الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٢٩١
الحديث رقم ١٢٩١ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يكره من النياحة على الميت.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُكَاءِ فَلَا يُعَذِّبُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: غَرَضُهُ تَقْرِيرُ قَوْلِ عَائِشَةَ أَيْ أَنَّ بُكَاءَ الْإِنْسَانِ وَضَحِكَهُ مِنَ اللَّهِ يُظْهِرُهُ فِيهِ، فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: ظَهَرَتْ لِابْنِ عُمَرَ الْحُجَّةُ فَسَكَتَ مُذْعِنًا. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: سُكُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْعَانِ، فَلَعَلَّهُ كَرِهَ الْمُجَادَلَةَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَ سُكُوتُهُ لِشَكٍّ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ مَا صَرَّحَ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ مَحْمَلٌ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ إِذْ ذَاكَ، أَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ لَا يَقْبَلُ الْمُمَارَاةَ، وَلَمْ تَتَعَيَّنِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَهِمَ مِنَ اسْتِشْهَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْآيَةِ قَبُولَ رِوَايَتِهِ، لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكُ بِهَا فِي أَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُعَذِّبَ بِلَا ذَنْبٍ فَيَكُونُ بُكَاءُ الْحَيِّ عَلَامَةً لِذَلِكَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا مَرَّ) كَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: ذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، وَزَادَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا مَاتَ رَافِعٌ قَالَ لَهُمْ: لَا تَبْكُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ بُكَاءَ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ عَذَابٌ عَلَى الْمَيِّتِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، إِنَّمَا مَرَّ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرَافِعٌ الْمَذْكُورُ هُوَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ: عَلَامَ تَبْكِي.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيَّ مَنْ يُقَابِلُ الْمَيِّتَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبِيلَةَ، وَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ بَدَلَ الضَّمِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ حَيِّهِ؛ أَيْ قَبِيلَتِهِ. فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: بِبُكَاءِ أَهْلِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ: مَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ يُعَذَّبْ. وَلَفْظُهَا أَعَمُّ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْكَافِرِ، وَعَلَى أَنَّ صُهَيْبًا أَحَدُ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَأَنَّهُ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهِ عُمَرُ. وَزَادَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَقَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ. . . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى صُهَيْبٍ بُكَاءَهُ لِرَفْعِ صَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: وَاأَخَاهْ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ إِظْهَارَهُ لِذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ عُمَرَ يُشْعِرُ بِاسْتِصْحَابِهِ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فَابْتَدَرَهُ بِالْإِنْكَارِ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: إِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَهَى صُهَيْبًا عَنِ الْبُكَاءِ، وَأَقَرَّ نِسَاءَ بَنِي الْمُغِيرَةِ عَلَى الْبُكَاءِ عَلَى خَالِدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ لِصَوْتِهِ مِنْ بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّةِ خَالِدٍ: مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ.
٣٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ، وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ
١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالمدينة، واجتمع نسوةُ المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهنَّ فانْهَهُنَّ؛ فقال: (دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ) هي كنية خالدٍ (مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ) (١) بفتح النُّون وسكون القاف، آخره عينٌ مهملةٌ (أَوْ لَقْلَقَةٌ) بلامين وقافين، وهذا الأثر وصله المؤلِّف في «تاريخه الأوسط» من طريق الأعمش عن شقيقٍ، قال المؤلِّف كالفرَّاء: (وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ) أي: يوضع (عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ) المرتفع، وقال الإسماعيليُّ: «النَّقع» هنا: الصَّوت العالي، و «اللقَّلقة»: حكاية ترديد صوت (٢) النَّوَّاحة، وحكى سعيد بن منصورٍ: أنَّ النَّقع شقُّ الجيوب، وحُكِيَ في «مصابيح الجامع» عن الأكثرين: أنَّ النَّقع رفع الصَّوت بالبكاء، قال الزَّركشيُّ: والتَّحقيق: أنَّه مشتَركٌ، يُطلَق على الصَّوت (٣) وعلى الغبار، ولا يبعد أن يكونا مرادين، يعني: في قوله: «ما لم يكن نقعٌ أو لقلقةٌ»، لكن حمله على وضع التُّراب أَولى؛ لأنَّه قرن به اللَّقلقة وهي الصَّوت، فحَملُ اللفظ على معنيين أَولى من معنًى واحدٍ.
١٢٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال (٤): (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بكسر العين في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني مصغَّرًا غير مضافٍ، هو أبو الهذيل الطَّائيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء، الوالبيُّ -بالموحَّدة- الأسديُّ (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (﵁ قَالَ (٥): سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ) بفتح الكاف وكسر الذَّال (٦) المعجمة (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) غيري، قال ابن حجرٍ: معناه: أنَّ الكذب على الغير قد أُلِفَ واستُسهِلَ خَطْبُهُ، وليس
الكذب عليه بالغًا مبلغ ذلك في السُّهولة، وإذا كان دونه في السُّهولة فهو أشدُّ منه في الإثم، وبهذا التَّقرير يندفع اعتراض من أَورَدَ: أنَّ الَّذي يدخل عليه الكاف أتمُّ، والله أعلم (١)، فإنَّه (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ) أي: فليتَّخذ (مَقْعَدَهُ) مسكنه (مِنَ النَّارِ) فهو أشدُّ في الإثم من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا باقيًا إلى يوم القيامة. (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة وفتح الحاء؛ مبنيًّا للمفعول من الماضي (يُعَذَّبْ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مجزومٌ، فـ «مَنْ» شرطيَّةٌ، وفيه استعمال الشَّرط بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويُروى: «يعذبُ» بالرَّفع؛ وهو الذي في «اليونينيَّة» (٢)، فـ «مَنْ» موصولةٌ أو شرطيَّةٌ على تقدير: فإنَّه يُعذَّب، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣) والمُستملي: «من يُنَحْ» بضمِّ أوَّله وفتح النون وجزم المهملة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من يُنَاحُ» بضمِّ أوَّله، وبعد النون ألفٌ، على أنَّ «مَنْ» موصولةٌ (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بإدخال حرف الجرِّ على «ما» فهي مصدريَّةٌ غير ظرفيَّةٍ، أي بالنِّياحة، أي: مدَّةَ النُّواح (٤) عليه، والنُّون مكسورةٌ عند الجميع، قال في «الفتح»: ولبعضهم: «ما نيح» بغير موحَّدة على أنَّ «ما» ظرفيَّةٌ، قال العينيُّ: ما في هذه الرِّواية للمدَّة، أي: يُعذَّب مدَّة النَّوح عليه، ولا يقال: «ما» ظرفيَّة، وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النَّوح: أنَّ الكذب عليه ﷺ أشدُّ من الكذب على غيره، إشارةٌ إلى أنَّ الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل.
ورواته الأربعة كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا التِّرمذيُّ.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْبُكَاءِ فَلَا يُعَذِّبُ عَلَى مَا أَذِنَ فِيهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: غَرَضُهُ تَقْرِيرُ قَوْلِ عَائِشَةَ أَيْ أَنَّ بُكَاءَ الْإِنْسَانِ وَضَحِكَهُ مِنَ اللَّهِ يُظْهِرُهُ فِيهِ، فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا) قَالَ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ: ظَهَرَتْ لِابْنِ عُمَرَ الْحُجَّةُ فَسَكَتَ مُذْعِنًا. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: سُكُوتُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْعَانِ، فَلَعَلَّهُ كَرِهَ الْمُجَادَلَةَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَيْسَ سُكُوتُهُ لِشَكٍّ طَرَأَ لَهُ بَعْدَ مَا صَرَّحَ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ، وَلَكِنِ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ قَابِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ مَحْمَلٌ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ إِذْ ذَاكَ، أَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ لَا يَقْبَلُ الْمُمَارَاةَ، وَلَمْ تَتَعَيَّنِ الْحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ فَهِمَ مِنَ اسْتِشْهَادِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْآيَةِ قَبُولَ رِوَايَتِهِ، لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكُ بِهَا فِي أَنَّ لِلَّهِ أَنْ يُعَذِّبَ بِلَا ذَنْبٍ فَيَكُونُ بُكَاءُ الْحَيِّ عَلَامَةً لِذَلِكَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ.
الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ)؛ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا مَرَّ) كَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مُخْتَصَرًا، وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأِ بِلَفْظِ: ذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ كَذَلِكَ، وَزَادَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا مَاتَ رَافِعٌ قَالَ لَهُمْ: لَا تَبْكُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ بُكَاءَ الْحَيِّ عَلَى الْمَيِّتِ عَذَابٌ عَلَى الْمَيِّتِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، إِنَّمَا مَرَّ. . . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرَافِعٌ الْمَذْكُورُ هُوَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.
الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) هُوَ ابْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ: عَلَامَ تَبْكِي.
قَوْلُهُ: (إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيَّ مَنْ يُقَابِلُ الْمَيِّتَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبِيلَةَ، وَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ بَدَلَ الضَّمِيرِ، وَالتَّقْدِيرُ: يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ حَيِّهِ؛ أَيْ قَبِيلَتِهِ. فَيُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: بِبُكَاءِ أَهْلِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ: مَنْ يَبْكِي عَلَيْهِ يُعَذَّبْ. وَلَفْظُهَا أَعَمُّ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ خَاصًّا بِالْكَافِرِ، وَعَلَى أَنَّ صُهَيْبًا أَحَدُ مَنْ سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَأَنَّهُ نَسِيَهُ حَتَّى ذَكَّرَهُ بِهِ عُمَرُ. وَزَادَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِمُوسَى بْنِ طَلْحَةَ فَقَالَ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ. . . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: أَنْكَرَ عُمَرُ عَلَى صُهَيْبٍ بُكَاءَهُ لِرَفْعِ صَوْتِهِ بِقَوْلِهِ: وَاأَخَاهْ، فَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ إِظْهَارَهُ لِذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِ عُمَرَ يُشْعِرُ بِاسْتِصْحَابِهِ ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ عَلَيْهِ فَابْتَدَرَهُ بِالْإِنْكَارِ لِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: إِنْ قِيلَ: كَيْفَ نَهَى صُهَيْبًا عَنِ الْبُكَاءِ، وَأَقَرَّ نِسَاءَ بَنِي الْمُغِيرَةِ عَلَى الْبُكَاءِ عَلَى خَالِدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ رَفْعُهُ لِصَوْتِهِ مِنْ بَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ فِي قِصَّةِ خَالِدٍ: مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ.
٣٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
وَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ، وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ
١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
بالمدينة، واجتمع نسوةُ المغيرة يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: أرسل إليهنَّ فانْهَهُنَّ؛ فقال: (دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ) هي كنية خالدٍ (مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ) (١) بفتح النُّون وسكون القاف، آخره عينٌ مهملةٌ (أَوْ لَقْلَقَةٌ) بلامين وقافين، وهذا الأثر وصله المؤلِّف في «تاريخه الأوسط» من طريق الأعمش عن شقيقٍ، قال المؤلِّف كالفرَّاء: (وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ) أي: يوضع (عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ) المرتفع، وقال الإسماعيليُّ: «النَّقع» هنا: الصَّوت العالي، و «اللقَّلقة»: حكاية ترديد صوت (٢) النَّوَّاحة، وحكى سعيد بن منصورٍ: أنَّ النَّقع شقُّ الجيوب، وحُكِيَ في «مصابيح الجامع» عن الأكثرين: أنَّ النَّقع رفع الصَّوت بالبكاء، قال الزَّركشيُّ: والتَّحقيق: أنَّه مشتَركٌ، يُطلَق على الصَّوت (٣) وعلى الغبار، ولا يبعد أن يكونا مرادين، يعني: في قوله: «ما لم يكن نقعٌ أو لقلقةٌ»، لكن حمله على وضع التُّراب أَولى؛ لأنَّه قرن به اللَّقلقة وهي الصَّوت، فحَملُ اللفظ على معنيين أَولى من معنًى واحدٍ.
١٢٩١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكينٍ قال (٤): (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ) بكسر العين في الأوَّل وضمِّها في الثَّاني مصغَّرًا غير مضافٍ، هو أبو الهذيل الطَّائيُّ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ) بفتح الرَّاء، الوالبيُّ -بالموحَّدة- الأسديُّ (عَنِ المُغِيرَةِ) بن شعبة (﵁ قَالَ (٥): سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ) بفتح الكاف وكسر الذَّال (٦) المعجمة (لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) غيري، قال ابن حجرٍ: معناه: أنَّ الكذب على الغير قد أُلِفَ واستُسهِلَ خَطْبُهُ، وليس
الكذب عليه بالغًا مبلغ ذلك في السُّهولة، وإذا كان دونه في السُّهولة فهو أشدُّ منه في الإثم، وبهذا التَّقرير يندفع اعتراض من أَورَدَ: أنَّ الَّذي يدخل عليه الكاف أتمُّ، والله أعلم (١)، فإنَّه (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ) أي: فليتَّخذ (مَقْعَدَهُ) مسكنه (مِنَ النَّارِ) فهو أشدُّ في الإثم من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا باقيًا إلى يوم القيامة. (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ) بكسر النُّون وسكون التَّحتيَّة وفتح الحاء؛ مبنيًّا للمفعول من الماضي (يُعَذَّبْ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، مجزومٌ، فـ «مَنْ» شرطيَّةٌ، وفيه استعمال الشَّرط بلفظ الماضي، والجزاء بلفظ المضارع، ويُروى: «يعذبُ» بالرَّفع؛ وهو الذي في «اليونينيَّة» (٢)، فـ «مَنْ» موصولةٌ أو شرطيَّةٌ على تقدير: فإنَّه يُعذَّب، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي (٣) والمُستملي: «من يُنَحْ» بضمِّ أوَّله وفتح النون وجزم المهملة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من يُنَاحُ» بضمِّ أوَّله، وبعد النون ألفٌ، على أنَّ «مَنْ» موصولةٌ (بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ) بإدخال حرف الجرِّ على «ما» فهي مصدريَّةٌ غير ظرفيَّةٍ، أي بالنِّياحة، أي: مدَّةَ النُّواح (٤) عليه، والنُّون مكسورةٌ عند الجميع، قال في «الفتح»: ولبعضهم: «ما نيح» بغير موحَّدة على أنَّ «ما» ظرفيَّةٌ، قال العينيُّ: ما في هذه الرِّواية للمدَّة، أي: يُعذَّب مدَّة النَّوح عليه، ولا يقال: «ما» ظرفيَّة، وفي تقديم المغيرة قبل تحديثه بتحريم النَّوح: أنَّ الكذب عليه ﷺ أشدُّ من الكذب على غيره، إشارةٌ إلى أنَّ الوعيد على ذلك يمنعه أن يخبر عنه بما لم يقل.
ورواته الأربعة كوفيُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا التِّرمذيُّ.