«خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْغُرَابُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٢٨

الحديث رقم ١٨٢٨ من كتاب «باب جزاء الصيد ونحوه» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يقتل المحرم من الدواب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٨٢٨ في صحيح البخاري

«خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».

إسناد حديث البخاري رقم ١٨٢٨

١٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَتْ حَفْصَةُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٨٢٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالصَّاد المهملة والغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «أصبغ بن الفرج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطَّاب، زوج النَّبيِّ ، سمَّى سالمٌ ما أبهمه زيدٌ، وقد خالف زيدٌ نافعًا وعبد الله بن دينارٍ في إدخال الواسطة هنا بين ابن عمر وبين (١) النَّبيِّ ، ووافق سالمًا كما ترى، وقد وقع في بعض طرق نافعٍ عن ابن عمر: سمعت النَّبيَّ ، وهو يرفع ما يوهمه إدخال الواسطة هنا من أنَّ ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النَّبيِّ : (قَالَ رَسُولُ اللهِ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ) لا إثم (عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ) مطلقًا في حلٍّ ولا حرمٍ: (الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزًا، ولأبي ذرٍّ: «والحدأ» (٢) (وَالفَأْرَةُ وَالعَقْرَبُ وَالكَلْبُ العَقُورُ).

١٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ أبو سعيدٍ نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ) المرء (فِي الحَرَمِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يُقتَلْن» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وسكون رابعه من غير هاءٍ، وقوله: «فاسقٌ»: صفةٌ

لـ «كلُّ» مُذكَّر، و «يُقتَلن» (١): فيه ضميرٌ راجعٌ إلى معنى «كلُّ»، وهو جمعٌ، وهو تأكيد «خمس» (٢)، قاله في التَّنقيح كما في غير نسخةٍ منه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الصَّواب أن يُقال: «خمسٌ» مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به مع كونه نكرةً وصفُه، و «من الدَّوابَّ»: في محلِّ رفعٍ أيضًا على أنَّه صفةٌ أخرى لـ «خمس»، وقوله: «يُقتلَن» جملةٌ فعليَّةٌ في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرُ المبتدأ الذي هو «خمسٌ»، وأمَّا جعل «كلُّهنَّ» تأكيدًا لـ «خمسٌ» فممَّا يأباه البصريُّون، وجعل «فاسقٌ» صفةً لـ «كلُّ» خطأٌ ظاهرٌ، والضَّمير في «يُقتلَن» عائدٌ على «خمسٌ» لا على «كلُّ» إذ هو خبره، ولو جُعِل خبر «كلُّ» امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنَّه لا يعود عليها الضَّمير من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها، على ما صرَّح به ابن هشامٍ في «المغني». انتهى. وعبَّر بقوله: «فاسقٌ» بالإفراد، ورواية مسلمٍ: فواسق بالجمع؛ وذلك أنَّ «كلُّ» اسمٌ موضوعٌ لاستغراق أفراد المُنكَّر نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمُعرَّف المجموع نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٣)[مريم: ٩٥] وأجزاء المفرد المُعرَّف نحو: كلُّ زيدٍ حسنٌ، فإذا قلت: أكلت كلَّ رغيفٍ لزيدٍ كانت لعموم الأفراد، فإن أضفت الرَّغيف إلى زيدٍ صارت لعموم أجزاء فردٍ واحدٍ، ولفظ «كلُّ» مفرد مُذكَّرٌ، ومعناه بحسب ما يُضاف إليه، فإن أُضيف إلى معرفةٍ؛ فقال ابن هشامٍ في «المغني»: فقالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلُّهم قائمٌ أو قائمون، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فراعى اللَّفظ أوَّلًا والمعنى آخرًا، والصَّواب: أنَّ الضَّمير لا يعود إليها من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ … ﴾ الآيةَ (٤)، ومن ذلك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٥) [الإسراء: ٣٦] وفي الآية حذفُ مضافٍ وإضمارٌ لما دلَّ عليه المعنى لا اللَّفظ، أي: إنَّ كلَّ أفعال هذه الجوارح كان المُكلَّف

مسؤولًا عنه. انتهى. وقد وقع في «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام بالسُّنَّة» في «باب الاقتداء بسنن رسول الله » [خ¦٧٢٨٠] «كلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّة إلَّا من أبى» قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى» فقد (١) أعاد الضَّمير من خبر «كلُّ» المضافة إلى معرفةٍ غير مفردٍ، وهذا الحديث فيه الأمران ولا يتأتَّى فيه ما ذكره من الجواب عن الآية، وذلك لأنَّه قال: «كلُّهنَّ فاسقٌ» بالإفراد، ثمَّ قال: «يُقتَلن»، وأمَّا تسمية هؤلاء المذكورات: فواسق؛ فقال النَّوويُّ: هي تسميةٌ صحيحةٌ جاريةٌ على وفاق (٢) اللُّغة، فإنَّ أصل الفسق: الخروجُ، فهو خروجٌ مخصوصٌ، والمعنى في وصف هذه بالفسق: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، وقِيل: لأنَّها عمدت إلى حبال سفينة نوحٍ فقطعتها، وقيل: غير ذلك.

(الغُرَابُ) وهو ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس (٣) أطعمة النَّاس، كما في «الكِرمانيِّ» (٤)، زاد في رواية سعيد بن المُسيَّب عن عائشة: «الأبقع» وهو الذي في ظهره وبطنه بياضٌ، وقِيل: سُمِّي غرابًا لأنَّه نأى واغترب لمَّا أنفذه (٥) نوحٌ يستخبر (٦) أمر الطُّوفان.

(وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزٌ، وفي الفرع: بسكون الدَّال؛ وهي أخسُّ الطَّير وتخطف أطعمة النَّاس.

(وَالعَقْرَبُ) واحدة العقارب، وهي مُؤنَّثةٌ، والأنثى: عقربةٌ وعقرباء ممدودٌ (٧) غير مصروفٍ، ولها ثماني أرجلٍ، وعيناها في ظهرها، تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربَّما لسعت الأفعى فتموت، ومن عجيب أمرها: أنَّها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعتها، وأنَّها لا تضرب

الميت ولا النَّائم حتَّى يتحرَّك شيءٌ من بدنه فتضربه عند ذلك، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها (١)، وفي «ابن ماجه» عن عائشة قالت: لدغت (٢) النَّبيَّ عقربٌ وهو في الصَّلاة، فلمَّا فرغ قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصلِّيًا ولا غيره، اقتلوها في الحلِّ والحرم».

(وَالفَأْرَةُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، والمراد: فأرة البيت؛ وهي الفويسقة، وروى الطَّحاويُّ في «أحكام القرآن»: عن يزيد بن أبي نُعيمٍ: أنَّه سأل أبا سعيدٍ الخدريَّ: لِمَ سُمِّيت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ النَّبيُّ ذات ليلةٍ وقد أخذت فأرةٌ فتيلةً لتحرق على رسول الله البيت، فقام إليها وقتلها (٣)، وأحلَّ قتلها للحلال والمحرم. وفي «سنن أبي داود» عن ابن عبَّاسٍ قال: جاءت فأرةٌ فأخذت تجرُّ الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها موضع درهمٍ، زاد الحاكم: فقال : «فأطفئوا سرجكم؛ فإنَّ الشَّيطان يدلُّ مثل هذه على هذا فتحرقكم» ثمَّ قال: صحيح الإسناد. وليس في الحيوان أفسد من الفأر، لا يبقي على (٤) خطيرٍ (٥) ولا جليلٍ إلَّا أهلكه وأتلفه.

(وَالكَلْبُ العَقُورُ) الجارح، وهو معروفٌ، واختُلِف في غير العقور ممَّا لم يُؤمَر باقتنائه، فصرَّح بتحريم قتله القاضيان حسينٌ والماورديُّ وغيرهما، وفي «الأمِّ» للشَّافعيِّ: الجواز، واختلف كلام النَّوويِّ: فقال في «البيع» من «شرح المُهذَّب»: لا خلاف بين أصحابنا في أنَّه محترمٌ لا يجوز قتله، وقال في «التَّيمُّم» و «الغصب»: إنَّه غير محترمٍ، وقال في «الحجِّ»: يُكرَه قتله كراهة تنزيهٍ، وعلى كراهة قتله اقتصر الرَّافعيُّ، وتبعه في «الرَّوضة»، وزاد: أنَّها كراهة تنزيهٍ، وقال السَّرَقُسْطِيُّ في «غريبه»: الكلب العقور يُقال: لكلِّ عاقرٍ حتَّى اللِّصِّ المقاتل، وقِيل: هو الذِّئب، وعن أبي هريرة: أنَّه الأسد، قاله (٦) السَّرَقُسْطِيُّ، والتَّقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بالحكم لكنَّه مفهوم عددٍ، وليس بحجَّةٍ عند الأكثر، وعلى تقدير

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٨٢٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ) بالصَّاد المهملة والغين المعجمة، ولأبي ذرٍّ: «أصبغ بن الفرج» (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأيليِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ : قَالَتْ حَفْصَةُ) بنت عمر بن الخطَّاب، زوج النَّبيِّ ، سمَّى سالمٌ ما أبهمه زيدٌ، وقد خالف زيدٌ نافعًا وعبد الله بن دينارٍ في إدخال الواسطة هنا بين ابن عمر وبين (١) النَّبيِّ ، ووافق سالمًا كما ترى، وقد وقع في بعض طرق نافعٍ عن ابن عمر: سمعت النَّبيَّ ، وهو يرفع ما يوهمه إدخال الواسطة هنا من أنَّ ابن عمر لم يسمع هذا الحديث من النَّبيِّ : (قَالَ رَسُولُ اللهِ : خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ) لا إثم (عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ) مطلقًا في حلٍّ ولا حرمٍ: (الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزًا، ولأبي ذرٍّ: «والحدأ» (٢) (وَالفَأْرَةُ وَالعَقْرَبُ وَالكَلْبُ العَقُورُ).

١٨٢٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: «حدَّثني» بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) الجعفيُّ الكوفيُّ أبو سعيدٍ نزيل مصر (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ) المرء (فِي الحَرَمِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «يُقتَلْن» بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه وسكون رابعه من غير هاءٍ، وقوله: «فاسقٌ»: صفةٌ

لـ «كلُّ» مُذكَّر، و «يُقتَلن» (١): فيه ضميرٌ راجعٌ إلى معنى «كلُّ»، وهو جمعٌ، وهو تأكيد «خمس» (٢)، قاله في التَّنقيح كما في غير نسخةٍ منه، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الصَّواب أن يُقال: «خمسٌ» مبتدأٌ، وسَوَّغَ الابتداءَ به مع كونه نكرةً وصفُه، و «من الدَّوابَّ»: في محلِّ رفعٍ أيضًا على أنَّه صفةٌ أخرى لـ «خمس»، وقوله: «يُقتلَن» جملةٌ فعليَّةٌ في محلِّ رفعٍ على أنَّها خبرُ المبتدأ الذي هو «خمسٌ»، وأمَّا جعل «كلُّهنَّ» تأكيدًا لـ «خمسٌ» فممَّا يأباه البصريُّون، وجعل «فاسقٌ» صفةً لـ «كلُّ» خطأٌ ظاهرٌ، والضَّمير في «يُقتلَن» عائدٌ على «خمسٌ» لا على «كلُّ» إذ هو خبره، ولو جُعِل خبر «كلُّ» امتنع الإتيان بضمير الجمع لأنَّه لا يعود عليها الضَّمير من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها، على ما صرَّح به ابن هشامٍ في «المغني». انتهى. وعبَّر بقوله: «فاسقٌ» بالإفراد، ورواية مسلمٍ: فواسق بالجمع؛ وذلك أنَّ «كلُّ» اسمٌ موضوعٌ لاستغراق أفراد المُنكَّر نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمُعرَّف المجموع نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٣)[مريم: ٩٥] وأجزاء المفرد المُعرَّف نحو: كلُّ زيدٍ حسنٌ، فإذا قلت: أكلت كلَّ رغيفٍ لزيدٍ كانت لعموم الأفراد، فإن أضفت الرَّغيف إلى زيدٍ صارت لعموم أجزاء فردٍ واحدٍ، ولفظ «كلُّ» مفرد مُذكَّرٌ، ومعناه بحسب ما يُضاف إليه، فإن أُضيف إلى معرفةٍ؛ فقال ابن هشامٍ في «المغني»: فقالوا: يجوز مراعاة لفظها ومراعاة معناها نحو: كلُّهم قائمٌ أو قائمون، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فراعى اللَّفظ أوَّلًا والمعنى آخرًا، والصَّواب: أنَّ الضَّمير لا يعود إليها من خبرها إلَّا مفردًا مُذكَّرًا على لفظها نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ … ﴾ الآيةَ (٤)، ومن ذلك: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٥) [الإسراء: ٣٦] وفي الآية حذفُ مضافٍ وإضمارٌ لما دلَّ عليه المعنى لا اللَّفظ، أي: إنَّ كلَّ أفعال هذه الجوارح كان المُكلَّف

مسؤولًا عنه. انتهى. وقد وقع في «البخاريِّ» في «كتاب الاعتصام بالسُّنَّة» في «باب الاقتداء بسنن رسول الله » [خ¦٧٢٨٠] «كلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّة إلَّا من أبى» قالوا: ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنَّة، ومن عصاني فقد أبى» فقد (١) أعاد الضَّمير من خبر «كلُّ» المضافة إلى معرفةٍ غير مفردٍ، وهذا الحديث فيه الأمران ولا يتأتَّى فيه ما ذكره من الجواب عن الآية، وذلك لأنَّه قال: «كلُّهنَّ فاسقٌ» بالإفراد، ثمَّ قال: «يُقتَلن»، وأمَّا تسمية هؤلاء المذكورات: فواسق؛ فقال النَّوويُّ: هي تسميةٌ صحيحةٌ جاريةٌ على وفاق (٢) اللُّغة، فإنَّ أصل الفسق: الخروجُ، فهو خروجٌ مخصوصٌ، والمعنى في وصف هذه بالفسق: لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، وقِيل: لأنَّها عمدت إلى حبال سفينة نوحٍ فقطعتها، وقيل: غير ذلك.

(الغُرَابُ) وهو ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس (٣) أطعمة النَّاس، كما في «الكِرمانيِّ» (٤)، زاد في رواية سعيد بن المُسيَّب عن عائشة: «الأبقع» وهو الذي في ظهره وبطنه بياضٌ، وقِيل: سُمِّي غرابًا لأنَّه نأى واغترب لمَّا أنفذه (٥) نوحٌ يستخبر (٦) أمر الطُّوفان.

(وَالحِدَأَةُ) بكسر الحاء وفتح الدَّال المهملتين مهموزٌ، وفي الفرع: بسكون الدَّال؛ وهي أخسُّ الطَّير وتخطف أطعمة النَّاس.

(وَالعَقْرَبُ) واحدة العقارب، وهي مُؤنَّثةٌ، والأنثى: عقربةٌ وعقرباء ممدودٌ (٧) غير مصروفٍ، ولها ثماني أرجلٍ، وعيناها في ظهرها، تلدغ وتؤلم إيلامًا شديدًا، وربَّما لسعت الأفعى فتموت، ومن عجيب أمرها: أنَّها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعتها، وأنَّها لا تضرب

الميت ولا النَّائم حتَّى يتحرَّك شيءٌ من بدنه فتضربه عند ذلك، وتأوي إلى الخنافس وتسالمها (١)، وفي «ابن ماجه» عن عائشة قالت: لدغت (٢) النَّبيَّ عقربٌ وهو في الصَّلاة، فلمَّا فرغ قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصلِّيًا ولا غيره، اقتلوها في الحلِّ والحرم».

(وَالفَأْرَةُ) بهمزةٍ ساكنةٍ، والمراد: فأرة البيت؛ وهي الفويسقة، وروى الطَّحاويُّ في «أحكام القرآن»: عن يزيد بن أبي نُعيمٍ: أنَّه سأل أبا سعيدٍ الخدريَّ: لِمَ سُمِّيت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ النَّبيُّ ذات ليلةٍ وقد أخذت فأرةٌ فتيلةً لتحرق على رسول الله البيت، فقام إليها وقتلها (٣)، وأحلَّ قتلها للحلال والمحرم. وفي «سنن أبي داود» عن ابن عبَّاسٍ قال: جاءت فأرةٌ فأخذت تجرُّ الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها موضع درهمٍ، زاد الحاكم: فقال : «فأطفئوا سرجكم؛ فإنَّ الشَّيطان يدلُّ مثل هذه على هذا فتحرقكم» ثمَّ قال: صحيح الإسناد. وليس في الحيوان أفسد من الفأر، لا يبقي على (٤) خطيرٍ (٥) ولا جليلٍ إلَّا أهلكه وأتلفه.

(وَالكَلْبُ العَقُورُ) الجارح، وهو معروفٌ، واختُلِف في غير العقور ممَّا لم يُؤمَر باقتنائه، فصرَّح بتحريم قتله القاضيان حسينٌ والماورديُّ وغيرهما، وفي «الأمِّ» للشَّافعيِّ: الجواز، واختلف كلام النَّوويِّ: فقال في «البيع» من «شرح المُهذَّب»: لا خلاف بين أصحابنا في أنَّه محترمٌ لا يجوز قتله، وقال في «التَّيمُّم» و «الغصب»: إنَّه غير محترمٍ، وقال في «الحجِّ»: يُكرَه قتله كراهة تنزيهٍ، وعلى كراهة قتله اقتصر الرَّافعيُّ، وتبعه في «الرَّوضة»، وزاد: أنَّها كراهة تنزيهٍ، وقال السَّرَقُسْطِيُّ في «غريبه»: الكلب العقور يُقال: لكلِّ عاقرٍ حتَّى اللِّصِّ المقاتل، وقِيل: هو الذِّئب، وعن أبي هريرة: أنَّه الأسد، قاله (٦) السَّرَقُسْطِيُّ، والتَّقييد بالخمس وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بالحكم لكنَّه مفهوم عددٍ، وليس بحجَّةٍ عند الأكثر، وعلى تقدير

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل