الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٨٠
الحديث رقم ١٢٨٠ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب: حد المرأة على غير زوجها.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ الشام دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
[الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥]
١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
١٢٨٢ - "ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
[الحديث ١٢٨٢ - طرفه في: ٥٣٣٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الْإِحْدَادُ بِالْمُهْمَلَةِ امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنَ الزِّينَةِ كُلِّهَا: مِنْ لِبَاسٍ وَطِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ. وَأَبَاحَ الشَّارِعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِمَا يَغْلِبُ مِنْ لَوْعَةِ الْحُزْنِ، وَيَهْجُمُ مِنْ أَلَمِ الْوَجْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ طَالَبَهَا بِالْجِمَاعِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مَنْعُهُ في تِلْكَ الْحَالِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى مَبَاحِثِ الْإِحْدَادِ. وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا. يَعُمُّ كُلَّ مَيِّتٍ غَيْرَ الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ لَهُ ظَاهِرَةٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ عُرْفًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِي الثَّلَاثِ، وَأَقَلُّ مَا يَقْتَضِيهِ إِثْبَاتَ الْمَشْرُوعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: الْيَوْمُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (دَعَتْ بِصُفْرَةٍ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (نُهِينَا) رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُحِدَّ عَلَى هَالِكٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نُحِدَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَصْمَعِيُّ غَيْرَهُ. وَحَكَى غَيْرُهُ فَتْحَ أَوَّلِهِ وَضَمَّ ثَانِيهِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، يُقَالُ: حَدَّتِ الْمَرْأَةُ وَأَحَدَّتْ، بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (إِلَّا بِزَوْجٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِزَوْجٍ بِاللَّامِ، وَوَقَعَ فِي الْعِدَدِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، وَالْكُلُّ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) هِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَرَّحَ فِي الْعِدَدِ بِالْأخْبَارِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُمَيْدِ بْنِ
نَافِعٍ.
قَوْلُهُ: (نَعْيٌ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - هُوَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ، وَأَبُو سُفْيَانَ هُوَ ابْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَالِدُ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَذْكُورِ. وَفِي قَوْلِهِ: مِنَ الشَّامِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، وَأَظُنُّهَا وَهْمًا، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ لَفْظُ ابْنِ لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ نَعْيُهُ مِنَ الشَّامِ وَأُمُّ حَبِيبَةَ فِي الْحَيَاةِ هُوَ أَخُوهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي كَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ، لَكِنْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعِدَدِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِلَفْظِ: حِينَ تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ الشَّامِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ طَرِيقِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْهَا. ثُمَّ وَجَدَتِ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ - وَلَفْظُهُ - جَاءَ نَعْيُ أَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ، أَوْ حَمِيمٍ لَهَا، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَلَطَّخَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا. وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ بِلَفْظِ: إِنَّ أَخًا لِأُمِّ حَبِيبَةَ مَاتَ أَوْ حَمِيمًا لَهَا.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ حَمِيمًا لَهَا مَاتَ. مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَإِطْلَاقُ الْحَمِيمِ عَلَى الْأَخِ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَبِ، فَقَوِيَ الظَّنُّ عِنْدَ هَذَا أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ لِزَيْنَبَ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ وَفَاةِ أَخِيهَا يَزِيدَ، ثُمَّ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا أَبِي سُفْيَانَ، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بِصُفْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ. وَزَادَ فِيهِ: فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا؛ أَيْ بِعَارِضَيْ نَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِهِ فِي الْعِدَدِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلْتُ) هُوَ مَقُولُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْعِدَدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَعْدَ قِصَّةِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَقِبَ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، لِأَنَّ وَفَاتَهُ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَبِي سُفْيَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ تَرْتِيبَ الْوَقَائِعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ تَرْتِيبَ الْأَخْبَارِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَدَخَلْتُ. وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا) لَمْ أَتَحَقَّقْ مِنَ الْمُرَادِ بِهِ، لِأَنَّ لِزَيْنَبَ ثَلَاثَةَ إِخْوَةٍ: عَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدُ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، فَأَمَّا الْكَبِيرُ فَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرَةً جِدًّا، لِأَنَّ أَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ مَاتَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ تَرْضَعُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الرَّضَاعِ: أَنَّ أُمَّهَا حَلَّتْ مِنْ عِدَّتِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِوَضْعِ زَيْنَبَ هَذِهِ، فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ بِلَفْظِ: حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، فَيُعْرَفُ بِأَبِي حُمَيْدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا أَعْمَى، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَدْ جَزَمَ ابنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ أُخْتِهِ زَيْنَبَ بِسَنَةٍ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَتِهَا فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَ حَضَرَ جِنَازَةَ زَيْنَبَ مَعَ عُمَرَ، وَحُكِيَ عَنْهُ مُرَاجَعَةٌ لَهُ بِسَبَبِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِمَا الْوَاقِدِيُّ، لَكِنْ يُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَانْتَفَى أَنَّ يكَوْنَ هَذَا الْأَخِيرُ الْمُرَادَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ الْمُصَغَّرُ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ تَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَاتَ فَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الميِّت (١) (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) بلياليها، و «نُحِدَّ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٢) من الرُّباعيِّ، و «أَنْ» مصدريَّةٌ، وحُكِيَ: فتح أوَّله وكسر ثانيه وضمُّه (٣) من الثُّلاثي، ولم يعرف الأصمعيُّ إلَّا الأوَّل (إِلَّا بِزَوْجٍ) أي: بسببه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا لزوجٍ» باللَّام بدل الموحَّدة، وفي «العِدَد» من طريقه: «إلَّا على زوجٍ» [خ¦٥٣٣٤] وكلُّها بمعنى السَّببيَّة، ورواته بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول.
١٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال (٤): (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأمويُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) بضمِّ الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذَرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميَّة، ربيبة النَّبيِّ ﷺ، أمُّها أمُّ المؤمنين: أمُّ سلمة (قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ) بسكون العين وتخفيف المثنَّاة، ولأبي ذَرٍّ: «نعِيُّ» بكسر العين وتشديد المثناة (٥)، أي: خبر موت (أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (مِنَ الشَّأْمِ) قال في «الفتح»: فيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلافٍ (٦) بين العلماء بالأخبار، والجمهور على أنَّه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل:
سنة ثلاثٍ، قال: ولم أرَ في شيءٍ من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنُّها وهمًا، وعند ابن أبي شيبة، عن حُميد (١) بن نافعٍ: جاء نعيٌ لأخي أمِّ حبيبة، أو حميمٍ لها … الحديث، فلا مانع من التَّعدُّد (دَعَتْ) بنت أبي سفيان (أُمُّ حَبِيبَةَ) رملة أمُّ المؤمنين (﵂ بِصُفْرَةٍ) نوعٍ من الطِّيب، فيه صفرةٌ (فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا) هما جانبا الوجه فوق الذَّقن إلى ما تحت الأذن (وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً) فيه إدخالُ لام الابتداء على خبر «كان» الواقعة خبرًا لـ «إنَّ» (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) نفيٌ بمعنى: النَّهي على سبيل التَّأكيد (أَنْ تُحِدَّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ؛ كما جاء مصرَّحًا به في روايةٍ، والوصف بالإيمان فيه إشعارٌ بالتَّعليل، فإنَّ من آمن بالله ولقائه (٢) لا يجترئ على مثله من العظائم (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ) وجوبًا للإجماع على إرادته (٣) (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) من الأيَّام بلياليها، سواءٌ في ذلك الصَّغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الأقراء وغيرهما، وكذا الذِّمِّيَّة، وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإنَّ الذِّمِّيَّة كذلك، ومثلها فيما يظهر المعاهدةُ والمستأمنة، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيِّين، وأبو ثورٍ، وبعض المالكيَّة: لا يجب على الزَّوجة الكتابيَّة، بل يختصُّ بالمسلمة؛ لقوله: «تؤمن بالله (٤) … » إلى آخره، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا (٥) في (٦) إنكاره المفاهيم، وكذا التَّقييد بالأربعة (٧) أشهر وعشرٍ، خرج على غالب المعتدَّات،
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابنة أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ الشام دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
[الحديث ١٢٨٠ - أطرافه في: ١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥]
١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
١٢٨٢ - "ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"
[الحديث ١٢٨٢ - طرفه في: ٥٣٣٥]
قَوْلُهُ: (بَابُ إِحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا) قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: الْإِحْدَادُ بِالْمُهْمَلَةِ امْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنَ الزِّينَةِ كُلِّهَا: مِنْ لِبَاسٍ وَطِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ. وَأَبَاحَ الشَّارِعُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِمَا يَغْلِبُ مِنْ لَوْعَةِ الْحُزْنِ، وَيَهْجُمُ مِنْ أَلَمِ الْوَجْدِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ وَاجِبًا لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ طَالَبَهَا بِالْجِمَاعِ لَمْ يَحِلَّ لَهَا مَنْعُهُ في تِلْكَ الْحَالِ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى مَبَاحِثِ الْإِحْدَادِ. وَقَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ: عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا. يَعُمُّ كُلَّ مَيِّتٍ غَيْرَ الزَّوْجِ سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ لَهُ ظَاهِرَةٌ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِهِ عُرْفًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ، لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ فِي الثَّلَاثِ، وَأَقَلُّ مَا يَقْتَضِيهِ إِثْبَاتَ الْمَشْرُوعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَلِلْمُسْتَمْلِي: الْيَوْمُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (دَعَتْ بِصُفْرَةٍ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (نُهِينَا) رَوَاهُ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُحِدَّ عَلَى هَالِكٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ. فَذَكَرَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نُحِدَّ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَلَمْ يَعْرِفِ الْأَصْمَعِيُّ غَيْرَهُ. وَحَكَى غَيْرُهُ فَتْحَ أَوَّلِهِ وَضَمَّ ثَانِيهِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، يُقَالُ: حَدَّتِ الْمَرْأَةُ وَأَحَدَّتْ، بِمَعْنًى.
قَوْلُهُ: (إِلَّا بِزَوْجٍ) وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَّا لِزَوْجٍ بِاللَّامِ، وَوَقَعَ فِي الْعِدَدِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ: إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، وَالْكُلُّ بِمَعْنَى السَّبَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) هِيَ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَصَرَّحَ فِي الْعِدَدِ بِالْأخْبَارِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُمَيْدِ بْنِ
نَافِعٍ.
قَوْلُهُ: (نَعْيٌ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - هُوَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ، وَأَبُو سُفْيَانَ هُوَ ابْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَالِدُ مُعَاوِيَةَ.
قَوْلُهُ: (دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) هِيَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَذْكُورِ. وَفِي قَوْلِهِ: مِنَ الشَّامِ نَظَرٌ، لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، وَأَظُنُّهَا وَهْمًا، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ حُذِفَ مِنْهُ لَفْظُ ابْنِ لِأَنَّ الَّذِي جَاءَ نَعْيُهُ مِنَ الشَّامِ وَأُمُّ حَبِيبَةَ فِي الْحَيَاةِ هُوَ أَخُوهَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الَّذِي كَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ، لَكِنْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْعِدَدِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِلَفْظِ: حِينَ تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. فَظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنَ الشَّامِ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ طَرِيقِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْهَا. ثُمَّ وَجَدَتِ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ - وَلَفْظُهُ - جَاءَ نَعْيُ أَخِي أُمِّ حَبِيبَةَ، أَوْ حَمِيمٍ لَهَا، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَلَطَّخَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا. وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ شُعْبَةَ لَكِنْ بِلَفْظِ: إِنَّ أَخًا لِأُمِّ حَبِيبَةَ مَاتَ أَوْ حَمِيمًا لَهَا.
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ حَجَّاجٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ حَمِيمًا لَهَا مَاتَ. مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، وَإِطْلَاقُ الْحَمِيمِ عَلَى الْأَخِ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِهِ عَلَى الْأَبِ، فَقَوِيَ الظَّنُّ عِنْدَ هَذَا أَنْ تَكُونَ الْقِصَّةُ تَعَدَّدَتْ لِزَيْنَبَ مَعَ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ وَفَاةِ أَخِيهَا يَزِيدَ، ثُمَّ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهَا أَبِي سُفْيَانَ، لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (بِصُفْرَةٍ) فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ: بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةُ خَلُوقٍ. وَزَادَ فِيهِ: فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا؛ أَيْ بِعَارِضَيْ نَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسِ ابْنِ أُخْتِ مَالِكٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا، وَأَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا مِنْ طَرِيقِهِ فِي الْعِدَدِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلْتُ) هُوَ مَقُولُ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْعِدَدِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ بَعْدَ قِصَّةِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِلَّا إِنْ قُلْنَا بِالتَّعَدُّدِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ عَقِبَ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، لِأَنَّ وَفَاتَهُ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ، لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَبِي سُفْيَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ تَرْتِيبَ الْوَقَائِعِ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ تَرْتِيبَ الْأَخْبَارِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ: وَدَخَلْتُ. وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا) لَمْ أَتَحَقَّقْ مِنَ الْمُرَادِ بِهِ، لِأَنَّ لِزَيْنَبَ ثَلَاثَةَ إِخْوَةٍ: عَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدُ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ، فَأَمَّا الْكَبِيرُ فَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرَةً جِدًّا، لِأَنَّ أَبَاهَا أَبَا سَلَمَةَ مَاتَ بَعْدَ بَدْرٍ، وَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ تَرْضَعُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الرَّضَاعِ: أَنَّ أُمَّهَا حَلَّتْ مِنْ عِدَّتِهَا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ بِوَضْعِ زَيْنَبَ هَذِهِ، فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُوَطَّآتِ بِلَفْظِ: حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ مَالِكٍ.
وَأَمَّا عَبْدٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ، فَيُعْرَفُ بِأَبِي حُمَيْدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا أَعْمَى، وَعَاشَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَدْ جَزَمَ ابنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ بِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ أُخْتِهِ زَيْنَبَ بِسَنَةٍ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ فِي تَرْجَمَتِهَا فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ الْمَذْكُورَ حَضَرَ جِنَازَةَ زَيْنَبَ مَعَ عُمَرَ، وَحُكِيَ عَنْهُ مُرَاجَعَةٌ لَهُ بِسَبَبِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي إِسْنَادِهِمَا الْوَاقِدِيُّ، لَكِنْ يُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَانْتَفَى أَنَّ يكَوْنَ هَذَا الْأَخِيرُ الْمُرَادَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ الْمُصَغَّرُ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ تَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَاتَ فَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الميِّت (١) (أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ) بلياليها، و «نُحِدَّ» بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (٢) من الرُّباعيِّ، و «أَنْ» مصدريَّةٌ، وحُكِيَ: فتح أوَّله وكسر ثانيه وضمُّه (٣) من الثُّلاثي، ولم يعرف الأصمعيُّ إلَّا الأوَّل (إِلَّا بِزَوْجٍ) أي: بسببه، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «إلَّا لزوجٍ» باللَّام بدل الموحَّدة، وفي «العِدَد» من طريقه: «إلَّا على زوجٍ» [خ¦٥٣٣٤] وكلُّها بمعنى السَّببيَّة، ورواته بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول.
١٢٨٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) بضمِّ الحاء وفتح الميم، عبد الله بن الزُّبير القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة قال (٤): (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاصي الأمويُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) بضمِّ الحاء، أبو أفلح، بالفاء والحاء المهملة (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ) ولأبي ذَرٍّ: «بنت» (أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد المخزوميَّة، ربيبة النَّبيِّ ﷺ، أمُّها أمُّ المؤمنين: أمُّ سلمة (قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ) بسكون العين وتخفيف المثنَّاة، ولأبي ذَرٍّ: «نعِيُّ» بكسر العين وتشديد المثناة (٥)، أي: خبر موت (أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (مِنَ الشَّأْمِ) قال في «الفتح»: فيه نظرٌ؛ لأنَّ أبا سفيان مات بالمدينة بلا خلافٍ (٦) بين العلماء بالأخبار، والجمهور على أنَّه مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل:
سنة ثلاثٍ، قال: ولم أرَ في شيءٍ من طرق هذا الحديث تقييده بذلك إلَّا في رواية سفيان بن عيينة هذه، وأظنُّها وهمًا، وعند ابن أبي شيبة، عن حُميد (١) بن نافعٍ: جاء نعيٌ لأخي أمِّ حبيبة، أو حميمٍ لها … الحديث، فلا مانع من التَّعدُّد (دَعَتْ) بنت أبي سفيان (أُمُّ حَبِيبَةَ) رملة أمُّ المؤمنين (﵂ بِصُفْرَةٍ) نوعٍ من الطِّيب، فيه صفرةٌ (فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا) هما جانبا الوجه فوق الذَّقن إلى ما تحت الأذن (وَذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً) فيه إدخالُ لام الابتداء على خبر «كان» الواقعة خبرًا لـ «إنَّ» (لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ) نفيٌ بمعنى: النَّهي على سبيل التَّأكيد (أَنْ تُحِدَّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه (عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث ليالٍ؛ كما جاء مصرَّحًا به في روايةٍ، والوصف بالإيمان فيه إشعارٌ بالتَّعليل، فإنَّ من آمن بالله ولقائه (٢) لا يجترئ على مثله من العظائم (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ) وجوبًا للإجماع على إرادته (٣) (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) من الأيَّام بلياليها، سواءٌ في ذلك الصَّغيرة والكبيرة، والمدخول بها وذات الأقراء وغيرهما، وكذا الذِّمِّيَّة، وتقييد المرأة في الحديث بالإيمان بالله واليوم الآخر جرى على الغالب، فإنَّ الذِّمِّيَّة كذلك، ومثلها فيما يظهر المعاهدةُ والمستأمنة، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيِّين، وأبو ثورٍ، وبعض المالكيَّة: لا يجب على الزَّوجة الكتابيَّة، بل يختصُّ بالمسلمة؛ لقوله: «تؤمن بالله (٤) … » إلى آخره، وقد خالف أبو حنيفة قاعدته هنا (٥) في (٦) إنكاره المفاهيم، وكذا التَّقييد بالأربعة (٧) أشهر وعشرٍ، خرج على غالب المعتدَّات،