«مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٣٨

الحديث رقم ١٢٣٨ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: كتاب الجنائز.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٢٣٨ في صحيح البخاري

«مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ.»

بَابُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٢٣٨

١٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٢٣٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ كَلِمَتَا الشَّهَادَةِ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ تَرْكِ ذِكْرِ الرِّسَالَةِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَقَبٌ جَرَى عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا. وَأَمَّا قَوْلُ وَهْبٍ فَمُرَادُهُ بِالْأَسْنَانِ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ مُوَافَقَةِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ يُفْتَحْ لَهُ، فَكَأَنَّ مُرَادَهُ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فَتْحًا تَامًّا، أَوْ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي أولى الْأَمْرِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَرِيبًا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا فِي التَّهْلِيلِ، وَلَفْظُهُ: عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: مَثَلُ الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ مَثَلُ الرَّامِي بِلَا وَتَرٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُ وَهْبٍ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ؛ أَيْ حَدِيثُ الْبَابِ. وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا أُتِيَ بِمِفْتَاحٍ وَلَهُ أَسْنَانٌ، ولَكِنْ مَنْ خَلَطَ ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ حَتَّى مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ أَسْنَانُهُ قَوِيَّةً، فَرُبَّمَا طَالَ عِلَاجُهُ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَالْإِخْلَاصُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْبَةَ وَالنَّدَمَ، وَيَكُونُ النُّطْقُ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ. وَأَدْخَلَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلِهَذَا قَالَ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ. وَمَعْنَى قَوْلِ وَهْبٍ: إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ جِيَادٌ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ النَّعْتِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، لِأَنَّ مُسَمَّى الْمِفْتَاحِ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِالْأَسْنَانِ، وَإِلَّا فَهُوَ عُودٌ أَوْ حَدِيدَةٌ.

[الحديث ١٢٣٧ - أطرفه في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٧٤٨٧]

١٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال رسول الله : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"

[الحديث ١٢٣٨ - طرفاه في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣]

قَوْلُهُ: (أَتَانِي آتٍ) سَمَّاهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاصِلٍ جِبْرِيلُ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ: فَبَشَّرَنِي، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَهْدِيٍّ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ تَنَحَّى فَلَبِثَ طَوِيلًا، ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أُمَّتِي)؛ أَيْ مِنْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ؛ أَيْ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

قَوْلُهُ: (لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، الْحَدِيثَ. وإِنَّمَا لَمْ يُورِدْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ، وَيَشْهَدُ لَهُ اسْتِنْبَاطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي ثَانِي

حَدِيثَيِ الْبَابِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ النَّارَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى نَفْيِ الشِّرْكِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي الْإِلَهِيَّةِ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَارَ بِحُكْمِ الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّ القَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ، وَالْمَقُولُ لَهُ: الْمَلَكُ الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْقَائِلُ هُوَ أَبُو ذَرٍّ وَالْمَقُولُ لَهُ هُوَ النَّبِيُّ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي اللِّبَاسِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ قَالَهُ مُسْتَوْضِحًا، وَأَبُو ذَرٍّ قَالَهُ مُسْتَبْعِدًا، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ الَّتِي أَفْضَى الِاتِّكَالُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ الْجَهَلَةِ إِلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُوبِقَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا تَسْقُطْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سُقُوطِهَا أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ اللَّهُ بِهَا عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ اسْتِبْعَادَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ أَيْ صَارَ إِلَيْهَا إِمَّا ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ، وَإِمَّا بَعْدَ أَنْ يَقَعَ مَا يَقَعُ مِنَ الْعَذَابِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَالِهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تَسْلُبُ اسْمَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى جِنْسِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، وَكَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ اسْتَحْضَرَ قَوْلَهُ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مُعَارِضٌ لِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، وَبِحَمْلِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى عَدَمِ التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ) (١) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُقَالُ: بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ رَغَمَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغْمِ، وَهُوَ التُّرَابُ، وَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُلْصَقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ)؛ أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَكُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا، وَفِي أَوَّلِهِ: قَالَ النَّبِيُّ كَلِمَةً وَقُلْتُ أَنَا أُخْرَى. وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي أَنَّ الْمَرْفُوعَ الْوَعِيدُ، وَالْمَوْقُوفَ الْوَعْدُ. وَزَعَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ وَتَبِعَهُ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ، وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ بِالْعَكْسِ بِلَفْظِ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ بِالْعَكْسِ، لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ وَكِيعٍ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي قَلَبَهُ أَبُو عَوَانَةَ (٢) وَحْدَهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ يَسَارٍ (٣) وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ كُلُّهُمْ عَنْ شَقِيقٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ، لِأَنَّ جَانِبَ الْوَعِيدِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ عَلَى وَفْقِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِنْبَاطٍ، بِخِلَافِ جَانِبِ الْوَعْدِ، فَإِنَّهُ فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ، إِذْ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قواعد الشَّرع أنَّ حقوق الآدميِّين لا تسقط بمجرَّد الموت على الإيمان، نعم، لا يلزم من عدم سقوطها ألَّا يتكفَّل الله بها عمَّن يريد أن يدخله (١) الجنَّة، ومن ثمَّ ردَّ على أبي ذرٍّ استبعاده، أو المراد بقوله: «دخل الجنة» (٢) أي: صار إليها إمَّا ابتداءً من أوَّل الحال، وإمَّا بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية، وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الكبائر لا تسلُبُ اسم الإيمان، فإنَّ من ليس بمؤمنٍ لا يدخل الجنَّة وفاقًا، وأنَّها لا تحبط الطَّاعات.

١٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ( قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) كلمةً: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) وسقط لأبي ذَرِّ وابن عساكر «شيئًا»، قال ابن مسعودٍ: (وَقُلْتُ أَنَا) كلمةً أخرى: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) لأنَّ انتفاء السَّبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشِّرك انتفى دخول النَّار، وإذا انتفى دخول النَّار لزم دخول الجنَّة؛ إذ لا دارَ بين الجنَّة والنَّار، وأصحاب الأعراف قد عُرِفَ استثناؤهم من العموم، ولم تختلف الرِّوايات في «الصَّحيحين» في أنَّ المرفوع: هو (٣) الوعيد، والموقوف: الوعد، نعم، قال النَّوويُّ: وجد في بعض الأصول المعتمدة من (٤) «صحيح مسلمٍ» عكس هذا، قال رسول الله : «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة»، قلت أنا: ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النَّار، وهكذا ذكره الحميديُّ في «الجمع بين الصَّحيحين»،

عن «صحيح مسلمٍ»، وكذا رواه أبو عَوانة في كتابه المخرَّج على مسلم، والظَّاهر: أنَّ ابن مسعودٍ نسي مرَّةً، وهي الرِّواية الأولى، وحفظ مرَّةً، وهي الأخرى، فرواهما مرفوعين، كما رواهما جابرٌ عند مسلمٍ بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان (١)؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النَّار»، لكن قال في «الفتح»: إنَّه وهمٌ، وإنَّ الإسماعيلي بيَّن أنَّ المحفوظ عن وكيعٍ كما في البخاريِّ، وبذلك جزم ابن خزيمة في «صحيحه»، والصَّواب: رواية الجماعة، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون وهمًا وقد وقع عند مسلمٍ؟ كذا قال، فليُتأمَّل. قال في «المصابيح»: وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يفسِّر معنى قوله: من كان آخر كلامه بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا، ولا يُشتَرط أن يتلفَّظ بذلك عند الموت إذا كان حكم الإيمان بالاستصحاب، وذكر قول وهبٍ أيضًا تفسيرًا لكون مجرَّد النُّطق لا يكفي ولو كان عند الخاتمة، حتَّى يكون هناك عملٌ، خلافًا للمرجِئة، وكأنَّه يقول: لا تعتقد (٢) الاكتفاء بالشَّهادة وإن قارنت (٣) الخاتمة، ولا تعتقد الاحتياج إليها قطعًا (٤) إذا تقدَّمت حكمًا، والله أعلم.

ورواة حديث الباب كلُّهم كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٩٧] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان» والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٢) (باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ).

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: قِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَذَكَرَهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ كَلِمَتَا الشَّهَادَةِ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ تَرْكِ ذِكْرِ الرِّسَالَةِ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَقَبٌ جَرَى عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا. وَأَمَّا قَوْلُ وَهْبٍ فَمُرَادُهُ بِالْأَسْنَانِ الْتِزَامُ الطَّاعَةِ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ مُوَافَقَةِ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ يُفْتَحْ لَهُ، فَكَأَنَّ مُرَادَهُ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فَتْحًا تَامًّا، أَوْ لَمْ يُفْتَحْ لَهُ فِي أولى الْأَمْرِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهُمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَرِيبًا مِنْ كَلَامِهِ هَذَا فِي التَّهْلِيلِ، وَلَفْظُهُ: عَنْ سِمَاكِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: مَثَلُ الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ مَثَلُ الرَّامِي بِلَا وَتَرٍ. قَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُ وَهْبٍ مَحْمُولٌ عَلَى التَّشْدِيدِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ؛ أَيْ حَدِيثُ الْبَابِ. وَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا أُتِيَ بِمِفْتَاحٍ وَلَهُ أَسْنَانٌ، ولَكِنْ مَنْ خَلَطَ ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ حَتَّى مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ أَسْنَانُهُ قَوِيَّةً، فَرُبَّمَا طَالَ عِلَاجُهُ. وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا عِنْدَ الْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ، وَالْإِخْلَاصُ يَسْتَلْزِمُ التَّوْبَةَ وَالنَّدَمَ، وَيَكُونُ النُّطْقُ عَلَمًا عَلَى ذَلِكَ. وَأَدْخَلَ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الِاعْتِقَادِ، وَلِهَذَا قَالَ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ. وَمَعْنَى قَوْلِ وَهْبٍ: إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ جِيَادٌ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ حَذْفِ النَّعْتِ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ، لِأَنَّ مُسَمَّى الْمِفْتَاحِ لَا يُعْقَلُ إِلَّا بِالْأَسْنَانِ، وَإِلَّا فَهُوَ عُودٌ أَوْ حَدِيدَةٌ.

[الحديث ١٢٣٧ - أطرفه في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٧٤٨٧]

١٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا شَقِيقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قال رسول الله : "مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَقُلْتُ أَنَا مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"

[الحديث ١٢٣٨ - طرفاه في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣]

قَوْلُهُ: (أَتَانِي آتٍ) سَمَّاهُ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ وَاصِلٍ جِبْرِيلُ، وَجَزَمَ بِقَوْلِهِ: فَبَشَّرَنِي، وَزَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَهْدِيٍّ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةً، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ تَنَحَّى فَلَبِثَ طَوِيلًا، ثُمَّ أَتَانَا فَقَالَ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا مَنَامٍ.

قَوْلُهُ: (مِنْ أُمَّتِي)؛ أَيْ مِنْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ؛ أَيْ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ.

قَوْلُهُ: (لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا) أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ بِلَفْظِ: مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، الْحَدِيثَ. وإِنَّمَا لَمْ يُورِدْهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الشِّرْكِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ التَّوْحِيدِ، وَيَشْهَدُ لَهُ اسْتِنْبَاطُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي ثَانِي

حَدِيثَيِ الْبَابِ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ دَخَلَ النَّارَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَعْنَى نَفْيِ الشِّرْكِ أَنْ لَا يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي الْإِلَهِيَّةِ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَارَ بِحُكْمِ الْعُرْفِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) قَدْ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ أَنَّ القَائِلَ ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ ، وَالْمَقُولُ لَهُ: الْمَلَكُ الَّذِي بَشَّرَهُ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْقَائِلُ هُوَ أَبُو ذَرٍّ وَالْمَقُولُ لَهُ هُوَ النَّبِيُّ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي اللِّبَاسِ. وَلِلتِّرْمِذِيِّ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ قَالَهُ مُسْتَوْضِحًا، وَأَبُو ذَرٍّ قَالَهُ مُسْتَبْعِدًا، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَحَادِيثِ الرَّجَاءِ الَّتِي أَفْضَى الِاتِّكَالُ عَلَيْهَا بِبَعْضِ الْجَهَلَةِ إِلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُوبِقَاتِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ الْقَوَاعِدَ اسْتَقَرَّتْ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا تَسْقُطْ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سُقُوطِهَا أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ اللَّهُ بِهَا عَمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ رَدَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ اسْتِبْعَادَهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ أَيْ صَارَ إِلَيْهَا إِمَّا ابْتِدَاءً مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ، وَإِمَّا بَعْدَ أَنْ يَقَعَ مَا يَقَعُ مِنَ الْعَذَابِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نَفَعَتْهُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا أَصَابَهُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حَالِهِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تَسْلُبُ اسْمَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ. وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى جِنْسِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْعِبَادِ، وَكَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ اسْتَحْضَرَ قَوْلَهُ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ مُعَارِضٌ لِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، وَبِحَمْلِ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى عَدَمِ التَّخْلِيدِ فِي النَّارِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ) (١) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَيُقَالُ: بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَهُوَ مَصْدَرُ رَغَمَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَكَسْرِهَا، مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّغْمِ، وَهُوَ التُّرَابُ، وَكَأَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِأَنْ يُلْصَقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ)؛ أَيِ ابْنُ غِيَاثٍ، وَشَقِيقٌ هُوَ أَبُو وَائِلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَكُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا، وَفِي أَوَّلِهِ: قَالَ النَّبِيُّ كَلِمَةً وَقُلْتُ أَنَا أُخْرَى. وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي أَنَّ الْمَرْفُوعَ الْوَعِيدُ، وَالْمَوْقُوفَ الْوَعْدُ. وَزَعَمَ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ وَتَبِعَهُ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ، وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ، وَابْنِ نُمَيْرٍ بِالْعَكْسِ بِلَفْظِ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ. وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ فِي ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ بِالْعَكْسِ، لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ وَكِيعٍ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَإِنَّمَا الْمَحْفُوظُ أَنَّ الَّذِي قَلَبَهُ أَبُو عَوَانَةَ (٢) وَحْدَهُ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ يَسَارٍ (٣) وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ كُلُّهُمْ عَنْ شَقِيقٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ، لِأَنَّ جَانِبَ الْوَعِيدِ ثَابِتٌ بِالْقُرْآنِ وَجَاءَتِ السُّنَّةُ عَلَى وَفْقِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِنْبَاطٍ، بِخِلَافِ جَانِبِ الْوَعْدِ، فَإِنَّهُ فِي مَحَلِّ الْبَحْثِ، إِذْ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قواعد الشَّرع أنَّ حقوق الآدميِّين لا تسقط بمجرَّد الموت على الإيمان، نعم، لا يلزم من عدم سقوطها ألَّا يتكفَّل الله بها عمَّن يريد أن يدخله (١) الجنَّة، ومن ثمَّ ردَّ على أبي ذرٍّ استبعاده، أو المراد بقوله: «دخل الجنة» (٢) أي: صار إليها إمَّا ابتداءً من أوَّل الحال، وإمَّا بعد أن يقع ما يقع من العذاب، نسأل الله العفو والعافية، وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الكبائر لا تسلُبُ اسم الإيمان، فإنَّ من ليس بمؤمنٍ لا يدخل الجنَّة وفاقًا، وأنَّها لا تحبط الطَّاعات.

١٢٣٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياثٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا شَقِيقٌ) أبو وائل بن سلمة (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ ( قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ) كلمةً: (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) وسقط لأبي ذَرِّ وابن عساكر «شيئًا»، قال ابن مسعودٍ: (وَقُلْتُ أَنَا) كلمةً أخرى: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) لأنَّ انتفاء السَّبب يوجب انتفاء المسبَّب، فإذا انتفى الشِّرك انتفى دخول النَّار، وإذا انتفى دخول النَّار لزم دخول الجنَّة؛ إذ لا دارَ بين الجنَّة والنَّار، وأصحاب الأعراف قد عُرِفَ استثناؤهم من العموم، ولم تختلف الرِّوايات في «الصَّحيحين» في أنَّ المرفوع: هو (٣) الوعيد، والموقوف: الوعد، نعم، قال النَّوويُّ: وجد في بعض الأصول المعتمدة من (٤) «صحيح مسلمٍ» عكس هذا، قال رسول الله : «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة»، قلت أنا: ومن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النَّار، وهكذا ذكره الحميديُّ في «الجمع بين الصَّحيحين»،

عن «صحيح مسلمٍ»، وكذا رواه أبو عَوانة في كتابه المخرَّج على مسلم، والظَّاهر: أنَّ ابن مسعودٍ نسي مرَّةً، وهي الرِّواية الأولى، وحفظ مرَّةً، وهي الأخرى، فرواهما مرفوعين، كما رواهما جابرٌ عند مسلمٍ بلفظ: قيل: يا رسول الله، ما الموجبتان (١)؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّة، ومن مات يشرك بالله شيئًا دخل النَّار»، لكن قال في «الفتح»: إنَّه وهمٌ، وإنَّ الإسماعيلي بيَّن أنَّ المحفوظ عن وكيعٍ كما في البخاريِّ، وبذلك جزم ابن خزيمة في «صحيحه»، والصَّواب: رواية الجماعة، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يكون وهمًا وقد وقع عند مسلمٍ؟ كذا قال، فليُتأمَّل. قال في «المصابيح»: وكأنَّ المؤلِّف أراد أن يفسِّر معنى قوله: من كان آخر كلامه بالموت على الإيمان حكمًا أو لفظًا، ولا يُشتَرط أن يتلفَّظ بذلك عند الموت إذا كان حكم الإيمان بالاستصحاب، وذكر قول وهبٍ أيضًا تفسيرًا لكون مجرَّد النُّطق لا يكفي ولو كان عند الخاتمة، حتَّى يكون هناك عملٌ، خلافًا للمرجِئة، وكأنَّه يقول: لا تعتقد (٢) الاكتفاء بالشَّهادة وإن قارنت (٣) الخاتمة، ولا تعتقد الاحتياج إليها قطعًا (٤) إذا تقدَّمت حكمًا، والله أعلم.

ورواة حديث الباب كلُّهم كوفيُّون، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٤٩٧] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٨٣]، ومسلمٌ في «الإيمان» والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(٢) (باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ).

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر