«أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٠

الحديث رقم ١٤٠ من كتاب «كتاب الوضوء» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٠ في صحيح البخاري

«أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ يَتَوَضَّأُ».

بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٤٠

١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.

[الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٦٧٢، ١٦٦٩، ١٦٦٧، ١٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) الْإِسْبَاغُ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ، وَمِنْهُ دِرْعٌ سَابِغٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ، إِذِ الْإِتْمَامُ يَسْتَلْزِمُ الْإِنْقَاءَ عَادَةً، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ بَالَغَ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ الْأَوْسَاخِ غَالِبًا لِاعْتِيَادِهِمُ الْمَشْيَ حُفَاةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: مُوسَى، عَنْ كُرَيْبٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَيِ: ابْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ، لَهُ وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صُحْبَةٌ. وَسَتَأْتِي مَنَاقِبُهُ فِي مَكَانِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) أَيْ: أَفَاضَ.

قَوْلُهُ: (بِالشِّعْبِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) أَيْ: خَفَّفَهُ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ الصَّلَاةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ عَلَى الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرِ: أَتُرِيدُ الصَّلَاةَ؟ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ تَأْتِي: فَقُلْتُ: أَتُصَلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالتَّقْدِيرُ: حَانَتِ الصَّلَاةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الصَّلَاةُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَأَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ خَبَرُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوُضُوءِ لِلدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ هُنَا الِاسْتِنْجَاءُ فَبَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَلِقَوْلِهِ هُنَا وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَحْدَثَ.

(فَائِدَةٌ): الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ لَيْلَتَئِذٍ كَانَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زِيَادَاتِ مُسْنَدِ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ مَاءِ زَمْزَمَ لِغَيْرِ الشُّرْبِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٧ - بَاب غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ

١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ -، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ؛ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ

أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ - يَعْنِي الْيُسْرَى - ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) مُرَادُهُ بِهَذَا التَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاغْتِرَافِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ. وَجَمَعَ الْحَلِيمِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ إِنَاءٍ يَصُبُّ مِنْهُ بِيَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ حَيْثُ كَانَ يَغْتَرِفُ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ أَضَافَهُ إِلَى الْأُخْرَى وَغَسَلَ بِهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ أَبُو يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ. وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ، وَشَيْخُهُ مَنْصُورٌ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ أَيْضًا، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ فَغَرَفَ غَرْفَةً.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ.

قَوْلُهُ: (أَخْذَ غَرْفَةً) وَهُوَ بَيَانُ الْغَسْلِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مِنْ جُمْلَةِ غَسْلِ الْوَجْهِ ; لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ أَوَّلًا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعَادَ ذِكْرَهُ ثَانِيًا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِغَرْفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَفِيهِ دَلِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا إِذَا كَانَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ قَدْ لَا تَسْتَوْعِبُهُ.

قَوْلُهُ: (أَضَافَهَا) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ بِهَا) أَيْ: بِالْغَرْفَةِ. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فَغَسَلَ بِهِمَا أَيْ بِالْيَدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) لَمْ يَذْكُرْ لَهَا غَرْفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ زَيْدٍ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَرَشَّ) أَيْ: سَكَبَ الْمَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْغَسْلِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى غَسَلَهَا) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرَّشِّ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ يَدٌ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٌ تَحْتَ النَّعْلِ فَالْمُرَادُ بِالْمَسْحِ تَسْيِيلُ الْمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْعِبُ الْعُضْوَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي النَّعْلِ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: تَحْتَ النَّعْلِ: فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّجَوُّزِ عَنِ الْقَدَمِ وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ وَرَاوِيهَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى) قَائِلُ: يَعْنِي هُوَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ ; لِأَنَّ الْعُضْوَ إِذَا غُسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَبْقَى فِي الْيَدِ مِنْهَا يُلَاقِي مَاءَ الْعُضْوِ الَّذِي يَلِيهِ. وَأَيْضًا فَالْغَرْفَةُ تُلَاقِي أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ كُلِّ عُضْوٍ فَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِالْيَدِ مَثَلًا لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَنْفَصِلَ، وَفِي الْجَوَابِ بَحْثٌ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ فَعَلَّ بِهَا رِجْلَهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ قَالَ: فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الرِّجْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فَعَدَّ الْغَسْلَةَ الثَّانِيَةَ تَكْرِيرًا لِأَنَّ الْعَلَّ هُوَ الشُّرْبُ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الابتداء، وخبره: (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: وقت الصَّلاة أو مكانها قدَّامك، وهو من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المحلِّ، وهو أعمُّ من أن يكون زمانًا أو مكانًا (فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفَّف ذلك؟ أُجِيب بأنَّ الأوَّل لم يُرِدْ به الصَّلاة، وإنَّما أراد به دوام الطَّهارة، وفيه: استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصلِّ بالأوَّل، لكن ذهب جماعةٌ إلى أنَّه ليس له ذلك قبل أن يصلِّيَ به لأنَّه لم يُوقِع به عبادةً، ويكون كمن زاد على ثلاثٍ في وضوء واحدٍ، وهذا هو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، قالوا: ولا يُسنُّ تجديده إلَّا إذا صلَّى بالأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) قبل حطِّ الرِّحال (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ) بكسر العَيْن وبالمدِّ، أي: صلاتُها (فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وتأتي مباحث الحديث في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٦٩] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

(٧) هذا (بابُ غَسْلِ الوَجْهِ) بفتح الغَيْن (بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: فلا يُشتَرط الاغتراف باليدين معًا، و «الغَرْفة» بفتح الغَيْن المُعجَمَة: بمعنى المصدر، وبالضَّمِّ: بمعنى المَغْروف، وهو (١) ملء الكفِّ.

١٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي

زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ، يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ) من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (٢) بِهَا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «فتمضمض بها» (٣) (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى) أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل، وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر «من ماءٍ» (٤) (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ) أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: «فغسل بهما» أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ (٥) من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون، بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض (٦) يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: «مسح أُذنيه (٧)»، ففي

الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ) أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى) أي: إلى أن (غَسَلَهَا) والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي: اليُسْرَى) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «فغسل بها، يعني: رجله اليسرى» والقائل «يعني»: زيدُ بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي الوقت: «النَّبيَّ» (١) ( يَتَوَضَّأُ) حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: «توضَّأ» وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث (٢) غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات إن شاء الله تعالى في «باب المضمضة في الوضوء» [خ¦١٦٤].

(٨) هذا (بابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ) بكسر الواو، أي: الجماع، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، والحديث الذي ساقه هنا شاهدٌ للخاصِّ لا للعامِّ، لكن لمَّا كان حالُ الوقاع أبعدَ حالٍ من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسنُّ التَّسمية فيه، ففي غيره أَوْلى، ومن ثمَّ ساقه المؤلِّف هنا لمشروعيَّة التَّسمية عند الوضوء، ولم يَسُقْ حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» مع كونه أبلغ في الدَّلالة لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعونٌ فيه.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ عَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.

[الحديث ١٣٩ - أطرافه في: ١٦٧٢، ١٦٦٩، ١٦٦٧، ١٨١]

قَوْلُهُ: (بَابُ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ) الْإِسْبَاغُ فِي اللُّغَةِ الْإِتْمَامُ، وَمِنْهُ دِرْعٌ سَابِغٌ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِلَازِمِهِ، إِذِ الْإِتْمَامُ يَسْتَلْزِمُ الْإِنْقَاءَ عَادَةً، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِي الْوُضُوءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ بَالَغَ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ الْأَوْسَاخِ غَالِبًا لِاعْتِيَادِهِمُ الْمَشْيَ حُفَاةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: مُوسَى، عَنْ كُرَيْبٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَيِ: ابْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ، لَهُ وَلِأَبِيهِ وَجَدِّهِ صُحْبَةٌ. وَسَتَأْتِي مَنَاقِبُهُ فِي مَكَانِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) أَيْ: أَفَاضَ.

قَوْلُهُ: (بِالشِّعْبِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ.

قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ) أَيْ: خَفَّفَهُ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي.

قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ الصَّلَاةَ) هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، أَوْ عَلَى الْحَذْفِ، وَالتَّقْدِيرِ: أَتُرِيدُ الصَّلَاةَ؟ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ تَأْتِي: فَقُلْتُ: أَتُصَلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وَالتَّقْدِيرُ: حَانَتِ الصَّلَاةُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ الصَّلَاةُ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَأَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ خَبَرُهُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْوُضُوءِ لِلدَّوَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ شَيْئًا، وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ هُنَا الِاسْتِنْجَاءُ فَبَاطِلٌ ; لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَلِقَوْلِهِ هُنَا وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ.

قَوْلُهُ: (نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَحْدَثَ.

(فَائِدَةٌ): الْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ لَيْلَتَئِذٍ كَانَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي زِيَادَاتِ مُسْنَدِ أَبِيهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ مَنَعَ اسْتِعْمَالَ مَاءِ زَمْزَمَ لِغَيْرِ الشُّرْبِ. وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

٧ - بَاب غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ

١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ - يَعْنِي سُلَيْمَانَ -، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ؛ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الْأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ

أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ - يَعْنِي الْيُسْرَى - ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) مُرَادُهُ بِهَذَا التَّنْبِيهُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاغْتِرَافِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا، وَالْإِشَارَةُ إِلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ. وَجَمَعَ الْحَلِيمِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ إِنَاءٍ يَصُبُّ مِنْهُ بِيَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ حَيْثُ كَانَ يَغْتَرِفُ، لَكِنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَأْبَاهُ ; لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهُ بَعْدَ أَنْ تَنَاوَلَ الْمَاءَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ أَضَافَهُ إِلَى الْأُخْرَى وَغَسَلَ بِهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) هُوَ أَبُو يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِصَاعِقَةَ. وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَيْثُ الْإِسْنَادُ، وَشَيْخُهُ مَنْصُورٌ كَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ أَيْضًا، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ رِوَايَةُ تَابِعِيٍّ عَنْ تَابِعِيٍّ: زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ.

قَوْلُهُ: (أَنَّهُ تَوَضَّأَ) زَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي أَوَّلِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ. وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدٍ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ فَغَرَفَ غَرْفَةً.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ وَجْهَهُ) الْفَاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ لِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْمُفَصَّلِ.

قَوْلُهُ: (أَخْذَ غَرْفَةً) وَهُوَ بَيَانُ الْغَسْلِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مِنْ جُمْلَةِ غَسْلِ الْوَجْهِ ; لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ أَوَّلًا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ ; بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعَادَ ذِكْرَهُ ثَانِيًا بَعْدَ ذِكْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِغَرْفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَفِيهِ دَلِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ وَغَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا إِذَا كَانَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ قَدْ لَا تَسْتَوْعِبُهُ.

قَوْلُهُ: (أَضَافَهَا) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ بِهَا) أَيْ: بِالْغَرْفَةِ. وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ فَغَسَلَ بِهِمَا أَيْ بِالْيَدَيْنِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) لَمْ يَذْكُرْ لَهَا غَرْفَةً مُسْتَقِلَّةً، فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْمَاءِ، ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ زَيْدٍ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (فَرَشَّ) أَيْ: سَكَبَ الْمَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْغَسْلِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى غَسَلَهَا) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرَّشِّ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ يَدٌ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٌ تَحْتَ النَّعْلِ فَالْمُرَادُ بِالْمَسْحِ تَسْيِيلُ الْمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْعِبُ الْعُضْوَ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي النَّعْلِ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: تَحْتَ النَّعْلِ: فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّجَوُّزِ عَنِ الْقَدَمِ وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ وَرَاوِيهَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِمَا تَفَرَّدَ بِهِ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ.

قَوْلُهُ: (فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى) قَائِلُ: يَعْنِي هُوَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ ; لِأَنَّ الْعُضْوَ إِذَا غُسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَبْقَى فِي الْيَدِ مِنْهَا يُلَاقِي مَاءَ الْعُضْوِ الَّذِي يَلِيهِ. وَأَيْضًا فَالْغَرْفَةُ تُلَاقِي أَوَّلَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ كُلِّ عُضْوٍ فَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِالْيَدِ مَثَلًا لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمَلًا حَتَّى يَنْفَصِلَ، وَفِي الْجَوَابِ بَحْثٌ.

(تَنْبِيهٌ): ذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رَوَاهُ بِلَفْظِ فَعَلَّ بِهَا رِجْلَهُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ قَالَ: فَلَعَلَّهُ جَعَلَ الرِّجْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فَعَدَّ الْغَسْلَةَ الثَّانِيَةَ تَكْرِيرًا لِأَنَّ الْعَلَّ هُوَ الشُّرْبُ الثَّانِي. انْتَهَى، وَهُوَ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا تَصْحِيفٌ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «قال»: (الصَّلَاةُ) بالرَّفع على الابتداء، وخبره: (أَمَامَكَ) بفتح الهمزة، أي: وقت الصَّلاة أو مكانها قدَّامك، وهو من قبيل ذكر الحالِّ وإرادة المحلِّ، وهو أعمُّ من أن يكون زمانًا أو مكانًا (فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ) بماء زمزم أيضًا (فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ) فإن قلت: لم أسبغ هذا الوضوء وخفَّف ذلك؟ أُجِيب بأنَّ الأوَّل لم يُرِدْ به الصَّلاة، وإنَّما أراد به دوام الطَّهارة، وفيه: استحباب تجديد الوضوء وإن لم يصلِّ بالأوَّل، لكن ذهب جماعةٌ إلى أنَّه ليس له ذلك قبل أن يصلِّيَ به لأنَّه لم يُوقِع به عبادةً، ويكون كمن زاد على ثلاثٍ في وضوء واحدٍ، وهذا هو الأصحُّ عند الشَّافعيَّة، قالوا: ولا يُسنُّ تجديده إلَّا إذا صلَّى بالأوَّل صلاةً فرضًا أو نفلًا (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) قبل حطِّ الرِّحال (ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ) منَّا (بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ) بكسر العَيْن وبالمدِّ، أي: صلاتُها (فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) وتأتي مباحث الحديث في «كتاب الحجِّ» [خ¦١٦٦٩] إن شاء الله تعالى بعون الله وقوَّته.

(٧) هذا (بابُ غَسْلِ الوَجْهِ) بفتح الغَيْن (بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ) أي: فلا يُشتَرط الاغتراف باليدين معًا، و «الغَرْفة» بفتح الغَيْن المُعجَمَة: بمعنى المصدر، وبالضَّمِّ: بمعنى المَغْروف، وهو (١) ملء الكفِّ.

١٤٠ - وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ) بن أبي

زهيرٍ البغداديُّ، المُلَّقب بصاعقةٍ لسرعة حفظه وشدَّة ضبطه، البزَّاز (١)، المُتوفَّى سنة خمسٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: «حدَّثنا» (أَبُو سَلَمَةَ) بفتح السِّين واللَّام (الخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) البغداديُّ الحافظ، المُتوفَّى بالمصِّيصة سنة عشرين ومئتين، أو سنة عشرٍ، أو سبعٍ، أو تسعٍ ومئتين (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ، يَعْنِي: سُلَيْمَانَ) السَّابق في «باب أمور الإيمان» [خ¦٩] (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) : (أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ) من باب عطف المُفصَّل على المُجمَل، ثمَّ بيَّن الغسل على وجه الاستئناف، فقال: (أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ (٢) بِهَا) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: «فتمضمض بها» (٣) (وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى) أي: جعل الماء الذي في يده في يديه جميعًا لكونه أمكن في الغسل؛ لأنَّ اليد قد لا تستوعب الغسل، وسقط للأَصيليِّ وابن عساكر «من ماءٍ» (٤) (فَغَسَلَ بِهَا وَجْهَهُ) أي: بالغَرْفة، وللأَصيليِّ وكريمة: «فغسل بهما» أي: باليدين، وظاهر قوله: «إنَّه توضَّأ فغسل وجهه» مع قوله: «أخذ غَرْفَةً»: أنَّ المضمضة والاستنشاق بغَرفةٍ (٥) من جملة غسل الوجه، لكنَّ المُرَاد بالوجه أوَّلًا ما هو أعمُّ من المفروض والمسنون، بدليل أنَّه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ مستقلَّةٍ (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ) أيضًا (فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) بعد أن قبض قبضةً من الماء، ثمَّ نفض (٦) يده كما في رواية أبي داودَ مع زيادة: «مسح أُذنيه (٧)»، ففي

الحديث هنا حذفٌ دلَّ عليه ما رواه أبو داود (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ) أي: صبَّ الماء قليلًا قليلًا (عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى) أي: إلى أن (غَسَلَهَا) والرَّشُّ قد يُرَاد به الغسل، ويؤيِّده قوله هنا: «حتَّى غسلها»، والرَّشُّ القويُّ يكون معه الإسالة، وعبَّر به تنبيهًا على الاحتراز عن الإسراف؛ لأنَّ الرِّجْلَ مظنَّته في الغسل (ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ، يَعْنِي: اليُسْرَى) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: «فغسل بها، يعني: رجله اليسرى» والقائل «يعني»: زيدُ بن أسلم، أو من هو دونه من الرُّواة (ثُمَّ قَالَ) أي: ابن عبَّاسٍ: (هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبي الوقت: «النَّبيَّ» (١) ( يَتَوَضَّأُ) حكاية حالٍ ماضيةٍ، وفي رواية ابن عساكر: «توضَّأ» وفي هذا الحديث: دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغَرْفةٍ واحدةٍ، المحكيِّ في «الكفاية» عن نصِّه في «الأمِّ»، وهو يحتمل وجهين: أن يتمضمض منها ثلاثًا ولاءً، ثمَّ يستنشق كذلك، وأن يتمضمض ثمَّ يستنشق، ثمَّ يفعل كذلك ثانيًا وثالثًا، وأَوْلى الكيفيَّات: أن يجمع بين ثلاث (٢) غَرْفاتٍ يتمضمض من كلِّ واحدةٍ، ثمَّ يستنشق، فقد صحَّ من حديث عبد الله بن زيدٍ، وغيره، وصحَّحه النَّوويُّ، وتأتي بقيَّة الكيفيَّات إن شاء الله تعالى في «باب المضمضة في الوضوء» [خ¦١٦٤].

(٨) هذا (بابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الوِقَاعِ) بكسر الواو، أي: الجماع، وهو من عطف الخاصِّ على العامِّ للاهتمام به، والحديث الذي ساقه هنا شاهدٌ للخاصِّ لا للعامِّ، لكن لمَّا كان حالُ الوقاع أبعدَ حالٍ من ذكر الله تعالى ومع ذلك تُسنُّ التَّسمية فيه، ففي غيره أَوْلى، ومن ثمَّ ساقه المؤلِّف هنا لمشروعيَّة التَّسمية عند الوضوء، ولم يَسُقْ حديث: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» مع كونه أبلغ في الدَّلالة لكونه ليس على شرطه، بل هو مطعونٌ فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد