«مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٧٤

الحديث رقم ١٤٧٤ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من سأل الناس تكثرا.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٧٤ في صحيح البخاري

«مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ

⦗١٢٤⦘

فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ».

إسناد حديث البخاري رقم ١٤٧٤

١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٧٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شُعَيْبٌ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِسْنَادًا آخَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبَدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ. وَالسَّائِبُ فَمَنْ فَوْقَهُ صَحَابَةٌ، فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادَيْنِ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ، فَذَكَرَهُ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ ابْنُ السَّاعِدِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ عَطِيَّةَ النَّبِيِّ لِعُمَرَ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ. وَلِهَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ وَلَكِنْ مِنَ الْحُقُوقِ، فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِمَعْنًى غَيْرَ الْفَقْرِ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصَّدَقَاتِ.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: فَخُذْهُ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ، فَقِيلَ: هُوَ نَدْبٌ لِكُلِّ مَنْ أُعْطِيَ عَطِيَّةً أَبَى قَبُولَهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ يَعْنِي بِالشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِالسُّلْطَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي السُّنَنِ: إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ ذَا سُلْطَانٍ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَحْرُمُ قَبُولُ الْعَطِيَّةِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يُكْرَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْعَطِيَّةُ مِنَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ، وَالْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوَرَعِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَصَرُّفِ السَّلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَلَالًا فَلَا تُرَدُّ عَطِيَّتُهُ، وَمَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَرَامًا فَتَحْرُمُ عَطِيَّتُهُ، وَمَنْ شَكَّ فِيهِ فَالِاحْتِيَاطُ رَدُّهُ وَهُوَ الْوَرَعُ، وَمَنْ أَبَاحَهُ أَخَذَ بِالْأَصْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاحْتَجَّ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْيَهُودِ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وَقَدْ رَهَنَ الشَّارِعُ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِذَا رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَأَنَّ رَدَّ عَطِيَّةِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الْآيَةَ.

٥٢ - بَاب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا

١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ.

١٤٧٥ - وَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ.

وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ.

[الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا) أَيْ: فَهُوَ مَذْمُومٌ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَصْرَحُ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، وَإِنَّمَا آثَرَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالْأَخْفَى، أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ النَّهْيُ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ كَالْأُغْلُوطَاتِ، أَوِ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُعنِي، أَوْ عَمَّا لَمْ يَقَعْ مِمَّا يُكْرَهُ وُقُوعُهُ، قَالَ: وَأَشَارَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَفِيهِ: وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ. انْتَهَى.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا هُوَ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْلَى، وَلَفَظُهُ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْأَلُ لِيَجْمَعَ الْكَثِيرَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْآتِيَةِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (مُزْعَةُ لَحْمٍ) مُزْعَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَسُكُونُ الزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ: قِطْعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ، وَالَّذِي أَحْفَظُهُ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ الضَّمُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْتِي سَاقِطًا لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا جَاهَ، أَوْ يُعَذَّبُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَحْمُهُ لِمُشَاكَلَةِ الْعُقُوبَةِ فِي مَوَاضِعِ الْجِنَايَةِ مِنَ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ أَذَلَّ وَجْهَهُ بِالسُّؤَالِ، أَوْ أَنَّهُ يُبْعَثُ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ كُلُّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِعَارُهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ. انْتَهَى.

وَالْأَوَّلُ صَرْفٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنِيٌّ حَتَّى يَخْلُقَ وَجْهَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَجْهٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنَ الْحُسْنِ شَيْءٌ، لِأَنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ هُوَ بِمَا فِيهِ مِنَ اللَّحْمِ. وَمَالَ الْمُهَلَّبُ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِلَى أَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا جَاءَ لَا لَحْمَ بِوَجْهِهِ كَانَتْ أَذِيَّةُ الشَّمْسِ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذَا الطَّرَفِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: لَفْظُ الْحَدِيثِ دَالٌّ عَلَى ذَمِّ تَكْثِيرِ السُّؤَالِ، وَالتَّرْجَمَةُ لِمَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ الْقَوَاعِدُ هُوَ السَّائِلَ عَنْ غِنًى وَأَنَّ سُؤَالَ ذِي الْحَاجَةِ مُبَاحٌ، نَزَّلَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ لِيُكْثِرَ مَالَهُ.

قوله: (بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى) هَذَا فِيهِ اخْتِصَارٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ذَكَرَ مَنْ يَقْصِدُونَهُ بَيْنَ آدَمَ وَمُوسَى، وَبَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ، وَكَذَا الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ) كَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ: ابْنُ صَالِحٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَلِهَذَا جَزَمَ خَلَفٌ، وَأَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّهُ ابْنُ صَالِحٍ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَقَدْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ وَحْدَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ مُطَّلِبِ بْنِ شُعَيْبٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، فَذَكَروَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. وَتَابَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنِ اللَّيْثِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (بِحَلْقَةِ الْبَابِ) أَيْ: بَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَنِ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا، وَهِيَ إِرَاحَةُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ أَهْوَالِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَالْفَرَاغُ مِنْ حِسَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْجَمْعِ أَهْلُ الْحَشْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

علمه بقوله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأنَّ أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة، وقِيلَ: يجب أن يُقبَل من السُّلطان دون غيره، لحديث سَمُرَة المرويِّ في «السُّنن»: «إلَّا أن يسأل ذا سلطانٍ» (وَمَا لَا) يكون على هذه الصِّفة بأن لم يجئ إليك، ومالت نفسك إليه (فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) في الطَّلب واتركه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٧١٦٣]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ.

(٥٢) (بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا) نُصِب على المصدر، أي: سؤال تكثُّرٍ، أي: مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدَّ الخَلَّة، قاله في «التَّنقيح»، أو نُصِب على الحال، إمَّا بأن يُجعَل المصدر نفسه حالًا على جهة المبالغة، نحو: زيدٌ عدلٌ، أو بأن يُقدَّر مُضافٌ، أي: ذا تكثُّرٍ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التَّأكيديِّ لا النَّوعيِّ، أي: يتكثَّر تكثُّرًا، والجملة الفعليَّة حالٌ أيضًا، قاله في «المصابيح»، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: من سأل لأجل التَّكثُّر (١) فهو مذمومٌ.

١٤٧٤ - ١٤٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، واسم أبي جعفرٍ: يسارٌ (قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي، و «عُمَر»: بضمِّ العين وفتح الميم (قَالَ: سَمِعْتُ)

أبي (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب () أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ) أي: تكثُّرًا، وهو غنيٌّ (حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بل كلُّه عظمٌ، و «مُزْعَة»: بضمِّ الميم وسكون الزَّاي وفتح العين المهملة، وزاد في «القاموس»: كسر الميم، وحكى ابن التِّين: فتح الميم والزَّاي، القطعة من اللَّحم أو النُّتفة منه، وخصَّ الوجه لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذلَّ وجهه بالسُّؤال، أو أنَّه يأتي ساقط القدر والجاه، وقد يؤيِّده حديث مسعود بن عمرو عند الطَّبرانيِّ والبزَّار مرفوعًا: «لا يزال العبد يسأل، وهو غنيٌّ، حتَّى يَخْلَقَ وجهُه، فلا يكون له عند الله وجهٌ»، وقال التُّورِبِشْتِيُّ: قد عرَّفنا الله تعالى أنَّ الصُّور في الدَّار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدُّنيا من غير بأسٍ وضرورةٍ، بل للتَّوسُّع والتَّكثُّر (٢) يصيبه شينٌ في وجهه بإذهاب اللَّحم عنه؛ ليظهر للنَّاس عنه صورة المعنى الذي خفي عليهم منه. انتهى. ولفظ «النَّاس» يعمُّ المسلم وغيره، فيُؤخَذ منه جوازُ سؤال غير المسلم، وكان بعض الصَّالحين إذا احتاج يسأل ذمِّيًّا لئلَّا يُعاقَب المسلم بسببه لو ردَّه (٣)، قاله ابن أبي جمرة، وظاهر قوله: «ما يزال الرَّجل يسأل … » إلى آخره، الوعيدُ لمن سأل سؤالًا كثيرًا، والمؤلِّف فهم أنَّه وعيدٌ لمن سأل تكثُّرًا، والفرق بينهما ظاهرٌ، فقد يسأل الرَّجل دائمًا وليس متكثِّرًا لدوام افتقاره واحتياجه، لكنَّ القواعد تبيِّن أنَّ المُتوعَّد هو السَّائل عن غنًى وكثرةٍ؛ لأنَّ سؤال الحاجة مباحٌ، وربَّما ارتفع عن هذه الدَّرجة، وعلى هذا نزَّل البخاريُّ الحديث، قاله في «المصابيح»، وسبقه إليه ابن المُنيِّر في «الحاشية». (وَقَالَ) : (إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو) أي: تقرب (يَوْمَ القِيَامَةِ) فيسخن النَّاس من دنوِّها فيعرقون (حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ) فإن قلت: ما وجه اتِّصال قوله: «إنَّ الشَّمس … » إلى آخره بما سبق؟ أُجيب بأنَّ (٤) الشَّمس إذا دنت يكون أذاها لمن لا لحم له في

وجهه أكثر وأشدَّ من غيره (فَبَيْنَا (١) هُمْ كَذَلِكَ) أصله «بين»، فزِيدت الألف بإشباع فتحة النُّون، وهو ظرفٌ بمعنى المفاجأة، ويحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، وهو هنا قوله: (اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُوسَى، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُحَمَّدٍ ) فيه اختصارٌ إذ يُستغاث أيضًا بغير ما (٢) ذُكِر من الأنبياء كما لا يخفى.

(وَزَادَ عَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث، أو عبد الله بن وهبٍ، فيما ذكره ابن شاهين، فيما وصله البزَّار والطَّبرانيُّ في «الأوسط» وابن منده في «الإيمان» له: قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) عبيد الله، بتصغير «عبد» (فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ) بسكون لام «حلْقة»، والمراد: حلقة باب الجنَّة (فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) هو مقام الشَّفاعة العظمى (يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ) أي: أهل المحشر (كُلُّهُمْ).

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(وَقَالَ مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام، مُنوَّنًا (٣) عند أبي ذرٍّ، ابن أسدٍ، ممَّا وصله البيهقيُّ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) تصغير «وهبٍ» (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مُسْلِمٍ، أَخِي) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر، أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ فِي المَسْأَلَةِ) أي: في الجزء الأوَّل من الحديث دون الزِّيادة، وآخره: «مزعة لحمٍ».

(٥٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) أي: إلحاحًا؛ وهو أن

يلازم المسؤولَ حتَّى يعطيه، من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه: أنَّهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورةٍ لم يلحُّوا، وقِيلَ: هو نفيٌّ للسُّؤال والإلحاح، كقوله:

على لاحبٍ لا يُهتَدى بمنارهِ

فمراده لا منار ولا اهتداء (١) به، ولا ريب أنَّ نفي السُّؤال والإلحاح أدخل في التَّعفُّف (وَكَمِ الغِنَى) أي: مقداره المانع للرَّجل من السُّؤال، وليس في الباب ما فيه تصريحٌ بالقدر، إمَّا لكونه لم يجد ما هو على شرطه، أو اكتفاءً بما يُستفاد من قوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٧٩]: «ولا يجد» أي (٢): الرَّجل «غنًى يغنيه». وعن سهل ابن الحنظليَّة مرفوعًا: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنَّما يستكثر من النَّار»، قال النُّفيليُّ (٣) -أحد رواته- قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يُغدِّيه (٤) ويعشِّيه»، رواه أبو داود، وعند ابن خزيمة: «أن يكون له شبعُ يومٍ وليلةٍ أو ليلةٍ ويومٍ»، قال الخطَّابيُّ: اختلف النَّاس في تأويل حديث سهلٍ، فقِيلَ: من وجد غداء يومه وعشاءه، لم تحلَّ له المسألة على ظاهر الحديث، وقِيلَ: إنَّما هو فيمن وجد غداءً وعشاءً على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدَّة الطَّويلة، حَرُمَت عليه المسألة، وقِيلَ: إنَّه منسوخٌ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا أو قيمتها، أو بملك أوقيةٍ أو قيمتها، وعُورِض بأنَّ ادِّعاء النَّسخ مشتركٌ بينهما؛ لعدم العلم بسبق أحدهما على الآخر. (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ) بجرِّ «قولِ» أي: في حديث أبي

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

شُعَيْبٌ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِسْنَادًا آخَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبَدِ الْعُزَّى أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّعْدِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَذَكَرَ قِصَّةً فِيهَا هَذَا الْحَدِيثُ. وَالسَّائِبُ فَمَنْ فَوْقَهُ صَحَابَةٌ، فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي نَسَقٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالْإِسْنَادَيْنِ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ: عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يُعْطِي عُمَرَ، فَذَكَرَهُ، جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ السَّعْدِيِّ، عَنْ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ فِيهِ ابْنُ السَّاعِدِيِّ، وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ عَطِيَّةَ النَّبِيِّ لِعُمَرَ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ. وَلِهَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَيْسَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّدَقَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْسِمُهَا الْإِمَامُ، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ جِهَةِ الْفَقْرِ وَلَكِنْ مِنَ الْحُقُوقِ، فَلَمَّا قَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِمَعْنًى غَيْرَ الْفَقْرِ قَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الصَّدَقَاتِ.

وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ: فَخُذْهُ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ، فَقِيلَ: هُوَ نَدْبٌ لِكُلِّ مَنْ أُعْطِيَ عَطِيَّةً أَبَى قَبُولَهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ يَعْنِي بِالشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ. وَقِيلَ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِالسُّلْطَانِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سَمُرَةَ فِي السُّنَنِ: إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ ذَا سُلْطَانٍ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: يَحْرُمُ قَبُولُ الْعَطِيَّةِ مِنَ السُّلْطَانِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يُكْرَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْعَطِيَّةُ مِنَ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ، وَالْكَرَاهَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْوَرَعِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ تَصَرُّفِ السَّلَفِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالتَّحْقِيقُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَلَالًا فَلَا تُرَدُّ عَطِيَّتُهُ، وَمَنْ عَلِمَ كَوْنَ مَالِهِ حَرَامًا فَتَحْرُمُ عَطِيَّتُهُ، وَمَنْ شَكَّ فِيهِ فَالِاحْتِيَاطُ رَدُّهُ وَهُوَ الْوَرَعُ، وَمَنْ أَبَاحَهُ أَخَذَ بِالْأَصْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاحْتَجَّ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الْيَهُودِ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وَقَدْ رَهَنَ الشَّارِعُ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَمْوَالِهِمْ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ. وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِذَا رَأَى لِذَلِكَ وَجْهًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَأَنَّ رَدَّ عَطِيَّةِ الْإِمَامِ لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الرَّسُولِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الْآيَةَ.

٥٢ - بَاب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا

١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ.

١٤٧٥ - وَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الْخَلْقِ فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ كُلُّهُمْ.

وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ.

[الحديث ١٤٧٥ - طرفه في: ٤٧١٨]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا) أَيْ: فَهُوَ مَذْمُومٌ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ فِي النَّهْيِ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ أَصْرَحُ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ، وَإِنَّمَا آثَرَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يُتَرْجِمَ بِالْأَخْفَى، أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ النَّهْيُ عَنِ الْمَسَائِلِ الْمُشْكِلَةِ كَالْأُغْلُوطَاتِ، أَوِ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُعنِي، أَوْ عَمَّا لَمْ يَقَعْ مِمَّا يُكْرَهُ وُقُوعُهُ، قَالَ: وَأَشَارَ مَعَ ذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ وَفِيهِ: وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ. انْتَهَى.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا هُوَ مُطَابِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، فَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْلَى، وَلَفَظُهُ: مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَسْأَلُ لِيَجْمَعَ الْكَثِيرَ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ الْآتِيَةِ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: (مُزْعَةُ لَحْمٍ) مُزْعَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَحُكِيَ كَسْرُهَا، وَسُكُونُ الزَّايِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ أَيْ: قِطْعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالزَّايِ، وَالَّذِي أَحْفَظُهُ عَنِ الْمُحَدِّثِينَ الضَّمُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْتِي سَاقِطًا لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا جَاهَ، أَوْ يُعَذَّبُ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْقُطَ لَحْمُهُ لِمُشَاكَلَةِ الْعُقُوبَةِ فِي مَوَاضِعِ الْجِنَايَةِ مِنَ الْأَعْضَاءِ لِكَوْنِهِ أَذَلَّ وَجْهَهُ بِالسُّؤَالِ، أَوْ أَنَّهُ يُبْعَثُ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ كُلُّهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ شِعَارُهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ. انْتَهَى.

وَالْأَوَّلُ صَرْفٌ لِلْحَدِيثِ عَنْ ظَاهِرِهِ، وَقَدْ يُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنِيٌّ حَتَّى يَخْلُقَ وَجْهَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَجْهٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنَ الْحُسْنِ شَيْءٌ، لِأَنَّ حُسْنَ الْوَجْهِ هُوَ بِمَا فِيهِ مِنَ اللَّحْمِ. وَمَالَ الْمُهَلَّبُ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِلَى أَنَّ السِّرَّ فِيهِ أَنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا جَاءَ لَا لَحْمَ بِوَجْهِهِ كَانَتْ أَذِيَّةُ الشَّمْسِ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا وَهُوَ غَنِيٌّ لَا تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ وَهُوَ مُضْطَرٌّ فَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذَا الطَّرَفِ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: لَفْظُ الْحَدِيثِ دَالٌّ عَلَى ذَمِّ تَكْثِيرِ السُّؤَالِ، وَالتَّرْجَمَةُ لِمَنْ سَأَلَ تَكَثُّرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُتَوَعَّدُ عَلَيْهِ عَلَى مَا تَشْهَدُ بِهِ الْقَوَاعِدُ هُوَ السَّائِلَ عَنْ غِنًى وَأَنَّ سُؤَالَ ذِي الْحَاجَةِ مُبَاحٌ، نَزَّلَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ لِيُكْثِرَ مَالَهُ.

قوله: (بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى) هَذَا فِيهِ اخْتِصَارٌ، وَسَيَأْتِي فِي الرِّقَاقِ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ ذَكَرَ مَنْ يَقْصِدُونَهُ بَيْنَ آدَمَ وَمُوسَى، وَبَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ ، وَكَذَا الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ مَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَى الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (وَزَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ) كَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ: ابْنُ صَالِحٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ، وَلِهَذَا جَزَمَ خَلَفٌ، وَأَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّهُ ابْنُ صَالِحٍ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ وَقَدْ رَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ وَحْدَهُ الْبَزَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيِّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ مُطَّلِبِ بْنِ شُعَيْبٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ، فَذَكَروَهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. وَتَابَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَالِحٍ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنِ اللَّيْثِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ أَيْضًا.

قَوْلُهُ: (بِحَلْقَةِ الْبَابِ) أَيْ: بَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ هُوَ مَجَازٌ عَنِ الْقُرْبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا، وَهِيَ إِرَاحَةُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ أَهْوَالِ الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ وَالْفَرَاغُ مِنْ حِسَابِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْجَمْعِ أَهْلُ الْحَشْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

علمه بقوله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك أخذ منهم الجزية مع العلم بأنَّ أكثر أموالهم من ثمن الخنزير والخمر والمعاملة الفاسدة، وقِيلَ: يجب أن يُقبَل من السُّلطان دون غيره، لحديث سَمُرَة المرويِّ في «السُّنن»: «إلَّا أن يسأل ذا سلطانٍ» (وَمَا لَا) يكون على هذه الصِّفة بأن لم يجئ إليك، ومالت نفسك إليه (فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) في الطَّلب واتركه، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [خ¦٧١٦٣]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، وكذا النَّسائيُّ.

(٥٢) (بَابُ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا) نُصِب على المصدر، أي: سؤال تكثُّرٍ، أي: مستكثر المال بسؤاله لا يريد به سدَّ الخَلَّة، قاله في «التَّنقيح»، أو نُصِب على الحال، إمَّا بأن يُجعَل المصدر نفسه حالًا على جهة المبالغة، نحو: زيدٌ عدلٌ، أو بأن يُقدَّر مُضافٌ، أي: ذا تكثُّرٍ، ويجوز أن يكون منصوبًا على المصدر التَّأكيديِّ لا النَّوعيِّ، أي: يتكثَّر تكثُّرًا، والجملة الفعليَّة حالٌ أيضًا، قاله في «المصابيح»، وجواب الشَّرط محذوفٌ، أي: من سأل لأجل التَّكثُّر (١) فهو مذمومٌ.

١٤٧٤ - ١٤٧٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة مُصغَّرًا، واسم أبي جعفرٍ: يسارٌ (قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزَّاي، و «عُمَر»: بضمِّ العين وفتح الميم (قَالَ: سَمِعْتُ)

أبي (عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب () أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (١) : مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ) أي: تكثُّرًا، وهو غنيٌّ (حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ) بل كلُّه عظمٌ، و «مُزْعَة»: بضمِّ الميم وسكون الزَّاي وفتح العين المهملة، وزاد في «القاموس»: كسر الميم، وحكى ابن التِّين: فتح الميم والزَّاي، القطعة من اللَّحم أو النُّتفة منه، وخصَّ الوجه لمشاكلة العقوبة في موضع الجناية من الأعضاء لكونه أذلَّ وجهه بالسُّؤال، أو أنَّه يأتي ساقط القدر والجاه، وقد يؤيِّده حديث مسعود بن عمرو عند الطَّبرانيِّ والبزَّار مرفوعًا: «لا يزال العبد يسأل، وهو غنيٌّ، حتَّى يَخْلَقَ وجهُه، فلا يكون له عند الله وجهٌ»، وقال التُّورِبِشْتِيُّ: قد عرَّفنا الله تعالى أنَّ الصُّور في الدَّار الآخرة تختلف باختلاف المعاني، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] فالذي يبذل وجهه لغير الله في الدُّنيا من غير بأسٍ وضرورةٍ، بل للتَّوسُّع والتَّكثُّر (٢) يصيبه شينٌ في وجهه بإذهاب اللَّحم عنه؛ ليظهر للنَّاس عنه صورة المعنى الذي خفي عليهم منه. انتهى. ولفظ «النَّاس» يعمُّ المسلم وغيره، فيُؤخَذ منه جوازُ سؤال غير المسلم، وكان بعض الصَّالحين إذا احتاج يسأل ذمِّيًّا لئلَّا يُعاقَب المسلم بسببه لو ردَّه (٣)، قاله ابن أبي جمرة، وظاهر قوله: «ما يزال الرَّجل يسأل … » إلى آخره، الوعيدُ لمن سأل سؤالًا كثيرًا، والمؤلِّف فهم أنَّه وعيدٌ لمن سأل تكثُّرًا، والفرق بينهما ظاهرٌ، فقد يسأل الرَّجل دائمًا وليس متكثِّرًا لدوام افتقاره واحتياجه، لكنَّ القواعد تبيِّن أنَّ المُتوعَّد هو السَّائل عن غنًى وكثرةٍ؛ لأنَّ سؤال الحاجة مباحٌ، وربَّما ارتفع عن هذه الدَّرجة، وعلى هذا نزَّل البخاريُّ الحديث، قاله في «المصابيح»، وسبقه إليه ابن المُنيِّر في «الحاشية». (وَقَالَ) : (إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو) أي: تقرب (يَوْمَ القِيَامَةِ) فيسخن النَّاس من دنوِّها فيعرقون (حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ) فإن قلت: ما وجه اتِّصال قوله: «إنَّ الشَّمس … » إلى آخره بما سبق؟ أُجيب بأنَّ (٤) الشَّمس إذا دنت يكون أذاها لمن لا لحم له في

وجهه أكثر وأشدَّ من غيره (فَبَيْنَا (١) هُمْ كَذَلِكَ) أصله «بين»، فزِيدت الألف بإشباع فتحة النُّون، وهو ظرفٌ بمعنى المفاجأة، ويحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، وهو هنا قوله: (اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُوسَى، ثُمَّ) استغاثوا (بِمُحَمَّدٍ ) فيه اختصارٌ إذ يُستغاث أيضًا بغير ما (٢) ذُكِر من الأنبياء كما لا يخفى.

(وَزَادَ عَبْدُ اللهِ) بن صالحٍ كاتب اللَّيث، أو عبد الله بن وهبٍ، فيما ذكره ابن شاهين، فيما وصله البزَّار والطَّبرانيُّ في «الأوسط» وابن منده في «الإيمان» له: قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) عبيد الله، بتصغير «عبد» (فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ) بسكون لام «حلْقة»، والمراد: حلقة باب الجنَّة (فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا) هو مقام الشَّفاعة العظمى (يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ) أي: أهل المحشر (كُلُّهُمْ).

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.

(وَقَالَ مُعَلًّى) بضمِّ الميم وفتح العين المهملة وتشديد اللَّام، مُنوَّنًا (٣) عند أبي ذرٍّ، ابن أسدٍ، ممَّا وصله البيهقيُّ: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) تصغير «وهبٍ» (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مُسْلِمٍ، أَخِي) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ) بن عبد الله بن عمر، أنَّه (سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ فِي المَسْأَلَةِ) أي: في الجزء الأوَّل من الحديث دون الزِّيادة، وآخره: «مزعة لحمٍ».

(٥٣) (باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]) أي: إلحاحًا؛ وهو أن

يلازم المسؤولَ حتَّى يعطيه، من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي: أعطاني من فضل ما عنده، ومعناه: أنَّهم لا يسألون، وإن سألوا عن ضرورةٍ لم يلحُّوا، وقِيلَ: هو نفيٌّ للسُّؤال والإلحاح، كقوله:

على لاحبٍ لا يُهتَدى بمنارهِ

فمراده لا منار ولا اهتداء (١) به، ولا ريب أنَّ نفي السُّؤال والإلحاح أدخل في التَّعفُّف (وَكَمِ الغِنَى) أي: مقداره المانع للرَّجل من السُّؤال، وليس في الباب ما فيه تصريحٌ بالقدر، إمَّا لكونه لم يجد ما هو على شرطه، أو اكتفاءً بما يُستفاد من قوله في الحديث الآتي -إن شاء الله تعالى-[خ¦١٤٧٩]: «ولا يجد» أي (٢): الرَّجل «غنًى يغنيه». وعن سهل ابن الحنظليَّة مرفوعًا: «من سأل وعنده ما يغنيه، فإنَّما يستكثر من النَّار»، قال النُّفيليُّ (٣) -أحد رواته- قالوا: وما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يُغدِّيه (٤) ويعشِّيه»، رواه أبو داود، وعند ابن خزيمة: «أن يكون له شبعُ يومٍ وليلةٍ أو ليلةٍ ويومٍ»، قال الخطَّابيُّ: اختلف النَّاس في تأويل حديث سهلٍ، فقِيلَ: من وجد غداء يومه وعشاءه، لم تحلَّ له المسألة على ظاهر الحديث، وقِيلَ: إنَّما هو فيمن وجد غداءً وعشاءً على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه لقوته المدَّة الطَّويلة، حَرُمَت عليه المسألة، وقِيلَ: إنَّه منسوخٌ بالأحاديث التي فيها تقدير الغنى بملك خمسين درهمًا أو قيمتها، أو بملك أوقيةٍ أو قيمتها، وعُورِض بأنَّ ادِّعاء النَّسخ مشتركٌ بينهما؛ لعدم العلم بسبق أحدهما على الآخر. (وَقَوْلِ النَّبِيِّ ) بجرِّ «قولِ» أي: في حديث أبي

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر