«قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: مَنْزِلُنَا غَدًا، إِنْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٨٩

الحديث رقم ١٥٨٩ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح البخاري، تحت باب: باب نزول النبي ﷺ مكة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «قال رسول الله ﷺ حين أراد قدوم مكة: منزلنا…

«قَالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: مَنْزِلُنَا غَدًا، إِنْ شَاءَ اللهُ، بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ».

سند حديث: ١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح حديث: «قال رسول الله ﷺ حين أراد قدوم مكة: منزلنا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِلَفْظِ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ النَّبِيُّ مَكَّةَ قِيلَ: أَيْنَ تَنْزِلُ، أَفِي بُيُوتِكُمْ الْحَدِيثَ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ: أَيْنَ تَنْزِلُ؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ طَلٍّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: مَا أَشُكُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى، فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ رَبَاعٍ أَوْ دُورٍ) الرِّبَاعُ: جَمْعُ رَبْعٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَبْيَاتٍ، وَقِيلَ: هُوَ الدَّارُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: أَوْ دُورٍ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: مِنْ مَنْزِلٍ، وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَيُقَالُ: إِنَّ الدَّارَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ د ارَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ صَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِهِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ وَلَدِهِ حِينَ عُمِّرَ، فَمِنْ ثَمَّ صَارَ لِلنَّبِيِّ حَقُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِيهَا وُلِدَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَقِيلٌ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا هَاجَرَ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ عَلَى الدَّارِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا، وَبِاعْتِبَارِ تَرْكِ النَّبِيِّ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ، وَفُقِدَ طَالِبٌ بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيلٌ الدَّارَ كُلَّهَا. وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ بِأَوْلَادِ عَقِيلٍ إِلَى أَنْ بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ (١)، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ: تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ أَيْ حِصَّةَ جَدِّهِمْ عَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ دَارَهُ، وَأَمْضَى النَّبِيُّ تَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مَزِيدُ بَسْطٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى مِلْكِ عَقِيلٍ فَإِنَّمَا لَمْ يَنْزِلْهَا رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَهَا، وَمَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَنَزَلَهَا.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُفْرَدًا فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْقَائِلَ: وَكَانَ عُمَرُ. . . إِلَخْ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ. . . إِلَخْ) أَيْ كَانُوا يُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بِوِلَايَةِ الْمِيرَاثِ، أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ.

٤٥ - بَاب نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ

١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: مَنْزِلُنَا غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ

[الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ) أَيْ: مَوْضِعُ نُزُولِهِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُسِبَتِ الدُّورُ إِلَى عَقِيلٍ، وَتُورَثُ الدُّورُ وَتُبَاعُ وَتُشْتَرَى. قُلْتُ: وَالْمَحِلُّ اللَّائِقُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الْبَابُ الَّذِي قَبْلَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى.

قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) هُوَ سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَالِامْتِثَالِ لِلْآيَةِ.

وَقَالَ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ. وَقَالَا: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: بَنِي الْمُطَّلِبِ أَشْبَهُ

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: يَعْنِي ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ جَمِيعَ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ: يَعْنِي الْمُحَصَّبَ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، فَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبٌ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ، وَيُونُسُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُقْتَصِرِينَ عَلَى الْمَوْصُولِ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: عَلَى الْكُفْرِ. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةً) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِي كِنَانَةَ مَنْ لَيْسَ قُرَشِيًّا، إِذِ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فيترَجَّحُ الْقَوْلُ بِأَنَّ قُرَيْشًا مِنْ وَلَدِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ وَلَدُ كِنَانَةَ. نَعَمْ لَمْ يُعْقِبِ النَّضْرُ غَيْرَ مَالِكٍ، وَلَا مَالِكٌ غَيْرَ فِهْرٍ، فَقُرَيْشٌ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَأَمَّا كِنَانَةُ فَأَعْقَبَ مِنْ غَيْرِ النَّضْرِ، فَلِهَذَا وَقَعَتِ الْمُغَايَرَةُ.

قَوْلُهُ: (تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْوَلِيدِ: وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بِغَيْرِ شَكٍّ، فَكَأَنَّ الْوَهْمَ مِنْهُ، فَسَيَأْتِي عَلَى الصَّوَابِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ وَهِيَ أَعَمُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: عَلَى الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُسْلِمُوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيْلٍ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ: وَيَحْيَى، عَنِ الضَّحَّاكِ. وَهُوَ وَهَمٌ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الضَّحَّاكِ نُسِبَ لِجَدِّهِ الْبَابِلُتِّيِّ بِمُوَحَّدَتَيْنِ، وَبَعْدَ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ مُثَنَّاةٌ مُشَدَّدَةٌ، نَزِيلُ حَرَّانَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ كَانَ زَوْجَ أُمِّهِ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْجَزْمِ بِقَوْلِهِ: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اقرأ، بولاية الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُّصرة دون الأقارب، حتَّى نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والذي يُفهَم من الآية المسوقة هنا: أنَّ المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أنَّ المؤمن لا يرث الكافر، لكنَّه مستفادٌ من بقيَّة الآية المشار إليها بقول المؤلِّف: «الآية»؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] أي: من تولِّيهم في الميراث؛ إذ الهجرة كانت في أوَّل عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرًا كأنَّه ليس مؤمنًا فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه، وسقط قوله: «الآيةَ» في رواية ابن عساكر.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٥٨] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٢]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه فيه وفي «الفرائض».

(٤٥) (بابُ) موضع (نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ).

١٥٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ) بعد رجوعه من منًى وتوجُّهه إلى البيت الحرام: (مَنْزِلُنَا) بالرَّفع، مبتدأٌ (غَدًا) ظرفٌ (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، اعتراضٌ بين المبتدأ وخبره؛ وهو قوله: (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) أي: فيه، وهو -بفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره فاءٌ-: ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل (١)، والمراد به المُحصَّبُ (حَيْثُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (مَكَّة مناخ لَا تبَاع رباعها وَلَا يُؤَاجر بيوتها) . قلت: الأَصْل فِي بَاب الْمُعَارضَة التَّسَاوِي، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَا يُقَاوم حَدِيث أُسَامَة، لِأَن فِي سَنَد حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ، وَعَن يحيى مرّة: لَا شَيْء، فَحِينَئِذٍ يسْقط حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَلَئِن سلمنَا الْمُسَاوَاة فَلَا يَكْتَفِي بهَا، بل يكْشف وَجه ذَلِك من طَرِيق النّظر، فَوَجَدنَا أَن مَا يقْضِي بِهِ حَدِيث أُسَامَة أولى وأصوب من حَدِيث عبد الله، بَيَان ذَلِك أَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد وَجَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تدخل فِي ملك أحد لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، أَو يحتجر موضعا مِنْهَا، ألَا ترى أَن مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، وَكَذَلِكَ منى لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا دَارا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَلا تتَّخذ لَك بمنى بَيْتا تستظل فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِنَّهَا مناخ لمن سبق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والطَّحَاوِي، وَوجدنَا مَكَّة على خلاف ذَلِك، لِأَنَّهُ قد أُجِيز فِيهَا الْبناء، وَقد قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم دخل مَكَّة: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، فَهَذَا يذل على أَن مَكَّة مِمَّا يبْنى فِيهَا الدّور، وَمِمَّا يغلق عَلَيْهَا الْأَبْوَاب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون صفتهَا صفة الْمَوَاضِع الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاك، وَتَقَع فِيهَا الْمَوَارِيث، فَحِينَئِذٍ يجوز بيع الدّور الَّتِي فِيهَا، وَيجوز إِجَارَتهَا، وَقَالَ ابْن قادمة: أضَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّار إِلَى أبي سُفْيَان إِضَافَة ملك، يَقُول: من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن، وَلِأَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت لَهُم دور بِمَكَّة: دَار لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللزبير وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم مِمَّا يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيعَ وبعضٌ فِي يَد أَعْقَابهم إِلَى الْيَوْم، وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اشْترى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَاشْترى مُعَاوِيَة من حَكِيم بن حزَام دارين بِمَكَّة: إِحْدَاهمَا بستين ألف دِرْهَم، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَهَذِه قصَص اشتهرت فَلم تنكر، فَصَارَت إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرض حَيَّة لم ترد عَلَيْهَا صَدَقَة مُحرمَة، فَجَاز بيعهَا كَسَائِر الْأَرَاضِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَإِن احْتج مُحْتَج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} (الْحَج: ٥٢) . قيل لَهُ: قد رُوِيَ فِي تَأْوِيل هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين مَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: {سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} قَالَ: خلق الله فِيهِ سَوَاء، فَثَبت بذلك أَنه إِنَّمَا قصد بذلك إِلَى الْبَيْت أَو إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَا إِلَى سَائِر مَكَّة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتساوى النَّاس فِي غير الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن بَعضهم يكونُونَ ملاكا وَبَعْضهمْ يكونُونَ سكانا، فالمالك يجوز لَهُ بيع ملكه وإجارته وَنَحْوهمَا، ويخدش هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ الْحرم كُله مَسْجِدا سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي، وروى الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أهل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حَيْثُ شَاءَ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر نهى أهل مَكَّة أَن يغلقوا أَبْوَاب دُورهمْ دون الْحَاج، وروى ابْن أبي نجيح عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: من أكل كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارا فِي بَطْنه.

وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن فِيهِ: دَلِيلا على بَقَاء دور مَكَّة لأربابها، وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُسلم لَا يَرث الْكَافِر، وفقهاء الْأَمْصَار على ذَلِك إلَاّ مَا حُكيَ عَن مُعَاوِيَة ومعاذ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِسْحَاق: أَن الْمُسلم يَرث الْكَافِر، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَافِر لَا يَرث الْمُسلم.

٥٤ - (بابُ نُزُولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَمرَاده بَيَان مَوضِع نُزُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٩٨٥١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدا إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منزلنا غَدا) إِلَى آخِره.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى

بن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.

قَوْله: (حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة) ، يَعْنِي: حِين رُجُوعه من منى وتوجهه إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (منزلنا) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. (وَغدا) نصب على الظّرْف. و (إِن شَاءَ الله) كَلَام معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، ذكره للتبرك والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا. .} (الْكَهْف: ٣٢) . الْآيَة. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) أَي: فِي خيف، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ مَا انحدر من الْجَبَل وارتفع عَن المسيل، و: كنَانَة، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون الأولى. قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا) أَي: تحالفوا على الْكفْر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى تقاسمهم على الْكفْر تحالفهم على إِخْرَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبني هَاشم وَالْمطلب من مَكَّة إِلَى هَذَا الشّعب، وَهُوَ خيف بني كنَانَة، وَكَتَبُوا بَينهم الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة فِيهَا أَنْوَاع من الْبَاطِل، فَأرْسل الله عَلَيْهَا الأرضة فَأكلت مَا فِيهَا من الْكفْر وَتركت مَا فِيهَا من ذكر الله تَعَالَى، فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَأخْبر بِهِ عَمه أَبَا طَالب، فَأخْبرهُم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فوجدوه كَمَا قَالَه، والقصة مَشْهُورَة، نوضحها بِأَكْثَرَ من ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

بِلَفْظِ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ النَّبِيُّ مَكَّةَ قِيلَ: أَيْنَ تَنْزِلُ، أَفِي بُيُوتِكُمْ الْحَدِيثَ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ: أَيْنَ تَنْزِلُ؟ قَالَ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ طَلٍّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: مَا أَشُكُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَخَذَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى، فَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ رَبَاعٍ أَوْ دُورٍ) الرِّبَاعُ: جَمْعُ رَبْعٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ الْمَنْزِلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَبْيَاتٍ، وَقِيلَ: هُوَ الدَّارُ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: أَوْ دُورٍ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ أَوْ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: مِنْ مَنْزِلٍ، وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَيُقَالُ: إِنَّ الدَّارَ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا كَانَتْ د ارَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ صَارَتْ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِهِ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ وَلَدِهِ حِينَ عُمِّرَ، فَمِنْ ثَمَّ صَارَ لِلنَّبِيِّ حَقُّ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِيهَا وُلِدَ النَّبِيُّ .

قَوْلُهُ: (وَكَانَ عَقِيلٌ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا هَاجَرَ اسْتَوْلَى عَقِيلٌ، وَطَالِبٌ عَلَى الدَّارِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا، وَبِاعْتِبَارِ تَرْكِ النَّبِيِّ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ، وَفُقِدَ طَالِبٌ بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيلٌ الدَّارَ كُلَّهَا. وَحَكَى الْفَاكِهِيُّ أَنَّ الدَّارَ لَمْ تَزَلْ بِأَوْلَادِ عَقِيلٍ إِلَى أَنْ بَاعُوهَا لِمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ (١)، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ: تَرَكْنَا نَصِيبَنَا مِنَ الشِّعْبِ أَيْ حِصَّةَ جَدِّهِمْ عَلِيٍّ مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَاعَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ دَارَهُ، وَأَمْضَى النَّبِيُّ تَصَرُّفَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ مَزِيدُ بَسْطٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ إِنْ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى مِلْكِ عَقِيلٍ فَإِنَّمَا لَمْ يَنْزِلْهَا رَسُولُ اللَّهِ لِأَنَّهَا دُورٌ هَجَرُوهَا فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ عَقِيلًا بَاعَهَا، وَمَفْهُومَهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَنَزَلَهَا.

قَوْلُهُ: (فَكَانَ عُمَرُ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: وَهَذَا الْقَدْرُ الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، وَمَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ مُفْرَدًا فِي الْفَرَائِضِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ الْقَائِلَ: وَكَانَ عُمَرُ. . . إِلَخْ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ. . . إِلَخْ) أَيْ كَانُوا يُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بِوِلَايَةِ الْمِيرَاثِ، أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ.

٤٥ - بَاب نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ

١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: مَنْزِلُنَا غَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ

[الحديث ١٥٨٨ - أطرافه في: ١٥٩٠، ٣٨٨٢، ٤٢٨٤، ٤٢٨٥، ٧٤٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ) أَيْ: مَوْضِعُ نُزُولِهِ، وَوَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نُسِبَتِ الدُّورُ إِلَى عَقِيلٍ، وَتُورَثُ الدُّورُ وَتُبَاعُ وَتُشْتَرَى. قُلْتُ: وَالْمَحِلُّ اللَّائِقُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الْبَابُ الَّذِي قَبْلَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ) بَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى.

قَوْلُهُ: (إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) هُوَ سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَالِامْتِثَالِ لِلْآيَةِ.

وَقَالَ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ، وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ. وَقَالَا: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: بَنِي الْمُطَّلِبِ أَشْبَهُ

قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ بِسَنَدِهِ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي: يَعْنِي ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيَخْتَلِجُ فِي خَاطِرِي أَنَّ جَمِيعَ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ: يَعْنِي الْمُحَصَّبَ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أُدْرِجَ فِي الْخَبَرِ، فَقَدْ رَوَاهُ شُعَيْبٌ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي السِّيرَةِ، وَيُونُسُ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مُقْتَصِرِينَ عَلَى الْمَوْصُولِ مِنْهُ إِلَى قَوْلِهِ: عَلَى الْكُفْرِ. وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةً) فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ فِي كِنَانَةَ مَنْ لَيْسَ قُرَشِيًّا، إِذِ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، فيترَجَّحُ الْقَوْلُ بِأَنَّ قُرَيْشًا مِنْ وَلَدِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ وَلَدُ كِنَانَةَ. نَعَمْ لَمْ يُعْقِبِ النَّضْرُ غَيْرَ مَالِكٍ، وَلَا مَالِكٌ غَيْرَ فِهْرٍ، فَقُرَيْشٌ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَأَمَّا كِنَانَةُ فَأَعْقَبَ مِنْ غَيْرِ النَّضْرِ، فَلِهَذَا وَقَعَتِ الْمُغَايَرَةُ.

قَوْلُهُ: (تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَوْ بَنِي الْمُطَّلِبِ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ بِالشَّكِّ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْوَلِيدِ: وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بِغَيْرِ شَكٍّ، فَكَأَنَّ الْوَهْمَ مِنْهُ، فَسَيَأْتِي عَلَى الصَّوَابِ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ. وَفِي رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ رَشِيدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ وَهِيَ أَعَمُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: عَلَى الْكُفْرِ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى يُسْلِمُوا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيْلٍ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِهِ.

قَوْلُهُ: (وَيَحْيَى بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَكَرِيمَةَ: وَيَحْيَى، عَنِ الضَّحَّاكِ. وَهُوَ وَهَمٌ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الضَّحَّاكِ نُسِبَ لِجَدِّهِ الْبَابِلُتِّيِّ بِمُوَحَّدَتَيْنِ، وَبَعْدَ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ مُثَنَّاةٌ مُشَدَّدَةٌ، نَزِيلُ حَرَّانَ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَوْزَاعِيَّ كَانَ زَوْجَ أُمِّهِ، وَطَرِيقُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْخَطِيبُ فِي الْمُدْرَجِ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى الْجَزْمِ بِقَوْلِهِ: بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو عَوَانَةَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي شَرْحُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

اقرأ، بولاية الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنُّصرة دون الأقارب، حتَّى نُسِخَ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والذي يُفهَم من الآية المسوقة هنا: أنَّ المؤمنين يرث بعضهم بعضًا، ولا يلزم منه أنَّ المؤمن لا يرث الكافر، لكنَّه مستفادٌ من بقيَّة الآية المشار إليها بقول المؤلِّف: «الآية»؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] أي: من تولِّيهم في الميراث؛ إذ الهجرة كانت في أوَّل عهد البعثة من تمام الإيمان، فمن لم يكن مهاجرًا كأنَّه ليس مؤمنًا فلهذا لم يرث المؤمن المهاجر منه، وسقط قوله: «الآيةَ» في رواية ابن عساكر.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه أيضًا في «الجهاد» [خ¦٣٠٥٨] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٢]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ، وأخرجه ابن ماجه فيه وفي «الفرائض».

(٤٥) (بابُ) موضع (نُزُولِ النَّبِيِّ مَكَّةَ).

١٥٨٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ) بعد رجوعه من منًى وتوجُّهه إلى البيت الحرام: (مَنْزِلُنَا) بالرَّفع، مبتدأٌ (غَدًا) ظرفٌ (إِنْ شَاءَ اللهُ) تعالى، اعتراضٌ بين المبتدأ وخبره؛ وهو قوله: (بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) أي: فيه، وهو -بفتح الخاء المعجمة وسكون التَّحتيَّة آخره فاءٌ-: ما انحدر من الجبل وارتفع عن المسيل (١)، والمراد به المُحصَّبُ (حَيْثُ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: لَا يحل بيع بيُوت مَكَّة وَلَا إِجَارَتهَا) ، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (مَكَّة مناخ لَا تبَاع رباعها وَلَا يُؤَاجر بيوتها) . قلت: الأَصْل فِي بَاب الْمُعَارضَة التَّسَاوِي، وَحَدِيث عبد الله بن عَمْرو لَا يُقَاوم حَدِيث أُسَامَة، لِأَن فِي سَنَد حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن المُهَاجر، ضعفه يحيى وَالنَّسَائِيّ، وَعَن يحيى مرّة: لَا شَيْء، فَحِينَئِذٍ يسْقط حَدِيث عبد الله بن عَمْرو، وَلَئِن سلمنَا الْمُسَاوَاة فَلَا يَكْتَفِي بهَا، بل يكْشف وَجه ذَلِك من طَرِيق النّظر، فَوَجَدنَا أَن مَا يقْضِي بِهِ حَدِيث أُسَامَة أولى وأصوب من حَدِيث عبد الله، بَيَان ذَلِك أَن الْمَسْجِد الْحَرَام وَغَيره من الْمَسَاجِد وَجَمِيع الْمَوَاضِع الَّتِي لَا تدخل فِي ملك أحد لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، أَو يحتجر موضعا مِنْهَا، ألَا ترى أَن مَوضِع الْوُقُوف بِعَرَفَة لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا بِنَاء، وَكَذَلِكَ منى لَا يجوز لأحد أَن يَبْنِي فِيهَا دَارا لحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قَالَت: (قلت: يَا رَسُول الله أَلا تتَّخذ لَك بمنى بَيْتا تستظل فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَة! إِنَّهَا مناخ لمن سبق) أخرجه التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَأحمد والطَّحَاوِي، وَوجدنَا مَكَّة على خلاف ذَلِك، لِأَنَّهُ قد أُجِيز فِيهَا الْبناء، وَقد قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَوْم دخل مَكَّة: (من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن) ، فَهَذَا يذل على أَن مَكَّة مِمَّا يبْنى فِيهَا الدّور، وَمِمَّا يغلق عَلَيْهَا الْأَبْوَاب، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يكون صفتهَا صفة الْمَوَاضِع الَّتِي تجْرِي عَلَيْهَا الْأَمْلَاك، وَتَقَع فِيهَا الْمَوَارِيث، فَحِينَئِذٍ يجوز بيع الدّور الَّتِي فِيهَا، وَيجوز إِجَارَتهَا، وَقَالَ ابْن قادمة: أضَاف النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الدَّار إِلَى أبي سُفْيَان إِضَافَة ملك، يَقُول: من دخل دَار أبي سُفْيَان فَهُوَ آمن، وَلِأَن أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَت لَهُم دور بِمَكَّة: دَار لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وللزبير وَحَكِيم بن حزَام وَغَيرهم مِمَّا يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيعَ وبعضٌ فِي يَد أَعْقَابهم إِلَى الْيَوْم، وَأَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، اشْترى من صَفْوَان بن أُميَّة دَارا بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم، وَاشْترى مُعَاوِيَة من حَكِيم بن حزَام دارين بِمَكَّة: إِحْدَاهمَا بستين ألف دِرْهَم، وَالْأُخْرَى بِأَرْبَعِينَ ألف دِرْهَم، وَهَذِه قصَص اشتهرت فَلم تنكر، فَصَارَت إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهَا أَرض حَيَّة لم ترد عَلَيْهَا صَدَقَة مُحرمَة، فَجَاز بيعهَا كَسَائِر الْأَرَاضِي، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَإِن احْتج مُحْتَج فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى: {إِن الَّذين كفرُوا ويصدون عَن سَبِيل الله وَالْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ للنَّاس سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} (الْحَج: ٥٢) . قيل لَهُ: قد رُوِيَ فِي تَأْوِيل هَذَا عَن الْمُتَقَدِّمين مَا حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق قَالَ: حَدثنَا أَبُو عَاصِم عَن عبد الله بن مُسلم عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: {سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي} قَالَ: خلق الله فِيهِ سَوَاء، فَثَبت بذلك أَنه إِنَّمَا قصد بذلك إِلَى الْبَيْت أَو إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام لَا إِلَى سَائِر مَكَّة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك لَا يتساوى النَّاس فِي غير الْمَسْجِد الْحَرَام، لِأَن بَعضهم يكونُونَ ملاكا وَبَعْضهمْ يكونُونَ سكانا، فالمالك يجوز لَهُ بيع ملكه وإجارته وَنَحْوهمَا، ويخدش هَذَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، قَالَ: كَانُوا يرَوْنَ الْحرم كُله مَسْجِدا سَوَاء العاكف فِيهِ والبادي، وروى الثَّوْريّ عَن مَنْصُور عَن مُجَاهِد قَالَ: قَالَ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: يَا أهل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حَيْثُ شَاءَ، وروى عبيد الله عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن عمر نهى أهل مَكَّة أَن يغلقوا أَبْوَاب دُورهمْ دون الْحَاج، وروى ابْن أبي نجيح عَن عبيد الله بن عمر، قَالَ: من أكل كِرَاء بيُوت أهل مَكَّة، فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارا فِي بَطْنه.

وَفِيه من الْفَوَائِد: أَن فِيهِ: دَلِيلا على بَقَاء دور مَكَّة لأربابها، وَفِيه: دَلِيل على أَن الْمُسلم لَا يَرث الْكَافِر، وفقهاء الْأَمْصَار على ذَلِك إلَاّ مَا حُكيَ عَن مُعَاوِيَة ومعاذ وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَإِسْحَاق: أَن الْمُسلم يَرث الْكَافِر، وَأَجْمعُوا على أَن الْكَافِر لَا يَرث الْمُسلم.

٥٤ - (بابُ نُزُولِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَكَّةَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان نزُول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَكَّة، وَمرَاده بَيَان مَوضِع نُزُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

٩٨٥١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدَّثني أبُو سَلَمَةَ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حِينَ أرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ مَنْزِلُنَا غَدا إنْ شَاءَ الله تَعَالَى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (منزلنا غَدا) إِلَى آخِره.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع، وَشُعَيْب بن أبي حَمْزَة، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْهِجْرَة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُوسَى

بن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل.

قَوْله: (حِين أَرَادَ قدوم مَكَّة) ، يَعْنِي: حِين رُجُوعه من منى وتوجهه إِلَى الْبَيْت. قَوْله: (منزلنا) مَرْفُوع على الِابْتِدَاء. (وَغدا) نصب على الظّرْف. و (إِن شَاءَ الله) كَلَام معترض بَين الْمُبْتَدَأ وَخَبره، ذكره للتبرك والامتثال لقَوْله تَعَالَى: {وَلَا تقولن لشَيْء إِنِّي فَاعل ذَلِك غَدا. .} (الْكَهْف: ٣٢) . الْآيَة. قَوْله: (بخيف بني كنَانَة) أَي: فِي خيف، وَهُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره فَاء، وَهُوَ مَا انحدر من الْجَبَل وارتفع عَن المسيل، و: كنَانَة، بِكَسْر الْكَاف وَتَخْفِيف النُّون الأولى. قَوْله: (حَيْثُ تقاسموا) أَي: تحالفوا على الْكفْر. قَالَ النَّوَوِيّ: معنى تقاسمهم على الْكفْر تحالفهم على إِخْرَاج النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَبني هَاشم وَالْمطلب من مَكَّة إِلَى هَذَا الشّعب، وَهُوَ خيف بني كنَانَة، وَكَتَبُوا بَينهم الصَّحِيفَة الْمَشْهُورَة فِيهَا أَنْوَاع من الْبَاطِل، فَأرْسل الله عَلَيْهَا الأرضة فَأكلت مَا فِيهَا من الْكفْر وَتركت مَا فِيهَا من ذكر الله تَعَالَى، فَأخْبر جِبْرِيل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فَأخْبر بِهِ عَمه أَبَا طَالب، فَأخْبرهُم عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بذلك فوجدوه كَمَا قَالَه، والقصة مَشْهُورَة، نوضحها بِأَكْثَرَ من ذَلِك عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٠٩٥١ - حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ قَالَ حدَّثنا الوَلِيدُ قَالَ حَدثنَا الأوْزَاعِيُّ قَالَ حدَّثني الزُّهرِيُّ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مِنَ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وهْوَ بِمِنًى نَحْنُ نازُلُونَ غَدا بِخَيْفِ بَني كِنَانَةَ حَيْثَ تَقاسَمُوا عَلى الكُفْرِ يَعْني ذالِكَ المُحَصَّبَ وذالِكَ أنَّ قُرَيْشا وكِنَانَةَ تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبُ أوْ بَنِي المُطَّلِّبِ أنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمِوا إلَيْهِمُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم..

هَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَوَاهُ عَن عبد الله بن الزبير الْحميدِي الْمَكِّيّ عَن الْوَلِيد بن مُسلم الْقرشِي الْأمَوِي الدِّمَشْقِي عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة.

قَوْله: (من الْغَد) أَصله: من الغدو، فحذفوا اللَّام وَهُوَ أول النَّهَار، وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الغدوة، بِضَم الْغَيْن: مَا بَين الصُّبْح وطلوع الشَّمْس. قَوْله: (يَوْم النَّحْر) ، نصب على الظّرْف، أَي: قَالَ: فِي غَدَاة يَوْم النَّحْر. قَوْله: (وَهُوَ بمنى) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (نَحن نازلون) ، مقول قَوْله: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (يَعْنِي ذَلِك المحصب) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، وَفِي رِوَايَة غَيره: (يَعْنِي بذلك المحصب) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: النُّزُول فِي المحصب هُوَ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر من ذِي الْحجَّة لَا فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْعِيد الَّذِي هُوَ الْغَد حَقِيقَة؟ قلت: تجوز عَن الزَّمَان الْمُسْتَقْبل الْقَرِيب بِلَفْظ الْغَد، كَمَا يتجوز بالْأَمْس عَن الْمَاضِي. قَوْله: (وَذَلِكَ أَن قُريْشًا وكنانة) ، عطف على قُرَيْش مَعَ أَن قُريْشًا هم أَوْلَاد النَّضر بن كنَانَة، فَيكون من بَاب التَّعْمِيم بعد التَّخْصِيص، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بكنانة غير قُرَيْش، فقريش قسيم لَهُ لَا قسم مِنْهُ قيل: لم يعقب النَّضر غير مَالك، وَلَا مَالك غير فهر، فقريش ولد النَّضر بن كنَانَة، وَأما كنَانَة فأعقب من غير النَّضر، فَلهَذَا وَقعت الْمُغَايرَة. قَوْله: (أَو بني الْمطلب) كَذَا وَقع عِنْده بِالشَّكِّ، وَوَقع عِنْد الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن الْوَلِيد. (وَبني الْمطلب) بِغَيْر شكّ. وَقَالَ الدَّاودِيّ قَوْله: (بني عبد الْمطلب) . وهم قَوْله: (تحالفت) كَانَ الْقيَاس فِيهِ: تحالفوا، وَلَكِن أفرده بِصِيغَة الْمُفْرد الْمُؤَنَّث بِاعْتِبَار الْجَمَاعَة. قَوْله: (أَن لَا يناكحوهم) ، يَعْنِي: لَا يَقع بَينهم عقد نِكَاح بِأَن لَا يتَزَوَّج قُرَيْش وكنانة امْرَأَة من بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب، وَلَا يزوجوا امْرَأَة مِنْهُم إيَّاهُم، وَكَذَلِكَ الْمَعْنى فِي قَوْله: (وَلَا يبايعوهم) ، بِأَن لَا يبيعوا لَهُم وَلَا يشتروا مِنْهُم، وَفِي رِوَايَة مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ عِنْد أَحْمد: (أَن لَا يناكحوهم وَلَا يخالطوهم) . وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (وَلَا يكون بَينهم وَبينهمْ شَيْء) ، وَهَذَا أَعم. قَوْله: (حَتَّى يسلمُوا) ، بِضَم الْيَاء. وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِيمَا ذكر فِي (الطَّبَقَات) : لما بلغ قُريْشًا فعل النَّجَاشِيّ بِجَعْفَر وَأَصْحَابه، وإكرامه لَهُم، كبر ذَلِك عَلَيْهِم جدا وغضبوا وَأَجْمعُوا على قتل سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَتَبُوا كتابا على بني هَاشم أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا يخالطوهم، وَكَانَ الَّذِي كتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبدَرِي فشُلَّت يَده، وَفِي الْأَنْسَاب للزبير بن أبي بكر، اسْمه: بغيض بن عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار، وَقَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 18 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 19.1 / 29.5
الإضاءة 80%
الهلال الجديد بعد 10 يوم
الحمد لله