الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1346
الحديث رقم 1346 من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم ير غسل الشهداء.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ مُلْتَحَدًا مَعْدِلًا وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
⦗٩٢⦘
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
[الحديث ١٣٤٦ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشُّهَدَاءِ) فِي نُسْخَةٍ الشَّهِيدِ بِالْإِفْرَادِ. أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ فَيَجِبُ غُسْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا، أَيْ عَنْ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الشُّذُوذِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ - أَوْ كُلَّ دَمٍ - يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ المذكورَ قَبْلُ مُخْتَصرًا بِلَفْظِ: وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلْ حَتَّى وَلَا الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يُغَسَّلُ لِلْجَنَابَةِ لَا بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُبٌ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ وَهُمَا جُنُبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا غَرِيبٌ فِي ذِكْرِ حَمْزَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا اكْتُفِيَ فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الشَّهِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٥ - بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا
١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا، الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِلْحَادِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يُدفَن كلُّ ميِّتٍ في قبرٍ واحدٍ، فلو جُمِع اثنان في قبرٍ واتَّحد الجنس كرجلين وامرأتين؛ كُرِه عند الماورديِّ، وحَرُم عند السَّرخسيِّ، ونقله عنه النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» مقتصرًا عليه، قال السُّبكيُّ: لكنَّ الأصحَّ الكراهةُ أو نفي الاستحباب، أمَّا التَّحريم فلا دليل عليه. انتهى. وأمَّا إذا لم يتَّحد الجنس كرجلٍ وامرأةٍ؛ فإن دعت ضرورةٌ شديدةٌ لذلك جاز، وإلَّا فيحرَم؛ كما في الحياة، ومحلُّ ذلك إذا (١) لم يكن بينهما محرميَّةٌ أو زوجيَّةٌ، وإلَّا فيجوز الجمع، صرَّح به ابن الصَّبَّاغ (٢) وغيره؛ كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميِّتين مطلقًا بترابٍ ندبًا، والقياس أنَّ الصَّغير الذي لم يبلغ حدَّ الشَّهوة كالمحرم بل أَولى، وأنَّ الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذَّكر مطلقًا، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا بأس أن يُدفَن الرَّجل والمرأة في القبر الواحد.
(٧٤) (باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) ولو كان الشَّهيد جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء.
١٣٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، هو ابن سعدٍ الفهميُّ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ: ادْفِنُوهُمْ) بكسر الفاء، والهمزة همزة وصلٍ في «اليونينيَّة» (٤)، أي: المستشهدين (٥) (فِي دِمَائِهِمْ
-يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ- وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) إبقاءً لأثر الشَّهادة عليهم، وقوله (١): «يُغَسِّلهم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستُدِلَ بعمومه على أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّل، حتَّى ولا الجنب والحائض؛ وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وفي حديث أحمد عن جابرٍ أيضًا: أنَّه ﷺ قال في قتلى أحدٍ: «لا تغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك، وفي حديث ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما»: أنَّ حنظلة بن الرَّاهب قُتِل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ ولم (٢) يغسِّله ﷺ وقال: «رأيت الملائكة تغسِّله» فلو كان واجبًا لم يسقط إلَّا بفعلنا، ولأنَّه طهر عن حدثٍ، فسقط بالشَّهادة كغسل الميِّت (٣)، فيحرم، قال الحسن البصريُّ وسعيد ابن المسيَّب فيما رواه ابن أبي شيبة: يُغسَّل الشَّهيد.
(٧٥) (باب مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَُّحْدِ) وهو (٤) بفتح اللَّام وضمِّها، يقال: لحدتُ الميِّت وألحدتُ له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، قال المؤلِّف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ) شقٌّ يُعمَل (فِي نَاحِيَةٍ) من القبر مائلًا عن استوائه، قدر (٥) ما يوضع فيه الميِّت في (٦) جهة القبلة (وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) لأنَّه مال وعدل ومارى وجادل، وسقط «وكلُّ جائرٍ ملحدٍ» لأبي ذَرٍّ، وقال المؤلِّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ (﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة في «كتاب المجاز» أي: ملتجأ (٧) تعدل إليه إن هممت به (وَلَوْ كَانَ) القبر أو الشِّقُّ (مُسْتَقِيمًا) غير مائلٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن شَيْخه واسطي سكن بَغْدَاد، وَاللَّيْث مصري وَابْن شهَاب وَعبد الرَّحْمَن مدنيان، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب السَّابِق، وَذكرنَا أَيْضا مَا يتَعَلَّق بِحكم الحَدِيث.
٤٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من لم ير غسل الشُّهَدَاء، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى رد مَا روى عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يغسل الشَّهِيد، لِأَن كل ميت يجنب فَيجب غسله، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٦٤٣١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبٍ عنْ جَابِرٍ. قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصَّلَاة على الشُّهَدَاء، أَعَادَهُ هُنَا لأجل هَذَا التَّبْوِيب، وَوَقع الْكَلَام هُنَاكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب. وَأَبُو الْوَلِيد: هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
٥٧ - (بابُ مَنْ يُقَدِّمُ فِي اللَّحْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يقدم من الْمَوْتَى إِذا وضعُوا فِي اللَّحْد، وَحَدِيث الْبَاب بَين ذَلِك هُوَ أَن يقدم مِنْهُم من كَانَ أَكثر أخذا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى تَفْسِير اللَّحْد بقوله:
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأِنَّهُ فِي ناحِيَةٍ
أَي: سمي اللَّحْد لحدا لِأَنَّهُ لَا شقّ يعْمل فِي جَانب الْقَبْر، يُقَال: لحد الْقَبْر يلحده لحدا أَو لحده: عمل لَهُ لحدا، وَكَذَلِكَ، لحد الْمَيِّت يلحده لحدا وألحده وألحد لَهُ، وَقيل: لحده: دَفنه، وألحده عمل لَهُ لحدا. ولحد إِلَى الشَّيْء يلْحد، وألحد والتحد: مَال، ولحد فِي الدّين يلْحد وألحد: مَال وَعدل، وَقيل: لحد جَار وَمَال، وألحد مارى وجادل. وأصل الْإِلْحَاد: الْميل والعدول عَن الشَّيْء، وَمِنْه قيل للمائل عَن الدّين: ملحد، وَمِنْه قيل: لحد الْقَبْر لِأَنَّهُ يمِيل عَن وسط الْقَبْر إِلَى جَانِبه. وَفِي (الجمهرة) ؛ كل مائل لَاحَدَّ وملحد، وَلَا يُقَال لَهُ ذَلِك حَتَّى يمِيل عَن حق إِلَى بَاطِل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: والملحد اللَّحْد، وَالْجمع ملاحد، وَقَالَ الْفراء: لحد وألحد: اعْترض وَالْألف أَجود، وَيُقَال: لحدت للْمَيت وألحدت أَجود، وَقَالَ ابْن سَيّده: اللَّحْد، واللحد الَّذِي يكون فِي جَانب الْقَبْر، وَقيل: الَّذِي يحْفر فِي عرضه، وَالْجمع ألحاد ولحود.
وَكُلُّ جائِرٍ مُلْحِدٌ
من الْإِلْحَاد من بَاب الإفعال، بِكَسْر الْهمزَة، وَقد قُلْنَا: إِن الملحد هُوَ المماري والمجادل، والجائز يُسمى اللاحد، وَذكر البُخَارِيّ ذَلِك بحاصل الْمَعْنى.
مُلْتَحَدا مَعْدِلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ أجد من دونه ملتحدا} (الْجِنّ: ٢٢) . أَي: ملتجأ يعدل إِلَيْهِ عَن الله، لِأَن قدرَة الله مُحِيطَة بِجَمِيعِ خلقه، كَذَا فسره الطَّبَرِيّ، والملتحد من بَاب الافتعال على وزن مفتعل من اللَّحْد، من لحد إِلَى الشَّيْء والتحد إِذا مَال، كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا.
وَلَوْ كانَ مُسْتَقِيما كانَ ضَرِيحا
أَي: وَلَو كَانَ الْقَبْر أَو الشق مُسْتَقِيمًا غير مائل إِلَى نَاحيَة لَكَانَ ضريحا، لِأَن الضريح شقّ فِي الأَرْض على الاسْتوَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الضارح هُوَ الَّذِي يعْمل الضريح، وَهُوَ الْقَبْر وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول بن الضرح وَهُوَ الشق فِي الأَرْض ثمَّ الْجُمْهُور على كَرَاهَة الزَّمن وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَلَو شَقوا لمُسلم يكون تركا للسّنة أللهم إلَاّ إِذا كَانَت الأَرْض رخوة لَا تحْتَمل اللَّحْد، فَإِن الشق حِينَئِذٍ مُتَعَيّن. وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام فِي (الْجَامِع الصَّغِير) : وَإِن تعذر اللَّحْد
فَلَا بَأْس بتابوت يتَّخذ للْمَيت، لَكِن السّنة أَن يفرش فِيهِ التُّرَاب. وَقَالَ صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) و (الْبَدَائِع) وَغَيرهم عَن الشَّافِعِي: أَن الشق أفضل عِنْده، وَهَكَذَا نَقله الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة) عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أجمع الْعلمَاء على أَن اللَّحْد والشق جائزان، لَكِن إِن كَانَت الأَرْض صلبة لَا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وَإِن كَانَت رخوة ينهار، فالشق أفضل. قلت: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن الأَرْض إِذا كَانَت رخوة يتَعَيَّن الشق فَلَا يُقَال أفضل. وَالثَّانِي: أَنه يصادم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) ، وَمعنى (اللَّحْد لنا) أَي: لأجل أموات الْمُسلمين، والشق لأجل أموات الْكفَّار، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: المُرَاد بقوله: (لغيرنا) أهل الْكتاب كَمَا ورد مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق حَدِيث جرير فِي (مُسْند الإِمَام أَحْمد) : (والشق لأهل الْكتاب) فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل اللَّحْد للْمُسلمين والشق لأهل الْكتاب، فَكيف يكونَانِ سَوَاء؟
على أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اللَّحْد أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن الْعمريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَعَن الْعمريّ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوصى أَن يلْحد لَهُ) . وروى ابْن مَاجَه (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتلفُوا فِي اللَّحْد والشق حَتَّى تكلمُوا فِي ذَلِك وَارْتَفَعت أَصْوَاتهم، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تصخبوا عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيا وَلَا مَيتا، أَو كلمة نَحْوهَا، فأرسلوا إِلَى الشقاق واللاحد جَمِيعًا، فجَاء اللاحد يلْحد لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دفن) . وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ بِالْمَدِينَةِ حفاران) وَفِي رِوَايَة (قباران أَحدهمَا يلْحد وَالْآخر يشق) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَامر بن سعد بن أبي وَقاص: أَن سعد بن وَقاص قَالَ فِي مَرضه الَّذِي هلك فِيهِ: ألحدوا لي لحدا وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا، كَمَا فعل برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: (لما توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَالْآخر يضرح، فَقَالُوا نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ، فَأرْسل إِلَيْهِمَا فَسبق صَاحب اللَّحْد فلحدوا للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَمِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن المجالد عَن عَامر قَالَ: قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: لحد بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (عَن ابْن بردة عَن أَبِيه قَالَ: أَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قبل الْقبْلَة، وألحد لَهُ لحدا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا) . وَفِي سَنَده أَبُو بردة عَن عَلْقَمَة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو بردة: هَذَا هُوَ عَمْرو بن بريد التَّمِيمِي الْكُوفِي وَهُوَ ضَعِيف. قلت: لكَون هَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ بَادر إِلَى تَضْعِيفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي طَلْحَة رَوَاهُ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) قَالَ: (اخْتلفُوا فِي الشق واللحد للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: شَقوا كَمَا يحْفر أهل مَكَّة، وَقَالَت الْأَنْصَار: إلحدوا كَمَا يحْفر بأرضنا، فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك قَالُوا: أللهم خر لنبيك، إبعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة وَإِلَى أبي طَلْحَة فَأَيّهمَا جَاءَ قبل الآخر فليعمل عمله. قَالَ: فجَاء أَبُو طَلْحَة فَقَالَ وَالله أنني قد خار لِبَنِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يرى اللحدفيعجبه ثمَّ قَالَ الْحِكْمَة فِي اخْتِيَاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّحْد على الشق لكَونه أستر للْمَيت، وَاخْتِيَار للشق للْأَنْصَار فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم: (الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم) ، فَأَرَادَ إعلامهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمُوت عِنْدهم وَلَا يُرِيد الرُّجُوع إِلَى بَلَده مَكَّة، فوافقهم أَيْضا فِي صفة الدّفن، وَاخْتَارَ الله لَهُ ذَلِك. وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ السلَفِي عَن أبي بن كَعْب يرفعهُ: (اللَّحْد لآدَم وَغسل بِالْمَاءِ وترا. وَقَالَت الْمَلَائِكَة، هَذِه سنة وَلَده من بعده) .
٧٤٣١ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ منْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ. وَقَالَ أَنا شَهِيدٌ عَلَى هاؤلَاءِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
٧٤ - بَاب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ. يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
[الحديث ١٣٤٦ - أطرافه في: ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ غُسْلَ الشُّهَدَاءِ) فِي نُسْخَةٍ الشَّهِيدِ بِالْإِفْرَادِ. أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ، لِأَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُجْنِبُ فَيَجِبُ غُسْلُهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا، أَيْ عَنْ سَعِيدٍ، وَالْحَسَنِ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ مِنَ الشُّذُوذِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ - أَوْ كُلَّ دَمٍ - يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، فَبَيَّنَ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ جَابِرٍ المذكورَ قَبْلُ مُخْتَصرًا بِلَفْظِ: وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. وَاسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلْ حَتَّى وَلَا الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يُغَسَّلُ لِلْجَنَابَةِ لَا بِنِيَّةِ غُسْلِ الْمَيِّتِ، لِمَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّاهِبِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا اسْتُشْهِدَ وَهُوَ جُنُبٌ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، رَوَاهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْهُ قَالَ: أُصِيبَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ وَهُمَا جُنُبٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُغَسِّلُهُمَا غَرِيبٌ فِي ذِكْرِ حَمْزَةَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا مَا اكْتُفِيَ فِيهِ بِغُسْلِ الْمَلَائِكَةِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ عَمَّنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الشَّهِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٧٥ - بَاب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ؛ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا
١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعيدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا، الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ، قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ) أَيْ إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ الْبَابِ عَلَى تَقْدِيمِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنْ صَاحِبِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَصْلُ الْإِلْحَادِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
يُدفَن كلُّ ميِّتٍ في قبرٍ واحدٍ، فلو جُمِع اثنان في قبرٍ واتَّحد الجنس كرجلين وامرأتين؛ كُرِه عند الماورديِّ، وحَرُم عند السَّرخسيِّ، ونقله عنه النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» مقتصرًا عليه، قال السُّبكيُّ: لكنَّ الأصحَّ الكراهةُ أو نفي الاستحباب، أمَّا التَّحريم فلا دليل عليه. انتهى. وأمَّا إذا لم يتَّحد الجنس كرجلٍ وامرأةٍ؛ فإن دعت ضرورةٌ شديدةٌ لذلك جاز، وإلَّا فيحرَم؛ كما في الحياة، ومحلُّ ذلك إذا (١) لم يكن بينهما محرميَّةٌ أو زوجيَّةٌ، وإلَّا فيجوز الجمع، صرَّح به ابن الصَّبَّاغ (٢) وغيره؛ كما قاله ابن يونس، ويحجز بين الميِّتين مطلقًا بترابٍ ندبًا، والقياس أنَّ الصَّغير الذي لم يبلغ حدَّ الشَّهوة كالمحرم بل أَولى، وأنَّ الخنثى مع الخنثى أو غيره كالأنثى مع الذَّكر مطلقًا، وقال أبو حنيفة ومالكٌ: لا بأس أن يُدفَن الرَّجل والمرأة في القبر الواحد.
(٧٤) (باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ) ولو كان الشَّهيد جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء.
١٣٤٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا لَيْثٌ) بلامٍ واحدةٍ، هو ابن سعدٍ الفهميُّ الإمامُ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: «ابن مالكٍ» (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (٣) ﷺ: ادْفِنُوهُمْ) بكسر الفاء، والهمزة همزة وصلٍ في «اليونينيَّة» (٤)، أي: المستشهدين (٥) (فِي دِمَائِهِمْ
-يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ- وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ) إبقاءً لأثر الشَّهادة عليهم، وقوله (١): «يُغَسِّلهم» بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه وتشديد ثالثه، ولأبي ذَرٍّ: «ولَمْ يَغْسِلْهُمْ» بفتح أوَّله وسكون ثانيه وتخفيف ثالثه، واستُدِلَ بعمومه على أنَّ الشَّهيد لا يُغَسَّل، حتَّى ولا الجنب والحائض؛ وهو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، وفي حديث أحمد عن جابرٍ أيضًا: أنَّه ﷺ قال في قتلى أحدٍ: «لا تغسِّلوهم، فإنَّ كلَّ جرحٍ أو كَلْمٍ أو دمٍ يفوح مسكًا يوم القيامة» ولم يصلِّ عليهم، فبيَّن الحكمة في ذلك، وفي حديث ابن حِبَّان والحاكم في «صحيحهما»: أنَّ حنظلة بن الرَّاهب قُتِل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ ولم (٢) يغسِّله ﷺ وقال: «رأيت الملائكة تغسِّله» فلو كان واجبًا لم يسقط إلَّا بفعلنا، ولأنَّه طهر عن حدثٍ، فسقط بالشَّهادة كغسل الميِّت (٣)، فيحرم، قال الحسن البصريُّ وسعيد ابن المسيَّب فيما رواه ابن أبي شيبة: يُغسَّل الشَّهيد.
(٧٥) (باب مَنْ يُقَدَّمُ) من الموتى (فِي اللَُّحْدِ) وهو (٤) بفتح اللَّام وضمِّها، يقال: لحدتُ الميِّت وألحدتُ له، وأصله: الميل لأحد الجانبين، قال المؤلِّف: (وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأَنَّهُ) شقٌّ يُعمَل (فِي نَاحِيَةٍ) من القبر مائلًا عن استوائه، قدر (٥) ما يوضع فيه الميِّت في (٦) جهة القبلة (وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ) لأنَّه مال وعدل ومارى وجادل، وسقط «وكلُّ جائرٍ ملحدٍ» لأبي ذَرٍّ، وقال المؤلِّف أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ﴾ (﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧]) أي: (مَعْدِلًا) قاله أبو عبيدة في «كتاب المجاز» أي: ملتجأ (٧) تعدل إليه إن هممت به (وَلَوْ كَانَ) القبر أو الشِّقُّ (مُسْتَقِيمًا) غير مائلٍ
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أَن شَيْخه واسطي سكن بَغْدَاد، وَاللَّيْث مصري وَابْن شهَاب وَعبد الرَّحْمَن مدنيان، وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب السَّابِق، وَذكرنَا أَيْضا مَا يتَعَلَّق بِحكم الحَدِيث.
٤٧ - (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول من لم ير غسل الشُّهَدَاء، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بذلك إِلَى رد مَا روى عَن سعيد بن الْمسيب أَنه قَالَ: يغسل الشَّهِيد، لِأَن كل ميت يجنب فَيجب غسله، وَبِه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب.
٦٤٣١ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدَّثنا لَ يْثٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبٍ عنْ جَابِرٍ. قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ وَلَمْ يُغَسِّلَهُمْ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الصَّلَاة على الشُّهَدَاء، أَعَادَهُ هُنَا لأجل هَذَا التَّبْوِيب، وَوَقع الْكَلَام هُنَاكَ فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب. وَأَبُو الْوَلِيد: هُوَ هِشَام بن عبد الْملك الطَّيَالِسِيّ، وَاللَّيْث هُوَ ابْن سعد، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.
٥٧ - (بابُ مَنْ يُقَدِّمُ فِي اللَّحْدِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان من يقدم من الْمَوْتَى إِذا وضعُوا فِي اللَّحْد، وَحَدِيث الْبَاب بَين ذَلِك هُوَ أَن يقدم مِنْهُم من كَانَ أَكثر أخذا بِالْقُرْآنِ، وَذَلِكَ كَمَا فِي الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة، ثمَّ أَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى تَفْسِير اللَّحْد بقوله:
وَسُمِّيَ اللَّحْدَ لأِنَّهُ فِي ناحِيَةٍ
أَي: سمي اللَّحْد لحدا لِأَنَّهُ لَا شقّ يعْمل فِي جَانب الْقَبْر، يُقَال: لحد الْقَبْر يلحده لحدا أَو لحده: عمل لَهُ لحدا، وَكَذَلِكَ، لحد الْمَيِّت يلحده لحدا وألحده وألحد لَهُ، وَقيل: لحده: دَفنه، وألحده عمل لَهُ لحدا. ولحد إِلَى الشَّيْء يلْحد، وألحد والتحد: مَال، ولحد فِي الدّين يلْحد وألحد: مَال وَعدل، وَقيل: لحد جَار وَمَال، وألحد مارى وجادل. وأصل الْإِلْحَاد: الْميل والعدول عَن الشَّيْء، وَمِنْه قيل للمائل عَن الدّين: ملحد، وَمِنْه قيل: لحد الْقَبْر لِأَنَّهُ يمِيل عَن وسط الْقَبْر إِلَى جَانِبه. وَفِي (الجمهرة) ؛ كل مائل لَاحَدَّ وملحد، وَلَا يُقَال لَهُ ذَلِك حَتَّى يمِيل عَن حق إِلَى بَاطِل. وَفِي (الْجَامِع) للقزاز: والملحد اللَّحْد، وَالْجمع ملاحد، وَقَالَ الْفراء: لحد وألحد: اعْترض وَالْألف أَجود، وَيُقَال: لحدت للْمَيت وألحدت أَجود، وَقَالَ ابْن سَيّده: اللَّحْد، واللحد الَّذِي يكون فِي جَانب الْقَبْر، وَقيل: الَّذِي يحْفر فِي عرضه، وَالْجمع ألحاد ولحود.
وَكُلُّ جائِرٍ مُلْحِدٌ
من الْإِلْحَاد من بَاب الإفعال، بِكَسْر الْهمزَة، وَقد قُلْنَا: إِن الملحد هُوَ المماري والمجادل، والجائز يُسمى اللاحد، وَذكر البُخَارِيّ ذَلِك بحاصل الْمَعْنى.
مُلْتَحَدا مَعْدِلاً
أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ أجد من دونه ملتحدا} (الْجِنّ: ٢٢) . أَي: ملتجأ يعدل إِلَيْهِ عَن الله، لِأَن قدرَة الله مُحِيطَة بِجَمِيعِ خلقه، كَذَا فسره الطَّبَرِيّ، والملتحد من بَاب الافتعال على وزن مفتعل من اللَّحْد، من لحد إِلَى الشَّيْء والتحد إِذا مَال، كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا.
وَلَوْ كانَ مُسْتَقِيما كانَ ضَرِيحا
أَي: وَلَو كَانَ الْقَبْر أَو الشق مُسْتَقِيمًا غير مائل إِلَى نَاحيَة لَكَانَ ضريحا، لِأَن الضريح شقّ فِي الأَرْض على الاسْتوَاء، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الضارح هُوَ الَّذِي يعْمل الضريح، وَهُوَ الْقَبْر وَهُوَ فعيل بِمَعْنى مفعول بن الضرح وَهُوَ الشق فِي الأَرْض ثمَّ الْجُمْهُور على كَرَاهَة الزَّمن وَهُوَ قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد، وَلَو شَقوا لمُسلم يكون تركا للسّنة أللهم إلَاّ إِذا كَانَت الأَرْض رخوة لَا تحْتَمل اللَّحْد، فَإِن الشق حِينَئِذٍ مُتَعَيّن. وَقَالَ فَخر الْإِسْلَام فِي (الْجَامِع الصَّغِير) : وَإِن تعذر اللَّحْد
فَلَا بَأْس بتابوت يتَّخذ للْمَيت، لَكِن السّنة أَن يفرش فِيهِ التُّرَاب. وَقَالَ صَاحب (الْمَبْسُوط) و (الْمُحِيط) و (الْبَدَائِع) وَغَيرهم عَن الشَّافِعِي: أَن الشق أفضل عِنْده، وَهَكَذَا نَقله الْقَرَافِيّ فِي (الذَّخِيرَة) عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شرح الْمُهَذّب) : أجمع الْعلمَاء على أَن اللَّحْد والشق جائزان، لَكِن إِن كَانَت الأَرْض صلبة لَا ينهار ترابها، فاللحد أفضل، وَإِن كَانَت رخوة ينهار، فالشق أفضل. قلت: فِيهِ نظر من وَجْهَيْن: الأول: أَن الأَرْض إِذا كَانَت رخوة يتَعَيَّن الشق فَلَا يُقَال أفضل. وَالثَّانِي: أَنه يصادم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اللَّحْد لنا والشق لغيرنا) ، وَمعنى (اللَّحْد لنا) أَي: لأجل أموات الْمُسلمين، والشق لأجل أموات الْكفَّار، وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين: المُرَاد بقوله: (لغيرنا) أهل الْكتاب كَمَا ورد مُصَرحًا بِهِ فِي بعض طرق حَدِيث جرير فِي (مُسْند الإِمَام أَحْمد) : (والشق لأهل الْكتاب) فالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم جعل اللَّحْد للْمُسلمين والشق لأهل الْكتاب، فَكيف يكونَانِ سَوَاء؟
على أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي اللَّحْد أَحَادِيث. مِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة وَابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن وَكِيع عَن الْعمريّ عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَن عَائِشَة، وَعَن الْعمريّ عَن نَافِع (عَن ابْن عمر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أوصى أَن يلْحد لَهُ) . وروى ابْن مَاجَه (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما مَاتَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتلفُوا فِي اللَّحْد والشق حَتَّى تكلمُوا فِي ذَلِك وَارْتَفَعت أَصْوَاتهم، فَقَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لَا تصخبوا عِنْد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَيا وَلَا مَيتا، أَو كلمة نَحْوهَا، فأرسلوا إِلَى الشقاق واللاحد جَمِيعًا، فجَاء اللاحد يلْحد لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثمَّ دفن) . وَفِي (طَبَقَات ابْن سعد) من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ بِالْمَدِينَةِ حفاران) وَفِي رِوَايَة (قباران أَحدهمَا يلْحد وَالْآخر يشق) الحَدِيث. وَمِنْهَا: حَدِيث سعد، رَوَاهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عَامر بن سعد بن أبي وَقاص: أَن سعد بن وَقاص قَالَ فِي مَرضه الَّذِي هلك فِيهِ: ألحدوا لي لحدا وانصبوا عَليّ اللَّبن نصبا، كَمَا فعل برَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث أنس رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَنهُ قَالَ: (لما توفّي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يلْحد وَالْآخر يضرح، فَقَالُوا نستخير رَبنَا ونبعث إِلَيْهِمَا فَأَيّهمَا سبق تَرَكْنَاهُ، فَأرْسل إِلَيْهِمَا فَسبق صَاحب اللَّحْد فلحدوا للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . وَمِنْهَا: حَدِيث الْمُغيرَة رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: حَدثنَا أَبُو أُسَامَة عَن المجالد عَن عَامر قَالَ: قَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: لحد بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَمِنْهَا: حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (عَن ابْن بردة عَن أَبِيه قَالَ: أَدخل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قبل الْقبْلَة، وألحد لَهُ لحدا، وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن نصبا) . وَفِي سَنَده أَبُو بردة عَن عَلْقَمَة، قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو بردة: هَذَا هُوَ عَمْرو بن بريد التَّمِيمِي الْكُوفِي وَهُوَ ضَعِيف. قلت: لكَون هَذَا الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ بَادر إِلَى تَضْعِيفه. وَمِنْهَا: حَدِيث أبي طَلْحَة رَوَاهُ ابْن سعد فِي (الطَّبَقَات) قَالَ: (اخْتلفُوا فِي الشق واللحد للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: شَقوا كَمَا يحْفر أهل مَكَّة، وَقَالَت الْأَنْصَار: إلحدوا كَمَا يحْفر بأرضنا، فَلَمَّا اخْتلفُوا فِي ذَلِك قَالُوا: أللهم خر لنبيك، إبعثوا إِلَى أبي عُبَيْدَة وَإِلَى أبي طَلْحَة فَأَيّهمَا جَاءَ قبل الآخر فليعمل عمله. قَالَ: فجَاء أَبُو طَلْحَة فَقَالَ وَالله أنني قد خار لِبَنِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه كَانَ يرى اللحدفيعجبه ثمَّ قَالَ الْحِكْمَة فِي اخْتِيَاره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اللَّحْد على الشق لكَونه أستر للْمَيت، وَاخْتِيَار للشق للْأَنْصَار فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُم: (الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم) ، فَأَرَادَ إعلامهم بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَمُوت عِنْدهم وَلَا يُرِيد الرُّجُوع إِلَى بَلَده مَكَّة، فوافقهم أَيْضا فِي صفة الدّفن، وَاخْتَارَ الله لَهُ ذَلِك. وَفِيه حَدِيث رَوَاهُ السلَفِي عَن أبي بن كَعْب يرفعهُ: (اللَّحْد لآدَم وَغسل بِالْمَاءِ وترا. وَقَالَت الْمَلَائِكَة، هَذِه سنة وَلَده من بعده) .
٧٤٣١ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ الله قَالَ أخبرنَا اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ قَالَ حدَّثني ابنُ شِهَابٍ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ كَعْبِ بنِ مالِكٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ منْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ أيُّهُمْ أكْثَرُ أخْذا لِلْقُرآنِ فإذَا أُشِيرَ لَهُ إلَى أحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ. وَقَالَ أَنا شَهِيدٌ عَلَى هاؤلَاءِ وَأمَرَ بِدَفْنِهِمْ
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56