الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٥٩٠
الحديث رقم ١٥٩٠ من كتاب «كتاب الحج» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب نزول النبي ﷺ مكة.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ الْآيَةَ.
بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
١٥٩٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تَقَاسَمُوا) أي (١): تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) وهو تبرُّؤهم من بني هاشمٍ وبني المطَّلب ألَّا يقبلوا لهم صلحًا، الآتي ذلك في الحديث التَّالي لهذا الحديث مستوفًى إن شاء الله تعالى [خ¦١٥٩٠].
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) في «الهجرة» [خ¦٣٨٨٢] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٥].
١٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣) ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال رسول الله» (ﷺ: مِنَ الغَدِ) وهو ما بين الصُّبح وطلوع الشَّمس (يَوْمَ النَّحْرِ) نُصِب على الظَّرفيَّة (وَهُوَ بِمِنًى) أي: قال: في غداة يوم النَّحر حال كونه بمنًى، ومقول قوله ﵊: (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) والمراد بالغد هنا: ثالث عشر ذي الحجَّة لأنَّه يوم النُّزول بالمُحصَّب، فهو مجازٌ في إطلاقه كما يُطلَق «أمس» على الماضي مطلقًا، وإلَّا فثاني العيد هو الغد حقيقةً، وليس مرادًا، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) قال الزُّهريُّ ممَّا أدرجه من قوله: (يَعْنِي) ﵊: (ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بذلك» أي: بخيف بني كنانة (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين (وَذَلِكَ) أي: تقاسمهم على الكفر (أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ) قال في «الفتح»: فيه إشعارٌ بأنَّ في كنانة من ليس قرشيًّا؛ إذ العطف يقتضي المغايرة،
فترجَّح القول بأنَّ قريشًا من ولد فهر بن مالكٍ على القول بأنَّهم ولد كنانة. نعم لم يُعْقِب النَّضرُ غيرَ مالكٍ، ولا مالكٌ غيرَ فِهْرٍ، فقريشٌ ولد النَّضر بن كنانة، وأمَّا كنانة؛ فأَعْقَبَ من غير النَّضر ولهذا وقعت المغايرة. انتهى.
(تَحَالَفَتْ) بالحاء المهملة، وكان القياس فيه: تحالفوا، لكنَّه أُفرِد بصيغة المُفرَد المُؤنَّث باعتبار الجماعة (عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ) بالشَّكِّ في جميع الأصول، وعند البيهقيِّ من طريقٍ أخرى: «وبني عبد المُطَّلب» بغير شكٍّ (أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ) فلا يتزوَّج (١) قريشٌ وكنانة امرأةً من بني هاشمٍ وبني عبد المطَّلب، ولا يزوِّجون امرأةً منهم إيَّاهم (وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، وعند الإسماعيليِّ: ولا يكون بينهم وبينهم شيءٌ (حَتَّى يُسْلِمُوا) بضمِّ أوَّله وإسكان السِّين المهملة وكسر اللَّام المُخفَّفة (إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ) وكتبوا بذلك كتابًا بخطِّ منصور بن عكرمة العبدريِّ، فشُلَّت يده، أو بخطِّ بغيض ابن عامر بن هاشمٍ، وعلَّقوه في جوف الكعبة، فاشتدَّ الأمر (٢) على بني هاشمٍ وبني عبد (٣) المُطَّلب في الشِّعب الذي انحازوا إليه، فبعث الله الأرضة، فلحِست كلَّ ما فيها من جورٍ وظلمٍ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله، فأطلع الله رسوله على ذلك، فأخبر به (٤) عمَّه أبا طالبٍ، فقال أبو طالبٍ لكفَّار قريشٍ: إنَّ ابن أخي أخبرني ولم يكذبني قطُّ: أنَّ الله قد سلَّط
على صحيفتكم الأرضة، فلحِست ما كان (١) فيها من ظلمٍ وجورٍ (٢)، وبقي فيها ما كان من ذكر الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فوجدوا الصَّادق المصدوق قد أخبر بالحقِّ، فسُقِطَ (٣) في أيديهم ونُكِسوا على رؤوسهم (٤)، وإنَّما اختار النُّزول هناك شكرًا لله تعالى على النِّعمة في دخوله ظاهرًا، ونقضًا لما تعاقدوه (٥) بينهم وتقاسموا عليه من ذلك.
(وَقَالَ سَلَامَةُ) بن روح بن خالدٍ الأيليُّ، ممَّا وصله ابن خزيمة في «صحيحه» (عَنْ) عمِّه (عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ الأيليِّ (وَيَحْيَى عن الضَّحَّاكِ) كذا في غير (٦) فرعٍ لـ «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي رواية أبي ذرٍّ وكريمة، وهو وهمٌ، ولغيرهما: «ويحيى ابن الضَّحَّاك» نسبةً لجدِّه، وأبوه عبد الله، البابلُتِّيِّ بسكون (٧) المُوحَّدة الثَّانية كما رأيته بخطِّ شيخنا الحافظ السَّخاويِّ، وقال العينيُّ: بضمِّها وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مُشدَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بمُوحَّدتين وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ مُشدَّدةٌ، منسوبٌ لجدِّه (٨)، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع (٩) المُعلَّق، وقد وصله أبو عَوانة في «صحيحه» والخطيب في «المدرج» (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، لكن قال يحيى بن معينٍ: يحيى البابلتِّيُّ -والله- لم يسمع من الأوزاعيِّ شيئًا، نعم ذكر الهيثم بن خلفٍ الدُّوريُّ أنَّ أمَّه كانت تحت الأوزاعيِّ، وحينئذٍ فلا يبعد سماعه منه لأنَّه في حجره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد
(ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (وَقَالَا) أي: سلامة ويحيى: (بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ) دون لفظ: عبد، وقد تابعه على الجزم بقوله: «بني هاشم وبني المطَّلب» محمَّدُ بن مصعبٍ عن الأوزاعِّي كما عند أحمد (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: قوله: (بَنِي المُطَّلِبِ) بحذف «عبد» (أَشْبَهُ) أي: بالصَّواب لأنَّ عبد المطَّلب هو ابن هاشمٍ، فلفظ هاشمٍ مغنٍ عنه، وأمَّا المطَّلب فهو أخو هاشمٍ، وهما ابنان لعبد منافٍ، فالمراد: أنَّهم تحالفوا على بني عبد منافٍ.
(٤٦) (بابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾) مكَّة (﴿آمِنًا﴾) ذا أمنٍ لمن فيها (﴿وَاجْنُبْنِي﴾) بعِّدني (﴿وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾) فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهنَّ، وأسند الإضلال إليهنَّ باعتبار السَّبب (﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾) على ديني (﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) بعضي (﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾) لم يطعني ولم يوحِّدك (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) تقدر أن تغفر له وترحمه ولا يجب عليك شيءٌ، وقِيلَ معناه: ومن عصاني فيما دون الشِّرك، أو أنَّك غفورٌ بعد الإنابة (﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾) بعضها؛ إسماعيل (﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾) يعني: مكَّة (﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾) الذي في علمك أنَّه يحدث في ذلك الوادي (﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾) أي: أسكنتهم كي يقيموا (١) الصَّلاة عند بيتك (﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾) أي: قلوبًا، و «من» للتَّبعيض (﴿تَهْوِي﴾) تسرع (﴿إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧]) شوقًا وودًّا، وعن بعض السَّلف: لو قال: أفئدة النَّاس لازدحم عليه فارسٌ والرُّوم والنَّاس كلُّهم، لكنَّه قال: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختصَّ به المسلمون، وقال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لأنَّه أُوحِي إليه أنَّه ستكثر ذرِّيَّته (٢) بها، وقال: ﴿تَهْوِي﴾ لأنَّ تهامة
غورٌ منخفضةٌ، وذكر القلوب لأنَّ الأجساد تبعٌ لها (الآيَةَ) بالنَّصب؛ بتقدير: أعني أو أقرأ، وسقط في رواية ابن عساكر من قوله: «﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾»، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾» أي: نعمتك، ولم يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا لأنَّه لم يجد حديثًا (١) على شرطه.
(٤٧) (بَابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللّهُ﴾) أي: صيَّر الله (﴿الْكَعْبَةَ﴾) وسُمِّيت بذلك لتكعُّبها (﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾) عطف بيانٍ على جهة المدح (﴿قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾) انتعاشًا لهم، أي: سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحجُّاج والعمَّار، أو: ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم (﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾) الذي يُؤدَّى (٢) فيه الحجُّ؛ وهو ذو الحجَّة (﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره (﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾) فإنَّ شرع الأحكام لدفع المضارِّ قبل وقوعها وجلب المنافع المترتِّبة عليها دليلُ حكمة الشَّارع وكمال علمه (﴿وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]) تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وقد أشار المؤلِّف
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تَقَاسَمُوا) أي (١): تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) وهو تبرُّؤهم من بني هاشمٍ وبني المطَّلب ألَّا يقبلوا لهم صلحًا، الآتي ذلك في الحديث التَّالي لهذا الحديث مستوفًى إن شاء الله تعالى [خ¦١٥٩٠].
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا (٢) في «الهجرة» [خ¦٣٨٨٢] و «المغازي» [خ¦٤٢٨٥].
١٥٩٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكِّيُّ قال: (حَدَّثَنَا الوَلِيدُ) بن مسلمٍ القرشيُّ الأمويُّ الدِّمشقيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (٣) ابن شهابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «قال رسول الله» (ﷺ: مِنَ الغَدِ) وهو ما بين الصُّبح وطلوع الشَّمس (يَوْمَ النَّحْرِ) نُصِب على الظَّرفيَّة (وَهُوَ بِمِنًى) أي: قال: في غداة يوم النَّحر حال كونه بمنًى، ومقول قوله ﵊: (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ) والمراد بالغد هنا: ثالث عشر ذي الحجَّة لأنَّه يوم النُّزول بالمُحصَّب، فهو مجازٌ في إطلاقه كما يُطلَق «أمس» على الماضي مطلقًا، وإلَّا فثاني العيد هو الغد حقيقةً، وليس مرادًا، قاله البرماويُّ كالكِرمانيِّ (حَيْثُ تَقَاسَمُوا) تحالفوا (عَلَى الكُفْرِ) قال الزُّهريُّ ممَّا أدرجه من قوله: (يَعْنِي) ﵊: (ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «بذلك» أي: بخيف بني كنانة (المُحَصَّبَ) بضمِّ الميم وفتح الحاء والصَّاد المُشدَّدة المهملتين (وَذَلِكَ) أي: تقاسمهم على الكفر (أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَةَ) قال في «الفتح»: فيه إشعارٌ بأنَّ في كنانة من ليس قرشيًّا؛ إذ العطف يقتضي المغايرة،
فترجَّح القول بأنَّ قريشًا من ولد فهر بن مالكٍ على القول بأنَّهم ولد كنانة. نعم لم يُعْقِب النَّضرُ غيرَ مالكٍ، ولا مالكٌ غيرَ فِهْرٍ، فقريشٌ ولد النَّضر بن كنانة، وأمَّا كنانة؛ فأَعْقَبَ من غير النَّضر ولهذا وقعت المغايرة. انتهى.
(تَحَالَفَتْ) بالحاء المهملة، وكان القياس فيه: تحالفوا، لكنَّه أُفرِد بصيغة المُفرَد المُؤنَّث باعتبار الجماعة (عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، أَوْ بَنِي المُطَّلِبِ) بالشَّكِّ في جميع الأصول، وعند البيهقيِّ من طريقٍ أخرى: «وبني عبد المُطَّلب» بغير شكٍّ (أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ) فلا يتزوَّج (١) قريشٌ وكنانة امرأةً من بني هاشمٍ وبني عبد المطَّلب، ولا يزوِّجون امرأةً منهم إيَّاهم (وَلَا يُبَايِعُوهُمْ) لا يبيعوا لهم ولا يشتروا منهم، وعند الإسماعيليِّ: ولا يكون بينهم وبينهم شيءٌ (حَتَّى يُسْلِمُوا) بضمِّ أوَّله وإسكان السِّين المهملة وكسر اللَّام المُخفَّفة (إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ ﷺ) وكتبوا بذلك كتابًا بخطِّ منصور بن عكرمة العبدريِّ، فشُلَّت يده، أو بخطِّ بغيض ابن عامر بن هاشمٍ، وعلَّقوه في جوف الكعبة، فاشتدَّ الأمر (٢) على بني هاشمٍ وبني عبد (٣) المُطَّلب في الشِّعب الذي انحازوا إليه، فبعث الله الأرضة، فلحِست كلَّ ما فيها من جورٍ وظلمٍ، وبقي ما كان فيها من ذكر الله، فأطلع الله رسوله على ذلك، فأخبر به (٤) عمَّه أبا طالبٍ، فقال أبو طالبٍ لكفَّار قريشٍ: إنَّ ابن أخي أخبرني ولم يكذبني قطُّ: أنَّ الله قد سلَّط
على صحيفتكم الأرضة، فلحِست ما كان (١) فيها من ظلمٍ وجورٍ (٢)، وبقي فيها ما كان من ذكر الله، فإن كان ابن أخي صادقًا نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذبًا دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه، قالوا: قد أنصفتنا، فوجدوا الصَّادق المصدوق قد أخبر بالحقِّ، فسُقِطَ (٣) في أيديهم ونُكِسوا على رؤوسهم (٤)، وإنَّما اختار النُّزول هناك شكرًا لله تعالى على النِّعمة في دخوله ظاهرًا، ونقضًا لما تعاقدوه (٥) بينهم وتقاسموا عليه من ذلك.
(وَقَالَ سَلَامَةُ) بن روح بن خالدٍ الأيليُّ، ممَّا وصله ابن خزيمة في «صحيحه» (عَنْ) عمِّه (عُقَيْلٍ) بضمِّ العين وفتح القاف ابن خالدٍ الأيليِّ (وَيَحْيَى عن الضَّحَّاكِ) كذا في غير (٦) فرعٍ لـ «اليونينيَّة»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي رواية أبي ذرٍّ وكريمة، وهو وهمٌ، ولغيرهما: «ويحيى ابن الضَّحَّاك» نسبةً لجدِّه، وأبوه عبد الله، البابلُتِّيِّ بسكون (٧) المُوحَّدة الثَّانية كما رأيته بخطِّ شيخنا الحافظ السَّخاويِّ، وقال العينيُّ: بضمِّها وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مُشدَّدةٌ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: بمُوحَّدتين وبعد اللَّام المضمومة مُثنَّاةٌ مُشدَّدةٌ، منسوبٌ لجدِّه (٨)، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الموضع (٩) المُعلَّق، وقد وصله أبو عَوانة في «صحيحه» والخطيب في «المدرج» (عَنِ الأَوْزَاعِيِّ) عبد الرَّحمن بن عمرٍو، لكن قال يحيى بن معينٍ: يحيى البابلتِّيُّ -والله- لم يسمع من الأوزاعيِّ شيئًا، نعم ذكر الهيثم بن خلفٍ الدُّوريُّ أنَّ أمَّه كانت تحت الأوزاعيِّ، وحينئذٍ فلا يبعد سماعه منه لأنَّه في حجره (أَخْبَرَنِي) بالإفراد
(ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (وَقَالَا) أي: سلامة ويحيى: (بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي المُطَّلِبِ) دون لفظ: عبد، وقد تابعه على الجزم بقوله: «بني هاشم وبني المطَّلب» محمَّدُ بن مصعبٍ عن الأوزاعِّي كما عند أحمد (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ: قوله: (بَنِي المُطَّلِبِ) بحذف «عبد» (أَشْبَهُ) أي: بالصَّواب لأنَّ عبد المطَّلب هو ابن هاشمٍ، فلفظ هاشمٍ مغنٍ عنه، وأمَّا المطَّلب فهو أخو هاشمٍ، وهما ابنان لعبد منافٍ، فالمراد: أنَّهم تحالفوا على بني عبد منافٍ.
(٤٦) (بابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾) مكَّة (﴿آمِنًا﴾) ذا أمنٍ لمن فيها (﴿وَاجْنُبْنِي﴾) بعِّدني (﴿وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾) فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهنَّ، وأسند الإضلال إليهنَّ باعتبار السَّبب (﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾) على ديني (﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾) بعضي (﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾) لم يطعني ولم يوحِّدك (﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾) تقدر أن تغفر له وترحمه ولا يجب عليك شيءٌ، وقِيلَ معناه: ومن عصاني فيما دون الشِّرك، أو أنَّك غفورٌ بعد الإنابة (﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾) بعضها؛ إسماعيل (﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾) يعني: مكَّة (﴿عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾) الذي في علمك أنَّه يحدث في ذلك الوادي (﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَاةَ﴾) أي: أسكنتهم كي يقيموا (١) الصَّلاة عند بيتك (﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ﴾) أي: قلوبًا، و «من» للتَّبعيض (﴿تَهْوِي﴾) تسرع (﴿إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٧]) شوقًا وودًّا، وعن بعض السَّلف: لو قال: أفئدة النَّاس لازدحم عليه فارسٌ والرُّوم والنَّاس كلُّهم، لكنَّه قال: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختصَّ به المسلمون، وقال: ﴿إِلَيْهِمْ﴾ لأنَّه أُوحِي إليه أنَّه ستكثر ذرِّيَّته (٢) بها، وقال: ﴿تَهْوِي﴾ لأنَّ تهامة
غورٌ منخفضةٌ، وذكر القلوب لأنَّ الأجساد تبعٌ لها (الآيَةَ) بالنَّصب؛ بتقدير: أعني أو أقرأ، وسقط في رواية ابن عساكر من قوله: «﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ﴾»، ولفظ رواية أبي ذرٍّ: «﴿أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾» أي: نعمتك، ولم يذكر المصنِّف في هذا الباب حديثًا لأنَّه لم يجد حديثًا (١) على شرطه.
(٤٧) (بَابُ قَولِ الله تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللّهُ﴾) أي: صيَّر الله (﴿الْكَعْبَةَ﴾) وسُمِّيت بذلك لتكعُّبها (﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾) عطف بيانٍ على جهة المدح (﴿قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾) انتعاشًا لهم، أي: سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم، يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضَّعيف، ويربح فيه التُّجَّار ويتوجَّه إليه الحجُّاج والعمَّار، أو: ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم (﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾) الذي يُؤدَّى (٢) فيه الحجُّ؛ وهو ذو الحجَّة (﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ﴾) إشارةٌ إلى الجعل، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره (﴿لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾) فإنَّ شرع الأحكام لدفع المضارِّ قبل وقوعها وجلب المنافع المترتِّبة عليها دليلُ حكمة الشَّارع وكمال علمه (﴿وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]) تعميمٌ بعد تخصيصٍ، وقد أشار المؤلِّف