«خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٨٨

الحديث رقم ١٧٨٨ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٧٨٨ في صحيح البخاري

«خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا. وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ، قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لِأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ، قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ، قُلْتُ: لَا أُصَلِّي، قَالَ: فَلَا يَضُِرّْكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا. قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا، فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ: فَرَغْتُمَا، قُلْتُ: نَعَمْ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ.»

بَابٌ: يَفْعَلُ فِي الْعُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الْحَجِّ

إسناد حديث البخاري رقم ١٧٨٨

١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٧٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩ - بَاب الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ؟

١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بسَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا. وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً. فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لِأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِرْكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا. قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ من الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا. فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: فَرَغْتُمَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ بالنَّاس، وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي عُمْرَتِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا. الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا طَافَ فَخَرَجَ إِلَى بَلَدِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا مَا طَافَتْ لِلْوَدَاعِ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ فِي التَّرْجَمَةِ، وأَيْضًا فَإِنَّ قِيَاسَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ إِحْدَى الْعِبَادَتَيْنِ لَا تَنْدَرِجُ فِي الْأُخْرَى أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ ذَلِكَ هُنَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ أَنَّ السَّعْيَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ طَوَافِ الرُّكْنِ - إِنْ قُلْنَا إِنَّ طَوَافَ الرُّكْنِ يُغْنِي عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ - أنْ تَخَلّلَ السَّعْيُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْخُرُوجِ لَا يَقْطَعُ أَجْزَاءَ الطَّوَافِ الْمَذْكُورِ عَنِ الرُّكْنِ وَالْوَدَاعِ مَعًا.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ سَرِفَ بِحَذْفِ الْبَاءِ، وكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، عَنْ أَفْلَحَ.

قَوْلُهُ: (لِأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَمْرَهُ لِأَصْحَابِهِ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ بِسَرِفَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنِ الْحَيْضِ، وَهِيَ مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (كُتِبَ عَلَيْكِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِأَبِي ذَرٍّ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَكُونِي فِي حِجَّتِكِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي حَجِّكِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُحَصَّبَ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنَ الْحَرَمِ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَهِيَ أَوْفَقُ لِبَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا أَتَتْ إِلَى النَّبِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ أَنَّهَا قَالَتْ: فَلَقِيتُهُ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ وَهُوَ مُصَعِّدٌ

أَوِ الْعَكْسُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّ النَّاسَ أَعَمُّ مِنَ الطَّائِفِينَ، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِالنَّاسِ مَنْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ صِفَةَ النَّاسِ مِنْ بَابِ تَوَسُّطِ الْعَاطِفِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وَقَدْ أَجَازَ سِيبَوَيْهِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَصَاحِبِكَ إِذَا أَرَادَ بِالصَّاحِبِ زَيْدًا الْمَذْكُورَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ هَذَا السِّيَاقِ، وَالَّذِي يَغْلِبُ عِنْدِي أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَحْرِيفٌ، وَالصَّوَابُ: فَارْتَحَلَ النَّاسُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ إِلَخْ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَفْلَحَ بِلَفْظِ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَارْتَحَلَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَطَافَ بِهِ حِينَ خَرَجَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ فِي: بَابُ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ يَعْنِي هَذِهِ: فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ: فَهَلْ فَرَغْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ يَعْنِي الَّتِي مَضَتْ فِي: بَابِ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُصَعِّدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ أَوْ أَنَا مُصَعِّدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ صَفِيَّةَ عَنْهَا يَعْنِي عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَقْبَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ الْقَاسِمِ، وَهُمَا مُوَافِقَانِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي بَابِ طَوَافِ الْوَدَاعِ: أَنَّهُ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْإِشْكَالِ قَوْلُهُ: فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ لِعَائِشَةَ أَفَرَغْتِ؟ قَالَتْ نَعَمْ. مَعَ قَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ: تَوَجَّهَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَ بِهِ. قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعَادَ طَوَافَ الْوَدَاعِ لِأَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَّةَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ طَالِبًا لِلْمَدِينَةِ اجْتَازَ بِالْمَسْجِدِ لِيَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَكَرَّرَ الطَّوَافَ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ. انْتَهَى.

وَالْقَاضِي فِي هَذَا مَعْذُورٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ، فَظَنَّ أَنَّ الَّذِي يَقْصِدُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بِالْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا شَاهَدَهُ مَنْ عَايَنَهُ، بَلِ الرَّاحِلُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِالْأَبْطَحِ يَمُرُّ مُجْتَازًا مِنْ ظَاهِرِ مَكَّةَ إِلَى حَيْثُ مَقْصِدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرُورِ بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُلُ إِلَى الْبَلَدِ أَصْلًا، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَعَادَ الطَّوَافَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ طَوَافَهُ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَأَنَّ لِقَاءَهُ لِعَائِشَةَ كَانَ حِينَ انْتَقَلَ مِنَ الْمُحَصَّبِ كَمَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقْتَدِيَ النَّاسُ بِإِنَاخَتِهِ بِالْبَطْحَاءِ، فَرَحَلَ حَتَّى أَنَاخَ عَلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ أَوْ مِنْ وَرَائِهَا يَنْتَظِرُهَا.

قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقَاؤُهُ لَهَا كَانَ فِي هَذَا الرَّحِيلِ، وَأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي عَنَتْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بِقَوْلِهِ لَهَا مَوْعِدُكِ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ طَافَ بَعْدَ ذَلِكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، انْتَهَى. وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي عَزَاهَا لِلْأَصِيلِيِّ مَسْكُوتٌ عَنْ ذِكْرِ طَوَافِ الْوَدَاعِ فِيهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ فِيهَا فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ بَدَلَ قَوْلِهِ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ فِي عَزْوِ عِيَاضٍ ذَلِكَ إِلَى الْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ كُلَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ حَتَّى رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مُوَجِّهًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ مُتَوَجِّهًا بِزِيَادَةِ تَاءٍ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ قَرِيبًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالفاء الأنصاريُّ المدنيُّ البخاريُّ، يُقال له: ابن صُفَيراء (عَنِ القَاسِمِ) بن (١) محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا) حال كوننا (مُهِلِّينَ) ولأبي ذرٍّ: «خرجنا مع رسول الله مهلِّين» (بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء: الحالات والأماكن والأوقات التي للحجِّ (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ وحذف المُوحَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بسرف» ولابن عساكر: «فنزلنا منزلًا» (فَقَالَ النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا) يفسخ الحجَّ إلى العمرة، وفي غير هذه الرِّواية [خ¦١٥٧٢] أنَّ قوله لهم ذلك كان بعد دخوله مكَّة، فيحتمل التَّعدُّد، والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرَّ قريبًا (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَرِجَالٍ) بالجرِّ عطفًا على المجرور (مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ) بالرَّفع اسم «كان» (فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً) مستقلَّةً لأنَّهم كانوا قارنين، و «عمرةً»: بالنَّصب خبر «كان» (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ؟) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، و «العمرةَ»: نُصِب بنزع الخافض، أي: من العمرة (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) لمانع الحيض، وهو من ألطف الكنايات (قَالَ: فَلَا يَضُِرَّْكِ) بضمِّ المعجمة وتشديد الرَّاء، أو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، ولم يضبط ذلك في «اليونينيَّة» ولا في «فرعها» (٢) (أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ) بضمِّ كاف «كُتِب» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «كَتَبَ اللهُ عليك» (مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ) من الحيض وغيره (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ) بتاء التَّأنيث، ولأبي الوقت: «في (٣) حجِّك» وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ

(عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا) (١) أي: العمرة (قَالَتْ: فَكُنْتُ) في حجِّي (٢) كما أمرني (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى (٣)، فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ) وهو الأبطح، أي: بعد أن طَهُرت من الحيض وطافت للإفاضة (فَدَعَا) (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (٤) (فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الحَرَمَ) أي: من الحرم، فنصبه (٥) على نزع الخافض، قال في «الفتح»: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الحرم» قال: وهو أوضح، والمرادُ الإخراجُ من أرض الحرم إلى الحلِّ (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا) فارجعا، فإنِّي (أَنْتَظِرْكُمَا هَهُنَا) يعني: المُحصَّب، قالت عائشة: (فَأَتَيْنَا) أي: بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحلَّلنا (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) إلى المُحصَّب، وللإسماعيليِّ: «من آخر اللَّيل» وهو أوفق ببقيَّة (٦) الرِّوايات، وهذا لا تخالفه الرِّواية السَّابقة [خ¦١٧٦٢] فلقيته مصعدًا وأنا منهبطةٌ، أو العكس لأنَّه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادرٌ بعد الطَّواف، وهي راحلةٌ لطواف عمرتها، ثمَّ لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمُحصَّب، ويحتمل أنَّ لقاءه لها كان حين انتقل من المُحصَّب كما عند عبد الرَّزَّاق: أنَّه كره أن يقتدي النَّاس بإناخته بالبطحاء، فرحل حتَّى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرَّحيل، وأنَّه المكان الذي عيَّنه لها في رواية الأسود [خ¦١٧٦٢] حيث قال لها: موعدُكِ مكانَ كذا وكذا، قال في «الفتح»: وهذا تأويلٌ حسنٌ.

(فَقَالَ) : (فَرَغْتُمَا) من عمرتكما؟ قالت: (قُلْتُ: نَعَمْ) فرغنا (فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) طواف الوداع، وهذا من عطف الخاصِّ على العام لأنَّ النَّاس أعمُّ من الطَّائفين ومن الذين لا طواف وداعٍ عليهم كالحائض (٧)، أو هو صفةٌ لـ «النَّاس»، ويجوز توسُّط العاطف بين الصِّفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف، نحو: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] قال سيبويه: هو مثل: مررت

بزيدٍ وصاحبك إذا أردت بـ «صاحبك»: زيدًا، وقال الزَّمخشريُّ: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ «قريةٍ»، والقياسُ ألَّا تتوسَّط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: وافقه على ذلك أبو البقاء، قال: وهذا الذي قاله الزَّمخشريُّ وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النَّحويِّين، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما بعد «إلَّا» يجوز أن يكون صفةً، وهم (١) قد منعوا ذلك، قال الأخفش: لا يُفصَل بين الصِّفة والموصوف بـ «إلَّا» قال: ونحو: «ما جاءني رجلٌ إلَّا راكبٌ» تقديره: إلَّا رجلٌ راكبٌ، وفيه قبحٌ لجعل (٢) الصِّفة كالاسم، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: تقول: ما مررت بأحدٍ إلَّا قائمًا، «قائمًا»: حالٌ من «أحدٍ»، ولا يجوز: إلَّا قائمٌ لأنَّ «إلَّا» لا تعترض بين الصِّفة والموصوف، وقال ابن مالكٍ -وقد ذكر ما ذهب إليه الزَّمخشريُّ من قوله: في نحو: ما مررت بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه: إنَّ الجملة بعد «إلَّا» صفةٌ لـ «أحدٍ» - إنَّه مذهبٌ لم يُعرَف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ (٣)، فلا يُلتَفت إليه. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا كلُّه مبنيٌّ على صحَّة هذا السِّياق، والذي يغلب عندي أنَّه وقع فيه تحريفٌ، وأنَّ (٤) الصَّواب: فارتحل النَّاس ثمَّ طاف بالبيت … إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكرٍ الحنفيِّ عن أفلح بلفظ: فأذَّن في أصحابه بالرَّحيل فارتحل فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصُّبح فطاف به حتَّى خرج، ثمَّ انصرف متوجِّهًا إلى المدينة. ولـ «مسلمٍ»: فآذن في أصحابه بالرَّحيل فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصُّبح، فيحتمل أنَّه أعاد (٥) طواف الوداع (٦) لمَّا رجع من الأبطح.

(ثُمَّ خَرَجَ) (مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) بضمِّ الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة،

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٩ - بَاب الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ؟

١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحُرُمِ الْحَجِّ، فَنَزَلْنَا بسَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا. وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الْهَدْيُ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً. فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لِأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ. قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: فَلَا يَضِرْكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا. قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ من الْحَرَمَ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا. فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: فَرَغْتُمَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ بالنَّاس، وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي عُمْرَتِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بعُمْرَةٍ ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا. الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا طَافَ فَخَرَجَ إِلَى بَلَدِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا مَا طَافَتْ لِلْوَدَاعِ بَعْدَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ لَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ فِي التَّرْجَمَةِ، وأَيْضًا فَإِنَّ قِيَاسَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ إِحْدَى الْعِبَادَتَيْنِ لَا تَنْدَرِجُ فِي الْأُخْرَى أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِ ذَلِكَ هُنَا. وَيُسْتَفَادُ مِنْ قِصَّةِ عَائِشَةَ أَنَّ السَّعْيَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ طَوَافِ الرُّكْنِ - إِنْ قُلْنَا إِنَّ طَوَافَ الرُّكْنِ يُغْنِي عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ - أنْ تَخَلّلَ السَّعْيُ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالْخُرُوجِ لَا يَقْطَعُ أَجْزَاءَ الطَّوَافِ الْمَذْكُورِ عَنِ الرُّكْنِ وَالْوَدَاعِ مَعًا.

قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: (فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ سَرِفَ بِحَذْفِ الْبَاءِ، وكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ، عَنْ أَفْلَحَ.

قَوْلُهُ: (لِأَصْحَابِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّ أَمْرَهُ لِأَصْحَابِهِ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ بِسَرِفَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ مَكَّةَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ قَوْلَهُ لَهُمْ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ، وَيُحْتَمَلُ التَّعَدُّدُ.

قَوْلُهُ: (قُلْتُ لَا أُصَلِّي) كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنِ الْحَيْضِ، وَهِيَ مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَاتِ.

قَوْلُهُ: (كُتِبَ عَلَيْكِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَلِأَبِي ذَرٍّ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَكُونِي فِي حِجَّتِكِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فِي حَجِّكِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى فَنَزَلْنَا الْمُحَصَّبَ) فِي هَذَا السِّيَاقِ اخْتِصَارٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: حَتَّى نَزَلْنَا مِنًى فَتَطَهَّرْتُ ثُمَّ طُفْتُ بِالْبَيْتِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُحَصَّبَ.

قَوْلُهُ: (فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ.

قَوْلُهُ: (اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الْحَرَمَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنَ الْحَرَمِ وَهِيَ أَوْضَحُ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَهِيَ أَوْفَقُ لِبَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا أَتَتْ إِلَى النَّبِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ أَبْوَابٍ أَنَّهَا قَالَتْ: فَلَقِيتُهُ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ وَهُوَ مُصَعِّدٌ

أَوِ الْعَكْسُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّ النَّاسَ أَعَمُّ مِنَ الطَّائِفِينَ، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِالنَّاسِ مَنْ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ صِفَةَ النَّاسِ مِنْ بَابِ تَوَسُّطِ الْعَاطِفِ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وَقَدْ أَجَازَ سِيبَوَيْهِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَصَاحِبِكَ إِذَا أَرَادَ بِالصَّاحِبِ زَيْدًا الْمَذْكُورَ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ هَذَا السِّيَاقِ، وَالَّذِي يَغْلِبُ عِنْدِي أَنَّهُ وَقَعَ فِيهِ تَحْرِيفٌ، وَالصَّوَابُ: فَارْتَحَلَ النَّاسُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ إِلَخْ، وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ أَفْلَحَ بِلَفْظِ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ، فَارْتَحَلَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَطَافَ بِهِ حِينَ خَرَجَ، ثُمَّ انْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَخْرَجَهُ فِي: بَابُ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ يَعْنِي هَذِهِ: فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ: فَهَلْ فَرَغْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَذَّنَ بِالرَّحِيلِ.

وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ يَعْنِي الَّتِي مَضَتْ فِي: بَابِ إِذَا حَاضَتْ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ: فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُصَعِّدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ أَوْ أَنَا مُصَعِّدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ صَفِيَّةَ عَنْهَا يَعْنِي عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَقْبَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ الْقَاسِمِ، وَهُمَا مُوَافِقَانِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ يَعْنِي الَّذِي مَضَى فِي بَابِ طَوَافِ الْوَدَاعِ: أَنَّهُ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْإِشْكَالِ قَوْلُهُ: فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ بَعْدَ أَنْ قَالَ لِعَائِشَةَ أَفَرَغْتِ؟ قَالَتْ نَعَمْ. مَعَ قَوْلِهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّهُ: تَوَجَّهَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي كَانَ بِهِ. قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَعَادَ طَوَافَ الْوَدَاعِ لِأَنَّ مَنْزِلَهُ كَانَ بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَّةَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَوَجَّهَ طَالِبًا لِلْمَدِينَةِ اجْتَازَ بِالْمَسْجِدِ لِيَخْرُجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَكَرَّرَ الطَّوَافَ لِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ. انْتَهَى.

وَالْقَاضِي فِي هَذَا مَعْذُورٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ تِلْكَ الْأَمَاكِنَ، فَظَنَّ أَنَّ الَّذِي يَقْصِدُ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بِالْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا شَاهَدَهُ مَنْ عَايَنَهُ، بَلِ الرَّاحِلُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِالْأَبْطَحِ يَمُرُّ مُجْتَازًا مِنْ ظَاهِرِ مَكَّةَ إِلَى حَيْثُ مَقْصِدُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمُرُورِ بِالْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُلُ إِلَى الْبَلَدِ أَصْلًا، قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَعَادَ الطَّوَافَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ طَوَافَهُ هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَأَنَّ لِقَاءَهُ لِعَائِشَةَ كَانَ حِينَ انْتَقَلَ مِنَ الْمُحَصَّبِ كَمَا عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَقْتَدِيَ النَّاسُ بِإِنَاخَتِهِ بِالْبَطْحَاءِ، فَرَحَلَ حَتَّى أَنَاخَ عَلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ أَوْ مِنْ وَرَائِهَا يَنْتَظِرُهَا.

قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقَاؤُهُ لَهَا كَانَ فِي هَذَا الرَّحِيلِ، وَأَنَّهُ الْمَكَانُ الَّذِي عَنَتْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بِقَوْلِهِ لَهَا مَوْعِدُكِ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ طَافَ بَعْدَ ذَلِكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، انْتَهَى. وَهَذَا التَّأْوِيلُ حَسَنٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي عَزَاهَا لِلْأَصِيلِيِّ مَسْكُوتٌ عَنْ ذِكْرِ طَوَافِ الْوَدَاعِ فِيهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الصَّوَابَ فِيهَا فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ بَدَلَ قَوْلِهِ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ فِي عَزْوِ عِيَاضٍ ذَلِكَ إِلَى الْأَصِيلِيِّ وَحْدَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّ كُلَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ حَتَّى رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ النَّسَفِيِّ، عَنِ الْبُخَارِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (مُوَجِّهًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ مُتَوَجِّهًا بِزِيَادَةِ تَاءٍ وَبِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الْحَدِيثِ قَرِيبًا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٧٨٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ) بالفاء الأنصاريُّ المدنيُّ البخاريُّ، يُقال له: ابن صُفَيراء (عَنِ القَاسِمِ) بن (١) محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا) حال كوننا (مُهِلِّينَ) ولأبي ذرٍّ: «خرجنا مع رسول الله مهلِّين» (بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ) بضمِّ الحاء والرَّاء: الحالات والأماكن والأوقات التي للحجِّ (فَنَزَلْنَا سَرِفَ) بفتح السِّين المهملة وكسر الرَّاء آخره فاءٌ وحذف المُوحَّدة، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «بسرف» ولابن عساكر: «فنزلنا منزلًا» (فَقَالَ النَّبِيُّ لأَصْحَابِهِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا) أي: حجَّته (عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا) يفسخ الحجَّ إلى العمرة، وفي غير هذه الرِّواية [خ¦١٥٧٢] أنَّ قوله لهم ذلك كان بعد دخوله مكَّة، فيحتمل التَّعدُّد، والعزيمة وقعت أخيرًا كما مرَّ قريبًا (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ وَرِجَالٍ) بالجرِّ عطفًا على المجرور (مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ) بالرَّفع اسم «كان» (فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً) مستقلَّةً لأنَّهم كانوا قارنين، و «عمرةً»: بالنَّصب خبر «كان» (فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ) يوم التَّروية كما في «مسلمٍ» (وَأَنَا أَبْكِي) جملةٌ حاليَّةٌ (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ؟) بضمِّ الميم مبنيًّا للمفعول، و «العمرةَ»: نُصِب بنزع الخافض، أي: من العمرة (قَالَ: وَمَا شَأْنُكِ؟ قُلْتُ: لَا أُصَلِّي) لمانع الحيض، وهو من ألطف الكنايات (قَالَ: فَلَا يَضُِرَّْكِ) بضمِّ المعجمة وتشديد الرَّاء، أو بكسر الضَّاد وسكون الرَّاء، ولم يضبط ذلك في «اليونينيَّة» ولا في «فرعها» (٢) (أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ) بضمِّ كاف «كُتِب» مبنيًّا للمفعول، ولأبي ذرٍّ: «كَتَبَ اللهُ عليك» (مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ) من الحيض وغيره (فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ) بتاء التَّأنيث، ولأبي الوقت: «في (٣) حجِّك» وعزاها في «الفتح» لأبي ذرٍّ

(عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا) (١) أي: العمرة (قَالَتْ: فَكُنْتُ) في حجِّي (٢) كما أمرني (حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى (٣)، فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ) وهو الأبطح، أي: بعد أن طَهُرت من الحيض وطافت للإفاضة (فَدَعَا) (عَبْدَ الرَّحْمَنِ) بن أبي بكر الصِّدِّيق (٤) (فَقَالَ: اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الحَرَمَ) أي: من الحرم، فنصبه (٥) على نزع الخافض، قال في «الفتح»: وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «من الحرم» قال: وهو أوضح، والمرادُ الإخراجُ من أرض الحرم إلى الحلِّ (فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ) من التَّنعيم (ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا) فارجعا، فإنِّي (أَنْتَظِرْكُمَا هَهُنَا) يعني: المُحصَّب، قالت عائشة: (فَأَتَيْنَا) أي: بعد أن فرغنا من الاعتمار وتحلَّلنا (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) إلى المُحصَّب، وللإسماعيليِّ: «من آخر اللَّيل» وهو أوفق ببقيَّة (٦) الرِّوايات، وهذا لا تخالفه الرِّواية السَّابقة [خ¦١٧٦٢] فلقيته مصعدًا وأنا منهبطةٌ، أو العكس لأنَّه كان خرج بعد ذهابها ليطوف للوداع فلقيها وهو صادرٌ بعد الطَّواف، وهي راحلةٌ لطواف عمرتها، ثمَّ لقيته بعد ذلك وهو بمنزله بالمُحصَّب، ويحتمل أنَّ لقاءه لها كان حين انتقل من المُحصَّب كما عند عبد الرَّزَّاق: أنَّه كره أن يقتدي النَّاس بإناخته بالبطحاء، فرحل حتَّى أناخ على ظهر العقبة، أو من ورائها ينتظرها، فيحتمل أن يكون لقاؤه لها كان في هذا الرَّحيل، وأنَّه المكان الذي عيَّنه لها في رواية الأسود [خ¦١٧٦٢] حيث قال لها: موعدُكِ مكانَ كذا وكذا، قال في «الفتح»: وهذا تأويلٌ حسنٌ.

(فَقَالَ) : (فَرَغْتُمَا) من عمرتكما؟ قالت: (قُلْتُ: نَعَمْ) فرغنا (فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) طواف الوداع، وهذا من عطف الخاصِّ على العام لأنَّ النَّاس أعمُّ من الطَّائفين ومن الذين لا طواف وداعٍ عليهم كالحائض (٧)، أو هو صفةٌ لـ «النَّاس»، ويجوز توسُّط العاطف بين الصِّفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف، نحو: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] قال سيبويه: هو مثل: مررت

بزيدٍ وصاحبك إذا أردت بـ «صاحبك»: زيدًا، وقال الزَّمخشريُّ: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] جملةٌ واقعةٌ صفةً لـ «قريةٍ»، والقياسُ ألَّا تتوسَّط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنَّما توسَّطت لتأكيد لصوق الصِّفة بالموصوف؛ كما يقال في الحال: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ. انتهى. وتعقَّبه أبو حيَّان فقال: وافقه على ذلك أبو البقاء، قال: وهذا الذي قاله الزَّمخشريُّ وتبعه فيه أبو البقاء لا نعلم أحدًا قاله من النَّحويِّين، وهو مبنيٌّ على أنَّ ما بعد «إلَّا» يجوز أن يكون صفةً، وهم (١) قد منعوا ذلك، قال الأخفش: لا يُفصَل بين الصِّفة والموصوف بـ «إلَّا» قال: ونحو: «ما جاءني رجلٌ إلَّا راكبٌ» تقديره: إلَّا رجلٌ راكبٌ، وفيه قبحٌ لجعل (٢) الصِّفة كالاسم، وقال أبو عليٍّ الفارسيُّ: تقول: ما مررت بأحدٍ إلَّا قائمًا، «قائمًا»: حالٌ من «أحدٍ»، ولا يجوز: إلَّا قائمٌ لأنَّ «إلَّا» لا تعترض بين الصِّفة والموصوف، وقال ابن مالكٍ -وقد ذكر ما ذهب إليه الزَّمخشريُّ من قوله: في نحو: ما مررت بأحدٍ إلَّا زيدٌ خيرٌ منه: إنَّ الجملة بعد «إلَّا» صفةٌ لـ «أحدٍ» - إنَّه مذهبٌ لم يُعرَف لبصريٍّ ولا كوفيٍّ (٣)، فلا يُلتَفت إليه. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا كلُّه مبنيٌّ على صحَّة هذا السِّياق، والذي يغلب عندي أنَّه وقع فيه تحريفٌ، وأنَّ (٤) الصَّواب: فارتحل النَّاس ثمَّ طاف بالبيت … إلى آخره، وكذا وقع عند أبي داود من طريق أبي بكرٍ الحنفيِّ عن أفلح بلفظ: فأذَّن في أصحابه بالرَّحيل فارتحل فمرَّ بالبيت قبل صلاة الصُّبح فطاف به حتَّى خرج، ثمَّ انصرف متوجِّهًا إلى المدينة. ولـ «مسلمٍ»: فآذن في أصحابه بالرَّحيل فخرج فمرَّ بالبيت فطاف به قبل صلاة الصُّبح، فيحتمل أنَّه أعاد (٥) طواف الوداع (٦) لمَّا رجع من الأبطح.

(ثُمَّ خَرَجَ) (مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ) بضمِّ الميم وفتح الواو وتشديد الجيم المكسورة،

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله