الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٧٧٤
الحديث رقم ١٧٧٤ من كتاب «أبواب العمرة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من اعتمر قبل الحج.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
١٧٧٤ (م) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ : سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄: مِثْلَهُ
بَابٌ: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ
١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ :
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَقَرِينَتُهَا لِلْفَرِيضَةِ، وَكَانَ أَصْلُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ لَقَرِينَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَجُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُمَيٍّ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَفَرَّدَ سُمَيٌّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالسُّفْيَانَانِ وَغَيْرُهُمَا، حَتَّى إِنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فَكَأَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِيهِ، وَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ تَفَرُّدُ سُمَيٍّ بِهِ، فَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ عَصْرِنَا إِلَى تَعْمِيمِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَوَائِلَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْعُمْرَةِ كَفَّارَةً مَعَ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يُكَفِّرُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الْعُمْرَةُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَكْفِيرَ الْعُمْرَةِ مُقَيَّدٌ بِزَمَنِهَا، وَتَكْفِيرَ الِاجْتِنَابِ عَامٌّ لِجَمِيعِ عُمْرِ الْعَبْدِ، فَتَغَايَرَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِأَحَدِ شِقَّيِ التَّرْجَمَةِ وَهُوَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ فَمُشْكِلٌ، بِخِلَافِ الشِّقِّ الْآخَرِ وَهُوَ فَضْلُهَا فَإِنَّهُ وَاضِحٌ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَنْفِي الذُّنُوبَ وَالْفَقْرَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا لَقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا اتَّصَفَ الْحَجُّ بِكَوْنِهِ مَبْرُورًا فَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، فَفِي هَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْبِرِّ فِي الْحَجِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ الْمُرَادُ بِالتَّكْفِيرِ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ دِلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يُعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ كَالْمَالِكِيَّةِ، وَلِمَنْ قَالَ: مَرَّةً فِي الشَّهْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهَا إِلَّا مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ، وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي أَفْعَالِهِ، فَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يَسْتَحِبُّ فِعْلَهُ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَقَدْ نَدَبَ إِلَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ، فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا اعْتَمَرَ فَلَابُدَّ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، فَلَا يَعْتَمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ لِيُمْكِنَ حَلْقُ الرَّأْسِ فِيهَا، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاعْتِمَارِ عِنْدَهُ فِي دُونِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الْعُمْرَةُ مَعَ الْعُمْرَةِ مُكَفِّرَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الِاعْتِمَارِ قَبْلَ الْحَجِّ وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
٢ - بَاب مَنْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ
١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَالحَجُّ المَبْرُورُ) الذي لا يخالطه إثمٌ، أو المُتقبَّل، أو (١) الذي لا رياءَ فيه ولا سمعةَ ولا رفثَ ولا فسوقَ (لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ) فلا يقتصر لصاحبه من (٢) الجزاء على تكفير بعض ذنوبه (٣)، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّهما ينفيان الفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذَّهب والفضَّة، وليس للحجَّة المبرورة ثوابٌ إلَّا الجنَّة».
وهذا الحديث رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ.
(٢) (بابُ مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ) هل يجزيه ذلك أم لا؟
١٧٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن ثابت بن عثمان المعروف بابن شبُّويه، قاله
الدَّارقطنيُّ، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو أحمد بن محمَّد بن موسى المروزيُّ، يُعرَف بمردويه، ورجَّح المزِّيُّ وغيرُه هذا الثَّاني، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك المكِّيُّ (أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ) هو ابن العاص (١) بن هشامٍ المخزوميَّ: (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ؟ فَقَالَ) ابن عمر: (لَا بَأْسَ) زاد أحمد وابن خزيمة فقالا: لا بأس على أحدٍ أن يعتمر قبل الحجِّ.
(قَالَ عِكْرِمَةُ) بن خالدٍ بالإسناد السَّابق: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ) ولمَّا كان قوله في الحديث السَّابق: «أخبرنا ابن جريجٍ: أنَّ عكرمة بن خالدٍ سأل ابن عمر» يقتضي أنَّ الإسناد مُرسَلٌ لأنَّ ابن جريجٍ لم يدرك زمان سؤال عكرمة لابن عمر استظهر المؤلِّف بالتَّعليق الذي سيذكره عن ابن إسحاق المصرِّح بالاتِّصال فقال:
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ، ممَّا وصله أحمد: (عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ) محمَّدٍ صاحب المغازي، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) المذكور قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَهُ) ولفظ أحمد: قدمتُ المدينة في نفرٍ من أهل مكَّة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنَّا لم نحجَّ قطُّ، أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله ﷺ عُمَرَهُ كلَّها من المدينة (٢) قبل حجِّه، قال: «فاعتمرنا».
وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم ابن بحرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) هو المخزوميُّ السَّابق: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ مِثْلَهُ) وقول ابن بطَّالٍ: جواب ابن عمر بجواز الاعتمار قبل الحجِّ يدلُّ على أنَّ مذهبه أنَّ فرض الحجِّ كان قد نزل على النَّبيِّ ﷺ قبل اعتماره، وذلك يدلُّ على أنَّ الحجَّ
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
مَنْصُورٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعْتُ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لَقَرِينَتُهَا لِلْفَرِيضَةِ، وَكَانَ أَصْلُ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ لَقَرِينَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَجُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُمَيٍّ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تَفَرَّدَ سُمَيٌّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فِيهِ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَالِكٌ، وَالسُّفْيَانَانِ وَغَيْرُهُمَا، حَتَّى إِنَّ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ حَدَّثَ بِهِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فَكَأَنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِيهِ، وَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ تَفَرُّدُ سُمَيٍّ بِهِ، فَهُوَ مِنْ غَرَائِبِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) أَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَكْفِيرُ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ عَصْرِنَا إِلَى تَعْمِيمِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَوَائِلَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ كَوْنَ الْعُمْرَةِ كَفَّارَةً مَعَ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ يُكَفِّرُ فَمَاذَا تُكَفِّرُ الْعُمْرَةُ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ تَكْفِيرَ الْعُمْرَةِ مُقَيَّدٌ بِزَمَنِهَا، وَتَكْفِيرَ الِاجْتِنَابِ عَامٌّ لِجَمِيعِ عُمْرِ الْعَبْدِ، فَتَغَايَرَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. وَأَمَّا مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِأَحَدِ شِقَّيِ التَّرْجَمَةِ وَهُوَ وُجُوبُ الْعُمْرَةِ فَمُشْكِلٌ، بِخِلَافِ الشِّقِّ الْآخَرِ وَهُوَ فَضْلُهَا فَإِنَّهُ وَاضِحٌ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَنْفِي الذُّنُوبَ وَالْفَقْرَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَصْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيُوَافِقُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا لَقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَمَّا إِذَا اتَّصَفَ الْحَجُّ بِكَوْنِهِ مَبْرُورًا فَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ. وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بِرُّ الْحَجِّ؟ قَالَ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، فَفِي هَذَا تَفْسِيرُ الْمُرَادِ بِالْبِرِّ فِي الْحَجِّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ الْمُرَادُ بِالتَّكْفِيرِ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ دِلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: يُكْرَهُ أَنْ يُعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ كَالْمَالِكِيَّةِ، وَلِمَنْ قَالَ: مَرَّةً فِي الشَّهْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَفْعَلْهَا إِلَّا مِنْ سَنَةٍ إِلَى سَنَةٍ، وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ أَوِ النَّدْبِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْدُوبَ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي أَفْعَالِهِ، فَقَدْ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يَسْتَحِبُّ فِعْلَهُ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَقَدْ نَدَبَ إِلَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ، فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا اعْتَمَرَ فَلَابُدَّ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، فَلَا يَعْتَمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ لِيُمْكِنَ حَلْقُ الرَّأْسِ فِيهَا، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِاعْتِمَارِ عِنْدَهُ فِي دُونِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَوْلُهُ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ الْعُمْرَةُ مَعَ الْعُمْرَةِ مُكَفِّرَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ الِاعْتِمَارِ قَبْلَ الْحَجِّ وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
٢ - بَاب مَنْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ
١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَالحَجُّ المَبْرُورُ) الذي لا يخالطه إثمٌ، أو المُتقبَّل، أو (١) الذي لا رياءَ فيه ولا سمعةَ ولا رفثَ ولا فسوقَ (لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ) فلا يقتصر لصاحبه من (٢) الجزاء على تكفير بعض ذنوبه (٣)، وفي «التِّرمذيِّ» من حديث عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّهما ينفيان الفقر كما ينفي الكير خبث الحديد والذَّهب والفضَّة، وليس للحجَّة المبرورة ثوابٌ إلَّا الجنَّة».
وهذا الحديث رواه مسلمٌ والتِّرمذيُّ.
(٢) (بابُ مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ) هل يجزيه ذلك أم لا؟
١٧٧٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن ثابت بن عثمان المعروف بابن شبُّويه، قاله
الدَّارقطنيُّ، وقال الحاكم أبو عبد الله: هو أحمد بن محمَّد بن موسى المروزيُّ، يُعرَف بمردويه، ورجَّح المزِّيُّ وغيرُه هذا الثَّاني، قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك المكِّيُّ (أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ) هو ابن العاص (١) بن هشامٍ المخزوميَّ: (سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (﵄ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ؟ فَقَالَ) ابن عمر: (لَا بَأْسَ) زاد أحمد وابن خزيمة فقالا: لا بأس على أحدٍ أن يعتمر قبل الحجِّ.
(قَالَ عِكْرِمَةُ) بن خالدٍ بالإسناد السَّابق: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ) ولمَّا كان قوله في الحديث السَّابق: «أخبرنا ابن جريجٍ: أنَّ عكرمة بن خالدٍ سأل ابن عمر» يقتضي أنَّ الإسناد مُرسَلٌ لأنَّ ابن جريجٍ لم يدرك زمان سؤال عكرمة لابن عمر استظهر المؤلِّف بالتَّعليق الذي سيذكره عن ابن إسحاق المصرِّح بالاتِّصال فقال:
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريُّ المدنيُّ، نزيل بغداد، تُكلِّم فيه بلا قادحٍ، ممَّا وصله أحمد: (عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ) محمَّدٍ صاحب المغازي، قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) المذكور قال: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَهُ) ولفظ أحمد: قدمتُ المدينة في نفرٍ من أهل مكَّة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنَّا لم نحجَّ قطُّ، أفنعتمر من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله ﷺ عُمَرَهُ كلَّها من المدينة (٢) قبل حجِّه، قال: «فاعتمرنا».
وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي الوقت: «حدَّثني» (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بفتح العين وسكون الميم ابن بحرٍ الباهليُّ الصَّيرفيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل قال: (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ) هو المخزوميُّ السَّابق: (سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ مِثْلَهُ) وقول ابن بطَّالٍ: جواب ابن عمر بجواز الاعتمار قبل الحجِّ يدلُّ على أنَّ مذهبه أنَّ فرض الحجِّ كان قد نزل على النَّبيِّ ﷺ قبل اعتماره، وذلك يدلُّ على أنَّ الحجَّ