«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٢٦

الحديث رقم ١١٢٦ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب تحريض النبي ﷺ على صلاة الليل والنوافل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١١٢٦ في صحيح البخاري

«أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ، يَا رُبَّ

⦗٥٠⦘

كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ».

إسناد حديث البخاري رقم ١١٢٦

١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١١٢٦: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ.

١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ لَيْلَةً فَقَالَ أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جدلاً﴾.

[الحديث ١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥]

١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شهاب، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَاسَبِّحُهَا

[الحديث ١١٢٨ - طرفة في: ١١٧٧]

١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ يَعْنِي: أُمَّتَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، (عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ: صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ: التَّحْرِيضِ، وَنَفْيِ الْإِيجَابِ. فَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَلِيٍّ لِلْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لِلثَّانِي. قُلْتُ: بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ نَفْيُ الْإِيجَابِ، وَيُؤْخَذُ التَّحْرِيضُ مِنْ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا: كَانَ يَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَحَبَّهُ اسْتَلْزَمَ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، لَوْلَا مَا عَارَضَهُ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيقَاظِ الْإِيقَاظُ لِلصَّلَاةِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِمَا أُنْزِلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَكَانَ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إِلَى النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ.

قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِمُشَاهَدَةِ حَالِ الْمُخْبِرِ حِينَئِذٍ أَثَرًا لَا يَكُونُ عِنْدَ التَّأْخِيرِ، فَيَكُونُ الْإِيقَاظُ فِي الْحَالِ أَبْلَغَ لِوَعْيِهِنَّ مَا يُخْبِرُهُنَّ بِهِ، وَلِسَمْعِهِنَّ مَا يَعِظُهُنَّ بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَسَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي الْمَلَكُوتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: وَالنَّوَافِلِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ، لَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ

وَكَرِيمَةَ. وَمَا نَسَبَهُ إِلَى فَهْمِ الْبُخَارِيِّ أَوَّلًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ؛ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ، فَظَهَرَتْ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَأَنَّ فِيهِ التَّحْرِيضَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَعَدَمُ الْإِيجَابِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ إِلْزَامِهِنَّ بِذَلِكَ. وَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْفِتَنِ. وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَمِنْ أَشْرَفِ التَّرَاجِمِ الْوَارِدَةِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.

وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ الزُّهْرِيِّ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ: عَنِ الْحُسَيْنِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَلَا تُصَلِّيَانِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ فَضِيلَةُ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِيقَاظُ النَّائِمِينَ مِنَ الْأَهْلِ وَالْقَرَابَةِ لِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ الْمَذْكُورَةِ: (وَدَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيّ وعَلى فَاطِمَةَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَيْقَظَنَا لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَصَلَّى هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَسْمَعْ لَنَا حِسًّا، فَرَجَعَ إِلَيْنَا فَأَيْقَظَنَا) الْحَدِيثَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْلَا مَا عَلِمَ النَّبِيُّ مِنْ عِظَمِ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَا كَانَ يُزْعِجُ ابْنَتَهُ وَابْنَ عَمِّهِ فِي وَقْتٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ سَكَنًا، لَكِنَّهُ اخْتَارَ لَهُمَا إِحْرَازَ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ عَلَى الدَّعَةِ وَالسُّكُونِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ) اقْتَبَسَ عَلِيٌّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الْآيَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَكِيمٍ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ عَلِيٌّ: فَجَلَسْتُ وَأَنَا أَعْرُكُ عَيْنِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَاللَّهِ مَا نُصَلِّي إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْمَشِيئَةِ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا) بِالْمُثَلَّثَةِ؛ أَيْ: أَيْقَظَنَا، وَأَصْلُهُ إِثَارَةُ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ قُلْتُ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حِينَ قُلْنَا.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْجِعْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيْ: لَمْ يُجِبْنِي، وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ يَكُونُ جَوَابًا، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُطَابِقُ الْمُرَادَ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) فِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْفَخِذِ عِنْدَ التَّأَسُّفِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَرِهَ احْتِجَاجَهُ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَنْسُبَ التَّقْصِيرَ إِلَى نَفْسِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِزَاعِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَرْجِيحُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ) لِلْعُمُومِ لَا لِخُصُوصِ الْكُفَّارِ. وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعَلِيٍّ حَيْثُ لَمْ يَكْتُمْ مَا فِيهِ عَلَيْهِ أَدْنَى غَضَاضَةً، فَقَدَّمَ مَصْلَحَةَ نَشْرِ الْعِلْمِ وَتَبْلِيغِهِ عَلَى كَتْمِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُشَدِّدَ فِي النَّوَافِلِ حَيْثُ قَنَعَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ : أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي الْعُذْرِ عَنِ التَّنَفُّلِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا عَذَرَهُ. قَالَ: وَأَمَّا ضَرْبُهُ فَخِذَهُ وَقِرَاءَتُهُ الْآيَةَ فَدَالٌّ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْرَجَهُمْ، فَنَدِمَ عَلَى إِنْبَاهِهِمْ، كَذَا قَالَ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ضَرَبَ فَخِذَهُ تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَةِ جَوَابِهِ، وَعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى حَدِيثَيْنِ: أَحَدِهِمَا: تَرْكِ الْعَمَلِ خَشْيَةَ افْتِرَاضِهِ. ثَانِيهِمَا: ذِكْرِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَهَذَا الثَّانِي سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى.

وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ (إِن) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَفِيهَا ضَمِيرُ

الشَّأْنِ.

وقَوْلُهُ: (لَيَدَعُ) بِفَتْحِ اللَّامِ؛ أَيْ: يَتْرُكُ، وَقَوْلُهُ: (خَشْيَةَ) النَّصْبُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَيَدَعُ، وَقَوْلُهُ: (فَيُفْرَضَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَعْمَلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَزَادَ فِيهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: قَالَتْ: وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّانِي فَهُوَ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَقَوْلُهُ: (صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) تَقَدَّمَ قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ صَلَّى فِي حُجْرَتِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا بَيْتَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْحَصِيرُ الَّتِي كَانَ يَحْتَجِرُهَا بِاللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجْعَلُهَا عَلَى بَابِ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيَبْسُطهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، فَفَعَلْتُ، فَخَرَجَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى يَحْتَجِرُ: يُحَوِّطُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَصِيرٍ يَسْتُرهُ؛ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ لِيَتَوَفَّرَ خُشُوعُهُ وَيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ احْتِجَارَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الَّذِي أُمِرَ النَّاسُ بِهِ، حَيْثُ قَالَ: فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَهُوَ إِذَا احْتَجَرَ صَارَ كَأَنَّهُ بَيَّتَ بِخُصُوصِيَّتِهِ، أَوْ أَنَّ السَّبَبَ فِي كَوْنِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ عَدَمِ شَوْبِهِ بِالرِّيَاءِ غَالِبًا، وَالنَّبِيُّ مُنَزَّهٌ عَنِ الرِّيَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي غَيْرِ بَيْتِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أَيْ: مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَهُوَ لَفْظُ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلِ؛ أَيِ: الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ: فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَلَمَّا أَصْبَحَ تَحَدَّثُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، زَادَ يُونُسُ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ. وَلِابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى كَانَ الْمَسْجِدُ يَعْجِزُ عَنْ أَهْلِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْهُ: فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَخْرُجْ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى سَمِعْتُ نَاسًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ: فَفَقَدُوا صَوْتَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، وَفِي حَدِيثِهِ فِي الْأَدَبِ: فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ)، فِي رِوَايَةِ عَقَيْلٍ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ بَيَانَ عَدَدِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، لَكِنْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. الْحَدِيثَ. فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ مِمَّنْ جَاءَ فِي

اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ لَيْلَتَيْنِ، وَكَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ، حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِنَا تَجَوَّزَ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ. الْحَدِيثَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَدَمَ خُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ كَانَ لِهَذِهِ الْخَشْيَةِ، لَا لِكَوْنِ الْمَسْجِدِ امْتَلَأَ وَضَاقَ عَنِ الْمُصَلِّينَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)؛ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورَةِ قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ: خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ: فَتَعْجِزُوا عَنْهَا؛ أَيْ تَشُقَّ عَلَيْكُمْ، فَتَتْرُكُوهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ الْكُلِّيَّ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ مِنْ أَصْلِهِ، ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَقَّعَ تَرَتُّبَ افْتِرَاضِ الصَّلَاةِ بِالَلِيلِ جَمَاعَةً عَلَى وُجُودِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ، وَقَدْ بَنَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ﷿ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ وَاظَبْتَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَهُمُ افْتَرَضْتُهَا عَلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ، فَتَرَكَ الْمُوَاظَبَةَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، كَمَا اتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْقُرَبِ الَّتِي دَاوَمَ عَلَيْهَا فَافْتُرِضَتْ، وَقِيلَ: خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَتُفْرَضَ عَلَيْكُمْ؛ أَيْ: تَظُنُّونَهُ فَرْضًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ، كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ. قَالَ: وَقِيلَ: كَانَ حُكْمُ النَّبِيِّ أَنَّهُ إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ فِيهِ، أَنَّهُ يُفْرَضَ عَلَيْهِمُ. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا الْأَخِيرِ، فَقَدْ وَاظَبَ النَّبِيُّ عَلَى رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ تُفْرَضْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ صَدَرَ مِنْهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ، فَخَشِيَ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَالْتَزَمُوا مَعَهُ قِيَامَ اللَّيْلِ أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَبَيْنَ أُمَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَشِيَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَيْهَا أَنْ يَضْعُفُوا عَنْهَا، فَيَعْصِيَ مَنْ تَرَكَهَا بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلَ هَذِهِ الْخَشْيَةِ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيلُ، فَكَيْفَ يَقَع الْخَوْفُ مِنَ الزِّيَادَةِ؟ وَهَذَا يُدْفَعُ فِي صُدُورِ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، وَأَفْعَالُهُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا - يَعْنِي عِنْدَ الْمُوَاظَبَةِ - فَتَرَكَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ مِنْ طَرِيقِ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، لَا مِنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ فَرْضٍ جَدِيدٍ زَائِدٍ عَلَى الْخَمْسِ، وَهَذَا كَمَا يُوجِبُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةَ نَذْرٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةُ فَرْضٍ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ.

قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ، ثُمَّ حَطَّ مُعْظَمَهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ ، فَإِذَا عَادَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا اسْتَوْهَبَ لَهَا، وَالْتَزَمَتْ مَا اسْتَعْفَى لَهُمْ نَبِيُّهُمْ مِنْهُ لَمْ يُسْتَنْكَرْ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، كَمَا الْتَزَمَ نَاسٌ الرَّهْبَانِيَّةَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّقْصِيرَ فِيهَا، فَقَالَ: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلَ أُولَئِكَ، فَقَطَعَ الْعَمَلَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَلَقَّى هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مِنَ الْخَطَّابِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَعَلَى وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ. وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ نِزَاعٌ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾؛ الْأَمْنُ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلزِّيَادَةِ. انْتَهَى. لَكِنْ فِي ذِكْرِ التَّضْعِيفِ بِقَوْلِهِ: هُنَّ خَمْسٌ، وَهُنَّ خَمْسُونَ؛ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الخاصِّ على العامِّ (وَطَرَقَ النَّبِيُّ ) من الطُّرُوق، أي: أتى باللَّيل (فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ) أي: للتَّحريض على القيام للصَّلاة.

١١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي ذرٍّ: «(١) محمَّد بن مقاتل» قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولغير الأَصيليِّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قَالَ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ) لم يُنوَّن في «اليونينيَّة» «هند» (٢) (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ!) نصبٌ على المصدر (مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) كالتَّقرير والبيان لسابقه؛ لأنَّ «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم، و «اللَّيلة» ظرفٌ للإنزال، أي: ما أُنزل (٣) في اللَّيلة (مِنَ الفِتْنَةِ؟) بالإفراد، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الفتن»، قال في «المصابيح»: أي: الجزئيَّة القريبة المأخذ، أو المراد: ماذا أُنزل من مقدِّمات الفتن؟ وإنَّما التجأنا إلى هذا التَّأويل؛ لقوله : «أنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ جاء أصحابي ما يوعدون»، فزمانه جديرٌ بأن يكون حُمي من الفتن، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وإتمام النِّعمة أمانٌ من الفتنة (٤)، وأيضًا

فقول حذيفة لعمر [خ¦٥٢٥]: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا؛ يعني: بينه وبين الفتنة (١) التي تموج كموج البحر، وتلك إنَّما استحقَّت بقتل عمر ، وأمَّا الفتن الجزئيَّة فهي كقوله [خ¦٥٢٥]: «فتنة الرَّجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصِّيام والصَّدقة». (مَاذَا أُنْزِلَ) بالهمزة المضمومة، وللأَصيليِّ: «نزل» (مِنَ الخَزَائِنِ) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا، وقال في «شرح المشكاة»: عبَّر عن الرَّحمة بـ «الخزائن» لكثرتها وعزَّتها، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعن العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابٌ مؤديَّة إليه، وجمَعهما لكثرتهما وسعتهما (مَنْ يُوقِظُ) ينبِّه (صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟) زاد في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ عند المصنِّف في «الأدب» [خ¦٦٢١٨] وغيره في هذا الحديث: «يُريدُ أزواجه حتَّى يُصلِّين»، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّ فيه التَّحريض على صلاة اللَّيل، وعدمُ الإيجابِ يُؤخذ من ترك إلزامهنَّ (٢) بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يَا) قوم (رُبَّ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) من ألوان الثِّياب عرفتُها (فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٌٍ) من أنواع الثِّياب (فِي الآخِرَةِ) وقيل: عاريةٌٍ من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشفُّ من الثِّياب، وقيل: نهى عن التَّبرُّج، وقال في «شرح المشكاة»: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصَّلاة؛ أي (٣): لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله ، وقوله: «عارية»، بالجرِّ صفةٌ لـ «كاسية»، أو بالرَّفع خبر مبتدأٍ مضمر، أي: هي عاريةٌ، و «رُبَّ» للتَّكثير، وإن كان أصلها التَّقليل، متعلِّقةٌ وجوبًا بفعلٍ ماضٍ متأخِّر، أي: عرفتها ونحوه كما مرَّ.

وهذا الحديث وإن خُصَّ بأزواجه ؛ لكن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١١٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ.

١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ لَيْلَةً فَقَالَ أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جدلاً﴾.

[الحديث ١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥]

١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شهاب، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائشة ، قَالَتْ: "إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَاسَبِّحُهَا

[الحديث ١١٢٨ - طرفة في: ١١٧٧]

١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ" وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ يَعْنِي: أُمَّتَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، (عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ: صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ: التَّحْرِيضِ، وَنَفْيِ الْإِيجَابِ. فَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَلِيٍّ لِلْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لِلثَّانِي. قُلْتُ: بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ نَفْيُ الْإِيجَابِ، وَيُؤْخَذُ التَّحْرِيضُ مِنْ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا: كَانَ يَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَحَبَّهُ اسْتَلْزَمَ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ، لَوْلَا مَا عَارَضَهُ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيقَاظِ الْإِيقَاظُ لِلصَّلَاةِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِمَا أُنْزِلَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَكَانَ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إِلَى النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ.

قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِمُشَاهَدَةِ حَالِ الْمُخْبِرِ حِينَئِذٍ أَثَرًا لَا يَكُونُ عِنْدَ التَّأْخِيرِ، فَيَكُونُ الْإِيقَاظُ فِي الْحَالِ أَبْلَغَ لِوَعْيِهِنَّ مَا يُخْبِرُهُنَّ بِهِ، وَلِسَمْعِهِنَّ مَا يَعِظُهُنَّ بِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ: قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَسَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي الْمَلَكُوتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ: وَالنَّوَافِلِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ، لَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ

وَكَرِيمَةَ. وَمَا نَسَبَهُ إِلَى فَهْمِ الْبُخَارِيِّ أَوَّلًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ؛ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ، فَظَهَرَتْ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ، وَأَنَّ فِيهِ التَّحْرِيضَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ. وَعَدَمُ الْإِيجَابِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ إِلْزَامِهِنَّ بِذَلِكَ. وَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْفِتَنِ. وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، وَمِنْ أَشْرَفِ التَّرَاجِمِ الْوَارِدَةِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.

وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ الزُّهْرِيِّ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَهُوَ وَهْمٌ، وَالصَّوَابُ: عَنِ الْحُسَيْنِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَلَا تُصَلِّيَانِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِيهِ فَضِيلَةُ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِيقَاظُ النَّائِمِينَ مِنَ الْأَهْلِ وَالْقَرَابَةِ لِذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ الْمَذْكُورَةِ: (وَدَخَلَ النَّبِيُّ عَلَيّ وعَلى فَاطِمَةَ مِنَ اللَّيْلِ فَأَيْقَظَنَا لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَصَلَّى هَوِيًّا مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمْ يَسْمَعْ لَنَا حِسًّا، فَرَجَعَ إِلَيْنَا فَأَيْقَظَنَا) الْحَدِيثَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: لَوْلَا مَا عَلِمَ النَّبِيُّ مِنْ عِظَمِ فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَا كَانَ يُزْعِجُ ابْنَتَهُ وَابْنَ عَمِّهِ فِي وَقْتٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ سَكَنًا، لَكِنَّهُ اخْتَارَ لَهُمَا إِحْرَازَ تِلْكَ الْفَضِيلَةِ عَلَى الدَّعَةِ وَالسُّكُونِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: (أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ) اقْتَبَسَ عَلِيٌّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الْآيَةَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَكِيمٍ الْمَذْكُورَةِ: قَالَ عَلِيٌّ: فَجَلَسْتُ وَأَنَا أَعْرُكُ عَيْنِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَاللَّهِ مَا نُصَلِّي إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْمَشِيئَةِ لِلَّهِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (بَعَثَنَا) بِالْمُثَلَّثَةِ؛ أَيْ: أَيْقَظَنَا، وَأَصْلُهُ إِثَارَةُ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعِهِ.

قَوْلُهُ: (حِينَ قُلْتُ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حِينَ قُلْنَا.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَرْجِعْ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ؛ أَيْ: لَمْ يُجِبْنِي، وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ يَكُونُ جَوَابًا، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الَّذِي لَا يُطَابِقُ الْمُرَادَ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي نَفْسِهِ.

قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ فَخِذَهُ) فِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْفَخِذِ عِنْدَ التَّأَسُّفِ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: كَرِهَ احْتِجَاجَهُ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَنْسُبَ التَّقْصِيرَ إِلَى نَفْسِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ الِانْتِزَاعِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَرْجِيحُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ) لِلْعُمُومِ لَا لِخُصُوصِ الْكُفَّارِ. وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعَلِيٍّ حَيْثُ لَمْ يَكْتُمْ مَا فِيهِ عَلَيْهِ أَدْنَى غَضَاضَةً، فَقَدَّمَ مَصْلَحَةَ نَشْرِ الْعِلْمِ وَتَبْلِيغِهِ عَلَى كَتْمِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ: فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُشَدِّدَ فِي النَّوَافِلِ حَيْثُ قَنَعَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ : أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي الْعُذْرِ عَنِ التَّنَفُّلِ، وَلَوْ كَانَ فَرْضًا مَا عَذَرَهُ. قَالَ: وَأَمَّا ضَرْبُهُ فَخِذَهُ وَقِرَاءَتُهُ الْآيَةَ فَدَالٌّ عَلَى أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْرَجَهُمْ، فَنَدِمَ عَلَى إِنْبَاهِهِمْ، كَذَا قَالَ، وَأَقَرَّهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ ضَرَبَ فَخِذَهُ تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَةِ جَوَابِهِ، وَعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لَهُ عَلَى الِاعْتِذَارِ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى حَدِيثَيْنِ: أَحَدِهِمَا: تَرْكِ الْعَمَلِ خَشْيَةَ افْتِرَاضِهِ. ثَانِيهِمَا: ذِكْرِ صَلَاةِ الضُّحَى. وَهَذَا الثَّانِي سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الضُّحَى.

وَقَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ (إِن) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَفِيهَا ضَمِيرُ

الشَّأْنِ.

وقَوْلُهُ: (لَيَدَعُ) بِفَتْحِ اللَّامِ؛ أَيْ: يَتْرُكُ، وَقَوْلُهُ: (خَشْيَةَ) النَّصْبُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَيَدَعُ، وَقَوْلُهُ: (فَيُفْرَضَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى يَعْمَلَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَزَادَ فِيهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ: قَالَتْ: وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ الثَّانِي فَهُوَ بِإِسْنَادِ الَّذِي قَبْلَهُ.

وَقَوْلُهُ: (صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) تَقَدَّمَ قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ صَلَّى فِي حُجْرَتِهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا بَيْتَهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْحَصِيرُ الَّتِي كَانَ يَحْتَجِرُهَا بِاللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجْعَلُهَا عَلَى بَابِ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ، وَيَبْسُطهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْصِبَ لَهُ حَصِيرًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، فَفَعَلْتُ، فَخَرَجَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: مَعْنَى يَحْتَجِرُ: يُحَوِّطُ مَوْضِعًا مِنَ الْمَسْجِدِ بِحَصِيرٍ يَسْتُرهُ؛ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَلَا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ مَارٌّ لِيَتَوَفَّرَ خُشُوعُهُ وَيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ. وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ احْتِجَارَهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ الَّذِي أُمِرَ النَّاسُ بِهِ، حَيْثُ قَالَ: فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ إِنْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَهُوَ إِذَا احْتَجَرَ صَارَ كَأَنَّهُ بَيَّتَ بِخُصُوصِيَّتِهِ، أَوْ أَنَّ السَّبَبَ فِي كَوْنِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلَ عَدَمِ شَوْبِهِ بِالرِّيَاءِ غَالِبًا، وَالنَّبِيُّ مُنَزَّهٌ عَنِ الرِّيَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي غَيْرِ بَيْتِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ) أَيْ: مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَهُوَ لَفْظُ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلِ؛ أَيِ: الْوَقْتِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ) كَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ: فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، وَنَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: فَلَمَّا أَصْبَحَ تَحَدَّثُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، زَادَ يُونُسُ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ. وَلِابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى كَانَ الْمَسْجِدُ يَعْجِزُ عَنْ أَهْلِهِ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْهُ: فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمْ يَخْرُجْ) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى سَمِعْتُ نَاسًا مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ، وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الِاعْتِصَامِ: فَفَقَدُوا صَوْتَهُ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، وَفِي حَدِيثِهِ فِي الْأَدَبِ: فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَحَصَبُوا الْبَابَ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ)، فِي رِوَايَةِ عَقَيْلٍ: فَلَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، أَنَّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ بَيَانَ عَدَدِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، لَكِنْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي رَمَضَانَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَلَمَّا كَانَتِ الْقَابِلَةُ اجْتَمَعْنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَرَجَوْنَا أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا، ثُمَّ دَخَلْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. الْحَدِيثَ. فَإِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ مِمَّنْ جَاءَ فِي

اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَى وَصْفِ لَيْلَتَيْنِ، وَكَذَا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَامَ، حَتَّى كُنَّا رَهْطًا، فَلَمَّا أَحَسَّ بِنَا تَجَوَّزَ، ثُمَّ دَخَلَ رَحْلَهُ. الْحَدِيثَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عَدَمَ خُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ كَانَ لِهَذِهِ الْخَشْيَةِ، لَا لِكَوْنِ الْمَسْجِدِ امْتَلَأَ وَضَاقَ عَنِ الْمُصَلِّينَ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ)؛ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا. وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَذْكُورَةِ قُبَيْلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ: خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ. وَقَوْلُهُ: فَتَعْجِزُوا عَنْهَا؛ أَيْ تَشُقَّ عَلَيْكُمْ، فَتَتْرُكُوهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ الْكُلِّيَّ؛ لِأَنَّهُ يُسْقِطُ التَّكْلِيفَ مِنْ أَصْلِهِ، ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَوَقَّعَ تَرَتُّبَ افْتِرَاضِ الصَّلَاةِ بِالَلِيلِ جَمَاعَةً عَلَى وُجُودِ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا، وَفِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ، وَقَدْ بَنَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَجَابَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ ﷿ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّكَ إِنْ وَاظَبْتَ عَلَى هَذِهِ الصَّلَاةِ مَعَهُمُ افْتَرَضْتُهَا عَلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ، فَتَرَكَ الْمُوَاظَبَةَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ، كَمَا اتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْقُرَبِ الَّتِي دَاوَمَ عَلَيْهَا فَافْتُرِضَتْ، وَقِيلَ: خَشِيَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ مِنْ مُدَاوَمَتِهِ عَلَيْهَا الْوُجُوبَ، وَإِلَى هَذَا الْأَخِيرِ نَحَا الْقُرْطُبِيُّ، فَقَالَ: قَوْلُهُ: فَتُفْرَضَ عَلَيْكُمْ؛ أَيْ: تَظُنُّونَهُ فَرْضًا، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ ظَنَّ ذَلِكَ، كَمَا إِذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ. قَالَ: وَقِيلَ: كَانَ حُكْمُ النَّبِيِّ أَنَّهُ إِذَا وَاظَبَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ فِيهِ، أَنَّهُ يُفْرَضَ عَلَيْهِمُ. انْتَهَى.

وَلَا يَخْفَى بُعْدَ هَذَا الْأَخِيرِ، فَقَدْ وَاظَبَ النَّبِيُّ عَلَى رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ تُفْرَضْ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ صَدَرَ مِنْهُ لَمَّا كَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ فَرْضًا عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ، فَخَشِيَ إِنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَالْتَزَمُوا مَعَهُ قِيَامَ اللَّيْلِ أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّرْعِ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَبَيْنَ أُمَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَشِيَ مِنْ مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَيْهَا أَنْ يَضْعُفُوا عَنْهَا، فَيَعْصِيَ مَنْ تَرَكَهَا بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الْخَطَّابِيُّ أَصْلَ هَذِهِ الْخَشْيَةِ، مَعَ مَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَإِذَا أُمِنَ التَّبْدِيلُ، فَكَيْفَ يَقَع الْخَوْفُ مِنَ الزِّيَادَةِ؟ وَهَذَا يُدْفَعُ فِي صُدُورِ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، وَأَفْعَالُهُ الشَّرْعِيَّةُ يَجِبُ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا - يَعْنِي عِنْدَ الْمُوَاظَبَةِ - فَتَرَكَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ؛ لِئَلَّا يَدْخُلَ ذَلِكَ فِي الْوَاجِبِ مِنْ طَرِيقِ الْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، لَا مِنْ طَرِيقِ إِنْشَاءِ فَرْضٍ جَدِيدٍ زَائِدٍ عَلَى الْخَمْسِ، وَهَذَا كَمَا يُوجِبُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ صَلَاةَ نَذْرٍ فَتَجِبُ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةُ فَرْضٍ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ.

قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ، ثُمَّ حَطَّ مُعْظَمَهَا بِشَفَاعَةِ نَبِيِّهِ ، فَإِذَا عَادَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا اسْتَوْهَبَ لَهَا، وَالْتَزَمَتْ مَا اسْتَعْفَى لَهُمْ نَبِيُّهُمْ مِنْهُ لَمْ يُسْتَنْكَرْ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، كَمَا الْتَزَمَ نَاسٌ الرَّهْبَانِيَّةَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ عَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّقْصِيرَ فِيهَا، فَقَالَ: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُهُمْ سَبِيلَ أُولَئِكَ، فَقَطَعَ الْعَمَلَ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ تَلَقَّى هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مِنَ الْخَطَّابِيِّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَعَلَى وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِهِ. وَفِي كُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ نِزَاعٌ. وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾؛ الْأَمْنُ مِنْ نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الْخَمْسِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلزِّيَادَةِ. انْتَهَى. لَكِنْ فِي ذِكْرِ التَّضْعِيفِ بِقَوْلِهِ: هُنَّ خَمْسٌ، وَهُنَّ خَمْسُونَ؛ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الخاصِّ على العامِّ (وَطَرَقَ النَّبِيُّ ) من الطُّرُوق، أي: أتى باللَّيل (فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ) أي: للتَّحريض على القيام للصَّلاة.

١١٢٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي ذرٍّ: «(١) محمَّد بن مقاتل» قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولغير الأَصيليِّ: «أخبرنا» (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك قَالَ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ) لم يُنوَّن في «اليونينيَّة» «هند» (٢) (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ!) نصبٌ على المصدر (مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) كالتَّقرير والبيان لسابقه؛ لأنَّ «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم، و «اللَّيلة» ظرفٌ للإنزال، أي: ما أُنزل (٣) في اللَّيلة (مِنَ الفِتْنَةِ؟) بالإفراد، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الفتن»، قال في «المصابيح»: أي: الجزئيَّة القريبة المأخذ، أو المراد: ماذا أُنزل من مقدِّمات الفتن؟ وإنَّما التجأنا إلى هذا التَّأويل؛ لقوله : «أنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ جاء أصحابي ما يوعدون»، فزمانه جديرٌ بأن يكون حُمي من الفتن، وأيضًا فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وإتمام النِّعمة أمانٌ من الفتنة (٤)، وأيضًا

فقول حذيفة لعمر [خ¦٥٢٥]: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا؛ يعني: بينه وبين الفتنة (١) التي تموج كموج البحر، وتلك إنَّما استحقَّت بقتل عمر ، وأمَّا الفتن الجزئيَّة فهي كقوله [خ¦٥٢٥]: «فتنة الرَّجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصِّيام والصَّدقة». (مَاذَا أُنْزِلَ) بالهمزة المضمومة، وللأَصيليِّ: «نزل» (مِنَ الخَزَائِنِ) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا، وقال في «شرح المشكاة»: عبَّر عن الرَّحمة بـ «الخزائن» لكثرتها وعزَّتها، قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠] وعن العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابٌ مؤديَّة إليه، وجمَعهما لكثرتهما وسعتهما (مَنْ يُوقِظُ) ينبِّه (صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟) زاد في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ عند المصنِّف في «الأدب» [خ¦٦٢١٨] وغيره في هذا الحديث: «يُريدُ أزواجه حتَّى يُصلِّين»، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّ فيه التَّحريض على صلاة اللَّيل، وعدمُ الإيجابِ يُؤخذ من ترك إلزامهنَّ (٢) بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يَا) قوم (رُبَّ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) من ألوان الثِّياب عرفتُها (فِي الدُّنْيَا، عَارِيَةٌٍ) من أنواع الثِّياب (فِي الآخِرَةِ) وقيل: عاريةٌٍ من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشفُّ من الثِّياب، وقيل: نهى عن التَّبرُّج، وقال في «شرح المشكاة»: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصَّلاة؛ أي (٣): لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله ، وقوله: «عارية»، بالجرِّ صفةٌ لـ «كاسية»، أو بالرَّفع خبر مبتدأٍ مضمر، أي: هي عاريةٌ، و «رُبَّ» للتَّكثير، وإن كان أصلها التَّقليل، متعلِّقةٌ وجوبًا بفعلٍ ماضٍ متأخِّر، أي: عرفتها ونحوه كما مرَّ.

وهذا الحديث وإن خُصَّ بأزواجه ؛ لكن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله