللَّيْث ذَلِك الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (فاخبر) على صِيغَة الْمَجْهُول، و (النَّبِي) مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (فَركب) عطف على: فَأخْبر. وَقَوله: (فَخَطب) ، عطف على: ركب، وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، تصلح للتفسير. قَوْله: (الْقَتْل) مَنْصُوب مفعول: حبس. قَوْله: (وسلط) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: صِيغَة الْمَجْهُول فَيكون مُسْندًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أَنه نَاب عَن الْفَاعِل، فعلى هَذَا يكون: والمؤمنون، بِالْوَاو لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. وَالْآخر: صِيغَة الْمَعْلُوم، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى الله وَهُوَ فَاعله وَرَسُول الله مَفْعُوله، فعلى هَذَا يكون و: الْمُؤمنِينَ، بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (أَلا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، للتّنْبِيه فتدل على تحقق مَا بعْدهَا. قَوْله: (وَإِنَّهَا) عطف على مُقَدّر لِأَن: أَلَا، لَهَا صدر الْكَلَام، والمقتضى أَن يُقَال: أَلا إِنَّهَا، بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلا إِنَّهُم هم المفسدون} (الْبَقَرَة: ١٢) وَالتَّقْدِير: أَلا إِن الله حبس عَنْهَا الْفِيل وَإِنَّهَا لم تحل لأحد. قَوْله: (وَلَا تحل) عطف على قَوْله: (لم تحل) وَفِي الْكشميهني: (وَلم تحل) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي اللّقطَة من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى: (وَلنْ تحل) . وَهِي أليق بالمستقبل. قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا) الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: (أَلا وَإِنَّهَا لم تحل) ، وَكَذَا قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي) . قَوْله: (حرَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر لقَوْل: إِنَّهَا. لَا يُقَال إِنَّه لَيْسَ بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شَرط، لأَنا نقُول إِنَّه مصدر فِي الأَصْل فيستوي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث والإفراد وَالْجمع، أَو هُوَ صفة مشبهة وَلَكِن وصفيته زَالَت لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهِ فتساوى فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (لَا يخْتَلى) مَجْهُول، وَكَذَا: (لَا يعضد) و: (لَا يلتقط) . قَوْله: (فَمن قتل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكلمَة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَلِهَذَا دخلت فِي خَبَرهَا الْفَاء، وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَقْتُول كَيفَ يكون بِخَير النظرين؟ قلت: المُرَاد أَهله، وَأطلق عَلَيْهِ ذَلِك لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حذف تَقْدِيره: من قتل لَهُ قَتِيل، وَسَائِر الرِّوَايَات تدل عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف وَقع بَيَانه فِي رِوَايَة

المُصَنّف فِي الدِّيات عَن أبي نعيم بِهَذَا الْإِسْنَاد: فَمن قتل لَهُ قَتِيل. قلت: كل ذَلِك فِيهِ نظر، أما كَلَام الْكرْمَانِي فَيلْزم مِنْهُ الْإِضْمَار قبل الذّكر، وَأما كَلَام الْخطابِيّ فَيلْزم فِيهِ حذف الْفَاعِل، وَأما كَلَام بَعضهم فَهُوَ من كَلَام الْخطابِيّ وَلَيْسَ من عِنْده شَيْء، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن يقدر فِيهِ مُبْتَدأ مَحْذُوف وحذفه سَائِغ شَائِع وَالتَّقْدِير: فَمن أَهله قتل فَهُوَ بِخَير النظرين: فَمن، مُبْتَدأ و: أَهله قتل جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت صلَة للموصول. وَقَوله: (فَهُوَ) مُبْتَدأ، وَقَوله (بِخَير النظرين) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالضَّمِير فِي: قتل، يرجع إِلَى الْأَهْل الْمُقدر، وَقَوله: فَهُوَ، يرجع إِلَى من. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِخَير النظرين، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مرضِي بِخَير النظرين، أَو عَامل، أَو مَأْمُور وَنَحْو ذَلِك. وَتَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، وَمعنى خير النظرين: أفضلهما. قَوْله: (إِمَّا) بِكَسْر الْهمزَة للتفصيل، و: أَن، بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة، وَكَذَا قَوْله، وَإِمَّا أَن، وَالتَّقْدِير: إِمَّا الْعقل وَإِمَّا الْقود. قَوْله: (من أهل الْيمن) فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة لرجل، وَكَذَا قَوْله من قُرَيْش. قَوْله: (إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله) . قَالَ الْكرْمَانِي: مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: قل يَا رَسُول الله: لَا يخْتَلى شَوْكهَا وَلَا يعضد شَجَرهَا إلَاّ الْإِذْخر. . وَأما الْوَاقِع فِي لَفظه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ ظَاهر أَنه اسْتثِْنَاء من كَلَامه السَّابِق. قلت: كل مِنْهُمَا اسْتثِْنَاء، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدره يدل على ذَلِك وَهُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَمَا فِي الْوَاقِع فِي لفظ الرَّسُول، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الْبَدَل مِمَّا قبله، وَالنّصب على الِاسْتِثْنَاء لكَونه وَاقعا بعد النَّفْي. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِلَّا الْإِذْخر، اسْتثِْنَاء من: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) ، وَهُوَ بعض من كل. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَشَرطه الِاتِّصَال بالمستثنى مِنْهُ وَهَهُنَا قد وَقع الفاصلة؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ الْفَصْل عِنْد ابْن عَبَّاس، فَلَعَلَّ أَبَاهُ أَيْضا جوز ذَلِك، أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا، وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ أَولا مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذا لم يكن مُسْتَثْنى لَا يرد سُؤَاله. وَالْآخر: قَوْله أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْفَصْل كثير، وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهُ من غير فصل.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (قتلوا رجلا) لم يسم اسْمه، وَأما الْمَقْتُول الَّذِي قتل فِي الْجَاهِلِيَّة فاسمه أَحْمَر، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لما كَانَ الْغَد من يَوْم الْفَتْح ... فَذكر إِلَى أَن قَالَ: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَعند ابْن إِسْحَاق: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرك، وَذكر الْقِصَّة وَهُوَ أَن خرَاش بن أُميَّة من خُزَاعَة قتل ابْن الأثرع الْهُذلِيّ وَهُوَ مُشْرك بقتيل قتل فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ أَحْمَر، فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا معشر خُزَاعَة إرفعوا أَيْدِيكُم عَن الْقَتْل، فَمن قتل بعد مقَامي هَذَا فأهله بِخَير النظرين) وَذكر الحَدِيث. قَوْله: (إِن الله حبس) أَي: منع عَن مَكَّة الْقَتْل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يدل عَلَيْهِ أَنه روى: والفتك أَيْضا بِالْفَاءِ وَالْكَاف، وَفَسرهُ بسفك الدَّم، وَله وَجه إِن ساعدته الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو الْفِيل) بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} (الْفِيل: ١) السُّورَة، فَأرْسل الله تَعَالَى على أَصْحَابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حِين وصلوا إِلَى بطن الْوَادي بِالْقربِ من مَكَّة. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، وجعلوه على الشَّك، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم: الْفِيل أَو الْقَتْل، وَفِي بعض النّسخ: (إِن الله حبس عَن مَكَّة الْقَتْل أَو الْفِيل) ، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، وَاجْعَلُوا على الشَّك الْفِيل أَو الْقَتْل. وَفِي بَعْضهَا: قَالَ أَبُو عبد الله: كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، اجعلوه على الشَّك، وَالْمرَاد من قَوْله: قَالَ مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَذَا من قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَالْمعْنَى على النُّسْخَة الأولى، وَجعله الروَاة على الشَّك. كَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن شَيْخه، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة يكون: وَاجْعَلُوا من مقول أبي نعيم، وَهِي صِيغَة أَمر للحاضرين. أَي: اجعلوا هَذَا اللَّفْظ على الشَّك. وعَلى النُّسْخَة الثَّالِثَة يكون: إجعلوا، من مقول البُخَارِيّ نَفسه. فَافْهَم. قَوْله: (وَغَيره يَقُول الْفِيل) ، أَي غير أبي نعيم يَقُول الْفِيل، بِالْفَاءِ من غير شكّ، وَالْمرَاد بِالْغَيْر: من رَوَاهُ عَن شَيبَان رَفِيقًا لأبي نعيم، وَهُوَ عبد الله بن مُوسَى، وَمن رَوَاهُ عَن يحيى رَفِيقًا لشيبان هُوَ حَرْب بن شَدَّاد، لما سَيَأْتِي بَيَانه فِي الدِّيات إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْمرَاد بِحَبْس الْفِيل حبس أهل الْفِيل، وَأَشَارَ بذلك إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة للحبشة فِي غزوهم مَكَّة وَمَعَهُمْ الْفِيل، فَمنعهَا الله مِنْهُم وسلط عَلَيْهِم الطير الأبابيل، مَعَ كَون أهل مَكَّة إِذْ ذَاك كَانُوا كفَّارًا، فحرمة أَهلهَا بعد الْإِسْلَام آكِد، لَكِن غَزْو النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِيَّاهَا مَخْصُوص بِهِ على ظَاهر هَذَا الحَدِيث وَغَيره. قَوْله: (وَلَا تحل لأحد بعدِي) معنى حَلَال مَكَّة حَلَال الْقِتَال فِيهَا، وَقد مر أَن فِي رِوَايَة الْكشميهني

(وَلم تحل) ، فَإِن قلت: لم تقلب الْمُضَارع مَاضِيا وَلَفظ بعدِي للاستقبال، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: مَعْنَاهُ لم يحكم الله فِي الْمَاضِي بِالْحلِّ فِي الْمُسْتَقْبل. قَوْله: (سَاعَتِي هَذِه) أَي: فِي سَاعَتِي الَّتِي أَتكَلّم فِيهَا، وَهِي بعد الْفَتْح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: الَّذِي أحل لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَخص بِهِ دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام وَلَا يجوز لأحد أَن يدْخلهُ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر إِحْرَام، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه، ولمالك وَالشَّافِعِيّ قَولَانِ فِيمَن لم يرد الْحَج أَو الْعمرَة. فَفِي قَول: يجوز، وَفِي قَول: لَا يجوز إلَاّ للحطابين وشبههم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي أحل للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قتال أَهلهَا ومحاربتهم، وَلَا يحل لأحد بعده. قَوْله: (شَوْكهَا) دَال على منع قطع سَائِر الْأَشْجَار بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ فِي (شرح السّنة) : المؤذي من الشوك كالعوسج لَا بَأْس بِقطعِهِ كالحيوان المؤذي، فَيكون من بَاب تَخْصِيص الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. وَكَذَا لَا بَأْس بِقطع الْيَابِس كَمَا فِي الصَّيْد الْمَيِّت، وَأما لقطتهَا فَقيل: لَيْسَ لواجدها غير التَّعْرِيف أبدا، وَلَا يملكهَا بِحَال، وَلَا يتَصَدَّق بهَا إِلَى أَن يظفر بصاحبها، بِخِلَاف لقطَة سَائِر الْبِقَاع، وَهُوَ أظهر قولي الشَّافِعِي. وَمذهب مَالك والأكثرين إِلَى أَنه: لَا فرق بَين لقطَة الْحل وَالْحرم. وَقَالُوا: معنى إلَاّ لِمُنْشِد: أَنه يعرفهَا كَمَا يعرفهَا فِي سَائِر الْبِقَاع حولا كَامِلا حَتَّى لَا يتَوَهَّم أَنه إِذا نَادَى عَلَيْهَا وَقت الْمَوْسِم فَلم يظْهر مَالِكهَا جَازَ تَملكهَا. وَقَالَ عبد الرحن بن مهْدي: قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) يُرِيد: لَا تحل أَلْبَتَّة، فَكَأَنَّهُ قيل: إلَاّ لِمُنْشِد، أَي: لَا يحل لَهُ مِنْهَا إلَاّ إنشادها، فَيكون ذَلِك مِمَّا اخْتصّت بِهِ مَكَّة كَمَا اخْتصّت بِأَنَّهَا حرَام، وَأَنه لَا ينفر صيدها وَغَيرهمَا من الْأَحْكَام. وَقَالَ الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي التَّعْرِيف، لِأَن الْحَاج قد لَا يعود إلَاّ بعد أَعْوَام فتدعو الضَّرُورَة لإطالة التَّعْرِيف بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَلِأَن النَّاس ينتابون إِلَى مَكَّة. وَيُقَال: جَاءَ الحَدِيث ليقطع وهم من يظنّ أَنه يسْتَغْنى عَن التَّعْرِيف هُنَا إِذْ الْغَالِب أَن الحجيج إِذا تفَرقُوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها، يَقُول الْقَائِل: لَا حَاجَة إِلَى التَّعْرِيف، فَذكر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن التَّعْرِيف فِيهَا ثَابت كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّقْدِير إلَاّ من سمع نَاشِدًا يَقُول: من أضلّ كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها إِذا رَآهَا ليردها على صَاحبهَا، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالنضْر بن شُمَيْل. وَقيل: لَا تحل إلَاّ لِرَبِّهَا الَّذِي يطْلبهَا. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جيد فِي الْمَعْنى، لَكِن لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب منشد. قلت: قَالَ بَعضهم: الناشد الْمُعَرّف، والمنشد الطَّالِب فَيصح هَذَا التَّأْوِيل على هَذَا التَّقْرِير. قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : ذكر الحريري اخْتِلَاف أهل اللُّغَة فِي الناشد والمنشد، وَأَن بَعضهم عكس فَقَالَ: الناشد الْمُعَرّف والمنشد الطَّالِب، وَاخْتِلَافهمْ فِي تَفْسِير الحَدِيث بِالْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) لَفْظَة خير، هَهُنَا بِمَعْنى أفعل التَّفْضِيل، وَالْمعْنَى: أفضل النظرين، وَتَفْسِير: النظرين، بقوله: إِمَّا أَن يعقل من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة. وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، بِالْقَافِ أَي: يقْتَصّ. وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: (إِمَّا أَن يفادى) بِالْفَاءِ من المفاداة. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : (إِمَّا أَن يَأْخُذُوا الْعقل أَو يقتلُوا) ، وَهُوَ أبين الرِّوَايَات، وَهِي تفسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله فِي مُسلم: (وَإِمَّا أَن يقتل) . وَقَول أبي دَاوُد: (أَو يقتلُوا) مفسران لسَائِر الرِّوَايَات. وَقَالَ عِيَاض: وَقع هُنَا فِي الْعلم فِي جَمِيع النّسخ، وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ، وَيُوَافِقهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات إِمَّا أَن يُؤدى وَإِمَّا أَن يُقَاد، وَكَذَلِكَ فِي مُسلم. وَحكى بَعضهم: يَعْنِي فِي مُسلم يفادى بِالْفَاءِ مَوضِع، يُقَاد قَالَ: وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ الْقَاف لِأَن على الْفَاء يخْتل اللَّفْظ، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء فيتحصل التّكْرَار. قَالَ: وَالصَّوَاب أَن الْقَاف مَعَ قَوْله: الْعقل، وَالْفَاء مَعَ قَوْله: يقتل، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء. وَأما يعقل مَعَ يفدى أَو يفادى فَلَا وَجه لَهُ. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن الرِّوَايَة على وَجْهَيْن. من قَالَ: وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ الْقصاص. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يعقل، بِالْعينِ وَالْقَاف: من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة، وَمن قَالَ: وَإِمَّا أَن يفادى. بِالْفَاءِ من: المفاداة. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يقتل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي هُوَ الْقود. قَوْله: (فجَاء رجل من أهل الْيمن) وَهُوَ أَبُو شاه، وَجَاء بِهِ مُبينًا فِي اللّقطَة، وَهُوَ بشين مُعْجمَة وهاء بعد الْألف فِي الْوَقْف والدرج، وَلَا يُقَال بِالتَّاءِ. قَالُوا: وَلَا يعرف اسْم أبي شاه هَذَا، وَإِنَّمَا يعرف بكنيته وَهُوَ كَلْبِي يمني. وَفِي (الْمطَالع) وَأَبُو شاه مصروفا ضبطته وقرأته أَنا معرفَة ونكرة، وَعَن ابْن دحْيَة أَنه بِالتَّاءِ مَنْصُوبًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بهاء فِي آخِره درجا ووقفا. قَالَ: وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَا يغتر بِكَثْرَة من يصحفه مِمَّن لَا يَأْخُذ الْعلم على وَجهه وَمن مظانه.

قَوْله: (فَقَالَ: أكتبوا لأبي فلَان) أَرَادَ بِهِ لأبي شاه. وَفِي مُسلم: فَقَالَ الْوَلِيد يَعْنِي: ابْن مُسلم رَاوِي الحَدِيث قلت للأوزاعي مَا قَوْله: اكتبوا لي يَا رَسُول الله؟ قَالَ: هَذِه الْخطْبَة الَّتِي سَمعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ رجل من قُرَيْش) ، وَهُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا يَأْتِي فِي اللّقطَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَوَقع فِي رِوَايَة لِابْنِ أبي شيبَة: فَقَالَ رجل من قُرَيْش يُقَال لَهُ شاه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (فَإنَّا نجعله فِي بُيُوتنَا) لِأَنَّهُ يسقف بِهِ الْبَيْت فَوق الْخشب. وَقيل: كَانُوا يخلطونه بالطين لِئَلَّا يتشقق إِذا بني بِهِ كَمَا يفعل بالتبن. . قَوْله: (وَقُبُورنَا) لِأَنَّهُ يسد بِهِ فرج اللَّحْد المتخللة بَين اللبنات. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) وَقع فِي بعض الرِّوَايَات مكررا مرَّتَيْنِ، فَتكون الثَّانِيَة للتَّأْكِيد.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْعلم، وَكره قوم كِتَابَة الْعلم لِأَنَّهَا سَبَب لضياع الْحِفْظ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. وَمن الْحجَّة أَيْضا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من كِتَابَة الْمُصحف الَّذِي هُوَ أصل الْعلم، وَكَانَ للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتَّاب يَكْتُبُونَ الْوَحْي. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا سَمِعت شَيْئا فاكتبه وَلَو فِي الْحَائِط. قلت: مَحل الْخلاف كِتَابَة غير الْمُصحف، فَمَا اتَّفقُوا لَا يكون من الْحجَّة عَلَيْهِم. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كره من كره من السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْعلم فِي الْمُصحف وَتَدْوِين السّنَن لأحاديث رويت فِيهَا. مِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْكِتَابَة فَلم يَأْذَن لنا) . وَعَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أمرنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن لَا نكتب شَيْئا) . وَلِئَلَّا يكْتب مَعَ الْقُرْآن شَيْء وَخَوف الاتكال على الْكِتَابَة. ثمَّ جَاءَت أَحَادِيث بِالْإِذْنِ فِي ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يُرِيد قَول عبد الله: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي كِتَابَة مَا سَمِعت مِنْهُ، قَالَ: فَأذن لي، فكتبته) فَكَانَ عبد الله يُسَمِّي صَحِيفَته الصادقة. قَالَ: وَأَجَازَهُ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَوَقع عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق ودعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة لانتشار الطّرق وَطول الْأَسَانِيد واشتباه المقالات مَعَ قلَّة الْحِفْظ وكلال الْفَهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجابوا عَن أَحَادِيث النَّهْي إِمَّا بالنسخ، فَإِن النَّهْي كَانَ خوفًا من الِاخْتِلَاط بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا اشْتهر أمنت الْمفْسدَة، أَو إِن النَّهْي كَانَ على التَّنْزِيه لمن وثق بحفظه، وَالْإِذْن لمن لم يَثِق بحفظه.

الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَن الْخطْبَة يسْتَحبّ أَن تكون على مَوضِع عَال منبرٍ أَو غَيره فِي جُمُعَة أَو غَيرهَا.

الثَّالِث: اسْتدلَّ بقوله: (وسلط عَلَيْهِم رَسُول الله) من يرى أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَأَن التسليط الَّذِي وَقع للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مُقَابل بِالْحَبْسِ الَّذِي وَقع لأَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ الْحَبْس عَن الْقِتَال، هَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ الشَّافِعِي: فتحت صلحا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث أبي شُرَيْح.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشّجر فِي الْحرم مِمَّا لَا ينبته الآدميون فِي الْعَادة، وعَلى تَحْرِيم خلاه، وَهَذَا بالِاتِّفَاقِ. وَاخْتلفُوا مِمَّا ينبته الآدميون، قَالَه النَّوَوِيّ.

الْخَامِس: اسْتدلَّ أهل الْأُصُول بِهَذَا الحَدِيث وَشبهه على أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ متعبدا بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، وَمنعه بَعضهم. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْأولِ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ، وَصحح الْغَزالِيّ الْجَوَاز، وَتوقف فِي الْوُقُوع. وَقَالَ ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ: توقف أَكثر الْمُحَقِّقين فى الْكل، وَجوزهُ بَعضهم فِي أَمر الْحَرْب دون غَيره، وَاسْتدلَّ من قَالَ بِوُقُوعِهِ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا، وَفِي قَوْله لما سُئِلَ: (أحجنا هَذَا لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد؟ وَلَو قلت: نعم، لوَجَبَ) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: ١٥٩) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُسَارَى بدر: {مَا كَانَ لنَبِيّ} الْآيَة، (آل عمرَان: ١٦١، الْأَنْفَال: ٦٧) وَلَو كَانَ حكم بِالنَّصِّ لما عوتب. وَأجَاب المانعون عَن الْكل بِأَنَّهُ يجوز أَن يقارنها نُصُوص أَو تقدم عَلَيْهَا بِأَن يُوحى إِلَيْهِ أَنه إِذا كَانَ كَذَا فَاضل فافعل كَذَا، مثل أَن لَا يَسْتَثْنِي إلَاّ الْإِذْخر حِين سَأَلَ الْعَبَّاس، أَو كَانَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَاضرا فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يكون بِالْوَحْي لَا بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ الْمُهلب: يجوز أَن الله تَعَالَى أعلم رَسُوله بتحليل الْمُحرمَات عِنْد الِاضْطِرَار، فَكَانَ هَذَا من ذَلِك الأَصْل، فَلَمَّا سَأَلَ الْعَبَّاس حكم فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: ١٥٩) إِنَّه مَخْصُوص بِالْحَرْبِ.

السَّادِس: فِيهِ أَن ولي الْقَتِيل بِالْخِيَارِ بَين أَخذ الدِّيَة وَبَين الْقَتْل، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَار الْجَانِي على أَي الْأَمريْنِ شَاءَ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ: لَيْسَ إلَاّ الْقَتْل أَو الْعَفو، وَلَيْسَ لَهُ الدِّيَة إلَاّ برضى الْجَانِي، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ. قلت: هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن ذكْوَان وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن بن حَيّ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَكَانَ من الْحجَّة لَهُم أَن قَوْله: أَخذ الدِّيَة، قد يجوز أَن يكون على مَا قَالَ أهل الْمقَالة الأولى: وَيجوز أَن يَأْخُذ الدِّيَة إِن أعطيها، كَمَا يُقَال للرجل: خُذ بِدينِك إِن شِئْت دَرَاهِم، وَإِن شِئْت دَنَانِير، وَإِن شِئْت عرضا، وَلَيْسَ

المُرَاد بذلك أَن يَأْخُذ ذَلِك، رَضِي الَّذِي عَلَيْهِ الدّين أَو كره، وَلَكِن يُرَاد إِبَاحَة ذَلِك لَهُ إِن أعْطِيه. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: (بِخَير النظرين) جَار ومجرور، وَلَا بُد لَهُ من مُتَعَلق مُنَاسِب يتَعَدَّى بِالْبَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن تَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، فَيقدر: إِمَّا عَامل بِخَير النظرين، أَو مرضِي، أَو مَأْمُور بِخَير النظرين للْقَاتِل، إِشَارَة إِلَى أَن الرِّفْق لَهُ مَطْلُوب حَتَّى كَانَ الْعَفو مَنْدُوب إِلَيْهِ. وَيجوز أَن يكون تَأْوِيله: فَهُوَ بِخَير النظرين من رضى الْقَاتِل ورضى نَفسه فَإِن كَانَ رضى الْقَاتِل خيرا لَهُ، وَقد اخْتَار الْفِدَاء، فَلهُ قبُول ذَلِك. وَإِن كَانَ رضى نَفسه بالاقتصاص خيرا، فَلهُ فعل ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن لَا يقف عِنْد رضى نَفسه أَلْبَتَّة، لِأَن الْقَاتِل بِاخْتِيَار الدِّيَة قد يكون خيرا لَهُ، فيؤول وجوب الدِّيَة إِلَى رضى الْقَاتِل.

السَّابِع: فِيهِ أَن الْقَاتِل عمدا يجب عَلَيْهِ أحد الْأَمريْنِ: الْقصاص أَو الدِّيَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وأصحهما عِنْده أَن الْوَاجِب الْقصاص، وَالدية بدل عِنْد سُقُوطه، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وعَلى الْقَوْلَيْنِ: للْوَلِيّ الْعَفو عَن الدِّيَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى رضى الْجَانِي وَلَو مَاتَ أَو سقط الطّرف الْمُسْتَحق وَجَبت الدِّيَة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن أبي حنيفَة وَمَالك: إِنَّه لَا يعدل إِلَّا المَال إِلَّا برضى الْجَانِي، وَإنَّهُ لَو مَاتَ الْجَانِي سَقَطت الدِّيَة، وَهُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ، وَرجحه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي (شَرحه) .

٥٤ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو قَالَ أَخْبرنِي وهب بن مُنَبّه عَن أَخِيه قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ منى إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ كتب وَلَا أكتب) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَن عبد الله بن عَمْرو من أفاضل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانَ يكْتب مَا يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَلَو لم تكن الْكِتَابَة جَائِزَة لما كَانَ يفعل ذَلِك فَإِذا قُلْنَا فعل الصَّحَابِيّ حجَّة فَلَا نزاع فِيهِ وَإِلَّا فلاستدلال على جَوَاز الْكِتَابَة يكون بقرير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَابَته (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عَليّ بن عبد الله الْمدنِي الإِمَام وَقد تقدم الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الجُمَحِي أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة الرَّابِع وهب بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بن كَامِل بن سبج بِفَتْح السِّين وَقيل بِكَسْرِهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم وَقيل الشين مُعْجمَة ابْن ذِي كنار وَهُوَ الاسوار الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ الابناوي الذمارِي سمع هُنَا عَن أَخِيه قَالَ الْبَاجِيّ لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع وَسمع فِي غير البُخَارِيّ جَابِرا وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهم قَالَ أَبُو زرْعَة ياني ثِقَة وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ وَقَالَ الفلاس ضَعِيف وَهُوَ مَشْهُور بِمَعْرِِفَة الْكتب الْمَاضِيَة قَالَ قَرَأت من كتب الله تَعَالَى اثْنَيْنِ وَتِسْعين كتابا وَهُوَ من الْأَبْنَاء الَّذين بَعثهمْ كسْرَى إِلَى الْيمن وَقيل أَصله من هراة مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا ابْن مَاجَه واخرج لَهُ مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أَخِيه همام روى عَنهُ عَمْرو ابْن دِينَار وَاتفقَ لبخاري مُسلم فِي الاخراج عَنهُ وَعَن أَخِيه همام لَا غير الْخَامِس أَخُو وهب همام بن مُنَبّه أَبُو عقبَة وَكَانَ أكبر من وهب وَكَانُوا أَرْبَعَة أَخُو وهب وَمَعْقِل أَبُو عقيل وَهَمَّام وغيلان وَكَانَ أَصْغَرهم وَكَانَ آخِرهم موتا همام وَمَات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلَان ثمَّ همام توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان الْأَنْسَاب) الجمحى بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم بِالْحَاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى جمح ابْن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر الصَّنْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى صنعاء مَدِينَة بِالْيمن وصنعا أَيْضا قَرْيَة بِدِمَشْق وهب ينْسب إِلَى صنعاء الْيمن وزيدت فِيهَا النُّون فِي النِّسْبَة على خلاف الْقيَاس الْيَمَانِيّ نِسْبَة إِلَى يمَان وَيُقَال يمنى أَيْضا قَالَ الْجَوْهَرِي الْيمن بِلَاد الْعَرَب وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا يمنى ويمان مُخَفّفَة وَالْألف عوض عَن يَاء النِّسْبَة فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَبَعْضهمْ يَقُول يماني بِالتَّشْدِيدِ الابناوى بِفَتْح الْهمزَة مَنْسُوب إِلَى الْأَبْنَاء بباء مُوَحدَة ثمَّ نون وهم كل من أَبنَاء الْفرس الَّذين وجههم كسْرَى مَعَ سيف ذِي يزن الذمارِي بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَقيل بِفَتْحِهَا نِسْبَة إِلَى ذمار على مرحلَتَيْنِ من صنعاء (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالْأَخْبَار بِصِيغَة الْأَفْرَاد والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا أَن وهباً لم يرو لَهُ البُخَارِيّ فِي غير

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَالزُّبَيْرُ، وَمِنَ الْحِسَانِ طَلْحَةُ، وَسَعْدٌ، وَسَعِيدٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمِنَ الضَّعِيفِ الْمُتَمَاسِكِ طَرِيقُ عُثْمَانَ، وَبَقِيَّتُهَا ضَعِيفٌ وَسَاقِطٌ.

٣٩ - بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ

١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.

[الحديث ١١١ - أطرافه في: ٧٣٠٠، ٦٩١٥، ٦٩٠٣، ٦٧٥٥، ٣١٧٩، ٣١٧٢، ٣٠٤٧، ١٨٧٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ) طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ يُورِدُهَا عَلَى الِاحْتِمَالِ. وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَتَرْكًا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، بَلْ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْعِلْمِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ; لِأَنَّ وَكِيعًا مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ: يُقَالُ: إِنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قُلْتُ: لَوْ كَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْ مُتَّفِقِي الِاسْمِ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ أَهْمَلَ نِسْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ إِكْثَارٍ وَنَحْوِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا، وَهَكَذَا نَقُولُ هُنَا؛ لِأَنَّ وَكِيعًا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الثَّوْرِيِّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُطَرِّفٍ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ابْنُ طَرِيفٍ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (عَنِ الشَّعْبِيِّ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) هُوَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لِعَلِيٍّ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ .

قَوْلُهُ: (هَلْ عِنْدَكُمْ) الْخِطَابُ لِعَلِيٍّ، وَالْجَمْعُ إِمَّا لِإِرَادَتِهِ مَعَ بَقِيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ لِلتَّعْظِيمِ.

قَوْلُهُ: (كِتَابٌ) أَيْ: مَكْتُوبٌ أَخَذْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَلَهُ فِي الدِّيَاتِ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ: هَلْ عَلِمْتَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ - لَا سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الْوَحْيِ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ بِهَا لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُمْ عَلَيْهَا. وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَحَدِيثُهُمَا فِي مُسْنَدِ النَّسَائِيِّ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ) هُوَ بِالرَّفْعِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَشْيَاءُ مَكْتُوبَةٌ مِنَ الْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِالرَّفْعِ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَكَانَ مَنْصُوبًا. كَذَا قَالَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُنْقَطِعٌ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ الْفَهْمِ إِثْبَاتُ إِمْكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ بِلَفْظِ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ مِنَ الْكِتَابِ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُفَرَّغٌ وَالثَّانِي مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَى اللَّهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَتَحْصُلُ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

تحريم الكذب عليه في كلِّ حالٍ، سواءٌ في اليقظة والنَّوم، وقد أورد المصنِّف حديث: «من كذب عليَّ» ههنا عن جماعةٍ من الصَّحابة: عليٍّ والزُّبَيْر وأنسٍ وسلمةَ وأبي هريرة، وهو حديثٌ في غاية الصِّحَّة ونهاية القوَّة، وقد أَطْلَقَ القولَ بتواتره جماعةٌ، وعُورِضَ بأنَّ المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودةً في كلِّ طريقٍ بِمُفرَدِها، وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد من «إطلاق تواتره» رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كلِّ عصرٍ، وهذا كافٍ في إفادة العلم.

(٣٩) هذا (بابُ كِتَابَةِ العِلْمِ).

١١١ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ) بالتَّخفيف، قال في «الكمال»: وقد يُشدِّده من لا يعرف، وقال الدَّارقُطنيُّ: بالتَّشديد لا بالتَّخفيف، البيكنديُّ، ولغير أبي ذَرٍّ: «محمَّد بن سلامٍ» (قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) أي: ابن الجرَّاح بن مليحٍ الكوفيُّ، المُتوفَّى يوم عاشوراء سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ سُفْيَانَ) الثَّوريِّ، أوِ ابنِ عُيَيْنَةَ، وجزم في «فتح الباري» بالأوَّل لشهرة وكيعٍ بالرِّواية عنه، ولو كان ابنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ المؤلِّف لأنَّ إطلاق الرِّواية عن متَّفقي الاسم يقتضي أن يُحمَل من أُهْمِلت نِسبتُه على من يكون له به خصوصيَّةٌ من إكثارٍ ونحوه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ أبا مسعودٍ الدِّمشقيَّ قال في «الأطراف»: إنَّه ابن عُيَيْنَةَ، وأُجِيب (عَنْ مُطَرِّفٍ) بضمِّ الميم

وفتح الطَّاء وكسر الرَّاء المُشدَّدة آخره فاءٌ، ابن طَريفٍ؛ بطاءٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، الحارثيِّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين وسكون العَيْن المُهمَلَة، واسمه: عامرٌ (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المُهمَلَة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، وبالفاء، واسمه: وهب بن عبد الله، السُّوَائِيِّ؛ بضمِّ السِّين المُهمَلَة وتخفيف الواو وبالمدِّ، الكوفيِّ، من صغار الصَّحابة، المُتوفَّى سنة اثنتين وسبعين، أنَّه (قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ) وللأَصيليِّ زيادة: «ابن أبي طالبٍ»: (هَلْ عِنْدَكُمْ) أهلَ البيت النَّبويِّ. أو «الميم» للتَّعظيم (كِتَابٌ) أي: مكتوبٌ خصَّكم به رسول الله دون غيركم من أسرار علم الوحي، كما تزعمه (١) الشِّيعة؟ (قَالَ) عليٌّ: (لَا) كتابَ عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللهِ) بالرَّفع بدلٌ من المُستثنَى منه (أَوْ فَهْمٌ) بالرَّفع (أُعْطِيَهُ) بصيغة المجهول وفتح الياء (رَجُلٌ مُسْلِمٌ) من فحوى الكلام، ويدركه من باطن المعاني التي هي غير الظَّاهر من نصِّه، ومراتب النَّاس في ذلك متفاوتةٌ، ويُفهَم منه: جواز استخراج العالِم من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عنِ المفسِّرين إذا وافق أصول الشَّريعة، ورُفِعَ «فَهْمٌ» بالعطف على سابقه، فالاستثناء متَّصلٌ قطعًا، وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ: الظَّاهر أنَّه منقطعٌ، فمدفوعٌ بأنَّه لو كان من غير الجنس لكان قوله: «أو فَهْمٌ» منصوبًا؛ لأنَّه عطفٌ على المُستثنَى، والمُستثنَى إذا كان من غير جنس المُستثنَى منه يكون منصوبًا، وما عُطِفَ عليه كذلك، ثمَّ عطف على قوله: «كتابُ الله»، قوله: (أَوْ مَا) أي:

الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ) وهي: الورقة المكتوبة، وكانت مُعلَّقةً بقبضة سيفه إما احتياطًا أوِ استحضارًا، وإمَّا لكونه منفردًا بسماع ذلك، وللنَّسائيِّ: فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قَالَ) أبو جُحَيفة: (قُلْتُ: ومَا) وفي روايةِ الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فما» وكلاهما للعطف، أي: أيُّ شيءٍ (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ) عليٌّ : فيها (العَقْلُ) أي: حكمُ العَقل، وهو الدِّية؛ لأنَّهم كانوا يعطُون (١) فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحقِّ للعقل، والمُرَاد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها (وَفَِكَاكُ) بفتح الفاء (٢) ويجوز كسرها، وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) بضمِّ اللَّام عطفُ جملةٍ فعليَّةٍ على جملة اسميَّةٍ، أي: وفيها العقل، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن (٣) الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأنْ لا يُقتَل» بزيادة «أن» المصدريَّة النَّاصبة، وعُطِفَتِ الجملة على المُفرَد لأنَّ التَّقدير فيها، أي: في الصَّحيفة حكمُ العقل، وحكمُ تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوفٌ، وحينئذٍ فهو عطف جملةٍ على جملةٍ، وحرمة قصاص المسلم بالكافر هو مذهب إمامنا الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمدَ والأوزاعيِّ واللَّيث، وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفيَّة، ويدلُّ لهم أنَّ النَّبيَّ قَتَلَ مسلمًا بمعاهدٍ، وقال: «أنا أَكْرَمُ من وَفَّى بذمَّته» الحديثَ، رواه الدَّارقُطنيُّ لكنَّه ضعيفٌ فلا يُحتَجُّ به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى، ووقع عند المصنِّف ومسلمٍ قال: ما عندنا شيءٌ نقرؤه إلَّا كتاب الله وهذه الصَّحيفة، فإذا فيها: «المدينة حَرَمٌ (٤)» [خ¦١٨٦٧]، ولمسلمٍ: وأخرج صحيفةً مكتوبةً فيها: «لَعَنَ اللهُ مَن ذَبَحَ لغيرِ الله»، وللنَّسائيِّ: فإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ (٥) دماؤهم يسعى بذمَّتهم

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

والسائب بن يزِيد وخَالِد بن عرفطة وَأبي أُمَامَة وَأبي قرصافة وَأبي مُوسَى الغافقي وَعَائِشَة رَضِي الله عَنْهُم فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثُونَ نفسا وَمِنْهَا سَبْعُونَ حَدِيثا مَا بَين ضَعِيف وساقط عَن سبعين نفسا مِنْهُم وهم أَبُو بكر بن عمر بن الْخطاب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وعمار بن يَاسر وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَزيد بن ثَابت وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَجَابِر بن عبد الله وَأُسَامَة بن زيد بن وَقيس بن سعد بن عبَادَة وواثلة بن الاسقع وَكَعب بن قُطْبَة وَسمرَة بن جُنْدُب والبراء ابْن عَازِب وَأَبُو مُوسَى الغاففقي وَمَالك بن عبد الله بن زعب وصهيب والنواس بن سمْعَان ويعلى بن مرّة وَحُذَيْفَة ابْن الْيَمَان والسائب بن يزِيد وَبُرَيْدَة بن الْحصيب وَسليمَان بن خَالِد الْخُزَاعِيّ وَعبد الله بن الْحَارِث بن جُزْء بن عَمْرو ابْن عبسة السّلمِيّ وطارق بن أَشْيَم وَأَبُو رَافع إِبْرَاهِيم وَيُقَال اسْلَمْ مولى النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَعتبَة بن غَزوَان وَمُعَاوِيَة بن حيدة ومعاذ بن جبل وَسعد بن المدحاس وَأَبُو كَبْشَة الانماري والعرس بن عميرَة والمنقع التَّمِيمِي وَابْن أبي العشراء الدَّارمِيّ ونبيط بن شريط وَأَبُو ذَر الْغِفَارِيّ وَيزِيد بن أَسد وَأَبُو مَيْمُون الْكرْدِي وَرجل من أَصْحَاب النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَرجل آخر (١)

٣٩ - (بابُ كِتَابَةِ العلْمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كِتَابَة الْعلم، وَهَذَا الْبَاب فِيهِ اخْتِلَاف بَين السّلف فِي الْعَمَل وَالتّرْك مَعَ إِجْمَاعهم على الْجَوَاز، بل على اسْتِحْبَابه، بل لَا يبعد وُجُوبه فِي هَذَا الزَّمَان لقلَّة اهتمام النَّاس بِالْحِفْظِ، وَلَو لم يكْتب يخَاف عَلَيْهِ من الضّيَاع والاندراس.

وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب السَّابِق حثا على الِاحْتِرَاز عَن الْكَذِب فِي النَّقْل عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي هَذَا الْبَاب أَيْضا حث على الِاحْتِرَاز. عَن ضيَاع كَلَام الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلَا سِيمَا من أهل هَذَا الزَّمَان، لقُصُور هممهم فِي الضَّبْط وتقصيرهم فِي النَّقْل.

١١١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنِ سَلَامٍ قالَ: أخْبَرَنَا وَكِيعٌ عنْ سُفْيَانَ عنْ مطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِي عنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ لِعَليٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا! إلَاّ كِتابُ اللَّهِ، أوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلمٌ، أوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ الأسِير ولَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بكافِرٍ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، لِأَن الصَّحِيفَة هِيَ الورقة الْمَكْتُوبَة، وَفِي (الْعباب) : الصَّحِيفَة الْكتاب، وَالَّذِي يقْرَأ هُوَ الصَّحِيفَة.

بَيَان رِجَاله: وهم سَبْعَة. الأول: مُحَمَّد بن سَلام، أَبُو عبد الله البيكندي، وَفِي (الْكَمَال) : بتَخْفِيف اللَّام، وَقد يشدده من لَا يعرف. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ بِالتَّشْدِيدِ لَا بِالتَّخْفِيفِ، وَقد تقدم. الثَّانِي: وَكِيع بن الْجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حَمْحَمَة، وَقيل: غَيره، أَصله من قَرْيَة من قرى نيسابور، الرواسِي الْكُوفِي من قيس غيلَان، روى عَن الْأَعْمَش وَغَيره. وَعَن أَحْمد وَقَالَ: إِنَّه أحفظ من ابْن مهْدي. وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: لَو شِئْت قلت: إِنَّه أرجح من سُفْيَان، ولد سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة، وَمَات بفيد منصرفا من الْحَج يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة. وَقَالَ ابْن معِين: مَا رَأَيْت أفضل من وَكِيع، وَكَانَ يُفْتِي بقول أبي حنيفَة، وَكَانَ قد سمع مِنْهُ شَيْئا كثيرا، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الثَّالِث: سُفْيَان، قَالَ الْكرْمَانِي: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الثَّوْريّ، وَأَن يُرَاد بِهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة، لِأَن وكيعا يروي عَنْهُمَا وهما يرويان عَن مطرف، وَلَا قدح بِهَذَا الالتباس فِي الْإِسْنَاد، لِأَن أيا كَانَ مِنْهُمَا فَهُوَ: إِمَام حَافظ ضَابِط عدل مَشْهُور على شَرط البُخَارِيّ، وَلِهَذَا يروي لَهما فِي (الْجَامِع) شَيْئا كثيرا. وَقَالَ بَعضهم عَن سُفْيَان: هُوَ الثَّوْريّ، لِأَن وكيعا مَشْهُور بالرواية عَنهُ، وَلَو كَانَ ابْن عُيَيْنَة لنسبه، لِأَن الْقَاعِدَة فِي كل من روى عَن مُتَّفق الِاسْم أَنه يحمل من أهمل نسبته على من يكون لَهُ بِهِ

خُصُوصِيَّة من إكثار وَنَحْوه، ووكيع قَلِيل الرِّوَايَة عَن ابْن عُيَيْنَة بِخِلَاف الثَّوْريّ. قلت: كل مَا ذكره لَيْسَ يصلح مرجحا أَن يكون سُفْيَان هَذَا هُوَ الثَّوْريّ، بعد أَن ثَبت رِوَايَة وَكِيع عَن سفيانين كليهمَا وروايتهما عَن مطرف، على أَن أَبَا مَسْعُود الدِّمَشْقِي قَالَ فِي (الْأَطْرَاف) هَذَا هُوَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَقَالَ الغساني فِي كِتَابه (تَقْيِيد المهمل) هَذَا الحَدِيث مَحْفُوظ عَن ابْن عُيَيْنَة. الرَّابِع: مطرف، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة وبالفاء: ابْن طريف، بطاء مُهْملَة مَفْتُوحَة: أَبُو بكر، وَيُقَال: أَبُو عبد الرَّحْمَن، الْكُوفِي الْحَارِثِيّ نِسْبَة إِلَى بني الْحَارِث بن كَعْب بن عَمْرو، وَيُقَال: الخارفي، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وبالفاء، نِسْبَة إِلَى خارف بن عبد الله. وَثَّقَهُ أَحْمد وَغَيره، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عَامر الشّعبِيّ، وَقد تقدم. السَّادِس: أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالفاء، واسْمه وهب بن عبد الله السوَائِي، بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وبالمد، الْكُوفِي. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ حَدِيثا، اتفقَا على حديثين، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بحديثين، وَمُسلم بِثَلَاثَة. وَكَانَ عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، يُكرمهُ وَيُحِبهُ ويثق بِهِ وَجعله على بَيت المَال بِالْكُوفَةِ، وَشهد مَعَه مشاهده كلهَا وَنزل الْكُوفَة، وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وَكَانَ من صغَار الصَّحَابَة. قيل: توفّي رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَلم يبلغ الْحلم، وَالله أعلم. السَّابِع: عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله عَنهُ.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ وَقد دخل فِيهَا. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

بَيَان اخْتِلَاف الرِّوَايَات: قَوْله: (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَآخَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: حَدثنَا ابْن سَلام. قَوْله: (عَن الشّعبِيّ) وَفِي رِوَايَة المُصَنّف فِي الدِّيات: (سَمِعت الشّعبِيّ) . قَوْله: (عَن أبي جُحَيْفَة) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الدِّيات: (سَمِعت أَبَا جُحَيْفَة) . وَقد صرح باسمه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي رِوَايَته.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر، وَفِي الدِّيات عَن صَدَقَة بن الْفضل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة كِلَاهُمَا عَن مطرف بِهِ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الدِّيات عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم عَن مطرف نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقود عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة نَحوه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن عَلْقَمَة بن عَمْرو الدَّارِيّ عَن أبي بكر بن عَيَّاش عَن مطرف نَحوه.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. قَوْله: (أَو فهم) وَهُوَ جودة الذِّهْن. قَالَ الْجَوْهَرِي: فهمت الشَّيْء فهما وفهامية: عَلمته. وَفُلَان فهيم، وَقد استفهمني الشَّيْء فأفهمته وفهمته تفهيما، وتفهم الْكَلَام إِذا فهمه شَيْئا بعد شَيْء. قَوْله: (الصَّحِيفَة) قد مر تَفْسِيرهَا. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَإِنَّمَا سميت بِهِ لأَنهم كَانُوا يُعْطون فِيهَا الْإِبِل ويربطونها بِفنَاء دَار الْمَقْتُول بالعقال وَهُوَ: الْحَبل. قَوْله: (وفكاك الْأَسير) بِكَسْر الْفَاء، وَهُوَ مَا يفتك بِهِ. وفكه وافتكه بِمَعْنى أَي: خلصه، وَيجوز فتح الْفَاء أَيْضا. قَالَ الْقَزاز: الْفَتْح أفْصح. وَفِي (الْعباب) : فك يفك فكا وفكوكا، وَفك الرَّهْن إِذا خلصه، وفكاك الرَّهْن وفكاكه مَا يفتك بِهِ عَن الْكسَائي. وَفك الرَّقَبَة أَي: أعْتقهَا، وفككت الشَّيْء أَي خلصته،، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما. قَوْله: (الْأَسير) فعيل بِمَعْنى المأسور من أسره إِذا شده بالإسار، وَهُوَ الْقد، بِكَسْر الْقَاف وبالمهملة، لأَنهم كَانُوا يشدون الْأَسير بالقد، وَيُسمى كل أخيد أَسِيرًا وَإِن لم يشد بِهِ.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (هَل) للاستفهام و: (كتاب) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره قَوْله: (عنْدكُمْ) مقدما. قَوْله: (لَا) أَي: لَا كتاب عندنَا إِلَّا كتاب الله، بِالرَّفْع، وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُتَّصِل لِأَن الْمَفْهُوم من الْكتاب كتاب أَيْضا، لِأَن المفاهيم تَوَابِع المناطيق. قَوْله: (أَو فهم) بِالرَّفْع عطف على: كتاب الله. و: (أعْطِيه) بِصِيغَة الْمَجْهُول وَفتح الْيَاء أسْند إِلَى قَوْله: (رجل) . وَلكنه هُوَ الْمَفْعُول الأول النَّائِب عَن الْفَاعِل، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (مُسلم) صفة لرجل. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) عطف على قَوْله: (كتاب الله) وَكلمَة: مَا، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَقَوله: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. قَوْله: (قلت: وَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟) أَي: أَي شَيْء فِي هَذِه الصَّحِيفَة؟ فكلمة: مَا، استفهامية مُبْتَدأ، و: فِي هَذِه الصَّحِيفَة، خَبره. وَفِي بعض النّسخ: فَمَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة، بِالْفَاءِ، وَكِلَاهُمَا للْعَطْف. قَوْله: (الْعقل) مَرْفُوع لِأَنَّهُ مُبْتَدأ حذف خَبره أَي: فِيهَا الْعقل، والمضاف فِيهِ مَحْذُوف أَيْضا، أَي: حكم الْعقل أَي: الدِّيَة، كَمَا ذكرنَا. قَوْله:

(وفكاك الْأَسير) كَلَام إضافي عطف على الْعقل. قَوْله: (وَلَا يقتل) بِضَم اللَّام وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وَأَن لَا يقتل) بِزِيَادَة: أَن، الناصبة. وَأَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء، وَالْخَبَر مَحْذُوف تَقْدِيره: وفيهَا عدم قتل مُسلم بِكَافِر، يَعْنِي: حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر، وَأما على رِوَايَة من روى: وَلَا يقتل، بِدُونِ: أَن، فَإِنَّهُ جملَة فعلية معطوفة على جملَة إسمية، أَعنِي قَوْله: (الْعقل) لِأَن تَقْدِيره: وفيهَا الْعقل، كَمَا ذكرنَا. وَالتَّقْدِير: وفيهَا الْعقل وفيهَا حُرْمَة قصاص الْمُسلم بالكافر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد؟ قلت: هُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم وَمن دخله كَانَ آمنا} (آل عمرَان: ٩٧) انْتهى. قلت: لَيْسَ هَهُنَا عطف الْجُمْلَة على الْمُفْرد وَإِنَّمَا هُوَ عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، فَإِن أَرَادَ بقوله الْمُفْرد الْعقل فَهُوَ لَيْسَ بمفرد لِأَنَّهُ مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر، وَهُوَ جملَة، وَلَا هُوَ مثل لقَوْله تَعَالَى: {فِيهِ آيَات بَيِّنَات مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: ٩٧) ، لِأَن الْمَعْطُوف عَلَيْهِ الْجُمْلَة هَهُنَا مُفْرد، وَلِهَذَا قَالَ صَاحب (الْكَشَّاف) : التَّقْدِير: مقَام إِبْرَاهِيم وَأمن من دخله، فَقدر الْجُمْلَة فِي حكم الْمُفْرد ليَكُون عطف مُفْرد على مُفْرد. وَلم يقدر هَكَذَا، إلَاّ ليَصِح وُقُوع قَوْله {مقَام إِبْرَاهِيم} (آل عمرَان: ٩٧) عطف بَيَان لقَوْله: {آيَات بَيِّنَات} (آل عمرَان: ٩٧) ، لِأَن بَيَان الْجُمْلَة بِالْوَاحِدِ لَا يَصح.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (هَل عنْدكُمْ؟) الْخطاب لعليّ، رَضِي الله عَنهُ، وَالْجمع للتعظيم، أَو لإرادته مَعَ سَائِر أهل الْبَيْت، أَو للالتفات من خطاب الْمُفْرد إِلَى خطاب الْجمع على مَذْهَب من قَالَ من عُلَمَاء الْبَيَان: يكون مثله التفاتا، وَذَلِكَ كَقَوْلِه تَعَالَى: {يَا أَيهَا النَّبِي إِذا طلّقْتُم النِّسَاء} (الطَّلَاق: ١) إِذْ لَا فرق بَين أَن يكون الِانْتِقَال حَقِيقَة أَو تَقْديرا عِنْد الْجُمْهُور. قَوْله: (كتاب) أَي: مَكْتُوب أخذتموه عَن رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مِمَّا أُوحِي إِلَيْهِ. وَيدل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (هَل عنْدكُمْ شَيْء من الْوَحْي إلَاّ مَا فِي كتاب الله؟) . وَفِي رِوَايَته الْأُخْرَى فِي الدِّيات: (هَل عنْدكُمْ شَيْء مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآن؟) وَفِي مُسْند إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه عَن جرير بن مطرف: (هَل علمت شَيْئا من الْوَحْي؟) وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَة عَن ذَلِك لِأَن الشِّيعَة كَانُوا يَزْعمُونَ أَنه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، خص أهل بَيته، لَا سِيمَا عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بأسرار من علم الْوَحْي لم يذكرهَا لغيره، وَقد سَأَلَ عليا، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن هَذِه الْمَسْأَلَة أَيْضا قيس بن عباد، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْأَشْتَر النَّخعِيّ، وحديثهما فِي (سنَن النَّسَائِيّ) . قَوْله: (قَالَ: لَا) . أَي: لَا كتاب، أَي: لَيْسَ عندنَا كتاب غير كتاب الله تَعَالَى. وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (لَا، وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة) . قَوْله: (إِلَّا كتاب الله) بِالرَّفْع لِأَنَّهُ بدل من الْمُسْتَثْنى مِنْهُ، وَالِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل كَمَا ذكرنَا لِأَنَّهُ من جنسه، إِذْ لَو كَانَ من غير جنسه لَكَانَ قَوْله: (أَو فهم) مَنْصُوبًا لِأَنَّهُ عطف على الْمُسْتَثْنى، والمستثنى إِذا كَانَ من غير جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ يكون مَنْصُوبًا، وَمَا عطف عَلَيْهِ كَذَلِك وَقَول بَعضهم: الظَّاهِر أَن الِاسْتِثْنَاء فِيهِ مُنْقَطع غير صَحِيح. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: فِيهِ دَلِيل على أَنه كَانَ عِنْده أَشْيَاء مَكْتُوبَة من الْفِقْه المستنبط من كتاب الله، وَهُوَ المُرَاد من قَوْله: (أَو فهم أعْطِيه رجل) . قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، بل المُرَاد من الْفَهم مَا يفهمهُ الرجل من فحوى الْكَلَام وَيدْرك من بواطن الْمعَانِي الَّتِي هِيَ غير الظَّاهِر من نَصه: كوجوه الأقيسة والمفاهيم وَسَائِر الاستنباطات، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي الدِّيات بِلَفْظ: (مَا عندنَا إلَاّ مَا فِي الْقُرْآن إلَاّ فهما يعْطى رجل فِي الْكتاب) . وَالْمعْنَى: إلَاّ مَا فِي الْقُرْآن من الْأَشْيَاء المنصوصة، لَكِن إِن أعْطى الله رجلا فهما فِي كِتَابه فَهُوَ يقدر على استنباط أَشْيَاء أُخْرَى خَارِجَة عَن ظَاهر النَّص، وَمن أبين الدَّلِيل على أَن المُرَاد من الْفَهم مَا ذكرنَا، وَأَنه غير شَيْء مَكْتُوب، مَا رَوَاهُ أَحْمد بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق طَارق بن شهَاب، قَالَ: شهِدت عليا، رَضِي الله عَنهُ، على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول: (وَالله مَا عندنَا كتاب نقرؤه إلاّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة) ، وَقد علمت أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. قَوْله: (أَو مَا فِي هَذِه الصَّحِيفَة) ، وَكَانَت هَذِه معلقَة بقبضة سَيْفه إِمَّا احْتِيَاطًا أَو استحضارا وَإِمَّا لكَونه مُنْفَردا بِسَمَاع ذَلِك. وروى النَّسَائِيّ من طَرِيق الأشتر: فَأخْرج كتابا من قرَاب سَيْفه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَالظَّاهِر أَن سَبَب اقتران الصَّحِيفَة بِالسَّيْفِ الْإِشْعَار بِأَن مصَالح الدّين لَيست بِالسَّيْفِ وَحده، بل بِالْقَتْلِ تَارَة، وبالدية تَارَة، وبالعفو أُخْرَى. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: كَلَام عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه لَيْسَ عِنْده سوى الْقُرْآن، وَأَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم، وَإِنَّمَا وَقع التَّفَاوُت من قبل الْفَهم واستعداد الاستنباط، وَاسْتثنى مَا فِي الصَّحِيفَة احْتِيَاطًا لاحْتِمَال أَن يكون مَا فِيهَا مَا لَا يكون عِنْد غَيره فَيكون مُنْفَردا بِالْعلمِ بِهِ. قَالَ: وَقيل: كَانَ فِيهَا من الْأَحْكَام غير مَا ذكر هُنَا، وَلَعَلَّه لم يذكر جملَة مَا فِيهَا، إِذْ التَّفْصِيل لم يكن مَقْصُودا حِينَئِذٍ، أَو ذكره وَلم يحفظ الرَّاوِي. قلت: وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ وَمُسلم، من طَرِيق يزِيد التَّيْمِيّ عَن عَليّ،

رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: (مَا عندنَا شَيْء نقرؤه إلَاّ كتاب الله وَهَذِه الصَّحِيفَة، فَإِذا فِيهَا: الْمَدِينَة حرم) الحَدِيث. وَلمُسلم عَن أبي الطُّفَيْل عَن عَليّ، رَضِي الله عَنهُ: (مَا خصنا رَسُول الله، عَلَيْهِ السَّلَام، بِشَيْء لم يعم بِهِ النَّاس كَافَّة إلَاّ مَا فِي قرَاب سَيفي هَذَا، فَأخْرج صحيفَة مَكْتُوبَة فِيهَا: لعن الله من ذبح لغير الله) الحَدِيث. وللنسائي من طَرِيق الأشتر وَغَيره عَن عَليّ: فَإِذا فِيهَا: (الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ، يسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُم) الحَدِيث. وَلأَحْمَد من طَرِيق ابْن شهَاب: (فِيهَا فَرَائض الصَّدَقَة) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع بَين هَذِه الْأَحَادِيث؟ قلت: الصَّحِيفَة كَانَت وَاحِدَة، وَكَانَ جَمِيع ذَلِك مَكْتُوبًا فِيهَا، وَنقل كل من الروَاة مَا حفظه. قَوْله: (الْعقل) أَي: الدِّيَة، وَالْمرَاد أَحْكَامهَا ومقاديرها وأصنافها وَأَسْنَانهَا، وَكَذَلِكَ المُرَاد من قَوْله: (وفكاك الْأَسير) حكمه وَالتَّرْغِيب فِي تخليصه، وَأَنه نوع من أَنْوَاع الْبر الَّذِي يَنْبَغِي أَن يهتم بِهِ.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ مَا يقطع بِدعَة الشِّيعَة والمدعين على عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، أَنه الْوَصِيّ، وَأَنه الْمَخْصُوص بِعلم من عِنْد رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، لم يعرفهُ غَيره حَيْثُ قَالَ: مَا عِنْده إلَاّ مَا عِنْد النَّاس من كتاب الله، ثمَّ أحَال على الْفَهم الَّذِي النَّاس فِيهِ على درجاتهم، وَلم يخص نَفسه بِشَيْء غير مَا هُوَ مُمكن فِي غَيره.

الثَّانِي: فِيهِ إرشاد إِلَى أَن للْعَالم الْفَهم أَن يسْتَخْرج من الْقُرْآن بفهمه مَا لم يكن مَنْقُولًا عَن الْمُفَسّرين، لَكِن بِشَرْط مُوَافَقَته لِلْأُصُولِ الشَّرْعِيَّة.

الثَّالِث: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْأَحْكَام وتقييدها.

الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز السُّؤَال عَن الإِمَام فِيمَا يتَعَلَّق بخاصته.

الْخَامِس: احْتج بِهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد على أَن الْمُسلم لَا يقتل بالكافر قصاصا، وَبِه قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالثَّوْري وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن شبْرمَة. وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَعُثْمَان وَعلي وَزيد بن ثَابت، وَبِه قَالَ جمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم عمر بن عبد الْعَزِيز، وَإِلَيْهِ ذهب أهل الظَّاهِر. وَقَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ مَالك وَاللَّيْث بن سعد: إِن قَتله غيلَة قتل بِهِ وإلَاّ لم يقتل. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فِي رِوَايَة وَمُحَمّد وَزفر: يقتل الْمُسلم بالكافر، وَهُوَ قَول النَّخعِيّ وَالشعْبِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب وَمُحَمّد بن أبي ليلى وَعُثْمَان البتي، وَهُوَ رِوَايَة عَن عمر بن الْخطاب وَعبد الله بن مَسْعُود وَعمر بن عبد الْعَزِيز، رَضِي الله عَنْهُم. وَقَالُوا: وَلَا يقتل بالمستأمن والمعاهد. وَقَالَت الشَّافِعِيَّة: احتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن الْحسن بن أَحْمد عَن سعيد بن مُحَمَّد الرهاوي عَن عمار بن مطر عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن عَن ابْن الْبَيْلَمَانِي عَن ابْن عمر، رَضِي الله عَنْهُمَا، إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (قتل مُسلما بمعاهد، ثمَّ قَالَ: أَنا أكْرم من وَفِي بِذِمَّتِهِ) . ثمَّ قَالَت الشَّافِعِيَّة: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لم يسْندهُ غير إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَهُوَ مَتْرُوك، وَالصَّوَاب إرْسَاله، وَابْن الْبَيْلَمَانِي ضَعِيف لَا تقوم بِهِ حجَّة إِذا وصل الحَدِيث فَكيف إِذا أرْسلهُ؟ وَقَالَ مَالك وَيحيى بن سعيد وَابْن معِين: هُوَ كَذَّاب، يَعْنِي إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى. وَقَالَ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ: ترك النَّاس حَدِيثه. وَابْن الْبَيْلَمَانِي اسْمه: عبد الرَّحْمَن، وَقد ضَعَّفُوهُ. وَقَالَ أَحْمد: من حكم بحَديثه فَهُوَ عِنْدِي مخطىء، وَإِن حكم بِهِ حَاكم نقض. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الحَدِيث على ترك الْمُتَّصِل من حَدِيثه، فَكيف بالمنقطع؟ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع لَا احتجاج بِهِ، ثمَّ إِنَّه خطأ إِذْ قيل: إِن الْقَاتِل كَانَ عَمْرو بن أُميَّة وَقد عَاشَ بعد الرَّسُول، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، سِنِين؛ ومتروك بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ روى أَن الْكَافِر كَانَ رَسُولا فَيكون مستأمنا لَا ذِمِّيا، وَأَن الْمُسْتَأْمن لَا يقتل بِهِ الْمُسلم وفَاقا، ثمَّ إِن صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخ لِأَنَّهُ روى أَنه كَانَ قبل الْفَتْح. وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم الْفَتْح فِي خطْبَة خطبهَا على درج الْبَيْت الشريف: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) . وَقَالَت الْحَنَفِيَّة: لَا يتَعَيَّن علينا الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ، وَإِنَّمَا نَحن نستدل بالنصوص الْمُطلقَة فِي اسْتِيفَاء الْقصاص من غير فصل. وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله عَنهُ، فَلم يكن مُفردا، وَلَو كَانَ مُفردا لاحتمل مَا قُلْتُمْ، وَلكنه كَانَ مَوْصُولا بِغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ قيس بن عباد وَالْأَشْتَر، فَإِن فِي روايتهما: لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر وَلَا ذُو عهد فِي عَهده، فَهَذَا هُوَ أصل الحَدِيث وَتَمَامه، وَهَذَا لَا يدل على مَا ذهبتم إِلَيْهِ، لِأَن الْمَعْنى على أصل الحَدِيث: لَا يقتل مُؤمن بِسَبَب قتل كَافِر، وَلَا يقتل

ذُو عهد فِي عَهده بِسَبَب قتل كَافِر. وَمن الْمَعْلُوم أَن ذَا الْعَهْد كَافِر، فَدلَّ هَذَا أَن الْكَافِر الَّذِي منع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يقتل بِهِ مُؤمن فِي الحَدِيث الْمَذْكُور هُوَ الْكَافِر الَّذِي لَا عهد لَهُ، وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ لأحد: أَن الْمُؤمن لَا يقتل بالكافر الْحَرْبِيّ، وَلَا الْكَافِر الَّذِي لَهُ عهد يقتل بِهِ أَيْضا، فحاصل معنى حَدِيث أبي جُحَيْفَة: لَا يقتل مُسلم وَلَا ذُو عهد فِي عَهده بِكَافِر.

فَإِن قَالُوا: كل وَاحِد من الْحَدِيثين كَلَام مُسْتَقل مُفِيد فَيعْمل بِهِ، فَمَا الْحَاجة إِلَى جَعلهمَا وَاحِدًا حَتَّى يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّأْوِيل؟ قُلْنَا: قد ذكر أَن أصل الحَدِيث وَاحِد فتقطيعه لَا يزِيل الْمَعْنى الْأَصْلِيّ، وَلَئِن سلمنَا أَن أَصله لَيْسَ بِوَاحِد، وَأَن كل وَاحِد حَدِيث بِرَأْسِهِ وَلَكِن الْوَاجِب حملهما على أَنَّهُمَا وردا مَعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لم يثبت أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ذَلِك فِي وَقْتَيْنِ، مرّة من غير ذكر ذِي الْعَهْد، وَمرَّة مَعَ ذكر ذِي الْعَهْد، وَأَيْضًا إِن أصل هَذَا كَانَ فِي خطبَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة، وَقد كَانَ رجل من خُزَاعَة قتل رجلا من هُذَيْل فِي الْجَاهِلِيَّة، فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا إِن كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي هَاتين، لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر، وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) يَعْنِي، وَالله أعلم: الْكَافِر الَّذِي قَتله فِي الْجَاهِلِيَّة. وَكَانَ ذَلِك تَفْسِير لقَوْله: (كل دم كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ مَوْضُوع تَحت قدمي) . لِأَنَّهُ مَذْكُور فِي خطاب وَاحِد فِي حَدِيث وَاحِد، وَقد ذكر أهل الْمَغَازِي أَن عهد الذِّمَّة كَانَ بعد فتح مَكَّة، وَأَنه إِنَّمَا كَانَ قبل، بَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين الْمُشْركين، عهود إِلَى مدد لَا على أَنهم داخلون فِي ذمَّة الْإِسْلَام وَحكمه، وَكَانَ قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم فتح مَكَّة: (لَا يقتل مُؤمن بِكَافِر) منصرفا إِلَى الْكفَّار المعاهدين، إِذْ لم يكن هُنَاكَ ذمِّي ينْصَرف الْكَلَام إِلَيْهِ، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، وَهَذَا يدل على أَن عهودهم كَانَت إِلَى مدد، وَلذَلِك قَالَ: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأتمُّوا إِلَيْهِم عَهدهم إِلَى مدتهم} (التَّوْبَة: ٤) وَقَالَ: {فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر} (التَّوْبَة: ٢) وَكَانَ الْمُشْركُونَ حِينَئِذٍ على ضَرْبَيْنِ. أَحدهمَا: أهل الْحَرْب وَمن لَا عهد بَينه وَبَين النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَالْآخر: أهل الْمدَّة. وَلم يكن هُنَاكَ أهل ذمَّة، فَانْصَرف الْكَلَام إِلَى الضربين من الْمُشْركين، وَلم يدْخل فِيهِ من لم يكن على أحد هذَيْن الوصفين، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام.

وَقَالَ بعض الْحَنَفِيَّة: وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُسلم تقطع يَده إِذا سرق من مَال الذِّمِّيّ، فَكَذَا يقتل إِذا قَتله، وَإِن قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) من بَاب عطف الْخَاص على الْعَام، وَأَنه يَقْتَضِي تَخْصِيص الْعَام لِأَن الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ ذُو الْعَهْد هُوَ الْحَرْبِيّ دون الْمسَاوِي لَهُ والأعلى وَهُوَ الذِّمِّيّ، فَلَا يبْقى أحد يقتل بِهِ الْمعَاهد إلَاّ الْحَرْبِيّ، فَيجب أَن يكون الْكَافِر الَّذِي لَا يقتل بِهِ الْمُسلم هُوَ الْحَرْبِيّ، تَسْوِيَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ.

واعترضوا بِوُجُوه. الأول: أَن الْوَاو لَيست للْعَطْف بل للاستئناف، وَمَا بعد ذَلِك جملَة مستأنفة فَلَا حَاجَة إِلَى الْإِضْمَار فَإِنَّهُ خلاف الأَصْل، فَلَا يقدر فِيهِ: بِكَافِر. الثَّانِي: سلمنَا أَنه من بَاب عطف الْمُفْرد، وَالتَّقْدِير: بِكَافِر، لَكِن الْمُشَاركَة بواو الْعَطف وَقعت فِي أصل النَّفْي لَا فِي جَمِيع الْوُجُوه، كَمَا إِذا قَالَ الْقَائِل: مَرَرْت بزيد مُنْطَلقًا وَعَمْرو. قَالَ الشهَاب الْقَرَافِيّ: الْمَنْقُول عَن أهل اللُّغَة والنحو أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي أَنه مر بالمعطوف مُنْطَلقًا، بل الِاشْتِرَاك فِي مُطلق الْمُرُور. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده خَاصَّة إِزَالَة لتوهم مشابهة الذِّمِّيّ، فَإِنَّهُ لَا يقتل وَلَا وَلَده الَّذِي لم يعاهد، لِأَن الذِّمَّة تَنْعَقِد لَهُ ولأولاده وهلم جرا، وَأما الْجَواب عَن الْقيَاس الْمَذْكُور: فَإِنَّهُ قِيَاس فِي مُقَابلَة النَّص، وَهُوَ قَوْله: (وَلَا يقتل مُسلم بِكَافِر) فَلَا أثر لَهُ.

وَأجِيب عَن الأول: بِأَن الأَصْل فِي الْوَاو الْعَطف، وَدَعوى الِاسْتِئْنَاف يحْتَاج إِلَى بَيَان. وَعَن الثَّانِي: بِأَن مَا ذكرْتُمْ فِي عطف الْمُفْرد، وَهَذَا عطف الْجُمْلَة على الْجُمْلَة، وَكَذَلِكَ الْمَعْطُوف فِي الْمِثَال الَّذِي ذكره الْقَرَافِيّ مُفْرد. وَعَن الثَّالِث: بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصح إِذا كَانَت الْوَاو للاستئناف، وَقد قُلْنَا: إِنَّه يحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَأَيْضًا فمعلوم أَن ذَا الْعَهْد يحظر قَتله مَا دَامَ فِي عَهده، فَلَو حملنَا قَوْله: (وَلَا ذُو عهد فِي عَهده) ، على أَن لَا يقتل ذُو عهد فِي عَهده لأخلينا اللَّفْظ عَن الْفَائِدَة، وَحكم كَلَام النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حمله على مُقْتَضَاهُ فِي الْفَائِدَة، وَلَا يجوز إلغاؤه وَلَا إِسْقَاط حكمه، وَالْقِيَاس إِنَّمَا يكون فِي مُقَابلَة النَّص إِذا كَانَ الْمَعْنى على مَا ذكرْتُمْ، وَهُوَ غير صَحِيح، وعَلى مَا ذكرنَا يكون الْقيَاس فِي مُوَافقَة النَّص فَافْهَم. وَأما قَول الْبَيْضَاوِيّ: إِنَّه مُنْقَطع، فَإِنَّهُ لَا يضر عندنَا، لِأَن الْمُرْسل حجَّة عندنَا. وجزمه بِأَنَّهُ خطأ غير صَحِيح لِأَن الْقَاتِل يحْتَمل أَن يكون اثْنَيْنِ قتل أَحدهمَا وعاش الآخر بعد النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَوله: إِنَّه مَنْسُوخ وَقد كَانَ قبل الْفَتْح، غير صَحِيح، لما ذكرنَا أَن أصل الحَدِيث كَانَ فِي خطبَته، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، من فتح مَكَّة. فَافْهَم.

١١٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمٍ الفضْلُ بنُ دُكَيْنٍ قَالَ: حَدثنَا شَيْبَانُ عنْ يَحيَى عنْ أبي سَلَمَةَ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي ليْثٍ عامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فأُخْبِر بِذَلِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فقالَ: (إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عنْ مكَّةَ القَتلَ) أَو الفِيلَ شَكَّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والمُؤْمِنِينَ، ألَا وَإنها لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ولَمْ تَحِلَّ لأَحدٍ بَعْدِي ألَا وإنَّها حَلَّتْ لِي ساعَةً مِنْ نَهَارٍ، ألَا وإنَّهَا ساعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْتَلَى شَوْكُها وَلَا يُعُضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقطُ ساقِطَتُها إلَاّ لِمُنْشدٍ، فَمَنْ قُتِلَ لهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمّا أَن يُعْقَلَ، وإمّا أَن يُقادَ أهْلُ القَتِيل) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أهْل اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لي يَا رسولَ اللَّهِ. فقالَ: (اكْتُبُوا لأبي فُلَانٍ) فقالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إلَاّ الإذْخِرَ يَا رسولَ الله فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنا فَقَالَ النَّبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ الإذْخرِ (إلَاّ الإذْخِرَ) .

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (اكتبوا لأبي فلَان) ، وكل مَا يكْتب من النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ علم.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، بِضَم الدَّال الْمُهْملَة، وَقد مر. الثَّانِي: شَيبَان، بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالباء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الرَّحْمَن أَبُو مُعَاوِيَة النَّحْوِيّ الْمُؤَدب الْبَصْرِيّ الثِّقَة، مولى بني تَمِيم، سمع الْحسن وَغَيره، وَعنهُ ابْن مهْدي وَغَيره. وَكَانَ صَاحب حُرُوف وقراآت. قَالَ أَحْمد: هُوَ ثَبت فِي كل الْمَشَايِخ، وشيبان أثبت فِي يحيى بن أبي كثير من الْأَوْزَاعِيّ. قلت: حدث عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، وَعلي بن الْجَعْد، وَبَين وفاتيهما تسع وَسَبْعُونَ سنة، مَاتَ بِبَغْدَاد وَدفن بمقبره الخيزران، أَو فِي بَاب التِّين سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة، فِي خلَافَة الْمهْدي روى لَهُ الْجَمَاعَة. النَّحْوِيّ: نِسْبَة إِلَى قَبيلَة، وهم ولد النَّحْو ابْن شمس بن عَمْرو بن غنم بن غَالب بن عُثْمَان بن نصر بن زهران، وَلَيْسَ فِي هَذِه الْقَبِيلَة من يروي الحَدِيث سواهُ وَيزِيد بن أبي سعيد، وَأما مَا عداهما فنسبة إِلَى النَّحْو، علم الْعَرَبيَّة، كَأبي عَمْرو بن الْعَلَاء النَّحْوِيّ وَغَيره، وَلَيْسَ فِي البُخَارِيّ من اسْمه شَيبَان غَيره، وَفِي مُسلم هُوَ وشيبان بن فروخ، وَفِي أبي دَاوُد شَيبَان أَبُو حُذَيْفَة النَّسَائِيّ. وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة غير ذَلِك. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير صَالح بن المتَوَكل، وَيُقَال: اسْم أبي كثير: نشيط، وَيُقَال: دِينَار؛ ودينار مولى عَليّ اليمامي الطَّائِي مَوْلَاهُم الْعَطَّار أحد الْأَعْلَام الثِّقَات الْعباد، روى عَن أنس وَجَابِر مُرْسلا، وَعَن ابْن أبي سَلمَة، وَعنهُ هِشَام الدستوَائي وَغَيره. قَالَ أَيُّوب: مَا بَقِي على وَجه الأَرْض مثله. مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ بعد أَيُّوب بِسنة، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة: يحيى بن أبي كثير، غَيره. نعم، فِيهَا يحيى بن كثير الْعَنْبَري، وَفِي أبي دَاوُد: يحيى بن كثير الْبَاهِلِيّ، وَفِي ابْن مَاجَه: يحيى بن كثير صَاحب الْبَصْرِيّ وهما ضعيفان. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد مر. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة عبد الرَّحْمَن بن صَخْر.

بَيَان لطائف إِسْنَاده. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته أَئِمَّة أجلاء. وَمِنْهَا: أَنهم مَا بَين كُوفِي وبصري ويمامي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من رأى الصَّحَابِيّ عَن التَّابِعِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ هُنَا. وَفِي الدِّيات عَن أبي نعيم عَن شَيبَان. وَفِي اللّقطَة عَن يحيى بن مُوسَى عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الْحَج عَن زُهَيْر وَعبد الله بن سعيد عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور وَعَن عبد الله بن مُوسَى عَن شَيبَان ثَلَاثَتهمْ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أَحْمد بن حَنْبَل عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن مَحْمُود بن غيلَان وَيحيى بن مُوسَى عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ مُنْقَطِعًا، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرج النَّسَائِيّ عَن عَبَّاس بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن دُحَيْم عَن الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بِهِ.

بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (خُزَاعَة) ، بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وبالزاي: حَيّ من الأزد سموا بذلك لِأَن الأزد لما خَرجُوا

من مَكَّة وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد تخلفت عَنْهُم خُزَاعَة وأقامت بهَا، وَمعنى خزع فلَان عَن أَصْحَابه تخلف عَنْهُم، وَبَنُو لَيْث أَيْضا قَبيلَة. وَقَالَ الرشاطي: لَيْث فِي كنَانَة: لَيْث بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة، وَفِي عبد الْقَيْس: لَيْث بن بكر بن حداءة بن ظَالِم بن ذهل بن عجل بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن لكيز بن أفصى بن عبد الْقَيْس. قَوْله: (فَركب رَاحِلَته) ، الرَّاحِلَة: النَّاقة الَّتِي تصلح لِأَن ترحل. وَيُقَال: الرَّاحِلَة الْمركب من الْإِبِل ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى. وَفِي (الْعباب) : الرَّاحِلَة النَّاقة الَّتِي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وَتَمام الْخلق وَحسن المنظر، فَإِذا كَانَت فِي جمَاعَة الْإِبِل عرفت، قَالَه القتيبي. وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الرَّاحِلَة عِنْد الْعَرَب تكون الْجمل النجيب والناقة النجيبة، وَلَيْسَت النَّاقة أولى بِهَذَا الِاسْم من الْجمل، وَالْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة، كَمَا يُقَال: رجل داهية وراوية. وَقيل: سميت رَاحِلَة لِأَنَّهَا ترحل، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {فِي عيشة راضية} (الحاقة: ٢١) أَي مرضية. قَوْله: (لَا يخْتَلى) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة أَي: لَا يجز وَلَا يقطع. قَالَ الْجَوْهَرِي: تَقول: خليت الخلا واختليته أَي: جززته وقطعته فاختلى، والمخلى مَا يجتز بِهِ الخلا، والمخلاة مَا يَجْعَل فِيهِ الْخَلَاء. وَقَالَ ابْن السّكيت: خليت دَابَّتي أخليها إِذا جززت لَهَا الخلا، وَالسيف يخْتَلى أَي: يقطع، والمختلون والخالون الَّذين يختلون الْخَلَاء ويقطعونه، واختلت الأَرْض أَي: كثر خَلاهَا، والخلا مَقْصُورا: الرطب من الْحَشِيش، الْوَاحِدَة خلاة، وَفِي بعض الطّرق وَلَا يعضد شَوْكهَا وَلَا يخبط شَوْكهَا وَمعنى الْجَمِيع مُتَقَارب، والشوك جمع الشَّوْكَة، وَشَجر شائك وَشَوْك وشاك. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال: هَذِه شَجَرَة شاكة، أَي: كَثِيرَة الشوك. قَوْله: (وَلَا يعضد) أَي: وَلَا يقطع، وَقد اسْتَوْفَيْنَا مَعْنَاهُ فِي بَاب: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب. قَوْله: (وَلَا تلْتَقط ساقطتها) أَي: مَا سقط فِيهَا بغفلة الْمَالِك، وَأَرَادَ بهَا اللّقطَة، وَجَاء: وَلَا يحل لقطتهَا إِلَّا لِمُنْشِد، وَجَاء: لَا يلتقط لقطتهَا إِلَّا من عرفهَا. والالتقاط من: لقط الشَّيْء يلقطه لقطا أَخذه من الأَرْض. قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) أَي: لمعرف. قَالَ أَبُو عبيد: المنشد الْمُعَرّف. وَأما الطَّالِب فَيُقَال لَهُ: نَاشد. يُقَال: نشدت الضَّالة إِذا طلبتها، وأنشدتها إِذا عرفتها، وأصل الإنشاد رفع الصَّوْت، وَمِنْه إنشاد الشّعْر. قَوْله: (إِمَّا أَن يعقل) من الْعقل وَهُوَ: الدِّيَة. قَوْله: (وَإِمَّا أَن يُقَاد) بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ: الْقصاص، وَيَأْتِي مزِيد الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: هُوَ نبت مَعْرُوف طيبَة الرّيح، واحده إذخرة.

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (خُزَاعَة) لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث، مَنْصُوب لِأَنَّهُ اسْم: إِن. و (قتلوا رجلا) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَهُوَ: (رجلا) ، فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا خبر إِن. قَوْله: (من بني لَيْث) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ صفة: (رجلا) . قَوْله: (عَام فتح مَكَّة) نصب على الظّرْف، وَمَكَّة، لَا تَنْصَرِف للعلمية والتأنيث. قَوْله: (بقتيل) أَي: بِسَبَب قَتِيل من خُزَاعَة. قَوْله: (قَتَلُوهُ) ، جملَة فِي مَحل الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لقَوْله: (بقتيل) ، أَي قتل بَنو اللَّيْث ذَلِك الْخُزَاعِيّ. قَوْله: (فاخبر) على صِيغَة الْمَجْهُول، و (النَّبِي) مفعول نَاب عَن الْفَاعِل. قَوْله: (فَركب) عطف على: فَأخْبر. وَقَوله: (فَخَطب) ، عطف على: ركب، وَالْفَاء فِي: فَقَالَ، تصلح للتفسير. قَوْله: (الْقَتْل) مَنْصُوب مفعول: حبس. قَوْله: (وسلط) ، يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ: أَحدهمَا: صِيغَة الْمَجْهُول فَيكون مُسْندًا إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على أَنه نَاب عَن الْفَاعِل، فعلى هَذَا يكون: والمؤمنون، بِالْوَاو لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. وَالْآخر: صِيغَة الْمَعْلُوم، وَفِيه ضمير يرجع إِلَى الله وَهُوَ فَاعله وَرَسُول الله مَفْعُوله، فعلى هَذَا يكون و: الْمُؤمنِينَ، بِالْيَاءِ لِأَنَّهُ عطف عَلَيْهِ. قَوْله: (أَلا) ، بِفَتْح الْهمزَة وَتَخْفِيف اللَّام، للتّنْبِيه فتدل على تحقق مَا بعْدهَا. قَوْله: (وَإِنَّهَا) عطف على مُقَدّر لِأَن: أَلَا، لَهَا صدر الْكَلَام، والمقتضى أَن يُقَال: أَلا إِنَّهَا، بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {أَلا إِنَّهُم هم المفسدون} (الْبَقَرَة: ١٢) وَالتَّقْدِير: أَلا إِن الله حبس عَنْهَا الْفِيل وَإِنَّهَا لم تحل لأحد. قَوْله: (وَلَا تحل) عطف على قَوْله: (لم تحل) وَفِي الْكشميهني: (وَلم تحل) . وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي اللّقطَة من طَرِيق الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى: (وَلنْ تحل) . وَهِي أليق بالمستقبل. قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا) الْكَلَام فِيهِ مثل الْكَلَام فِي: (أَلا وَإِنَّهَا لم تحل) ، وَكَذَا قَوْله: (أَلا وَإِنَّهَا سَاعَتِي) . قَوْله: (حرَام) مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر لقَوْل: إِنَّهَا. لَا يُقَال إِنَّه لَيْسَ بمطابق للمبتدأ، والمطابقة شَرط، لأَنا نقُول إِنَّه مصدر فِي الأَصْل فيستوي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث والإفراد وَالْجمع، أَو هُوَ صفة مشبهة وَلَكِن وصفيته زَالَت لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهِ فتساوى فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث. قَوْله: (لَا يخْتَلى) مَجْهُول، وَكَذَا: (لَا يعضد) و: (لَا يلتقط) . قَوْله: (فَمن قتل) على صِيغَة الْمَجْهُول. وَكلمَة: من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَلِهَذَا دخلت فِي خَبَرهَا الْفَاء، وَهُوَ قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: الْمَقْتُول كَيفَ يكون بِخَير النظرين؟ قلت: المُرَاد أَهله، وَأطلق عَلَيْهِ ذَلِك لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَب. وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ حذف تَقْدِيره: من قتل لَهُ قَتِيل، وَسَائِر الرِّوَايَات تدل عَلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حذف وَقع بَيَانه فِي رِوَايَة

المُصَنّف فِي الدِّيات عَن أبي نعيم بِهَذَا الْإِسْنَاد: فَمن قتل لَهُ قَتِيل. قلت: كل ذَلِك فِيهِ نظر، أما كَلَام الْكرْمَانِي فَيلْزم مِنْهُ الْإِضْمَار قبل الذّكر، وَأما كَلَام الْخطابِيّ فَيلْزم فِيهِ حذف الْفَاعِل، وَأما كَلَام بَعضهم فَهُوَ من كَلَام الْخطابِيّ وَلَيْسَ من عِنْده شَيْء، وَالتَّحْقِيق هُنَا أَن يقدر فِيهِ مُبْتَدأ مَحْذُوف وحذفه سَائِغ شَائِع وَالتَّقْدِير: فَمن أَهله قتل فَهُوَ بِخَير النظرين: فَمن، مُبْتَدأ و: أَهله قتل جملَة من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر وَقعت صلَة للموصول. وَقَوله: (فَهُوَ) مُبْتَدأ، وَقَوله (بِخَير النظرين) خَبره، وَالْجُمْلَة خبر الْمُبْتَدَأ الأول، وَالضَّمِير فِي: قتل، يرجع إِلَى الْأَهْل الْمُقدر، وَقَوله: فَهُوَ، يرجع إِلَى من. وَالْبَاء فِي قَوْله: بِخَير النظرين، يتَعَلَّق بِمَحْذُوف تَقْدِيره: فَهُوَ مرضِي بِخَير النظرين، أَو عَامل، أَو مَأْمُور وَنَحْو ذَلِك. وَتَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، وَمعنى خير النظرين: أفضلهما. قَوْله: (إِمَّا) بِكَسْر الْهمزَة للتفصيل، و: أَن، بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة، وَكَذَا قَوْله، وَإِمَّا أَن، وَالتَّقْدِير: إِمَّا الْعقل وَإِمَّا الْقود. قَوْله: (من أهل الْيمن) فِي مَحل الرّفْع على أَنه صفة لرجل، وَكَذَا قَوْله من قُرَيْش. قَوْله: (إِلَّا الْإِذْخر يَا رَسُول الله) . قَالَ الْكرْمَانِي: مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ. فَكَأَنَّهُ قَالَ: قل يَا رَسُول الله: لَا يخْتَلى شَوْكهَا وَلَا يعضد شَجَرهَا إلَاّ الْإِذْخر. . وَأما الْوَاقِع فِي لَفظه، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فَهُوَ ظَاهر أَنه اسْتثِْنَاء من كَلَامه السَّابِق. قلت: كل مِنْهُمَا اسْتثِْنَاء، وَالتَّقْدِير الَّذِي قدره يدل على ذَلِك وَهُوَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ كَمَا فِي الْوَاقِع فِي لفظ الرَّسُول، وَيجوز فِيهِ الرّفْع على الْبَدَل مِمَّا قبله، وَالنّصب على الِاسْتِثْنَاء لكَونه وَاقعا بعد النَّفْي. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين: إِلَّا الْإِذْخر، اسْتثِْنَاء من: (لَا يخْتَلى خَلاهَا) ، وَهُوَ بعض من كل. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ هَذَا الِاسْتِثْنَاء وَشَرطه الِاتِّصَال بالمستثنى مِنْهُ وَهَهُنَا قد وَقع الفاصلة؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: جَازَ الْفَصْل عِنْد ابْن عَبَّاس، فَلَعَلَّ أَبَاهُ أَيْضا جوز ذَلِك، أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا وَهُوَ جَائِز اتِّفَاقًا، وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه قَالَ أَولا مثله لَيْسَ مُسْتَثْنى بل هُوَ تلقين بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَإِذا لم يكن مُسْتَثْنى لَا يرد سُؤَاله. وَالْآخر: قَوْله أَو الْفَصْل كَانَ يَسِيرا، وَلَيْسَ كَذَلِك بل الْفَصْل كثير، وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا أَن الْمُسْتَثْنى مِنْهُ مَحْذُوف وَالِاسْتِثْنَاء مِنْهُ من غير فصل.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله: (قتلوا رجلا) لم يسم اسْمه، وَأما الْمَقْتُول الَّذِي قتل فِي الْجَاهِلِيَّة فاسمه أَحْمَر، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: لما كَانَ الْغَد من يَوْم الْفَتْح ... فَذكر إِلَى أَن قَالَ: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَعند ابْن إِسْحَاق: بقتيل مِنْهُم قَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرك، وَذكر الْقِصَّة وَهُوَ أَن خرَاش بن أُميَّة من خُزَاعَة قتل ابْن الأثرع الْهُذلِيّ وَهُوَ مُشْرك بقتيل قتل فِي الْجَاهِلِيَّة يُقَال لَهُ أَحْمَر، فَقَالَ النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: (يَا معشر خُزَاعَة إرفعوا أَيْدِيكُم عَن الْقَتْل، فَمن قتل بعد مقَامي هَذَا فأهله بِخَير النظرين) وَذكر الحَدِيث. قَوْله: (إِن الله حبس) أَي: منع عَن مَكَّة الْقَتْل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَقَالَ الْكرْمَانِي: مَا يدل عَلَيْهِ أَنه روى: والفتك أَيْضا بِالْفَاءِ وَالْكَاف، وَفَسرهُ بسفك الدَّم، وَله وَجه إِن ساعدته الرِّوَايَة. قَوْله: (أَو الْفِيل) بِالْفَاءِ الْمَكْسُورَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَشْهُور الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله: {ألم تَرَ كَيفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيل} (الْفِيل: ١) السُّورَة، فَأرْسل الله تَعَالَى على أَصْحَابه طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل حِين وصلوا إِلَى بطن الْوَادي بِالْقربِ من مَكَّة. قَوْله: (قَالَ مُحَمَّد) ، وجعلوه على الشَّك، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم: الْفِيل أَو الْقَتْل، وَفِي بعض النّسخ: (إِن الله حبس عَن مَكَّة الْقَتْل أَو الْفِيل) ، كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، وَاجْعَلُوا على الشَّك الْفِيل أَو الْقَتْل. وَفِي بَعْضهَا: قَالَ أَبُو عبد الله: كَذَا قَالَ أَبُو نعيم، اجعلوه على الشَّك، وَالْمرَاد من قَوْله: قَالَ مُحَمَّد هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَكَذَا من قَوْله: قَالَ أَبُو عبد الله، وَالْمعْنَى على النُّسْخَة الأولى، وَجعله الروَاة على الشَّك. كَذَا قَالَ أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن شَيْخه، وعَلى النُّسْخَة الثَّانِيَة يكون: وَاجْعَلُوا من مقول أبي نعيم، وَهِي صِيغَة أَمر للحاضرين. أَي: اجعلوا هَذَا اللَّفْظ على الشَّك. وعَلى النُّسْخَة الثَّالِثَة يكون: إجعلوا، من مقول البُخَارِيّ نَفسه. فَافْهَم. قَوْله: (وَغَيره يَقُول الْفِيل) ، أَي غير أبي نعيم يَقُول الْفِيل، بِالْفَاءِ من غير شكّ، وَالْمرَاد بِالْغَيْر: من رَوَاهُ عَن شَيبَان رَفِيقًا لأبي نعيم، وَهُوَ عبد الله بن مُوسَى، وَمن رَوَاهُ عَن يحيى رَفِيقًا لشيبان هُوَ حَرْب بن شَدَّاد، لما سَيَأْتِي بَيَانه فِي الدِّيات إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَالْمرَاد بِحَبْس الْفِيل حبس أهل الْفِيل، وَأَشَارَ بذلك إِلَى الْقِصَّة الْمَشْهُورَة للحبشة فِي غزوهم مَكَّة وَمَعَهُمْ الْفِيل، فَمنعهَا الله مِنْهُم وسلط عَلَيْهِم الطير الأبابيل، مَعَ كَون أهل مَكَّة إِذْ ذَاك كَانُوا كفَّارًا، فحرمة أَهلهَا بعد الْإِسْلَام آكِد، لَكِن غَزْو النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِيَّاهَا مَخْصُوص بِهِ على ظَاهر هَذَا الحَدِيث وَغَيره. قَوْله: (وَلَا تحل لأحد بعدِي) معنى حَلَال مَكَّة حَلَال الْقِتَال فِيهَا، وَقد مر أَن فِي رِوَايَة الْكشميهني

(وَلم تحل) ، فَإِن قلت: لم تقلب الْمُضَارع مَاضِيا وَلَفظ بعدِي للاستقبال، فَكيف يَجْتَمِعَانِ؟ قلت: مَعْنَاهُ لم يحكم الله فِي الْمَاضِي بِالْحلِّ فِي الْمُسْتَقْبل. قَوْله: (سَاعَتِي هَذِه) أَي: فِي سَاعَتِي الَّتِي أَتكَلّم فِيهَا، وَهِي بعد الْفَتْح. قَالَ الطَّحَاوِيّ: الَّذِي أحل لَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَخص بِهِ دُخُول مَكَّة بِغَيْر إِحْرَام وَلَا يجوز لأحد أَن يدْخلهُ بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر إِحْرَام، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالقَاسِم وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وصاحبيه، ولمالك وَالشَّافِعِيّ قَولَانِ فِيمَن لم يرد الْحَج أَو الْعمرَة. فَفِي قَول: يجوز، وَفِي قَول: لَا يجوز إلَاّ للحطابين وشبههم. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: الَّذِي أحل للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، قتال أَهلهَا ومحاربتهم، وَلَا يحل لأحد بعده. قَوْله: (شَوْكهَا) دَال على منع قطع سَائِر الْأَشْجَار بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ فِي (شرح السّنة) : المؤذي من الشوك كالعوسج لَا بَأْس بِقطعِهِ كالحيوان المؤذي، فَيكون من بَاب تَخْصِيص الحَدِيث بِالْقِيَاسِ. وَكَذَا لَا بَأْس بِقطع الْيَابِس كَمَا فِي الصَّيْد الْمَيِّت، وَأما لقطتهَا فَقيل: لَيْسَ لواجدها غير التَّعْرِيف أبدا، وَلَا يملكهَا بِحَال، وَلَا يتَصَدَّق بهَا إِلَى أَن يظفر بصاحبها، بِخِلَاف لقطَة سَائِر الْبِقَاع، وَهُوَ أظهر قولي الشَّافِعِي. وَمذهب مَالك والأكثرين إِلَى أَنه: لَا فرق بَين لقطَة الْحل وَالْحرم. وَقَالُوا: معنى إلَاّ لِمُنْشِد: أَنه يعرفهَا كَمَا يعرفهَا فِي سَائِر الْبِقَاع حولا كَامِلا حَتَّى لَا يتَوَهَّم أَنه إِذا نَادَى عَلَيْهَا وَقت الْمَوْسِم فَلم يظْهر مَالِكهَا جَازَ تَملكهَا. وَقَالَ عبد الرحن بن مهْدي: قَوْله: (إلَاّ لِمُنْشِد) يُرِيد: لَا تحل أَلْبَتَّة، فَكَأَنَّهُ قيل: إلَاّ لِمُنْشِد، أَي: لَا يحل لَهُ مِنْهَا إلَاّ إنشادها، فَيكون ذَلِك مِمَّا اخْتصّت بِهِ مَكَّة كَمَا اخْتصّت بِأَنَّهَا حرَام، وَأَنه لَا ينفر صيدها وَغَيرهمَا من الْأَحْكَام. وَقَالَ الْمَازرِيّ: مَعْنَاهُ الْمُبَالغَة فِي التَّعْرِيف، لِأَن الْحَاج قد لَا يعود إلَاّ بعد أَعْوَام فتدعو الضَّرُورَة لإطالة التَّعْرِيف بِخِلَاف غَيرهَا من الْبِلَاد، وَلِأَن النَّاس ينتابون إِلَى مَكَّة. وَيُقَال: جَاءَ الحَدِيث ليقطع وهم من يظنّ أَنه يسْتَغْنى عَن التَّعْرِيف هُنَا إِذْ الْغَالِب أَن الحجيج إِذا تفَرقُوا مشرقين ومغربين ومدت المطايا أعناقها، يَقُول الْقَائِل: لَا حَاجَة إِلَى التَّعْرِيف، فَذكر، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن التَّعْرِيف فِيهَا ثَابت كَغَيْرِهَا من الْبِلَاد، وَمِنْهُم من قَالَ: التَّقْدِير إلَاّ من سمع نَاشِدًا يَقُول: من أضلّ كَذَا، فَحِينَئِذٍ يجوز للملتقط أَن يرفعها إِذا رَآهَا ليردها على صَاحبهَا، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَالنضْر بن شُمَيْل. وَقيل: لَا تحل إلَاّ لِرَبِّهَا الَّذِي يطْلبهَا. قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ جيد فِي الْمَعْنى، لَكِن لَا يجوز فِي الْعَرَبيَّة أَن يُقَال للطَّالِب منشد. قلت: قَالَ بَعضهم: الناشد الْمُعَرّف، والمنشد الطَّالِب فَيصح هَذَا التَّأْوِيل على هَذَا التَّقْرِير. قَالَ القَاضِي عِيَاض فِي (الْمَشَارِق) : ذكر الحريري اخْتِلَاف أهل اللُّغَة فِي الناشد والمنشد، وَأَن بَعضهم عكس فَقَالَ: الناشد الْمُعَرّف والمنشد الطَّالِب، وَاخْتِلَافهمْ فِي تَفْسِير الحَدِيث بِالْوَجْهَيْنِ. قَوْله: (فَهُوَ بِخَير النظرين) لَفْظَة خير، هَهُنَا بِمَعْنى أفعل التَّفْضِيل، وَالْمعْنَى: أفضل النظرين، وَتَفْسِير: النظرين، بقوله: إِمَّا أَن يعقل من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة. وَإِمَّا أَن يُقَاد أهل الْقَتِيل، بِالْقَافِ أَي: يقْتَصّ. وَوَقع فِي رِوَايَة لمُسلم: (إِمَّا أَن يفادى) بِالْفَاءِ من المفاداة. وَفِي (سنَن أبي دَاوُد) : (إِمَّا أَن يَأْخُذُوا الْعقل أَو يقتلُوا) ، وَهُوَ أبين الرِّوَايَات، وَهِي تفسر بَعْضهَا بَعْضًا. وَقَوله فِي مُسلم: (وَإِمَّا أَن يقتل) . وَقَول أبي دَاوُد: (أَو يقتلُوا) مفسران لسَائِر الرِّوَايَات. وَقَالَ عِيَاض: وَقع هُنَا فِي الْعلم فِي جَمِيع النّسخ، وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ، وَيُوَافِقهُ مَا جَاءَ فِي كتاب الدِّيات إِمَّا أَن يُؤدى وَإِمَّا أَن يُقَاد، وَكَذَلِكَ فِي مُسلم. وَحكى بَعضهم: يَعْنِي فِي مُسلم يفادى بِالْفَاءِ مَوضِع، يُقَاد قَالَ: وَالصَّوَاب الأول وَهُوَ الْقَاف لِأَن على الْفَاء يخْتل اللَّفْظ، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء فيتحصل التّكْرَار. قَالَ: وَالصَّوَاب أَن الْقَاف مَعَ قَوْله: الْعقل، وَالْفَاء مَعَ قَوْله: يقتل، لِأَن الْعقل هُوَ الْفِدَاء. وَأما يعقل مَعَ يفدى أَو يفادى فَلَا وَجه لَهُ. قلت: حَاصِل الْكَلَام أَن الرِّوَايَة على وَجْهَيْن. من قَالَ: وَإِمَّا أَن يُقَاد بِالْقَافِ من الْقود وَهُوَ الْقصاص. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يعقل، بِالْعينِ وَالْقَاف: من الْعقل وَهُوَ الدِّيَة، وَمن قَالَ: وَإِمَّا أَن يفادى. بِالْفَاءِ من: المفاداة. قَالَ فِيمَا قبله: إِمَّا أَن يقتل، بِالْقَافِ وَالتَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ الْقَتْل الَّذِي هُوَ الْقود. قَوْله: (فجَاء رجل من أهل الْيمن) وَهُوَ أَبُو شاه، وَجَاء بِهِ مُبينًا فِي اللّقطَة، وَهُوَ بشين مُعْجمَة وهاء بعد الْألف فِي الْوَقْف والدرج، وَلَا يُقَال بِالتَّاءِ. قَالُوا: وَلَا يعرف اسْم أبي شاه هَذَا، وَإِنَّمَا يعرف بكنيته وَهُوَ كَلْبِي يمني. وَفِي (الْمطَالع) وَأَبُو شاه مصروفا ضبطته وقرأته أَنا معرفَة ونكرة، وَعَن ابْن دحْيَة أَنه بِالتَّاءِ مَنْصُوبًا. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ بهاء فِي آخِره درجا ووقفا. قَالَ: وَهَذَا لَا خلاف فِيهِ، وَلَا يغتر بِكَثْرَة من يصحفه مِمَّن لَا يَأْخُذ الْعلم على وَجهه وَمن مظانه.

قَوْله: (فَقَالَ: أكتبوا لأبي فلَان) أَرَادَ بِهِ لأبي شاه. وَفِي مُسلم: فَقَالَ الْوَلِيد يَعْنِي: ابْن مُسلم رَاوِي الحَدِيث قلت للأوزاعي مَا قَوْله: اكتبوا لي يَا رَسُول الله؟ قَالَ: هَذِه الْخطْبَة الَّتِي سَمعهَا من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ رجل من قُرَيْش) ، وَهُوَ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَم النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَمَا يَأْتِي فِي اللّقطَة، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. وَوَقع فِي رِوَايَة لِابْنِ أبي شيبَة: فَقَالَ رجل من قُرَيْش يُقَال لَهُ شاه، وَهُوَ غلط. قَوْله: (فَإنَّا نجعله فِي بُيُوتنَا) لِأَنَّهُ يسقف بِهِ الْبَيْت فَوق الْخشب. وَقيل: كَانُوا يخلطونه بالطين لِئَلَّا يتشقق إِذا بني بِهِ كَمَا يفعل بالتبن. . قَوْله: (وَقُبُورنَا) لِأَنَّهُ يسد بِهِ فرج اللَّحْد المتخللة بَين اللبنات. قَوْله: (إلَاّ الْإِذْخر) وَقع فِي بعض الرِّوَايَات مكررا مرَّتَيْنِ، فَتكون الثَّانِيَة للتَّأْكِيد.

بَيَان استنباط الْأَحْكَام: وَهُوَ على وُجُوه. الأول: قَالَ ابْن بطال: فِيهِ إِبَاحَة كِتَابَة الْعلم، وَكره قوم كِتَابَة الْعلم لِأَنَّهَا سَبَب لضياع الْحِفْظ، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِم. وَمن الْحجَّة أَيْضا مَا اتَّفقُوا عَلَيْهِ من كِتَابَة الْمُصحف الَّذِي هُوَ أصل الْعلم، وَكَانَ للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كتَّاب يَكْتُبُونَ الْوَحْي. وَقَالَ الشّعبِيّ: إِذا سَمِعت شَيْئا فاكتبه وَلَو فِي الْحَائِط. قلت: مَحل الْخلاف كِتَابَة غير الْمُصحف، فَمَا اتَّفقُوا لَا يكون من الْحجَّة عَلَيْهِم. وَقَالَ عِيَاض: إِنَّمَا كره من كره من السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كِتَابَة الْعلم فِي الْمُصحف وَتَدْوِين السّنَن لأحاديث رويت فِيهَا. مِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي الْكِتَابَة فَلم يَأْذَن لنا) . وَعَن زيد بن ثَابت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أمرنَا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن لَا نكتب شَيْئا) . وَلِئَلَّا يكْتب مَعَ الْقُرْآن شَيْء وَخَوف الاتكال على الْكِتَابَة. ثمَّ جَاءَت أَحَادِيث بِالْإِذْنِ فِي ذَلِك فِي حَدِيث عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يُرِيد قَول عبد الله: (استأذنا رَسُول الله، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، فِي كِتَابَة مَا سَمِعت مِنْهُ، قَالَ: فَأذن لي، فكتبته) فَكَانَ عبد الله يُسَمِّي صَحِيفَته الصادقة. قَالَ: وَأَجَازَهُ مُعظم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَوَقع عَلَيْهِ بعد الِاتِّفَاق ودعت إِلَيْهِ الضَّرُورَة لانتشار الطّرق وَطول الْأَسَانِيد واشتباه المقالات مَعَ قلَّة الْحِفْظ وكلال الْفَهم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: أجابوا عَن أَحَادِيث النَّهْي إِمَّا بالنسخ، فَإِن النَّهْي كَانَ خوفًا من الِاخْتِلَاط بِالْقُرْآنِ، فَلَمَّا اشْتهر أمنت الْمفْسدَة، أَو إِن النَّهْي كَانَ على التَّنْزِيه لمن وثق بحفظه، وَالْإِذْن لمن لم يَثِق بحفظه.

الثَّانِي: فِيهِ دَلِيل على أَن الْخطْبَة يسْتَحبّ أَن تكون على مَوضِع عَال منبرٍ أَو غَيره فِي جُمُعَة أَو غَيرهَا.

الثَّالِث: اسْتدلَّ بقوله: (وسلط عَلَيْهِم رَسُول الله) من يرى أَن مَكَّة فتحت عنْوَة، وَأَن التسليط الَّذِي وَقع للنَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، مُقَابل بِالْحَبْسِ الَّذِي وَقع لأَصْحَاب الْفِيل وَهُوَ الْحَبْس عَن الْقِتَال، هَذَا قَول الْجُمْهُور. وَقَالَ الشَّافِعِي: فتحت صلحا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي حَدِيث أبي شُرَيْح.

الرَّابِع: فِيهِ دَلِيل على تَحْرِيم قطع الشّجر فِي الْحرم مِمَّا لَا ينبته الآدميون فِي الْعَادة، وعَلى تَحْرِيم خلاه، وَهَذَا بالِاتِّفَاقِ. وَاخْتلفُوا مِمَّا ينبته الآدميون، قَالَه النَّوَوِيّ.

الْخَامِس: اسْتدلَّ أهل الْأُصُول بِهَذَا الحَدِيث وَشبهه على أَن النَّبِي، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، كَانَ متعبدا بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَص فِيهِ، وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم، وَمنعه بَعضهم. وَمِمَّنْ قَالَ بِالْأولِ الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيّ، وَصحح الْغَزالِيّ الْجَوَاز، وَتوقف فِي الْوُقُوع. وَقَالَ ابْن الْخَطِيب الرَّازِيّ: توقف أَكثر الْمُحَقِّقين فى الْكل، وَجوزهُ بَعضهم فِي أَمر الْحَرْب دون غَيره، وَاسْتدلَّ من قَالَ بِوُقُوعِهِ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا، وَفِي قَوْله لما سُئِلَ: (أحجنا هَذَا لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد؟ وَلَو قلت: نعم، لوَجَبَ) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: ١٥٩) وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أُسَارَى بدر: {مَا كَانَ لنَبِيّ} الْآيَة، (آل عمرَان: ١٦١، الْأَنْفَال: ٦٧) وَلَو كَانَ حكم بِالنَّصِّ لما عوتب. وَأجَاب المانعون عَن الْكل بِأَنَّهُ يجوز أَن يقارنها نُصُوص أَو تقدم عَلَيْهَا بِأَن يُوحى إِلَيْهِ أَنه إِذا كَانَ كَذَا فَاضل فافعل كَذَا، مثل أَن لَا يَسْتَثْنِي إلَاّ الْإِذْخر حِين سَأَلَ الْعَبَّاس، أَو كَانَ جِبْرِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، حَاضرا فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يكون بِالْوَحْي لَا بِالِاجْتِهَادِ. قَالَ الْمُهلب: يجوز أَن الله تَعَالَى أعلم رَسُوله بتحليل الْمُحرمَات عِنْد الِاضْطِرَار، فَكَانَ هَذَا من ذَلِك الأَصْل، فَلَمَّا سَأَلَ الْعَبَّاس حكم فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: {وشاورهم فِي الْأَمر} (آل عمرَان: ١٥٩) إِنَّه مَخْصُوص بِالْحَرْبِ.

السَّادِس: فِيهِ أَن ولي الْقَتِيل بِالْخِيَارِ بَين أَخذ الدِّيَة وَبَين الْقَتْل، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَار الْجَانِي على أَي الْأَمريْنِ شَاءَ، وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد، وَقَالَ مَالك فِي الْمَشْهُور عَنهُ: لَيْسَ إلَاّ الْقَتْل أَو الْعَفو، وَلَيْسَ لَهُ الدِّيَة إلَاّ برضى الْجَانِي، وَبِه قَالَ الْكُوفِيُّونَ. قلت: هُوَ قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَعبد الله بن ذكْوَان وَعبد الله بن شبْرمَة وَالْحسن بن حَيّ. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَكَانَ من الْحجَّة لَهُم أَن قَوْله: أَخذ الدِّيَة، قد يجوز أَن يكون على مَا قَالَ أهل الْمقَالة الأولى: وَيجوز أَن يَأْخُذ الدِّيَة إِن أعطيها، كَمَا يُقَال للرجل: خُذ بِدينِك إِن شِئْت دَرَاهِم، وَإِن شِئْت دَنَانِير، وَإِن شِئْت عرضا، وَلَيْسَ

المُرَاد بذلك أَن يَأْخُذ ذَلِك، رَضِي الَّذِي عَلَيْهِ الدّين أَو كره، وَلَكِن يُرَاد إِبَاحَة ذَلِك لَهُ إِن أعْطِيه. قلت: التَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن قَوْله: (بِخَير النظرين) جَار ومجرور، وَلَا بُد لَهُ من مُتَعَلق مُنَاسِب يتَعَدَّى بِالْبَاء، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن تَقْدِير: مُخَيّر، لَيْسَ بمناسب، فَيقدر: إِمَّا عَامل بِخَير النظرين، أَو مرضِي، أَو مَأْمُور بِخَير النظرين للْقَاتِل، إِشَارَة إِلَى أَن الرِّفْق لَهُ مَطْلُوب حَتَّى كَانَ الْعَفو مَنْدُوب إِلَيْهِ. وَيجوز أَن يكون تَأْوِيله: فَهُوَ بِخَير النظرين من رضى الْقَاتِل ورضى نَفسه فَإِن كَانَ رضى الْقَاتِل خيرا لَهُ، وَقد اخْتَار الْفِدَاء، فَلهُ قبُول ذَلِك. وَإِن كَانَ رضى نَفسه بالاقتصاص خيرا، فَلهُ فعل ذَلِك وَيَنْبَغِي أَن لَا يقف عِنْد رضى نَفسه أَلْبَتَّة، لِأَن الْقَاتِل بِاخْتِيَار الدِّيَة قد يكون خيرا لَهُ، فيؤول وجوب الدِّيَة إِلَى رضى الْقَاتِل.

السَّابِع: فِيهِ أَن الْقَاتِل عمدا يجب عَلَيْهِ أحد الْأَمريْنِ: الْقصاص أَو الدِّيَة، وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي، وأصحهما عِنْده أَن الْوَاجِب الْقصاص، وَالدية بدل عِنْد سُقُوطه، وَهُوَ مَشْهُور مَذْهَب مَالك، وعَلى الْقَوْلَيْنِ: للْوَلِيّ الْعَفو عَن الدِّيَة، وَلَا يحْتَاج إِلَى رضى الْجَانِي وَلَو مَاتَ أَو سقط الطّرف الْمُسْتَحق وَجَبت الدِّيَة، وَبِه قَالَ أَحْمد، وَعَن أبي حنيفَة وَمَالك: إِنَّه لَا يعدل إِلَّا المَال إِلَّا برضى الْجَانِي، وَإنَّهُ لَو مَاتَ الْجَانِي سَقَطت الدِّيَة، وَهُوَ قَول قديم للشَّافِعِيّ، وَرجحه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي (شَرحه) .

٥٤ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو قَالَ أَخْبرنِي وهب بن مُنَبّه عَن أَخِيه قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول مَا من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أحد أَكثر حَدِيثا عَنهُ منى إِلَّا مَا كَانَ من عبد الله بن عَمْرو فَإِنَّهُ كَانَ كتب وَلَا أكتب) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة وَهُوَ أَن عبد الله بن عَمْرو من أفاضل الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانَ يكْتب مَا يسمعهُ من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَآله وَلَو لم تكن الْكِتَابَة جَائِزَة لما كَانَ يفعل ذَلِك فَإِذا قُلْنَا فعل الصَّحَابِيّ حجَّة فَلَا نزاع فِيهِ وَإِلَّا فلاستدلال على جَوَاز الْكِتَابَة يكون بقرير الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كِتَابَته (بَيَان رِجَاله) وهم سِتَّة الأول عَليّ بن عبد الله الْمدنِي الإِمَام وَقد تقدم الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ الجُمَحِي أحد الْأَئِمَّة الْمُجْتَهدين مَاتَ سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة الرَّابِع وهب بن مُنَبّه بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بن كَامِل بن سبج بِفَتْح السِّين وَقيل بِكَسْرِهَا وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره جِيم وَقيل الشين مُعْجمَة ابْن ذِي كنار وَهُوَ الاسوار الصَّنْعَانِيّ الْيَمَانِيّ الابناوي الذمارِي سمع هُنَا عَن أَخِيه قَالَ الْبَاجِيّ لم أر لَهُ فِي البُخَارِيّ غير هَذَا الْموضع وَسمع فِي غير البُخَارِيّ جَابِرا وَعبد الله بن عَبَّاس وَعبد الله بن عمر وَأَبا هُرَيْرَة وَغَيرهم قَالَ أَبُو زرْعَة ياني ثِقَة وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيّ وَقَالَ الفلاس ضَعِيف وَهُوَ مَشْهُور بِمَعْرِِفَة الْكتب الْمَاضِيَة قَالَ قَرَأت من كتب الله تَعَالَى اثْنَيْنِ وَتِسْعين كتابا وَهُوَ من الْأَبْنَاء الَّذين بَعثهمْ كسْرَى إِلَى الْيمن وَقيل أَصله من هراة مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة إِلَّا ابْن مَاجَه واخرج لَهُ مُسلم فِي الزَّكَاة عَن أَخِيه همام روى عَنهُ عَمْرو ابْن دِينَار وَاتفقَ لبخاري مُسلم فِي الاخراج عَنهُ وَعَن أَخِيه همام لَا غير الْخَامِس أَخُو وهب همام بن مُنَبّه أَبُو عقبَة وَكَانَ أكبر من وهب وَكَانُوا أَرْبَعَة أَخُو وهب وَمَعْقِل أَبُو عقيل وَهَمَّام وغيلان وَكَانَ أَصْغَرهم وَكَانَ آخِرهم موتا همام وَمَات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلَان ثمَّ همام توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة روى لَهُ الْجَمَاعَة السَّادِس أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ (بَيَان الْأَنْسَاب) الجمحى بِضَم الْجِيم وَفتح الْمِيم بِالْحَاء الْمُهْملَة نِسْبَة إِلَى جمح ابْن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر الصَّنْعَانِيّ نِسْبَة إِلَى صنعاء مَدِينَة بِالْيمن وصنعا أَيْضا قَرْيَة بِدِمَشْق وهب ينْسب إِلَى صنعاء الْيمن وزيدت فِيهَا النُّون فِي النِّسْبَة على خلاف الْقيَاس الْيَمَانِيّ نِسْبَة إِلَى يمَان وَيُقَال يمنى أَيْضا قَالَ الْجَوْهَرِي الْيمن بِلَاد الْعَرَب وَالنِّسْبَة إِلَيْهَا يمنى ويمان مُخَفّفَة وَالْألف عوض عَن يَاء النِّسْبَة فَلَا يَجْتَمِعَانِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَبَعْضهمْ يَقُول يماني بِالتَّشْدِيدِ الابناوى بِفَتْح الْهمزَة مَنْسُوب إِلَى الْأَبْنَاء بباء مُوَحدَة ثمَّ نون وهم كل من أَبنَاء الْفرس الَّذين وجههم كسْرَى مَعَ سيف ذِي يزن الذمارِي بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة وَقيل بِفَتْحِهَا نِسْبَة إِلَى ذمار على مرحلَتَيْنِ من صنعاء (بَيَان لطائف اسناده) . مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث وَالْأَخْبَار بِصِيغَة الْأَفْرَاد والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا أَن وهباً لم يرو لَهُ البُخَارِيّ فِي غير

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.5 / 29.5
الإضاءة 57%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله