«سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٧٢

الحديث رقم ١٥٧٢ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٥٧٢ في صحيح البخاري

«سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَقَالَ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ الشَّاةُ تَجْزِي فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ اللهُ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَالْجِدَالُ الْمِرَاءُ».

بَابُ الِاغْتِسَالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ

إسناد حديث البخاري رقم ١٥٧٢

١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٥٧٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ كَمَا ذَكَرْتُهُ قَبْلُ، وَحَكَى الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ في الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُمَرُ؛ أَيِ الرَّجُلُ الَّذِي عَنَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ، فَهُوَ عُمْدَةُ الْحُمَيْدِيِّ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ؛ يَعْنِي عُمَرَ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ.

وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: ظَاهِرُ سِيَاقِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عُثْمَانُ، وَكَأَنَّهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ مَعَ عَلِيٍّ جَزَمَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَقَدْ سَبَقَتْ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَوَقَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ أَيْضًا مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قِصَّةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِعُمَرَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا، وَكَأَنَّ مَنْ بَعْدَهُ كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي ذَلِكَ، ففِي مُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا وَابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهَا، فَسَأَلُوا جَابِرًا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، ثُمَّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا مَا يُعَكِّرُ عَلَى عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ فِي جَزْمِهِمْ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ هِيَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، لَا الْعُمْرَةِ الَّتِي يَحُجُّ بَعْدَهَا، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهَا مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَمُرَادُهُ التَّمَتُّعُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.

وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَجَوَازُ نَسْخِهِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ شَهِيرٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنْهَا لَامْتَنَعَتْ، وَيَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحُكْمِ، وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ النَّسْخِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ لِكَوْنِهِ حَصَرَ وُجُوهَ الْمَنْعِ فِي نُزُولِ آيَةٍ أَوْ نَهْيٍ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِيهِ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنْكَارُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى بَعْضٍ بِالنَّصِّ.

٣٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تَجْزِي. فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ. فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ. وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي. وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ فِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِيهَا: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: (ذَلِكَ). وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ؛ فَقَالَ نَافِعٌ وَالْأَعْرَجُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِعَيْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَرَجَّحَهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَطَائِفَةٌ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: مَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا سِوَى أَهْلِ الْمَنَاهِلِ كَعُسْفَانَ، وَسِوَى أَهْلِ مِنًى وَعَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْمُطَرِّزُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، لَكِنَّهُ قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ بَدَلَ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، وَكِلَاهُمَا بَصْرِيٌّ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، لَكِنَّ عُثْمَانَ بْنَ غِيَاثٍ ثِقَةٌ وَعُثْمَانَ بْنَ سَعْدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ شَيْخَهُ الْقَاسِمَ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ: عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيَّ ذَكَرَ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَجَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ كَمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: فَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَهُ عَنْ مُسْلِمٍ، لِأَنَّنِي لَمْ أَجِدْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، فَإِنَّهُ أَحَدُ مَشَايِخِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَهُ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِهِ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ ذِكْرًا فِي كِتَابِهِ غَيْرَ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَّاءُ اسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْبَرَّاءُ بِالتَّشْدِيدِ نِسْبَةٌ لَهُ إِلَى بَرْيِ السِّهَامِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ)؛ أَيْ قُرْبَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَرِفَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً) الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِمَنْ كَانَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ.

قَوْلُهُ: (طُفْنَا) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: فَطُفْنَا بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ هُوَ جَوَابُ لِمَا، وَقَالَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَنَسَكْنَا الْمَنَاسِكَ)؛ أَيْ مِنَ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ بَالِغًا.

قَوْلُهُ: (عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ)؛ أَيْ بَعْدَ الظُّهْرِ ثَامِنَ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ اسْتُحِبَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ بِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: وَقَدْ بِالْوَاوِ. وَمِنْ هُنَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ هُنَا إِلَى أَوَّلِهِ مَرْفُوعٌ.

قَوْلُهُ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ آخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى؛ أَيِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَأَخَذَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلرُّجُوعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وَيُوَافِقُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتْي فِي بَابِ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يُحِلَّ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ مَعْنَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِالْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَمَعْنَى الرُّجُوعِ التَّوَجُّهُ مِنْ مَكَّةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هو عمر بن الخطَّاب لا عثمان بن عفَّان؛ لأنَّ عمر أوَّل من نهى عنها، فكان من بعده تابعًا له في ذلك، ففي «مسلمٍ»: أنَّ ابن الزُّبير كان ينهى عنها، وابن عبَّاسٍ يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أنَّ أوَّل من نهى عنها عمر.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.

(٣٧) (بابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).

١٥٧٢ - (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الفاء والحاء فيهما مُصغَّرين (البَصْرِيُّ) الجَحْدريُّ المُتوفَّى سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ) بفتح الميم وسكون العين وفتح الشِّين المعجمة يوسف بن يزيد مِنَ الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ: «أبو مَعْشَرٍ البَرَّاء» بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء نسبةً إلى بري السِّهام، قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ

غِيَاثٍ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فألفٍ فمُثلَّثةٍ الباهليُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ) مجيبًا عن ذلك: (أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا) قد مرَّ أنَّهم كانوا ثلاث فرقٍ: فرقةٌ أحرموا بحجٍّ وعمرةٍ أو بحجٍّ ومعهم هديٌّ، وفرقةٌ بعمرةٍ ففرغوا منها ثمَّ أحرموا بحجٍّ، وفرقةٌ أحرموا بحجٍّ ولا هدي معهم فأمرهم أن يجعلوه عمرةً، وإلى هذا الأخير أشار بقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ) أي: قربنا (١) منها لأنَّه كان بسَرِف (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمن كان أهلَّ بالحجِّ مفردًا (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً) افسخوه إلى العمرة لبيان مخالفة ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وهذا خاصٌّ بهم في تلك السَّنة كما في حديث بلالٍ عند أبي داود، وقد مرَّ التَّنبيه على ذلك (إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، طُفْنَا بِالبَيْتِ) أي: فلمَّا قدمنا طفنا، وللأَصيليِّ: «فطفنا» بفاء العطف (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) أي: واقعناهنَّ، والمراد غير المتكلِّم لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان إذ ذاك لم يدرك الحلم، وإنَّما حكى ذلك عن الصَّحابة (وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ) المخيطة (٢) (وَ) قد (قَالَ) : (مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ) شيءٌ من محظورات الإحرام (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بأن ينحره بمنًى (ثُمَّ أَمَرَنَا) (عَشِيَّةَ) يوم (التَّرْوِيَةِ) بعد الظُّهر ثامن (٣) ذي الحجَّة (أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ) من مكَّة (فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ) من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والرَّمي والحلق (جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقد» بالواو بدل الفاء، ومن قوله: «فقد تمَّ حجُّنا … » إلى آخر الحديث موقوفٌ على ابن عبَّاسٍ، ومِنْ أوَّلِهِ إليه مرفوعٌ (وَعَلَيْنَا الهَدْيُ

كَمَا قَالَ اللهُ (١) تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) أي: فعليه دمٌ استيسره بسبب التَّمتُّع، فهو دم جبرانٍ يذبحه إذا أحرم بالحجِّ لأنَّه حينئذٍ يصير متمتِّعًا بالعمرة إلى الحجِّ ولا يأكل منه، وقال أبو حنيفة: إنَّه دم نسكٍ، فهو كالأضحية (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) أي: الهدي (﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾) في أيَّام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التَّحلُّل، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحجِّ لأنَّها عبادةٌ بدنيَّةٌ فلا تُقدَّم على وقتها، ويُستحَبُّ قبل يوم عرفة لأنَّه يُستحَبُّ للحاجِّ فطره، وقال أبو حنيفة: في أشهره بين الإحرامين، والأحبُّ أن يصوم سابع ذي الحجَّة وثامنه وتاسعه، ولا يجوز يوم النَّحر وأيَّام التَّشريق عند الأكثر، وقال المالكيَّة: يصوم أيَّام التَّشريق أو ثلاثةً بعدها لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في وقته وذو الحجَّة كلُّه وقتٌ عندهم، ولنا: أنَّه نهى عن صوم أيَّام التَّشريق (٢)، ولأنَّ ما بعدها ليس من وقت الحجِّ عندنا (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى أَمْصَارِكُمْ) وهذه (٣) تفسيرٌ من ابن عبَّاسٍ للرُّجوع، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعماله لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ مسبوقٌ بقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فتنصرف إليه، وكأنَّه بالفراغ رجع عمَّا كان مقبلًا عليه من الأعمال، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول الثَّاني للشَّافعيِّ: وإذا قلنا بالأوَّل؛ فلو توطَّن مكَّة بعد فراغه من الحجِّ صامَ بها، وإن لم يتوطَّنها لم يجز صومه بها، ولا يجوز صومها بالطَّريق إذا توجَّه إلى وطنه لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، وإن قلنا بالثَّاني؛ فلو أخَّره حتَّى رجع إلى وطنه جاز، بل هو أفضلُ خروجًا من الخلاف.

(الشَّاةُ تَجْزِي) بفتح أوَّله من غير همزٍ، أي: تكفي لدم التَّمتُّع، والجملة حاليَّةٌ وقعت بدون واوٍ نحو: كلَّمتُه فوه إلى فِيَّ، وهذا تفسيرٌ من (٤) ابن عبَّاسٍ، وفي بعض الأصول: «تُجزئ» بضمِّ أوَّله وهمز آخره (فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) ذكرهما للبيان، وإلَّا فهما نفس

النُّسكين على ما لا يخفى، والنُّسُكين -بضمِّ السِّين كما في فروعٍ ثلاثةٍ لـ «اليونينيَّة» وغيرها- تثنية نسكٍ، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ والدَّمامينيُّ بإسكان السِّين مستدلِّين بما نقلوه عن الجوهريِّ: أنَّ النُسْك بإسكان السِّين: العبادة، وبالضَّمِّ: الذَّبيحة، والذي رأيته في «الصَِّحاح»: والنُّسْك: العبادة، والنَّاسك: العابد، وقد نَسَكَ وتنسَّك، أي: تعبَّد، ونَسُكَ -بالضَّمِّ- نَساكَةً، أي: صار ناسكًا، والنَّسيكة: الذَّبيحة، والجمع نُسُكٌ، ونَسَائِكُ، هذا لفظه، وقال في «القاموس»: النُّسُْك: مُثلَّثةٌ، وبضمَّتين: العبادة، وكل حقٍّ لله ﷿، والنُّسك بالضَّمِّ وبضمَّتين وكسفينةٍ: الذَّبيحة، أو النَّسْكُ: الدَّم، والنَّسيكة: الذِّبْح (١)، فليُتأمَّل هذا مع ما سبق (فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ) أي: الجمع بين الحجِّ والعمرة (فِي كِتَابِهِ) العزيز حيث قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (وَسَنَّهُ) أي: شرعه (نَبِيُّهُ ) حيث أمر به أصحابه (وَأَبَاحَهُ) أي: التَّمتُّع (لِلنَّاسِ) بعد أن كانوا يعتقدون حرمته في أشهر الحجِّ، وأنَّه من أفجر الفجور (غَيْرَِ أَهْلِ مَكَّةَ) فلا دم عليهم، و «غيرَ» بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ صفةٌ لـ «النَّاس»، وقوله في «الفتح»: «ويجوز كسره» مخالفٌ للاستعمال النَّحويِّ؛ إذ هو للبناء، والجرُّ للإعراب.

(قَالَ اللهُ) ﷿: (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الحكم المذكور عندنا والتَّمتُّع عند أبي حنيفة؛ إذ لا تمتُّع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده تقليدًا لابن عبَّاسٍ ، وأجاب الشَّافعيَّة بأنَّ قول الصَّحابيِّ ليس حجَّةً عند الشَّافعيِّ؛ إذ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، قاله الكِرمانيُّ وغيره (٢)، وأمَّا قول العينيِّ: إنَّ هذا جوابٌ واهٍ مع إساءة الأدب (٣)، فإنَّ مثل ابن عبَّاسٍ كيف لا يُحتَجُّ بقوله، وأيُّ مجتهدٍ بعد الصَّحابة يلحق ابن عبَّاسٍ أو يقرب منه حتَّى لا يقلِّده؟! فلا يخفى ما فيه، فلا يحتاج إلى الاشتغال بردِّه (﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا كمن مساكنهم بها، واعتُبِرت المسافة من الحرم لأنَّ كلَّ موضعٍ ذكر اللهُ (٤) فيه المسجدَ الحرام فهو الحرم إلَّا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهو نفس الكعبة، واعتبرها الرَّافعيُّ في «المُحرَّر» من مكَّة، قال في «المهمَّات»: وبه

الفتوى، فقد نقله في «التَّقريب» عن نصِّ «الإملاء» وأنَّ الشَّافعيَّ أيَّده بأنَّ اعتبارها من الحرم يؤدِّي إلى إدخال البعيد عن مكَّة وإخراج القريب منها؛ لاختلاف المواقيت. انتهى. والقريب من الشَّيء يُقال: إنَّه حاضره، قال الله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي: قريبةً منه، وقال في «المدوَّنة»: وليس على أهل مكَّة القرية بعينها، وأهل ذي طوًى إذا قرنوا أو تمتَّعوا دم قِرانٍ ولا متعةٍ، قال ابن حبيبٍ عن مالكٍ وأصحابه: ومن كان دون مسافة القصر من مكَّة حكمه حكم المكِّيِّ، وقِيلَ: إنَّ مَنْ دون المواقيت كالمكِّيِّ، ولم يعزُه اللَّخميُّ، قاله (١) بهرام، وقال الحنفيَّة: هم أهل المواقيت ومَنْ دونها.

(وَأَشْهُرُ الحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى (٢)) زاد أبو ذرٍّ: «في كتابه» أي: في الآية التي بعد آية التَّمتُّع، وهي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]: (شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ) من باب إقامة البعض مقام الكلِّ، أو إطلاقًا للجمع على ما فوق الواحد، أي: تسع ذي الحجَّة بليلة النَّحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة، وذو الحجَّة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف أنَّ المرادَ بوقته وقتُ إحرامه (٣)، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، فإنَّ مالكًا كره العمرة في بقيَّة ذي الحجَّة، وأبو حنيفة وإن صحَّح الإحرام به قبل شوَّال فقد استكرهه (فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ) الثَّلاثة أو إلى (٤) العاشر من ذي (٥) الحجَّة أو ليلته (فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ) ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إن عجز عن الهدي، وليس للقيد بالأشهر مفهومٌ لأنَّ الذي يعتمر في غير أشهر الحجِّ لا يُسمَّى متمتِّعًا ولا دم عليه، وكذلك المكِّيُّ عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، ويدخل في عموم قوله: «فمن تمتَّع» مَنْ أحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ ثمَّ رجع إلى بلده ثمَّ حجَّ منها، وبه قال الحسن البصريُّ، وهو مبنيٌّ على أنَّ التَّمتُّع إيقاع العمرة في أشهر الحجِّ فقط، والذي عليه الجمهور أنَّ التَّمتُّع أن يجمع الشَّخص الواحد بينهما في سفرٍ واحدٍ في أشهر الحجِّ في عامٍ واحدٍ، وأن يقدِّم العمرة

وألَّا يكون مكِّيًّا، فمتى (١) اختلَّ شرطٌ واحدٌ (٢) من هذه الشُّروط لم يكن متمتِّعًا.

(وَالرَّفَثُ: الجِمَاعُ) أو الفحش من الكلام (وَالفُسُوقُ: المَعَاصِي) فيه: إشعارٌ بأنَّ الفسوق جمع فسقٍ، لا مصدرٌ، وتفسير الأشهر وسائر الألفاظ زيادة للفوائد باعتبار أدنى ملابسةٍ بين الاثنين (٣)، قاله الكِرمانيُّ (وَالجِدَالُ: المِرَاءُ) كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: ولا جدال في الحجِّ تماري صاحبك حتَّى تغضبه.

(٣٨) (بابُ) استحباب (الاِغْتِسَالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ) ولو لحائضٍ أو نفساء (٤)، ويُستثنَى من خرج من مكَّة، فأحرم بالعمرة من مكانٍ قريبٍ كالتَّنعيم، واغتسل للإحرام، فلا يُسَنُّ له الغسل لدخولها لحصول النَّظافة بالغسل السَّابق، بخلاف ما إذا أحرم من مكانٍ بعيدٍ كالجِعْرَانة والحديبية، وظاهر إطلاقه يتناول المُحرِم والحلال الدَّاخل لها أيضًا، وقد حكاه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن فعله عام الفتح، وإنَّما لم يجب لأنَّه غسلٌ لمستقبلٍ؛ كغسل الجمعة والعيد. نعم يُكرَه تركه وإحرامه جنبًا، ومثله حائضٌ ونفساء انقطع دمهما، وغير المميِّز يغسله وليُّه، ولو عجز عن الغسل لفقد الماء أو غيره تيمَّم (٥)، أو وجد ماءً لا يكفي غسله، توضَّأ به، حكاه الرَّافعيُّ عن البغويِّ وأقرَّه، قال النَّوويُّ: إن أراد أن (٦) يتوضَّأ ثمَّ يتيمَّم فحسنٌ، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيِّدٍ لأنَّ المطلوب الغسل، والتَّيمُّم يقوم مقامه دون الوضوء. انتهى. والأقرب الأوَّل، ولعلَّه إنَّما اقتصر على الوضوء كالشَّافعيِّ في قوله: فإن لم يجد ماءً يكفي غسله توضَّأ، فإن لم يجد ماءً بحالٍ تيمَّم، فيقوم ذلك مقام الغسل، والوضوء تنبيهًا على أنَّ أعضاء الوضوء أَولى بالغسل لما فيه من تحصيل الوضوء الذي هو عبادةٌ كاملةٌ، وسنَّةٌ قبل الغسل القائم مقامه التَّيمُّم.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ كَمَا ذَكَرْتُهُ قَبْلُ، وَحَكَى الْحُمَيْدِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ في الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُمَرُ؛ أَيِ الرَّجُلُ الَّذِي عَنَاهُ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَلَمْ أَرَ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا مِنَ الْبُخَارِيِّ، لَكِنْ نَقَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ كَذَلِكَ، فَهُوَ عُمْدَةُ الْحُمَيْدِيِّ فِي ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ، عَنْ مُطَرِّفٍ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: ارْتَأَى رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ؛ يَعْنِي عُمَرَ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ.

وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ: ظَاهِرُ سِيَاقِ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عُثْمَانُ، وَكَأَنَّهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ مَعَ عَلِيٍّ جَزَمَ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، فَقَدْ سَبَقَتْ قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَوَقَعَتْ لِمُعَاوِيَةَ أَيْضًا مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قِصَّةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَسَّرَ بِعُمَرَ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْهَا، وَكَأَنَّ مَنْ بَعْدَهُ كَانَ تَابِعًا لَهُ فِي ذَلِكَ، ففِي مُسْلِمٍ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا وَابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهَا، فَسَأَلُوا جَابِرًا فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، ثُمَّ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ هَذَا مَا يُعَكِّرُ عَلَى عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ فِي جَزْمِهِمْ أَنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ، وَعُثْمَانُ هِيَ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، لَا الْعُمْرَةِ الَّتِي يَحُجُّ بَعْدَهَا، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهَا مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْمَرَ بَعْضَ أَهْلِهِ فِي الْعَشْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ. وَمُرَادُهُ التَّمَتُّعُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى.

وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَجَوَازُ نَسْخِهِ بِالسُّنَّةِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ شَهِيرٌ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ نَهَى عَنْهَا لَامْتَنَعَتْ، وَيَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْحُكْمِ، وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ النَّسْخِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُنْسَخُ بِهِ لِكَوْنِهِ حَصَرَ وُجُوهَ الْمَنْعِ فِي نُزُولِ آيَةٍ أَوْ نَهْيٍ مِنَ النَّبِيِّ . وَفِيهِ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنْكَارُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى بَعْضٍ بِالنَّصِّ.

٣٧ - بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ. فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وقَدْ تَمَّ حَجُّنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تَجْزِي. فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَسَنَّهُ نَبِيُّهُ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

وَأَشْهُرُ الْحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ. فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ. وَالرَّفَثُ: الْجِمَاعُ. وَالْفُسُوقُ: الْمَعَاصِي. وَالْجِدَالُ: الْمِرَاءُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ فِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ فِيهَا: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ إِلَى أَنْ قَالَ: (ذَلِكَ). وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ؛ فَقَالَ نَافِعٌ وَالْأَعْرَجُ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ بِعَيْنِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَرَجَّحَهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَطَائِفَةٌ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: مَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا سِوَى أَهْلِ الْمَنَاهِلِ كَعُسْفَانَ، وَسِوَى أَهْلِ مِنًى وَعَرَفَةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ الْمُطَرِّزُ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، لَكِنَّهُ قَالَ: عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ بَدَلَ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ، وَكِلَاهُمَا بَصْرِيٌّ، وَلَهُ رِوَايَةٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، لَكِنَّ عُثْمَانَ بْنَ غِيَاثٍ ثِقَةٌ وَعُثْمَانَ بْنَ سَعْدٍ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى أَنَّ شَيْخَهُ الْقَاسِمَ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ: عُثْمَانُ بْنُ سَعْدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ أَبَا مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيَّ ذَكَرَ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَجَدَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي كَامِلٍ كَمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: فَأَظُنُّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَهُ عَنْ مُسْلِمٍ، لِأَنَّنِي لَمْ أَجِدْهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، كَذَا قَالَ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ أَخَذَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، فَإِنَّهُ أَحَدُ مَشَايِخِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَهُ وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى مِنْ شُيُوخِهِ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ ذِكْرًا فِي كِتَابِهِ غَيْرَ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَبُو مَعْشَرٍ الْبَرَّاءُ اسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ، وَالْبَرَّاءُ بِالتَّشْدِيدِ نِسْبَةٌ لَهُ إِلَى بَرْيِ السِّهَامِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ)؛ أَيْ قُرْبَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَرِفَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ.

قَوْلُهُ: (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً) الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِمَنْ كَانَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا، كَمَا تَقَدَّمَ وَاضِحًا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ.

قَوْلُهُ: (طُفْنَا) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: فَطُفْنَا بِزِيَادَةِ فَاءٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ أَوْ هُوَ جَوَابُ لِمَا، وَقَالَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ، وَقَدْ مُقَدَّرَةٌ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَنَسَكْنَا الْمَنَاسِكَ)؛ أَيْ مِنَ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) الْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ بَالِغًا.

قَوْلُهُ: (عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ)؛ أَيْ بَعْدَ الظُّهْرِ ثَامِنَ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنِ اسْتُحِبَّ تَقْدِيمَهُ عَلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ كَمَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ بِمَنْ سَاقَ الْهَدْيَ.

قَوْلُهُ: (فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ: وَقَدْ بِالْوَاوِ. وَمِنْ هُنَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ هُنَا إِلَى أَوَّلِهِ مَرْفُوعٌ.

قَوْلُهُ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) سَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ مَوْقُوفًا أَنَّ آخِرَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى؛ أَيِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَأَخَذَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

قَوْلُهُ: (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ) كَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلرُّجُوعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وَيُوَافِقُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْآتْي فِي بَابِ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يُحِلَّ، إِلَى أَنْ قَالَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ مَعْنَاهُ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ، وَعَبَّرَ عَنْهُ مَرَّةً بِالْفَرَاغِ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَمَعْنَى الرُّجُوعِ التَّوَجُّهُ مِنْ مَكَّةَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هو عمر بن الخطَّاب لا عثمان بن عفَّان؛ لأنَّ عمر أوَّل من نهى عنها، فكان من بعده تابعًا له في ذلك، ففي «مسلمٍ»: أنَّ ابن الزُّبير كان ينهى عنها، وابن عبَّاسٍ يأمر بها، فسألوا جابرًا فأشار إلى أنَّ أوَّل من نهى عنها عمر.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ» أيضًا.

(٣٧) (بابُ) تفسير (قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]).

١٥٧٢ - (وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) بضمِّ الفاء والحاء فيهما مُصغَّرين (البَصْرِيُّ) الجَحْدريُّ المُتوفَّى سنة سبعٍ وثلاثين ومئتين، ممَّا وصله الإسماعيليُّ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ) بفتح الميم وسكون العين وفتح الشِّين المعجمة يوسف بن يزيد مِنَ الزِّيادة، ولأبي ذرٍّ: «أبو مَعْشَرٍ البَرَّاء» بفتح المُوحَّدة وتشديد الرَّاء نسبةً إلى بري السِّهام، قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ

غِيَاثٍ) بغينٍ معجمةٍ مكسورةٍ فمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ فألفٍ فمُثلَّثةٍ الباهليُّ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ، فَقَالَ) مجيبًا عن ذلك: (أَهَلَّ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا) قد مرَّ أنَّهم كانوا ثلاث فرقٍ: فرقةٌ أحرموا بحجٍّ وعمرةٍ أو بحجٍّ ومعهم هديٌّ، وفرقةٌ بعمرةٍ ففرغوا منها ثمَّ أحرموا بحجٍّ، وفرقةٌ أحرموا بحجٍّ ولا هدي معهم فأمرهم أن يجعلوه عمرةً، وإلى هذا الأخير أشار بقوله: (فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ) أي: قربنا (١) منها لأنَّه كان بسَرِف (قَالَ رَسُولُ اللهِ ) لمن كان أهلَّ بالحجِّ مفردًا (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالحَجِّ عُمْرَةً) افسخوه إلى العمرة لبيان مخالفة ما كانت عليه الجاهليَّة من تحريم العمرة في أشهر الحجِّ، وهذا خاصٌّ بهم في تلك السَّنة كما في حديث بلالٍ عند أبي داود، وقد مرَّ التَّنبيه على ذلك (إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ، طُفْنَا بِالبَيْتِ) أي: فلمَّا قدمنا طفنا، وللأَصيليِّ: «فطفنا» بفاء العطف (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ) أي: واقعناهنَّ، والمراد غير المتكلِّم لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان إذ ذاك لم يدرك الحلم، وإنَّما حكى ذلك عن الصَّحابة (وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ) المخيطة (٢) (وَ) قد (قَالَ) : (مَنْ قَلَّدَ الهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ) شيءٌ من محظورات الإحرام (حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ) بأن ينحره بمنًى (ثُمَّ أَمَرَنَا) (عَشِيَّةَ) يوم (التَّرْوِيَةِ) بعد الظُّهر ثامن (٣) ذي الحجَّة (أَنْ نُهِلَّ بِالحَجِّ) من مكَّة (فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ المَنَاسِكِ) من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والرَّمي والحلق (جِئْنَا فَطُفْنَا بِالبَيْتِ) طواف الإفاضة (وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقد» بالواو بدل الفاء، ومن قوله: «فقد تمَّ حجُّنا … » إلى آخر الحديث موقوفٌ على ابن عبَّاسٍ، ومِنْ أوَّلِهِ إليه مرفوعٌ (وَعَلَيْنَا الهَدْيُ

كَمَا قَالَ اللهُ (١) تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) أي: فعليه دمٌ استيسره بسبب التَّمتُّع، فهو دم جبرانٍ يذبحه إذا أحرم بالحجِّ لأنَّه حينئذٍ يصير متمتِّعًا بالعمرة إلى الحجِّ ولا يأكل منه، وقال أبو حنيفة: إنَّه دم نسكٍ، فهو كالأضحية (﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾) أي: الهدي (﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾) في أيَّام الاشتغال به بعد الإحرام وقبل التَّحلُّل، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحجِّ لأنَّها عبادةٌ بدنيَّةٌ فلا تُقدَّم على وقتها، ويُستحَبُّ قبل يوم عرفة لأنَّه يُستحَبُّ للحاجِّ فطره، وقال أبو حنيفة: في أشهره بين الإحرامين، والأحبُّ أن يصوم سابع ذي الحجَّة وثامنه وتاسعه، ولا يجوز يوم النَّحر وأيَّام التَّشريق عند الأكثر، وقال المالكيَّة: يصوم أيَّام التَّشريق أو ثلاثةً بعدها لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ أي: في وقته وذو الحجَّة كلُّه وقتٌ عندهم، ولنا: أنَّه نهى عن صوم أيَّام التَّشريق (٢)، ولأنَّ ما بعدها ليس من وقت الحجِّ عندنا (﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى أَمْصَارِكُمْ) وهذه (٣) تفسيرٌ من ابن عبَّاسٍ للرُّجوع، أو إذا نفرتم وفرغتم من أعماله لأنَّ قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ مسبوقٌ بقوله تعالى: ﴿ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فتنصرف إليه، وكأنَّه بالفراغ رجع عمَّا كان مقبلًا عليه من الأعمال، وهذا مذهب أبي حنيفة، والقول الثَّاني للشَّافعيِّ: وإذا قلنا بالأوَّل؛ فلو توطَّن مكَّة بعد فراغه من الحجِّ صامَ بها، وإن لم يتوطَّنها لم يجز صومه بها، ولا يجوز صومها بالطَّريق إذا توجَّه إلى وطنه لأنَّه تقديمٌ للعبادة البدنيَّة على وقتها، وإن قلنا بالثَّاني؛ فلو أخَّره حتَّى رجع إلى وطنه جاز، بل هو أفضلُ خروجًا من الخلاف.

(الشَّاةُ تَجْزِي) بفتح أوَّله من غير همزٍ، أي: تكفي لدم التَّمتُّع، والجملة حاليَّةٌ وقعت بدون واوٍ نحو: كلَّمتُه فوه إلى فِيَّ، وهذا تفسيرٌ من (٤) ابن عبَّاسٍ، وفي بعض الأصول: «تُجزئ» بضمِّ أوَّله وهمز آخره (فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ) ذكرهما للبيان، وإلَّا فهما نفس

النُّسكين على ما لا يخفى، والنُّسُكين -بضمِّ السِّين كما في فروعٍ ثلاثةٍ لـ «اليونينيَّة» وغيرها- تثنية نسكٍ، وضبطه الحافظ ابن حجرٍ والعينيُّ والدَّمامينيُّ بإسكان السِّين مستدلِّين بما نقلوه عن الجوهريِّ: أنَّ النُسْك بإسكان السِّين: العبادة، وبالضَّمِّ: الذَّبيحة، والذي رأيته في «الصَِّحاح»: والنُّسْك: العبادة، والنَّاسك: العابد، وقد نَسَكَ وتنسَّك، أي: تعبَّد، ونَسُكَ -بالضَّمِّ- نَساكَةً، أي: صار ناسكًا، والنَّسيكة: الذَّبيحة، والجمع نُسُكٌ، ونَسَائِكُ، هذا لفظه، وقال في «القاموس»: النُّسُْك: مُثلَّثةٌ، وبضمَّتين: العبادة، وكل حقٍّ لله ﷿، والنُّسك بالضَّمِّ وبضمَّتين وكسفينةٍ: الذَّبيحة، أو النَّسْكُ: الدَّم، والنَّسيكة: الذِّبْح (١)، فليُتأمَّل هذا مع ما سبق (فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَهُ) أي: الجمع بين الحجِّ والعمرة (فِي كِتَابِهِ) العزيز حيث قال: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (وَسَنَّهُ) أي: شرعه (نَبِيُّهُ ) حيث أمر به أصحابه (وَأَبَاحَهُ) أي: التَّمتُّع (لِلنَّاسِ) بعد أن كانوا يعتقدون حرمته في أشهر الحجِّ، وأنَّه من أفجر الفجور (غَيْرَِ أَهْلِ مَكَّةَ) فلا دم عليهم، و «غيرَ» بالنَّصب على الاستثناء، والجرِّ صفةٌ لـ «النَّاس»، وقوله في «الفتح»: «ويجوز كسره» مخالفٌ للاستعمال النَّحويِّ؛ إذ هو للبناء، والجرُّ للإعراب.

(قَالَ اللهُ) ﷿: (﴿ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الحكم المذكور عندنا والتَّمتُّع عند أبي حنيفة؛ إذ لا تمتُّع ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده تقليدًا لابن عبَّاسٍ ، وأجاب الشَّافعيَّة بأنَّ قول الصَّحابيِّ ليس حجَّةً عند الشَّافعيِّ؛ إذ المجتهد لا يقلِّد مجتهدًا، قاله الكِرمانيُّ وغيره (٢)، وأمَّا قول العينيِّ: إنَّ هذا جوابٌ واهٍ مع إساءة الأدب (٣)، فإنَّ مثل ابن عبَّاسٍ كيف لا يُحتَجُّ بقوله، وأيُّ مجتهدٍ بعد الصَّحابة يلحق ابن عبَّاسٍ أو يقرب منه حتَّى لا يقلِّده؟! فلا يخفى ما فيه، فلا يحتاج إلى الاشتغال بردِّه (﴿لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]) وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا كمن مساكنهم بها، واعتُبِرت المسافة من الحرم لأنَّ كلَّ موضعٍ ذكر اللهُ (٤) فيه المسجدَ الحرام فهو الحرم إلَّا قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فهو نفس الكعبة، واعتبرها الرَّافعيُّ في «المُحرَّر» من مكَّة، قال في «المهمَّات»: وبه

الفتوى، فقد نقله في «التَّقريب» عن نصِّ «الإملاء» وأنَّ الشَّافعيَّ أيَّده بأنَّ اعتبارها من الحرم يؤدِّي إلى إدخال البعيد عن مكَّة وإخراج القريب منها؛ لاختلاف المواقيت. انتهى. والقريب من الشَّيء يُقال: إنَّه حاضره، قال الله تعالى: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] أي: قريبةً منه، وقال في «المدوَّنة»: وليس على أهل مكَّة القرية بعينها، وأهل ذي طوًى إذا قرنوا أو تمتَّعوا دم قِرانٍ ولا متعةٍ، قال ابن حبيبٍ عن مالكٍ وأصحابه: ومن كان دون مسافة القصر من مكَّة حكمه حكم المكِّيِّ، وقِيلَ: إنَّ مَنْ دون المواقيت كالمكِّيِّ، ولم يعزُه اللَّخميُّ، قاله (١) بهرام، وقال الحنفيَّة: هم أهل المواقيت ومَنْ دونها.

(وَأَشْهُرُ الحَجِّ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى (٢)) زاد أبو ذرٍّ: «في كتابه» أي: في الآية التي بعد آية التَّمتُّع، وهي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]: (شَوَّالٌ وَذُو القَعْدَةِ وَذُو الحَجَّةِ) من باب إقامة البعض مقام الكلِّ، أو إطلاقًا للجمع على ما فوق الواحد، أي: تسع ذي الحجَّة بليلة النَّحر عندنا، والعشر عند أبي حنيفة، وذو الحجَّة كلُّه عند مالكٍ، وبناء الخلاف أنَّ المرادَ بوقته وقتُ إحرامه (٣)، أو وقت أعماله ومناسكه، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقًا، فإنَّ مالكًا كره العمرة في بقيَّة ذي الحجَّة، وأبو حنيفة وإن صحَّح الإحرام به قبل شوَّال فقد استكرهه (فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ) الثَّلاثة أو إلى (٤) العاشر من ذي (٥) الحجَّة أو ليلته (فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ) ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إن عجز عن الهدي، وليس للقيد بالأشهر مفهومٌ لأنَّ الذي يعتمر في غير أشهر الحجِّ لا يُسمَّى متمتِّعًا ولا دم عليه، وكذلك المكِّيُّ عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة، ويدخل في عموم قوله: «فمن تمتَّع» مَنْ أحرم بالعمرة في أشهر الحجِّ ثمَّ رجع إلى بلده ثمَّ حجَّ منها، وبه قال الحسن البصريُّ، وهو مبنيٌّ على أنَّ التَّمتُّع إيقاع العمرة في أشهر الحجِّ فقط، والذي عليه الجمهور أنَّ التَّمتُّع أن يجمع الشَّخص الواحد بينهما في سفرٍ واحدٍ في أشهر الحجِّ في عامٍ واحدٍ، وأن يقدِّم العمرة

وألَّا يكون مكِّيًّا، فمتى (١) اختلَّ شرطٌ واحدٌ (٢) من هذه الشُّروط لم يكن متمتِّعًا.

(وَالرَّفَثُ: الجِمَاعُ) أو الفحش من الكلام (وَالفُسُوقُ: المَعَاصِي) فيه: إشعارٌ بأنَّ الفسوق جمع فسقٍ، لا مصدرٌ، وتفسير الأشهر وسائر الألفاظ زيادة للفوائد باعتبار أدنى ملابسةٍ بين الاثنين (٣)، قاله الكِرمانيُّ (وَالجِدَالُ: المِرَاءُ) كذا فسَّره ابن عبَّاسٍ فيما رواه ابن أبي شيبة، ولفظه: ولا جدال في الحجِّ تماري صاحبك حتَّى تغضبه.

(٣٨) (بابُ) استحباب (الاِغْتِسَالِ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ) ولو لحائضٍ أو نفساء (٤)، ويُستثنَى من خرج من مكَّة، فأحرم بالعمرة من مكانٍ قريبٍ كالتَّنعيم، واغتسل للإحرام، فلا يُسَنُّ له الغسل لدخولها لحصول النَّظافة بالغسل السَّابق، بخلاف ما إذا أحرم من مكانٍ بعيدٍ كالجِعْرَانة والحديبية، وظاهر إطلاقه يتناول المُحرِم والحلال الدَّاخل لها أيضًا، وقد حكاه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن فعله عام الفتح، وإنَّما لم يجب لأنَّه غسلٌ لمستقبلٍ؛ كغسل الجمعة والعيد. نعم يُكرَه تركه وإحرامه جنبًا، ومثله حائضٌ ونفساء انقطع دمهما، وغير المميِّز يغسله وليُّه، ولو عجز عن الغسل لفقد الماء أو غيره تيمَّم (٥)، أو وجد ماءً لا يكفي غسله، توضَّأ به، حكاه الرَّافعيُّ عن البغويِّ وأقرَّه، قال النَّوويُّ: إن أراد أن (٦) يتوضَّأ ثمَّ يتيمَّم فحسنٌ، وإن أراد الاقتصار على الوضوء فليس بجيِّدٍ لأنَّ المطلوب الغسل، والتَّيمُّم يقوم مقامه دون الوضوء. انتهى. والأقرب الأوَّل، ولعلَّه إنَّما اقتصر على الوضوء كالشَّافعيِّ في قوله: فإن لم يجد ماءً يكفي غسله توضَّأ، فإن لم يجد ماءً بحالٍ تيمَّم، فيقوم ذلك مقام الغسل، والوضوء تنبيهًا على أنَّ أعضاء الوضوء أَولى بالغسل لما فيه من تحصيل الوضوء الذي هو عبادةٌ كاملةٌ، وسنَّةٌ قبل الغسل القائم مقامه التَّيمُّم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله