الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٨٧
الحديث رقم ١٧٨٧ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب أجر العمرة على قدر النصب.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْمُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ خَرَجَ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ
١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهَا هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ فَمَعْنَاهُ الْعُمْرَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الَّتِي حَصَلَ لِغَيْرِهَا التَّحَلُّلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَنْشَئوا الْحَجَّ مُنفرَدًا، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَ لِعَائِشَةَ عُمْرَتَانِ. وَكَذَا قَوْلُهَا: يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ.
أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي الْحَيْضِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَخْ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمَنْ وَافَقَهُ مُدْرَجٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ، وَالْحَمَّادَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مَوْضِعٌ آخَرُ مُدْرَجٌ وَهُوَ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَبَيَّنَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ فِيهِ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ عُرْوَةُ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَسَاقَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِتَمَامِهِ بِغَيْرِ حَوَالَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامٍ فَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ،
وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا فِي الْعِرَاقِ فَوَهِمَ فِيهِ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ قَارِنَةً حَيْثُ قَالَ: لَوْ كَانَتْ قَارِنَةً لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْهَدْيُ لِلْقِرَانِ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ لَهَا ارْفُضِي عُمْرَتَكِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ تَقْتَضِي مَا قَرَّرْنَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى عَنْهَا. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمَهَا بِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَشْكَلَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ عَلَى جَمَاعَةٍ، حَتَّى قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ قَارِنَةً وَلَا مُتَمَتِّعَةً وَإِنَّمَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخَهُ إِلَى عُمْرَةٍ فَمَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ حَيْضُهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الْحَجِّ فَأَكْمَلَتْهُ ثُمَّ أَحْرَمَتْ عُمْرَةً مُبْتَدَأَةً فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا هَدْيٌ، قَالَ: وَكَأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهَا: كُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا قَوْلَهُ ﷺ لَهَا: طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ هِشَامٍ كَأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ أَيْ لَمْ تَتَكَلَّفْ لَهُ بَلْ قَامَ بِهِ عَنْهَا. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ أَيْ فِي تَرْكِهَا لِعَمَلِ الْعُمْرَةِ الْأُولَى وَإِدْرَاجِهَا لَهَا فِي الْحَجِّ، وَلَا فِي عُمْرَتِهَا الَّتِي اعْتَمَرَتْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ أَيْضًا، وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨ - بَاب أَجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ
١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَعَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّعَبِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَ فِيهِ: يُحَدِّثَانِ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُسَمِّهَا، قَالَ فِيهِ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا، وَظَهَرَ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَنَّهَا عَائِشَةُ وَأَنَّهُمَا رَوَيَا ذَلِكَ عَنْهَا بِخِلَافِ سِيَاقِ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (يَصْدُرُ النَّاسُ) أَيْ يَرْجِعُونَ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا) (١) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بِحَبْلِ كَذَا وَضَبْطُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ بِالْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَضَبَطَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي وَإِسْكَانَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْمَكَانُ الْمُبْهَمُ هُنَا هُوَ الْأَبْطَحُ كَمَا تَبَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ إِمَّا لِلتَّنْوِيعِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَعْنَى أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ أَوِ النَّفَقَةِ، وَالْمُرَادُ النَّصَبُ الَّذِي لَا يَذُمُّهُ الشَّرْعُ وَكَذَا النَّفَقَةُ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ عَلَى قَدْرِ تَعَبِكِ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ: عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ. أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ: أنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ. بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ. وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّيَاقَ الَّذِي هُنَا لِلْقَاسِمِ، فَإِنَّهُمَا أَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا فِي عُمْرَتِهَا إِنَّمَا أَجْرُكِ فِي عُمْرَتِكِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ الْقَرِيبَةِ أَقَلَّ أَجْرًا مِنَ الِاعْتِمَارِ مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ الْبَعِيدَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِ ثِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ: أَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ لِلِاعْتِمَارِ الْجِعْرَانَةُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْهَا، ثُمَّ التَّنْعِيمُ لِأَنَّهُ أَذِنَ لِعَائِشَةَ مِنْهَا، قَالَ: وَإِذَا تَنَحَّى عَنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ فَأَيْنَ أَبْعَدَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ لِسَفَرِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَحَكَى الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَكِّيَّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: أَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ لِلِاعْتِمَارِ التَّنْعِيمُ، وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحِلِّ لِيُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ غَيْرَ عَائِشَةَ. وَأَمَّا اعْتِمَارُهُ ﷺ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَكَانَ حِينَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ مُجْتَازًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَيُّنُ التَّنْعِيمِ لِلْفَضْلِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ الْفَضْلَ فِي زِيَادَةِ التَّعَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّنْعِيمُ أَفْضَلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُسَاوِيهِ إِلَى الْحِلِّ لَا مِنْ جِهَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْفَضْلَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمُطَّرِدٍ، فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْعِبَادَةِ أَخَفَّ مِنْ بَعْضٍ وَهُوَ أَكْثَرُ فَضْلًا وَثَوَابًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ كَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالنِّسْبَةِ لِقِيَامِ لَيَالٍ مِنْ رَمَضَانَ غَيْرِهَا، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَكَانِ كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ رَكَعَاتٍ فِي غَيْرِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَرَفِ الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ كَصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا أَوْ أَطْوَلِ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَكَدِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ قَالَ: وَقَدْ كَانَتِ الصَّلَاةُ قُرَّةَ عَيْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَتْ صَلَاةُ غَيْرِهِ مَعَ مَشَقَّتِهَا مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ أَجْرِ العُمْرَةِ) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أجر العمرة (عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) بفتح النُّون والمهملة: التَّعب.
١٧٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العبسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) المذكور (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ) النَّخعيَّيَن (قَالَا) أي: القاسم والأسود: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ) أي: يرجعون (بِنُسُكَيْنِ) حجَّةٍ منفردةٍ عن عمرةٍ، وعمرةٍ منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَأَصْدُرُ) وأرجع أنا (بِنُسُكٍ) بحجَّةٍ غير منفردةٍ (١) لأنَّها أوَّلًا كانت قارنةً (٢) (فَقِيلَ لَهَا) أي: قال لها النَّبيُّ ﷺ: (انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَُرْتِ) من الحيض، بضمِّ الهاء وفتحها (فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ) أي: مع عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍالصِّدِّيق (فَأَهِلِّي) أي: بعمرةٍ منه (ثُمَّ ائْتِينَا (٣) بِمَكَانِ كَذَا) أي: بالأبطح، وهو المُحصَّب (وَلَكِنَّهَا) عمرتك (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ) تعبك لما في إنفاق المال في الطَّاعات من الفضل، وقمع النَّفس عن شهواتها من المشقَّة، وقد وعد الله الصَّابرين أن يوفِّيهم أجرهم بغير حسابٍ، لكن قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: إنَّ هذا ليس بمطَّردٍ، فقد يكون بعض العبادات أخفَّ من بعضٍ، وهي أكثر فضلًا بالنِّسبة إلى الزَّمان، كقيام ليلة القدر بالنِّسبة لقيام ليالٍ من رمضان غيرها،
وبالنِّسبة للمكان كصلاة ركعتين بالمسجد الحرام بالنِّسبة لصلاة ركعاتٍ في غيره، وأُجيب بأنَّ الذي ذكره لا يمنع الاطِّراد لأنَّ الكثرة الحاصلة فيما ذكره ليست من ذاتها، وإنَّما هي بحسب (١) ما يعرض لها من الأمور المذكورة. و «أو» في قوله: «أو نصبك» إمَّا للشَّكِّ، ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق أحمد بن منيعٍ عن إسماعيل ما يؤِّيد ذلك، ولفظه: «على قدر نصبك أو تعبك» وفي روايةٍ له: «على قدر (٢) نفقتك أو نصبك» -أو كما قال رسول الله ﷺ وإمَّا للتَّنويع في كلامه ﵊ ووقع عند الدَّارقطنيِّ والحاكم ما يؤيِّده، ولفظه: «إنَّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» بواو العطف، وقد استدلَّ بظاهر هذا الحديث على أنَّ الاعتمار لمن كان بمكَّة من جهة الحلِّ القريبة أقلُّ أجرًا من جهة الحلِّ البعيدة، وهذا ليس بشيءٍ لأنَّ الجعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكَّة واحدةٌ ستَّة فراسخ، والتَّنعيم مسافته إليها فرسخٌ واحدٌ، فهو أقرب إليها منهما، وقد قال الشَّافعيُّ: أفضل بقاع الحلِّ للاعتمار الجعرانة لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أحرم منها، ثمَّ من التَّنعيم لأنَّه أذن لعائشة، قال: وإذا تنحَّى عن هذين الموضعين؛ فأين أبعدَ حتَّى يكون أكثر لسفره كان أحبَّ إليَّ. انتهى.
(٩) (بابُ المُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ العُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ؟).
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ لَهَا هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ فَمَعْنَاهُ الْعُمْرَةُ الْمُنْفَرِدَةُ الَّتِي حَصَلَ لِغَيْرِهَا التَّحَلُّلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَنْشَئوا الْحَجَّ مُنفرَدًا، فَعَلَى هَذَا فَقَدْ حَصَلَ لِعَائِشَةَ عُمْرَتَانِ. وَكَذَا قَوْلُهَا: يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجٍّ.
أَيْ يَرْجِعُونَ بِحَجٍّ مُنْفَرِدٍ وَعُمْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَا صَوْمٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي الْحَيْضِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَخْ فَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَخْ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَمَنْ وَافَقَهُ مُدْرَجٌ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ، وَالْحَمَّادَيْنِ، عَنْ هِشَامٍ، وَوَقَعَ فِي الْحَدِيثِ مَوْضِعٌ آخَرُ مُدْرَجٌ وَهُوَ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا فَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ، وَبَيَّنَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ وَكِيعٍ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَقِبَ رِوَايَةِ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ فِيهِ فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ عُرْوَةُ فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَسَاقَهُ الْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِتَمَامِهِ بِغَيْرِ حَوَالَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامٍ فَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بِدُونِ الزِّيَادَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: قَوْلُهُ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ،
وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ حَدَّثَ بِهِ هَكَذَا فِي الْعِرَاقِ فَوَهِمَ فِيهِ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ قَارِنَةً حَيْثُ قَالَ: لَوْ كَانَتْ قَارِنَةً لَوَجَبَ عَلَيْهَا الْهَدْيُ لِلْقِرَانِ، وَحُمِلَ قَوْلُهُ لَهَا ارْفُضِي عُمْرَتَكِ عَلَى ظَاهِرِهِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ تَقْتَضِي مَا قَرَّرْنَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهْدَى عَنْهَا. فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَهْدَى عَنْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهَا بِذَلِكَ وَلَا أَعْلَمَهَا بِهِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَشْكَلَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ عَلَى جَمَاعَةٍ، حَتَّى قَالَ عِيَاضٌ: لَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ قَارِنَةً وَلَا مُتَمَتِّعَةً وَإِنَّمَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخَهُ إِلَى عُمْرَةٍ فَمَنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ حَيْضُهَا فَرَجَعَتْ إِلَى الْحَجِّ فَأَكْمَلَتْهُ ثُمَّ أَحْرَمَتْ عُمْرَةً مُبْتَدَأَةً فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا هَدْيٌ، قَالَ: وَكَأَنَّ عِيَاضًا لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَهَا: كُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا قَوْلَهُ ﷺ لَهَا: طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ. وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ هِشَامٍ كَأَنَّهُ نَفَى ذَلِكَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ أَيْ لَمْ تَتَكَلَّفْ لَهُ بَلْ قَامَ بِهِ عَنْهَا. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ أَيْ فِي تَرْكِهَا لِعَمَلِ الْعُمْرَةِ الْأُولَى وَإِدْرَاجِهَا لَهَا فِي الْحَجِّ، وَلَا فِي عُمْرَتِهَا الَّتِي اعْتَمَرَتْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ أَيْضًا، وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٨ - بَاب أَجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ
١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. وَعَنْ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ أَجْرِ الْعُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيِ التَّعَبِ.
قَوْلُهُ: (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ وَقَالَ فِيهِ: يُحَدِّثَانِ ذَلِكَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُسَمِّهَا، قَالَ فِيهِ: لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا، وَظَهَرَ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ أَنَّهَا عَائِشَةُ وَأَنَّهُمَا رَوَيَا ذَلِكَ عَنْهَا بِخِلَافِ سِيَاقِ يَزِيدَ.
قَوْلُهُ: (يَصْدُرُ النَّاسُ) أَيْ يَرْجِعُونَ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا) (١) فِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بِحَبْلِ كَذَا وَضَبْطُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ بِالْجِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَضَبَطَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ يَعْنِي وَإِسْكَانَ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْمَكَانُ الْمُبْهَمُ هُنَا هُوَ الْأَبْطَحُ كَمَا تَبَيَّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ إِمَّا لِلتَّنْوِيعِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِمَّا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْمَعْنَى أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ أَوِ النَّفَقَةِ، وَالْمُرَادُ النَّصَبُ الَّذِي لَا يَذُمُّهُ الشَّرْعُ وَكَذَا النَّفَقَةُ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. انْتَهَى. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ عَلَى قَدْرِ تَعَبِكِ. وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهُ مِنْ شَكِّ الرَّاوِي، وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ: عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ. أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ بِلَفْظِ: أنَّ لَكِ مِنَ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ. بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ. وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ لَا أَعْرِفُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا قَدْ أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّيَاقَ الَّذِي هُنَا لِلْقَاسِمِ، فَإِنَّهُمَا أَخْرَجَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا فِي عُمْرَتِهَا إِنَّمَا أَجْرُكِ فِي عُمْرَتِكِ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لِمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ الْقَرِيبَةِ أَقَلَّ أَجْرًا مِنَ الِاعْتِمَارِ مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ الْبَعِيدَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِ ثِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ: أَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ لِلِاعْتِمَارِ الْجِعْرَانَةُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَحْرَمَ مِنْهَا، ثُمَّ التَّنْعِيمُ لِأَنَّهُ أَذِنَ لِعَائِشَةَ مِنْهَا، قَالَ: وَإِذَا تَنَحَّى عَنْ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ فَأَيْنَ أَبْعَدَ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ لِسَفَرِهِ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَحَكَى الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَكِّيَّ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: أَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ لِلِاعْتِمَارِ التَّنْعِيمُ، وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحِلِّ لِيُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ غَيْرَ عَائِشَةَ. وَأَمَّا اعْتِمَارُهُ ﷺ مِنَ الْجِعْرَانَةِ، فَكَانَ حِينَ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ مُجْتَازًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَيُّنُ التَّنْعِيمِ لِلْفَضْلِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ الْفَضْلَ فِي زِيَادَةِ التَّعَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّنْعِيمُ أَفْضَلَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تُسَاوِيهِ إِلَى الْحِلِّ لَا مِنْ جِهَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْفَضْلَ فِي الْعِبَادَةِ يَكْثُرُ بِكَثْرَةِ النَّصَبِ وَالنَّفَقَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمُطَّرِدٍ، فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْعِبَادَةِ أَخَفَّ مِنْ بَعْضٍ وَهُوَ أَكْثَرُ فَضْلًا وَثَوَابًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ كَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالنِّسْبَةِ لِقِيَامِ لَيَالٍ مِنْ رَمَضَانَ غَيْرِهَا، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَكَانِ كَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ رَكَعَاتٍ فِي غَيْرِهِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى شَرَفِ الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ كَصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا أَوْ أَطْوَلِ مِنْ قِرَاءَتِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ، وَكَدِرْهَمٍ مِنَ الزَّكَاةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَرِ مِنْهُ مِنَ التَّطَوُّعِ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ قَالَ: وَقَدْ كَانَتِ الصَّلَاةُ قُرَّةَ عَيْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ شَاقَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَتْ صَلَاةُ غَيْرِهِ مَعَ مَشَقَّتِهَا مُسَاوِيَةً لِصَلَاتِهِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٨) (بابُ أَجْرِ العُمْرَةِ) بالإضافة، ولأبي ذرٍّ: «بابٌ» بالتَّنوين، أجر العمرة (عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ) بفتح النُّون والمهملة: التَّعب.
١٧٨٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) العبسيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان البصريُّ (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃ (وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ) المذكور (عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ) النَّخعيَّيَن (قَالَا) أي: القاسم والأسود: (قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللهِ يَصْدُرُ النَّاسُ) أي: يرجعون (بِنُسُكَيْنِ) حجَّةٍ منفردةٍ عن عمرةٍ، وعمرةٍ منفردةٍ عن حجَّةٍ (وَأَصْدُرُ) وأرجع أنا (بِنُسُكٍ) بحجَّةٍ غير منفردةٍ (١) لأنَّها أوَّلًا كانت قارنةً (٢) (فَقِيلَ لَهَا) أي: قال لها النَّبيُّ ﷺ: (انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَُرْتِ) من الحيض، بضمِّ الهاء وفتحها (فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ) أي: مع عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍالصِّدِّيق (فَأَهِلِّي) أي: بعمرةٍ منه (ثُمَّ ائْتِينَا (٣) بِمَكَانِ كَذَا) أي: بالأبطح، وهو المُحصَّب (وَلَكِنَّهَا) عمرتك (عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ، أَوْ نَصَبِكِ) تعبك لما في إنفاق المال في الطَّاعات من الفضل، وقمع النَّفس عن شهواتها من المشقَّة، وقد وعد الله الصَّابرين أن يوفِّيهم أجرهم بغير حسابٍ، لكن قال الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السَّلام: إنَّ هذا ليس بمطَّردٍ، فقد يكون بعض العبادات أخفَّ من بعضٍ، وهي أكثر فضلًا بالنِّسبة إلى الزَّمان، كقيام ليلة القدر بالنِّسبة لقيام ليالٍ من رمضان غيرها،
وبالنِّسبة للمكان كصلاة ركعتين بالمسجد الحرام بالنِّسبة لصلاة ركعاتٍ في غيره، وأُجيب بأنَّ الذي ذكره لا يمنع الاطِّراد لأنَّ الكثرة الحاصلة فيما ذكره ليست من ذاتها، وإنَّما هي بحسب (١) ما يعرض لها من الأمور المذكورة. و «أو» في قوله: «أو نصبك» إمَّا للشَّكِّ، ووقع في رواية الإسماعيليِّ من طريق أحمد بن منيعٍ عن إسماعيل ما يؤِّيد ذلك، ولفظه: «على قدر نصبك أو تعبك» وفي روايةٍ له: «على قدر (٢) نفقتك أو نصبك» -أو كما قال رسول الله ﷺ وإمَّا للتَّنويع في كلامه ﵊ ووقع عند الدَّارقطنيِّ والحاكم ما يؤيِّده، ولفظه: «إنَّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» بواو العطف، وقد استدلَّ بظاهر هذا الحديث على أنَّ الاعتمار لمن كان بمكَّة من جهة الحلِّ القريبة أقلُّ أجرًا من جهة الحلِّ البعيدة، وهذا ليس بشيءٍ لأنَّ الجعرانة والحديبية مسافتهما إلى مكَّة واحدةٌ ستَّة فراسخ، والتَّنعيم مسافته إليها فرسخٌ واحدٌ، فهو أقرب إليها منهما، وقد قال الشَّافعيُّ: أفضل بقاع الحلِّ للاعتمار الجعرانة لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أحرم منها، ثمَّ من التَّنعيم لأنَّه أذن لعائشة، قال: وإذا تنحَّى عن هذين الموضعين؛ فأين أبعدَ حتَّى يكون أكثر لسفره كان أحبَّ إليَّ. انتهى.
(٩) (بابُ المُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ العُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ؟).